18539
الفقه الاسلامي - العبادات التعاملية - القضاء - الدرس 1-9: مقدمة عن القضاء.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-07-25
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

القضاء :

 أيها الأخوة المؤمنون، موضوع من أبرز موضوعات الفقه الإسلامي، هو موضوع القضاء، منذ أن شرفني الله عز وجل بالتدريس و الخطابة في هذا المسجد ما خطر في بالي أبداً أن أعالج هذا الموضوع، لظني أنه موضوع اختصاصي، من شأن القضاة وحدهم، ولكن مع مرور الزمن تبين أن هناك أشخاصاً كثيرين يقومون بشكل أو بآخر بدور القضاة.
 فالبنت التي تأتي أباها وقد غضبت من زوجها، أليس الأب قاضياً؟ يستمع منها ما شاء له أن يستمع، ولا يخطر في باله أبداً أن يسأل صهره الكريم ما القصة؟ وما الحدث؟ فالأب الذي يحكم على صهره دون أن يستمع منه، ويكتفي بكلام ابنته، فهو قاض ظالم، والأم كذلك، ورئيس الدائرة الذي يختلف أمامه موظفان، فيرجح جانباً على جانب، من دون أن يأخذ بأسباب القضاء.
 تكشف لي من خلال مضي الأيام أن القضاة الذين يقضون بين الناس أكبر بكثير، وعددهم أكثر بكثير من القضاة الذين نصبوا في قصر العدل، ألا يختلف التجار فيما بينهم؟ أكثر التجار يحكمون بعضهم في بت قضاياهم المعلقة، إذاً التاجر قد يكون قاضياً، و رئيس الدائرة قد يكون قاضياً، والأب قد يكون قاضياً، والأم قد تكون قاضية.
 ولا أعتقد أن هناك شعوراً يمس النفس البشرية أشد إيلاماً من الشعور بالظلم، أحياناً إذا ظلمت طفلاً صغيراً لا تزيد سنه عن خمس سنوات يكاد يخرج من جلده، تقول: طفل، إذا شكا رفيقه ضربت الاثنين معاً وقلت لهم: اذهبوا، فالمظلوم من الأطفال يكاد يتمزق، أي ما من شعور يسحق النفس كأن تشعر أنها مظلومة، لذلك ورد في الأثر أن عدل ساعة خير من أن تعبد الله ستين عاماً.
 والقصة التي تروى أن حجراً ضج بالشكوى إلى الله عز وجل قال: يا ربي عبدتك خمسين عاماً وأنا في دورة الخلاء؟ فقال الله عز وجل: تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم، أي أن يكون الحجر في دورة المياه هذا أشرف له ألف مرة من أن يكون في مجلس قاصٍ ظالم.

القضاء أن تقضي بين الناس بالحق :

 كما قلت قبل قليل: ما خطر في بالي في العشرين سنة الماضية أن أعالج موضوع القضاء، إلا أنني تأكدت أنه ما من واحد، إن كان أباً، أو أماً، أو كان موظفاً، أو طبيباً، أو مهندساً، أو معلماً، أو مديراً، أو رئيس دائرة، ما من إنسان إلا وهو يقوم بدور القاضي شاء أم أبى، يا ترى هناك بديهيات في القضاء، هناك مبادئ أساسية، نحن هنا في هذا الدرس لا يعقل أن ندخل في تفاصيل القضاء، ولكن هناك مبادئ أساسية مثلاً، أحد أكبر هذه المبادئ أن تستمع إلى الطرف الآخر، هناك أناس كثيرون يحكمون على أشخاص من زاوية واحدة، يغذى من جهة واحدة، فإذا أراد أن يحكم حكماً وكانت معلوماته من طرف واحد ثم استمع إلى الطرف الآخر يصعق، فهذه بديهية من بديهيات القضاء، أنا لا أتحدث عن القضاء الرسمي، أن تكون مستشاراً في محكمة استئناف، ولا أن تكون قاضي صلح، ولكن أن تكون قاضياً بين ابنتك وزوجها، أن تكون قاضياً بين تاجرين، بين شريكين، أن تكون مدير لمدرسة واختلف مدرسان، الحكم إليك، هذا هو القضاء، أن تقضي بين الناس بالحق، فلذلك قالوا: القضاء غاية رسالات الله.

العدل أساس الرخاء و الاطمئنان :

 ما الذي يطمئن الناس؟ أن يشعروا أن الحقوق مصونة، وأن كل من اعتدى عليها مدان، و سينال عقابه الصارم، إذا شاع في المجتمع هذا الشعور نحن بخير.
 ولا أدل على ذلك من أن أحد رؤساء الوزارة في الدول الغربية عقب الحرب العالمية الثانية، طبعاً بلاده كلها مهدمة، المعامل مخربة، والزراعة متعطلة، الأموال مفقودة، كل شيء صفر، وقف في مجلس العموم، وسأل وزراءه وزيراً وزيراً، كيف حال الصناعة عندك يا فلان؟ قال له: المعامل كلها خربت بالقنابل، كيف حال النقد عندك يا وزير المالية؟ قال له: لا يوجد نقد، إفلاس كامل، كيف حال الصناعة؟ كيف حال التجارة؟ طبعاً يريد شيئاً، هذا رئيس الوزراء وصل إلى وزير العدل، فقال له: كيف العدل عندك يا فلان؟ قال: بخير، قال: إذاً كلنا بخير.
 أي لا يوجد شيء يمس حياة كل إنسان كالقضاء، كأن يصل الإنسان إلى حتفه أساساً.
 سيدنا عمر مشى في الطريق رأى غلماناً فلما رأوه تفرقوا إلا واحداً منهم، سأله: أيها الغلام لمَ لم تهرب مع من هرب؟ قال له: أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك، و لست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك، هذا الغلام الصغير رسم سياسة المجتمع، أي في المجتمع الذي يخاف فيه المذنب ويطمئن البريء هذا مجتمع متفوق جداً، هذا مجتمع متقدم، وفي المجتمع الذي يخاف فيه البريء ويطمئن المذنب هذا تخلف قضائي ما بعده تخلف، أي هذا المجتمع في طريق الهاوية.

((عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَهُ قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، قَالَ أُسَامَةُ اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ خَطِيبًا، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَتَزَوَّجَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

[البخاري عَنِ الزُّهْرِيِّ ]

 ما من مجتمع يشعر بالطمأنينة، والرخاء، والطيب كالمجتمع الذي يسوده العدل.

العدل أساس الملك :

 نحن اتفقنا في دروس كثيرة الإنسان مسؤول في الدائرة التي أقامه الله بها، لا علاقة لنا نحن بالأمور العامة، لنا علاقة بالبيوت، أي لا يستطيع الأب أن يعدل بين أولاده، ممكن يعطي ابناً، يزود أول ابن ببيت وسيارة، ويعطيه نصف المعمل، وعنده خمسة أولاد بلا شيء، ممكن! ممكن ابن من زوجة يعطيه كل شيء، وابن الزوجة المطلقة لا يعطيه شيئاً، ممكن! هذا قاض تفضل، فلذلك لا أعتقد أن واحداً من الحاضرين ولا إنسان في المجتمع إلا ويتعرض إلى موقف القضاء، فالأب محكم بين أولاده، فإما أن يعدل بينهم، وإما أن يجور عليهم.

((عَنِ الشَّعْبِيِّ عليه الصلاة والسلام، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي، فَقَالَ أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ قَالَ: لا، قَالَ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ثُمَّ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً قَالَ بَلَى قَالَ فَلا إِذًا ))

[ مسلم عَنِ الشَّعْبِيِّ ]

 فأنا كنت أتوهم أن هذا الموضوع اختصاصي، خاص بالقضاة، ثم وجدت أن هذا الموضوع من ألصق الموضوعات بالمؤمنين، أي أنت قاض في أغلب الأحيان، في بيتك قاض، مع أولادك قاض، بين أولادك قاض، بين الذكور والإناث قاض، بين زوجتك وأهلها، بين صهرك وابنتك، لابد من أن تقف موقف القاضي، على مستوى الأسرة، لذلك العدل أساس الملك، ما من أسرة ترقى وتزدهر إلا بالعدل، بين الذكور والإناث، وبين الإناث والذكور، فالعدل إذاً قيمة من قيم الإيمان العليا، بل إنه هدف من هدف رسالات الأنبياء، العدل يشيع الطمأنينة بين الناس، و ينشر الأمن.
 حدثني أخ يعمل في الأمن الجنائي، موضوع الجرائم وما الجرائم، قال لي: دخلت علينا امرأة محجبة وسمعت صوت شاب يصيح من التعذيب، هذه المرأة خرجت عن طورها، وانطلقت تسب هؤلاء الذين يعذبون الشاب، قال لي هذا الضابط: ترفقنا بها وقلنا لها: يا أختي هذا الشاب الذي نعاقبه زنا بفتاة قاصر وقتلها، قال لي هذا الضابط: فجأةً انقلبت هذه المرأة إلى امرأة أخرى تلهج بالثناء والدعاء لهم، شيء مريح، إنسان يزني بفتاة قاصر، ويقتلها!! إن الله يذع في السلطان ما لا يذعه في القرآن.

إقامة العدل يشيع الأمن :

 لذلك العدل من أوثق الموضوعات في حياة المؤمنين، وكم من رجل يصلي ويصوم، ويحج، ولا يقيم العدل في بيته، ولا مع أولاده، ولا بين أصهاره، تجد صهراً مقرباً، وصهراً منبوذاً، أنا سمعت قصة من صديق، طبعاً زوجته لها أب ميسور الحال، و له بيت مصيف من أرقى المصايف، فهذه الفتاة دعت زوجها وأولادها إلى زيارة أبيها في هذا المصيف، في أحد أيام العيد رأت أخوتها هناك هي من أم غير الأم التي مع أبيها، طبعاً الأولاد الآخرون مدعوون لتناول طعام الغذاء عند أبيهم، في أول أيام العيد، في المصيف والطعام ما لذّ وطاب، هذه الفتاة التي هي ابنة صاحب البيت، مع زوجها، لم تستقبل الاستقبال الكافي، ثم طردت، أو ما يشبه الطرد حتى يفرغ الجو لأخوتها الأخريات، تقول هذه الفتاة: تألمت ألماً لا يعلمه إلا الله، كسر قلبها، هذا ظلم، هذه ابنتك، وهذه ابنتك، عندما تستقبل هؤلاء وترحب بهم، وتدعوهم لتناول طعام الغذاء، وهذه لأنها من زوجة مطلقة، وزوجتك الحالية لا ترضى عنها، طردت من البيت في أول أيام العيد، لما أعطيت ابنتك من هذه الزوجة خمسة آلاف وأعطيت هذه خمسمئة، وهذه ابنتك و هذه ابنتك هذا ظلم كبير، و هناك كل موقف من الآباء يهتز له عرش الرحمن.
 فلذلك أيها الأخوة، هذا الموضوع ليس اختصاصياً، هذا الموضوع لصيق بكل مؤمن، طبعاً أنا لا أعالجه من زاوية القضاء الرسمي، و المحاكم الصلح، والبداية، والاستئناف، والنقد، ولا أعالجه من نواح أخرى، أنا أعالج موضوع القضاء من حياة المؤمن، هو في أسرة، هو شريك في عمل، هو حكم تجاري، هو مدرس على طلاب، هو مهندس على عمال، لا يوجد إنسان إلا وكل إليه أمر بعض الأشخاص، فكل مجموعة أشخاص تحت رعايتك، فأنت بشكل أو بآخر قاضٍ عليهم، لذلك القضاء العدل يشيع الطمأنينة، يشيع الأمن، تشتد العلاقات بين الأفراد، تقوى الثقة بين الحاكم والمحكوم، تنمو الثروة، لأن بالطمأنينة الإنسان يتحرك، أما أخذ ماله، أقام دعوى بقيت لعشر سنوات، ثم خرج السارق بكفالة، وانتهى الأمر، والموضوع تلفلف، فهذا الشيء مؤلم جداً.

مهمة الأنبياء :

 الحقيقة مهمة الأنبياء والرسل القيام بأمر العدل وتنفيذه، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

[ سورة الحديد : 25 ]

 آية واضحة جداً:

﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾

[ سورة الحديد : 25 ]

 إذاً أحد أكبر أهداف إرسال الأنبياء والمرسلين أن يقوموا بالعدل والقسط بين الناس.

أكبر أهداف الأنبياء أن يقوموا بالعدل والقسط :

(( بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ ذَاتَ يَوْمٍ قِسْمًا، فَقَالَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ- يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ قَالَ: وَيْلَكَ! مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ ))

[ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 يقولون إن النبي عليه الصلاة والسلام كان عمه العباس مقيماً في مكة، و كان قد آمن به، وأخفى عن المشركين إيمانه، وإسلامه، وقام بدور خطير جداً، كان عين النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، فكلما أجمعت قريش أمراً ضد محمد عليه الصلاة والسلام، كان العباس يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بالخبر، فما دام عمه العباس بين علية القوم في مكة فلن يفاجأ النبي عليه الصلاة والسلام، أي هذا موقف ذكي جداً، أن إنساناً له خصم، وخصم شرس وقوي، و يتربص به الدوائر، فأن يكون لك عينٌ بين صفوفه، وبين قياداته، القضية في منتهى الذكاء، فالنبي عليه الصلاة والسلام بعد أن أسلم عمه العباس أمره أن يبقى في مكة، وأن يخفي عن الناس إسلامه، ليكون عيناً له في هذه البؤرة الخطرة، جاءت معركة بدر، دققوا الآن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه ألا يقتلوا عمه العباس، هكذا الأمر جاء من دون تفاصيل، إذا رأيتم عمي العباس فلا تقتلوه، الأمر غامض، لو قال النبي لهم إن عمي أسلم فلا تقتلوه شاع الخبر، وصل إلى مكة فانتهى دور عمه، لو أمر عمه ألا يخرج مع المشركين بحرب محمد ينكشف عندهم أيضاً، إن لم يشارك عمه في الخروج لحربه ينكشف أمره، وإن لم يأمر أصحابه ألا يقتلوه ربما قتلوه على أنه مشرك، ولو أنه أعلن أن عمه قد أسلم ينكشف أمره، فالنبي لحكمة بالغة قال: إذا رأيتم عمي العباس فلا تقتلوه، هناك صحابي ضعيف الإيمان قال: أحدنا يقتل أخاه وأباه في الحرب، وينهانا النبي عن قتل عمه، أي ما رأى الحكمة بل رآها عصبية، لأنه ألزم ألا يقتل عمه، أما نحن فنقتل آباءنا، فلما كشف الأمر لهذا الصحابي يقول هذا الصحابي: بقيت عشر سنوات وأنا أتقرب إلى الله بالنوافل والصدقات لعل الله يغفر لي هذا الظن السيئ برسول الله، قَالَ: وَيْلَكَ! مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ أي إذا المؤمن ما عدل من يعدل؟ لكن الذي يعرف الله لم يعدل، إذا كان جائراً، ظالماً، على مستوى أولاده، من يعدل إذاً؟ الكافر سيعدل؟

﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾

[ سورة الحديد : 25 ]

كلّ إنسان قاض في عمله :

 النبي عليه الصلاة والسلام حينما أنشأ أول دولة في المدينة نصب نفسه قاضياً بين الناس، فجاء في الصحيفة المعاهدة بينه وبين اليهود، إنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو شجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، معنى هذا أن الإنسان الكبير هو القاضي، الآن كبير العائلة هو القاضي بين أفراد العائلة، الأب هو القاضي، المعلم هو القاضي، المهندس هو القاضي، الطبيب في المستشفى هو القاضي، بأي مكان الرجل القيادي شاء أم أبى هو قاض أيضاً، كل هذه التمهيدات من أجل أن تنتبهوا إلى أنكم في الأعم الأغلب تعملون عمل القاضي، إما في بيتكم، أو في مساجدكم، أو في أعمالكم، وَاللَّهِ سبحانه وتعالى يقول:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾

[ سورة النساء: 105-106 ]

على الإنسان أن يكون عادلاً بين كل من يلوذ به :

 أيها الأخوة، الآن جانب كبير من دينك أساسه أن تكون عادلاً بين كل من يلوذ بك، بين كل من تتولى ولايته، تتولى أمره، وبين كل من ولاك الله عليهم، أي أحد أكبر الجوانب بإيمانك فيما ولاك الله عليهم.

((عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلام قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ، وَلا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا أَوْ مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ ))

[ أبو داود عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلام]

 القاضي لما يستلهم الله عز وجل، الله يلهمه الصواب، والإنسان مفتقر لله عز وجل.

﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ*فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 78-79]

 أحياناً القاضي إذا كان مستعيناً بالله، مفتقراً إليه، يكشف الله عن بصيرته، ويرى المذنب من غير المذنب.
 يقول سيدنا علي: " فو الذي فلق الحبة، ما شككت في قضاء بين اثنين"، أي يتضح له الحكم حتى يكون جلياً، واضحاً، لا لبس فيه، لا غموض فيه، لا اضطراب فيه.

إذا حكمت بين اثنين فلا تسمع لأحدهما دون الآخر :

 الآن نصيحة لوجه الله تعالى: إذا إنسان شكا لك عن إنسان لا تستمع إليه، قل له: آتِ بخصمك وتعال، لأنه إن استمعت له وحده سيلقي عليك معلومات كثيفة جداً كلها من جانب واحد، و يخفي عنك الجانب الآخر، فلو جلس أمام خصمه ليتحدث إليك، أربعة أخماس الكلام يسكت عنه، الخصم موجود، فأول شيء إذا حكمت بين اثنين بين ولديك، وبين بناتك، بين أصدقائك، بين شركائك، إياك أن تصغي إلى واحد منهم في غيبة الآخر، لأن كل إنسان يتكلم وفق ما يريد، يبرز نقاطاً، ويخفي نقاطاً، النقاط التي أبرزها يبالغ بها، والنقاط التي ليست في صالحه يكتمها، فلو كان الخصم جالساً تأكدوا - كما أقول لكم - تسعة أعشار الكلام الذي كان سيقوله أمامك وحده عن خصمه لن يقوله لك في حضور خصمه، فأنت حتى توفر وقتك، وجهدك، إذا حكمت بين اثنين لا تقبل أن تسمع لواحد منهما منفرداً عن الآخر، لأن فيه خطورة، الخطورة أنه قال:

عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
***

 أنت كقاض خال الذهن، يأتي أول إنسان صفحتك بيضاء يملؤها بحجج، واتهامات، وإشارات ضد خصمه، الخصم الثاني عليه مهمتان: يزيل من ذهنك ما ثبت عنه، ثم يبين حجته، فأنت كلفت الخصم فوق طاقته، أما إن لم تستمع إلا إلى الاثنين معاً فهذا من الحكمة بمكان.
 قال له يا علي:

((...إِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ...))

[ أبو داود عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلام]

 هذه أول قاعدة، كل إنسان كُلف أن يقضي بين اثنين، رفعت إليه قضية، أول نصيحة من النبي عليه الصلاة والسلام عليه أن يستمع إلى الخصمين معاً، والأكمل أن يستمع إليها معاً في مجلس واحد.
 يروى أن أحد القضاة في العصر العباسي كان من أنزه القضاة، طرق بابه، وقدم الطارق طبقاً من الرطب، أي أكلة نفيسة جداً من أرقى أنواع الحلويات في ذلك الزمان، من الرطب في بواكيره، فهذا الرطب في بواكيره كان يحبه القاضي، فسأل الغلام: من قدم هذا الطبق؟ قال له: رجل، قال له: صفه لي، قال: شكله كيت وكيت، فعرف أن هذا أحد خصومه في القضاء، أحد المتداعيين، المتقاضيين عنده، فرد الطبق، وفي اليوم التالي حكم بينهما، وفي اليوم الثالث توجه إلى الخليفة، وقال: أرجو أن تعفيني من منصب القضاء، قال له ولمَ؟ قال له: وَاللَّهِ قبل يومين طرق بابي فقدم لي طبق من رطب في بواكيره، وقد عرف الناس أنني أحب هذه الفاكهة في بواكيرها، فلما علمت أنه من أحد الخصوم رددته، في اليوم التالي تمنيت أن يكون صاحب الحق هو الذي قدم لي هذا الطبق، مع أني رددته فكيف لو قبلته؟ هكذا كان القضاة.
 أما الآن إنسان له دعوة إخلاء، تلقى هاتفاً، فقال له: أنا فلان القاضي، وخصمك دفع لي ثلاثمئة ألف، ما قولك أنت تزيد عليهم أم يذهب من يدك البيت؟ انتبه، هذا القاضي موديل جديد، قال له: في اليوم التالي تمنيت أن يكون صاحب الحق هو الذي قدم لي هذا الطبق، مع أني رددته، فكيف لو قبلته؟ لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّار))

[ أبو داود عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ]

 والآن ثلاثة، طبعاً إلا من رحم ربك، المؤمن مؤمن، لا يغير ولا يبدل، بكل عصر، وكل مصر، أما إذا الإنسان غاب عنه الإيمان وطمع في الدنيا فالأمر خطير.

القضاء فرض كفاية :

 الشيء الثاني: القضاء فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكل، أما إذا اعتذر الجميع، فعلى الحاكم أن يجبر من يثق بعلمه وورعه على منصب القضاء.

((عن الزُّهْرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ))

[ البخاري عن الزُّهْرِيُّ]

((عن أَبُي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ))

[أبو داود عن أَبُي هُرَيْرَةَ]

 وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ كما قال عليه الصلاة والسلام دققوا في هذا الحديث:

((عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَذَاكَرْتُهَا حَتَّى ذَكَرْنَا الْقَاضِيَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ ))

[ أحمد عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ ]

 و قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ))

[البخاري عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

 وقال أيضاً :

((عن أَبُي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ ))

[أبو داود عن أَبُي هُرَيْرَةَ]

 وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ كما قال عليه الصلاة والسلام دققوا في هذا الحديث.

((عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَذَاكَرْتُهَا حَتَّى ذَكَرْنَا الْقَاضِيَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ ))

[أحمد عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ ]

 لأنها حقوق العباد.

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ))

[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى]

 وفي حديث آخر.

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ ))

[ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ، وهذا تعبير شائع، ما ذبح لكنه هلك، وقد فسر المفسرون هذا الحديث، أنه من تولى القضاء و لم يكن أهلاً له، ولم يكن عالماً بالكتاب والسنة، ولم يكن خبيراً بأحوال النفس البشرية، ولم يكن مطلعاً على العلم الشرعي، من ولي القضاء من دون أدواته فقد ذبح بغير سكين.

((عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا تَسْتَعْمِلُنِي قَالَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ))

[مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ]

القضاء عمل جليل وعظيم :

 القضاء عمل جليل، وعمل عظيم، أحياناً يتلقى تهديدات، أحياناً يأتيه خصمان متفاوتان، أحدهما رفيع الشأن، والثاني من عامة الناس، والحكم مع هذا الأول، أحياناً يأتيه غني وفقير، أحياناً يأتيه قوي وضعيف، أحياناً يأتيه حاكم ومحكوم، فالقاضي يحتاج إلى مستوى رفيع جداً من الإيمان، ومن مراقبة الله عز وجل، والخوف منه.

((عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَرَجُلانِ مِنْ قَوْمِي فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَهُ، فَقَالَ إِنَّا لا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ وَلا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ))

[ البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّه عَنْه ]

 لذلك قالوا: طالب الولاية لا يولى.

((عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنِ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ ))

[الترمذي عن أنس ]

 إذا أكره عليه؛ معنى هذا هو متعفف، معنى هذا هو ورع، فإذا أكره أنزل الله عليه ملكاً يسدده، فإذا طلبه، وطلب الشفعاء من أجله عندئذٍ أوكل إلى نفسه، وقد يقع في شر عمله، وقد يكون تدميره في تدبيره، والخوف من العجز عن القيام بالقضاء على الوجه الأكمل هو السبب بامتناع بعض الأئمة الكبار في قبول منصب القضاء.

صفات القاضي :

 من طريف ما يروى، أن ابن شريح دعي إلى أن يتولى القضاء - قضاء مصر - فلما عرض عليه الأمير امتنع فدعا له في السيف، قلنا قبل قليل: يجوز للحاكم أن يجبر صاحب الكفاءة، والعلم، والورع على أن يتولى القضاء، فدعا له بالسيف، أي إما أن تقبل، وإما أن أقطع رأسك، لا يوجد غيرك مناسباً، فلما رأى ذلك، أخرج مفتاحاً كان معه - مفتاح بيته - وقال: هذا مفتاح بيتي، ولقد اشتقت إلى لقاء ربي، فلما رأى الأمير هذا تركه، هذا المفتاح وتفضل واقتلني، ولا أتسلم القضاء.
 العلماء قالوا: لا يصلح للقضاء إلا من كان عالماً بالكتاب والسنة، فقيهاً في دين الله، قادراً على التفرقة بين الصواب والخطأ، بريء من الجور، بعيداً عن الهوى.
 والفقهاء اشترطوا أيضاً في القاضي أن يرقى إلى مستوى الاجتهاد، فيكون عالماً بآيات الأحكام، وأحاديث الأحكام، عالماً بأقوال السلف، وما أجمعوا عليه، وما اختلفوا فيه، عالماً باللغة، عالماً بالقياس، وأن يكون مكلفاً ذكراً، عدلاً، سميعاً، بصيراً، ناطقاً، هذه الصفات التي أوجبها الفقهاء في القاضي.

((عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ، بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً))

[البخاري عَنْ أَبِي بَكْرَةَ]

الحكمة من عدم تولي امرأة القضاء :

 الآن هناك رغبة عند معظم الشعوب أن تولي عليها امرأة، رئاسة وزارة، تركية وفرنسا، وانكلترا، والهند، لأن المرأة على جانب رفيع جداً من المكانة عند الله، هي مشرفة كالرجل، مكلفة كالرجل، ولكن ليس الذكر كالأنثى، لها صفات وخصائص تؤهلها لأن تكون أماً في المرتبة الأولى، أما أن تكون قاضيةً، هل بإمكان امرأة امتلأت عاطفة حب أن تحكم بالإعدام على إنسان؟ صعب جداً، أن تحقق في موضوع أخلاقي، في جريمة جنسية مثلاً، فالله عز وجل أكرمها بالحياء، أبرز ما في المرأة حياؤها، أن تستمع إلى التفاصيل من المجرمين، وأن تدير النقاش فيما بينهم، هذا شيء صعب جداً، وقد قال الله عز وجل:

﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾

[ سورة صَ : 26 ]

من ليس أهلاً للحكم فلا يقضِ بين الناس :

 الله جلّ جلاله وجه الخطاب لسيدنا داود، قال يا داود:

﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة صَ : 26 ]

 والإنسان عليه أن تكون هذه الآية نبراساً أمامه، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، إذا كان النبي وهو المعصوم يخشى عليه من اتباع الهوى، فأولى أن يخشى غيره ذلك، هذا تحت قاعدة الأولى من باب أولى، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام مأموراً بالاستقامة فنحن من باب أولى.

((عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ))

[أبو داود عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ]

 انظر إلى الجهل، إن لم تكن عارفاً بالحكم وقضيت ظلماً، هذا القاضي بالنار، وإن عرف الحق وقضى بخلافه فهو بالنار، أما إذا عرف الحق وقضى به فهو بالجنة، لذلك النبي قال:

((...الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ..))

[ أبو داود عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ]

 لذلك كان بعض القضاة لا يصدر حكماً إلا إذا تأكد أن هناك فتوى لفقيه كبير تؤكد حكمه، حتى أن بعضهم كان يزيل حكمه برأي المجتهد الكبير، على مذهب أبي حنيفة الموضوع في الحاشية الفلانية، في كتاب السرخسي، صفحة كذا، الحكم القضائي من شدة ورعه، يأتي باجتهاد الفقهاء، مدعماً به حكمه.
 والعلماء قالوا: كل من ليس بأهل للحكم فلا يحل له أن يقضي بين الناس، فإن حكم فهو آثم، ولا ينفذ حكمه، ولو وافق الحق، لأنه قد يوافق الحق صدفة، من لم يكن أهلاً للحكم في القضاء بين الناس، لا يملك العلم بالكتاب والسنة، ولا بالأحكام الفقهية، ولا بالقدرة على التفريق بين الحق والباطل، وليس يعلم دقائق اللغة العربية، من لم يكن كذلك لا يحق له أن يحكم، وإذا حكم لا ينفذ حكمه ولو جاء صواباً لأن هذا فاقد الأهلية.

((عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذِ ابْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: فَذَكَرَ كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ، قَالَ أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلا آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرِي فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا يُرْضِي رَسُولَهُ ))

[أحمد عَنْ مُعَاذٍ ]

 كلكم يذكر أن سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه جاءته امرأة تشكو زوجها، قالت: يا أمير المؤمنين إن زوجي صوام قوام، أي يصوم النهار، ويقوم الليل، يبدو أن سيدنا عمر كانت أعباؤه كثيرة جداً، فقال لها: بارك الله لك في زوجك، والله شيء جميل، صوام في النهار، قوّام في الليل، في الليل يصلي وفي النهار يصوم، أحد الصحابة الكرام كان إلى جانبه فقال: يا أمير المؤمنين إنها تشكو زوجها، لا تمدحه إنها تشكوه، قال: إن فهمت كذلك فاقض بينهما، فهذا الصحابي قضى لها أن يخصص لها كل أربعة أيام يوماً واحداً، من أين جاء بهذا الحكم؟ لو أن هذا الإنسان له أربعة زوجات، وفق السنة، نصيبها يوم من أربعة، أعطاها يوماً من أربعة أيام، أعجب به سيدنا عمر فولاه قضاء البصرة.
أحياناً الله عز وجل يلهم القاضي الحكم الصحيح:

(( قَالَ لِمُعَاذِ ابْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: فَذَكَرَ كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ قَالَ أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي))

[أحمد عَنْ مُعَاذٍ ]

 متى يكون الاجتهاد؟ عندما لا يكون للقضية مورد في النص.

قواعد متعلقة بالقضاء :

 الآن عندنا مجموعة قواعد، أحياناً الإنسان يسألك سؤالاً أن تحكم بين اثنين وأنت مستعجل، أنت مقدم على عمل، أنت جائع، أنت في حر شديد، العلماء قالوا: على القاضي أن يتحرى الحق، فيبتعد عن كل ما من شأنه أن يشوش عليه فكره، فلا يقضي أثناء الغضب، ماذا قال سيدنا سليمان لما جاءه الهدهد وحدثه عن بلقيس قال:

﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾

[ سورة النمل: 27]

 هناك نصيحة أن الإنسان لا يتخذ قراراً وهو غاضب، كل قضية صاحبها غاضب ليقل في نفسه لا أحكم على هذا الموضوع إلا بعد أسبوع، بعد أسبوع يهدأ الإنسان، والله أنا أعاني من أخواننا، تجد أخاً متزناً وهادئاً، بساعة غضب طلق زوجته، وهو يحرص عليها حرصاً بالغاً، وهو يكره فراقها كفراق دينه، غضب ذهب إلى بعض العلماء قال: العملية منتهية، لا يوجد أمل، علماء آخرون أفتوا له فوقع في تشويش كبير، كلها من ساعة الغضب.
 فلذلك القاضي عليه ألا يقضي وهو غضبان، ولا في أثناء الجوع المفرط، أحياناً عنده اجتماعات ببعض الوزارات يفرضون ضرائب بعد الساعة الثانية والنصف، كلهم متعبون و يريدون أن ينهوا هذا الاجتماع بسرعة، فيضعون بالمئة مئة ضرائب، هذا الاجتماع يجب ألا يتم إلا بعد الظهر حيث يكونون مرتاحين، القاضي إذا كان جائعاً جوعاً مفرطاً، أو يعاني من الهم المقلق، ابنه مريض مرضاً خطيراً، معه التهاب سحايا، فيجب ألا يقضي بهذا الوقت لأنه مشوش، أو في الخوف المزعج، أو في النعاس الغالب، ما سمع الثاني سمع الأول ثم نام، والثاني ما سمعه عندما تكلم، أو في الحر الشديد، أو في البرد الشديد، أو في شغل القلب، ، إذا كان القاضي شاباً خاطباً، وصار هناك مشكلة مع خطيبته مثلاً، هذا تشوش، يجب ألا يحكم الآن، إذاً في الغضب الشديد، أو الجوع المفرط، أو الهم المقلق، أو الخوف المزعج، أو النعاس الغالب، أو الحر الشديد، أو البرد الشديد، أو شغل القلب شغلاًً يصرفه عن المعرفة الصحيحة، كل هذا استنبط من حديث النبي الكريم:

(( لا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ))

[أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ]

من يستطيع أن يشهد شهادة تقيم الحق فليفعل :

 عدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً، إذا رأيت إنساناً مظلوماً، و كان بإمكانك أن تشهد شهادة صحيحة تنقذه من الظلم فهذا عمل عظيم، لا تقول: لا وقت لديّ، هذا كلام الشياطين، هذا كلام الجهال، إذا كان بإمكانك أن تشهد شهادة تقيم الحق، تنصف المظلوم، فافعل، هذا من أجلّ الأعمال الصالحة، قال تعالى:

﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾

[ سورة البقرة : 282]

 إنسان مستقيم لا يعرف غير زوجته، زوجته محجبة، غاض بصره، يتهم بأنه يفسد، جاؤوا بشاهد زور وشهد وحلف يميناً، سألوا الكذاب: تحلف؟ قال: جاء الفرج، يحلف طبعاً، أما المؤمن فلا يشهد إلا بالحق، كل واحد منكم معرض لأن يكون شاهداً بقضية لا يتردد، لا يرفض، لا يقول لا وقت لدي، أنقذ هذا الإنسان المظلوم من الظلم.

القضاء مسؤولية كبيرة جداً :

 هذا الموضوع له تفصيلات أخرى، أي الإنسان أقل شيء يقضي بين أولاده، أقل شيء يقضي بين صهره وابنته، أقل شيء يقضي بين شريكين، أقل شيء يقضي بين بعض الأقارب، إذا كان كبير العائلة قاضياً بين كل أفراد هذه العائلة، فنحن هذا الموضوعات ليست اختصاصية، هذه موضوعات عامة، أهم ما فيها إياك أن تستمع من طرف واحد، أنا لولا أنني ترفع إليّ مجموعة قضايا ملخصها أن ابنته تشاجرت مع زوجها فذهبت إلى والدها و تكلمت ما شاء لها أن تتكلم، الأب عاقل، وكبير العائلة، وفهمان، ومثقف، سمع منها فقط، حتى امتلأ حقداً على صهره، وأخذ موقفاً عنيفاً، ما كلف خاطره أن يسأل صهره مرة يا بني احكِ أنت ماذا فعلت معك، هذا لا يجوز أبداً، هذا شيء يتكرر، لولا أنه تكرر مرات كثيرة جداً لما قلته لكم، أحياناً ابنك يشتكي لك عن جاره، اسمع من الجار أيضاً، قد يكون ابنك هو الظالم، من السذاجة، والغباء، وضيق الأفق، والتخلف العقلي أساساً أن تنحاز مع ابنك انحيازاً أعمى، وهو على باطل، هذا سلوك جاهلي أساساً، من هو المؤمن؟ المؤمن إنسان راق، علامة المؤمن أنه ينصف الناس من نفسه، فأنتم قضاة، شئتم أم أبيتم، أنت وجارك، وأنت وأخوك، وأنت وابن عمك، وأنت وشريكك، وأنت صديقك، وأنت وأحد الأخوان بالمسجد، وأحياناً ببيعة تختلفون، هل من المعقول من أجل بيعة ترفعون على القضاء؟ ضعوا حكماً بينكم، لا يوجد إنسان إلا ويحكم بقضية، فإذا حكم بقضية أول شيء ليستمع إلى الطرفين معاً، والأولى في مجلس واحد، ألا تكون غضبان، ألا تكون جوعان، ألا تكون مزعوجاً، ألا تكون مشوشاً، ثم إذا عرفت الحق فاقض وإلا اعتذر، إن عرفت الحق فاقض به وإلا إن لم تملك أدوات الحكم ابتعد عن الحكم، لأن هذا يحتاج إلى مسؤولية كبيرة جداً، والعدل من صفات المؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام من جملة ما أرسله الله ليحكم بين الناس بما أراه الله.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS