11609
خطب الجمعة - خ 1: حقائق حول الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ـ خ2 : أصل الدين معرفة الله
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2010-03-05
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حق الجهاد، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، أخرجنا من وحول الشهوات إلى جنات القربات.

معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم شطر الدين:

أيها الأخوة الكرام، نحن في ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيا سيدي يا رسول الله، يا من جئت الحياة فأعطيت و لم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، و نهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع فعشت واحداً بين الجميع، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك، يا سيدي يا رسول الله يوم كنت طفلاً عزفت عن لهو الأطفال، وكان أترابك إذا دعوك لتلعب معهم كنت تقول لهم: أنا لم أخلق لهذا، ولما بلغت رسالة الهدى، وحملت أمانة التبليغ، دعتك زوجتك السيدة خديجة لأخذ قسط من الراحة قلت لها: انقضى عهد النوم يا خديجة، ولما فتحت مكة المكرمة التي أخرجتك، وآذتك، ونكلت بأصحابك، وائتمرت على قتلك، سألوك وسألتهم ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء.
ويوم دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، صعدت المنبر واستقبلت الناس باكياً، وقلت لمن حولك: "من كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليقتد منه، و إن الشحناء ليست من شأني، ولا من طبيعتي".
يا سيدي يا رسول الله، يقول الله عز وجل:

﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾

[ سورة هود الآية: 120 ]

إذا كان قلب سيد الخلق وحبيب الحق يزداد يقيناً بسماع قصة نبي دونه فلأن يمتلئ قلبنا إيماناً بمعرفة سيرة سيد الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم أجمعين من باب أولى، من قال الله بحقه:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم ]

ومن أقسم الله بحياته وبعمره فقال:

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ(72) ﴾

[ سورة الحجر ]

معرفة رسول الله ونحن في ذكرى مولده ضرورية ليكون قدوة لنا:

أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل يقول:

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ ﴾

[ سورة المؤمنون الآية: 69]

وكأن الله عز وجل من خلال هذه الآية يدعونا إلى معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى معرفة سنته القولية، وإلى معرفة سنته العملية، وإلى معرفة شمائله، وإلى معرفة مواقفه، لأن الله عز وجل جعله معصوماً من أن يخطئ في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، لذلك ما الذي يمنع أن نلتقي في أي مكان وأن نتحدث عن سيد الأنام؟ أن نتحدث عن منهجه الذي هو منهج وسطي، ما الذي يمنعنا أن نتحدث عن أخلاقه وقد أثنى الله عليه، وقال:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم ]

ما الذي يمنعنا أن نتحدث عن رسول الله كزوج، وكأب، وكصديق، وكصاحب، وكداعية إلى الله عز وجل، لذلك معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في ذكرى مولده هذه المعرفة ضرورية جداً، ليكون قدوة لنا، لابدّ لكل إنسان من شخصية يتمنى أن يكونها، وشخصية يكره أن يكونها، وشخصية يكونها، ما الشخصية التي تتمنى أن تكون على نهجها؟ ما الشخصية التي تتمنى أن تكون معها؟ ما الشخصية التي ترمق أفعالها بأعلى نظرة؟ إنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مديح النبي دون اتباع منهجه لا يقدم و لا يؤخر:

أيها الأخوة، ألف المسلمون في بقاع الأرض في ذكرى النبي أن يمدحوا رسولهم، وهذا شيء طيب، وشيء جميل، وشيء مسعد، ولكنهم إذا اكتفوا بمديح نبيهم صلى الله عليه وسلم ولم يتبعوا منهجه لا ينتفعون بهذا المديح، لأنه لابدّ من الاتباع، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران الآية: 31]

لا بد من الاتباع حتى نقطف ثمار الدين، جميل جداً أن نحتفل بهذه الذكرى العطرة، وجميل جداً أن نجتمع، وأن نتحدث عن أخلاق النبي، وعن شمائل النبي، والأجمل من هذا أن نتبع النبي عليه الصلاة والسلام.

من طبق سنة النبي في حياته فهو في مأمن من عذاب الله:

أيها الأخوة، يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 33 ]

معنى الآية، في حياة النبي واضحة جداً، لكن ما معنى الآية بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى؟ معنى الآية أن يا محمد ما دامت سنتك مطبقة في حياتهم، في كسب أموالهم، في إنفاق أموالهم، في علاقاتهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في مشكلاتهم، مادامت سنتك مطبقة في حياتهم فهم في مأمن من عذاب الله، أكبر ضمانة لنا كمسلمين أن يرحمنا الله، وأن يحفظنا، وأن يقوينا على أعدائنا، أن نكون مطبقين لمنهج رسول الله، هذه الآية دقيقة جداً وما من آية ألصق بهذه الذكرى من هذه الآية:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 33 ]

حقائق هامة على كل إنسان أن يعرفها:

1 ـ معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والعملية فرض على كل مسلم :

أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن نوقن يقيناً قطعياً أن معرفة سنة رسول الله القولية والعملية فرض عين على كل مسلم، ما الدليل؟ لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. الدليل أن الله عز وجل يقول في محكم كتابه العزيز:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر الآية: 7 ]

كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، كل أمر في القرآن الكريم وما صحّ من السنة يقتضي الوجوب، فإذا قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر الآية: 7 ]

كيف نأتمر بما أمرنا وكيف ننتهي عما عنه نهانا إن لم نعرف ما الذي أمرنا وما الذي عنه نهانا؟ كما أن الصلاة فرض فالوضوء فرض، انطلاقاً من قاعدة أصولية ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإذا كانت أوامر الله تقتضي أن نأخذ ما آتانا، وأن ننتهي عما عنه نهانا، فكيف نأتمر بما أمرنا وننتهي عما نهانا إن لم نعرف ما الذي أمرنا وما الذي عنه نهانا؟ إذاً الحقيقة الأولى ونحن في ذكرى المولد أن معرفة سنة النبي القولية والعملية فرض على كل مسلم، لأنه لولا هذا الفرض لما استطاع المسلم أن ينفذ قوله تعالى:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر الآية: 7 ]

2 ـ أُمِرنا أن نطيع النبي ونقتدي به لأنه معصوم بمفرده بينما أمته معصومة بمجموعها:

أيها الأخوة الكرام، شيء آخر؛ النبي عليه الصلاة والسلام وحده في عقيدة المسلمين معصوم بمفرده، فالله عز وجل عصمه من أن يخطئ في أقواله، وأفعاله، وإقراره، لذلك أمرنا أن نتبعه، بل إن الله عز وجل لم يقبل دعوى محبته إلا بالدليل قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 31]

فلابدّ من معرفة منهج النبي، ولابدّ من اليقين القطعي أن النبي معصوم بمفرده، بينما أمته معصومة بمجموعها لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( لا تجتمع أمتي على ضلالة ))

[ رواه الترمذي والحاكم عن عبد الله بن عمر]

معصوم بمفرده؛ بأقواله، وأفعاله، وإقراره، ولكن لابدّ من تعليق بسيط: الله عز وجل سمح له بهامش اجتهادي ضيق جداً، فإذا جاء اجتهاده وفق ما ينبغي أقره الوحي على ذلك، وإذا جاء اجتهاده بخلاف ما ينبغي صحح له الوحي من أجل أن يكون هناك فرقاً بين مقام الألوهية المطلق ومقام البشر غير المطلق، هذه مداخلة ضيقة جداً.

3 ـ الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي عين الاستجابة لله:

أيها الأخوة الكرام، شيء آخر ونحن في ذكرى المولد أن الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي عين الاستجابة لله بدليل قوله تعالى:

﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾

[ سورة التوبة]

ضمير المفرد، هذا من لفتات القرآن الكريم؛ بمعنى أن إرضاء رسول الله عين إرضاء الله، وإرضاء الله عين إرضاء رسول الله،

﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾

4 ـ دليل محبة الله سبحانه اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم:

شيء آخر وهو الدقيق، كل يدّعي أنه يحب الله، كل مسلم على وجه الأرض يقول: أنا أحب الله، ولكن الله لن يقبل دعوى محبته إلا بالدليل، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 31]

أيها الأخ الكريم، أيها المسلم الحبيب، لا تعش في الأماني، الحقيقة المُرّة أفضل ألف مَرّة من الوهم المريح، أن تكتفي بمديحه هذا لا يسمح لك أن تقطف ثمار هذا الدين، ينبغي أن تطبق منهجه، حاسب نفسك حساباً دقيقاً.

5 ـ طاعة الله عز وجل بشكل طوعي لا قسري:

أيها الأخوة الكرام، شيء آخر لا بد منه؛ قالوا: من عرف نفسه عرف ربه، أنت من؟ أنت المخلوق الأول لقوله تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 72]

لأنك قبلت حمل الأمانة كنت المخلوق الأول عند الله، لذلك سخر الله لك ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، وأنت المخلوق المكرم، لقوله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء الآية: 70 ]

وأنت المخلوق المكلف، كلفك الله أن تعبده، فقال:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات الآية: 56]

الله عز وجل أراد أن تكون علاقتنا به علاقة حبّ لا إكراه:

العبادة في أدق تعاريفها، طاعة طوعية، ليست قسرية لأن الله عز وجل وهو خالقنا ومربينا ما أراد أن تكون العلاقة بيننا وبينه علاقة إكراه، قال تعالى:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 256 ]

أرادها أن تكون علاقة حب، قال تعالى:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة الآية:38]

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 165 ]

إذاً هي طاعة ليست قسرية ولكنها طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، فما عبد الله من أحبه ولم يطعه، وما عبد الله من أطاعه ولم يحبه.

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري فـــي المقال شنيع
لو كان حـبك صادقاً لأطعته إن الــــمحب لمن يحب يطيع
***

العبادة علة وجودنا فيها جانب معرفي وجانب سلوكي وجانب جمالي:

أيها الأخوة الكرام، العبادة هي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
جانب معرفي، وجانب سلوكي، وجانب جمالي، الجانب السلوكي هو الأصل، لن نقطف من ثمار الدين شيئاً إلا إذا استقمنا على أمر الله، جانب سلوكي أصل هذا الجانب أن تعرف الله، لأنك إذا عرفته تفانيت في طاعته، أما إذا عرفت أمره ولم تعرفه، تفننت في معصيته، جانب سلوكي، وجانب معرفي، وجانب جمالي.

فلو شاهدت عيناك من حسـننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حُسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
ولو ذقت من طعم المحـبَّة ذرةً عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولو نسمت من قربنا لك نسمةٌ لمـُت غريباً واشـتياقاً لقربـنا
ولو لاح من أنوارنا لـك لائحٌ تركــت جميع الكـائنات لأجلنا
فما حبنا سهلٌ وكل مـن ادعى ســهولته قلنا له قد جهـلتنـا
* * *

جانب سلوكي هو الأصل، وجانب معرفي هو السبب، وجانب جمالي هو الثمرة.

من كان مع الله كان أسعد الخلق:

أيها الأخوة الكرام، ملك قال مرة بعد أن أصبح عارفاً بالله: "لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها".
إن كنت مع الله أنت أسعد الخلق، وإن لم تقل ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني ففي الإيمان ضعف.
أيها الأخوة الكرام، أنت إنسان مخلوق أول، مكرم، مكلف أن تعبده، وأنت عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، هناك حب يسمو بك، وحب يهوي بك، الحب الذي يسمو بك أن تحب الله، وأن تحب أنبياءه جميعاً، وأن تحب سيد الأنبياء والمرسلين، وأن تحب صحابته جميعاً، وأن تحب التابعين والعلماء العاملين، وأن تحب كل مؤمن، وأن يكون انتماؤك لمجموع المؤمنين:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات الآية: 10 ]

هذا الحب يسمو بك، لذلك قالوا: هناك حب في الله وهناك حب مع الله، الحب في الله عين التوحيد، والحب مع الله عين الشرك، أن تحب جهة قوية ليست ملتزمة بمنهج الله عز وجل، لكن جاءك منها نفع فأحببتها هذا حب مع الله وهو عين الشرك.
أيها الأخوة الكرام، على وجه الأرض ستة آلاف مليون ما منهم واحد إلا وهو يحب سلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده، أنت أعقد آلة في الكون سلامة وجودك باتباع تعليمات الصانع الحكيم، الإله العظيم، وكمال وجودك بالتقرب إليه، واستمرار وجودك بتربية أولادك، أولادنا هم الورقة الرابحة الوحيدة التي بقيت في أيدينا، فإذا ربيناهم فهذه الأمة ينتظرها إن شاء الله مستقبل مشرق يعاد لها أمر قيادتها للأمم، وإن أهملناهم فهم المستقبل.
أيها الأخوة الكرام، لا بد من وقفة متأنية عند منهج الله عز وجل وتطبيقه.

وأخيراً..

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله.

***

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

التفكر في السماوات والأرض من أرقى العبادات:

أيها الأخوة، أصل الدين معرفة الله، وفي القرآن الكريم ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون، مع آية الأمر يقتضي أن تأتمر، ومع آية النهي يقتضي أن تنتهي، ومع آية هلاك الأمم يقتضي أن تعتبر، ومع آيات الجنة ينبغي أن تسعى إليها، ومع آيات النار ينبغي أن تفر منها، ما موقفك مع ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون؟ موقفك التفكر في السماوات والأرض، وهذا التفكر من أرقى العبادات، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 190-191 ]

من هذه الآيات الكونية، بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي جوف الشمس يتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض، والله عز وجل حينما يقول:

﴿ وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

[ سورة البروج ]

هناك برج العقرب، برج العقرب فيه نجم صغير متألق، أحمر اللون، اسمه قلب العقرب، يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، هذا الإله العظيم ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟

﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة القلم الآية: 36]

أيها الأخوة الكرام، رائد الفضاء حينما صعد إلى القمر، هذا الرائد بعد أن تجاوز طبقة الهواء التي تزيد عن خمسة وستين ألف كيلو متر صاح بأعلى صوته: لقد أصبحنا عمياناً، يبدو أن ظاهرة تناثر الضوء تلاشت بعد تخطي طبقة الهواء، هذه الحقيقة عرفناها بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام بألف وأربعمئة عام، بعد ريادة الفضاء، أما أن تفتح القرآن الكريم وتقرأ قوله تعالى:

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر الآية: 14-15]

هذا هو القرآن الكريم، هذا هو القرآن المعجز، الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن.

دعاء الختام..

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS