12403
السيرة - سيرة التابعين الأجلاء - الدرس 06-20 : التابعي عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-06-01
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ما هو الهم الذي دخل على عمر بن عبد العزيز بعد أن توفي سليمان بن عبد الملك ؟

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السادس من دروس سير التابعين رحمهم الله تعالى، والتابعيُّ اليوم هو عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز .
 أيها الأخوة الكرام, في هذه القصة دلالات كثيرة، وتُعدُّ هذه القصة نموذجا من النماذج التي يمكن أن تُّعدَّ منهجا للمؤمنين، فما كاد التابعيُّ الجليل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ينفض ترابَ قبر سلفه سليمان بن عبد الملك أحد خلفاء بني أمية، وقد توفِّي ودُفن، حتى سمع للأرض من حولـه رجَّة، فقال: (ما هذه؟ قالوا: هذه مراكبُ الخلافة يا أمير المؤمنين، هذه مراكب الخلافة، قد أُعِدَّت لك لتركبها، فنظر إليها عمرُ بطرف عينيه، وقال بصوته المتهدِّج الذي نهكه التعبُ، وأذبله السَّهرُ: مالي ولها) .

ما هو الفرق بين الحقيقة والمظهر ؟

 أيها الأخوة, هناك حقائق، وهناك مظاهر، والحقائق أهمُّ من المظاهر، الحقائق أن يُرضيَ الإنسانُ ربَّه، وأن يكون في طاعة الله، ولكن المظاهر لا نهاية لها، وهذه المظاهر تنتهي عند الموت، ماذا تنفع صاحبها؟ لذلك أولئك الذين يتعلَّقون بالمظاهر, هؤلاء خاسرون، لأن الموت ينهي تلك المظاهر، ويواجهون عملهم إمَّا الذي فيه تقصير، وإما الذي فيه إساءة، أي الذي فيه عدوان، ولو أن أهل الأرض جميعا من دون استثناء أثنوا عليك، ولم يكن اللهُ راضيًا عنك فأنت أكبر خاسر، ولو أن أهل الأرض جميعا سخطوا عليك, وأنت في مرضاة الله فأنت الرابح، لذلك ابتغوا الرِّفعة عند الله، لقد رأى مظاهر فخمة جدًّا، ولكنه قال ببساطة: مالي و لها، نحُّوها عني, بارك الله عليكم .
 الحقيقة أنّ الإنسان بحاجة إلى السعادة، شاء أم أبى، إما أن يستقيها من خارجه، وإما أن تنبع من داخله، فحينما يكون في مرضاة الله عزوجل تنبع من داخله، وحينما لا يكون في مرضاة الله يبحث عنها من خارجه، يبحث عنها في الطعام، وفي البيت الفخم, وفي المركبة الفارهة، وفي الجاه العريض، وفي مُتع الأرض، لكن حينما يكون في مرضاة الله, فهذه السعادة تنبع من ذاته، لذلك لا يعبأ المخلِصُ كثيرا بهذه المباهج، ولا تلك المظاهر، إنها لا تعني عنده شيئا، ولا تقدِّم ولا تؤخَّر، أنت بين الحقائق وبين المظاهر، من قُذِف في قلبه بنور ربَّاني يرى بهذا النور الحقائق، فلا ينخدع بتلك المظاهر، نحن ما الذي يهلكنا؟ المظاهر، فلو دخلت إلى البيوت, ما الذي يجعل الخلاف بين الزوجين؟ المظاهر، هي تريد المظاهر، ودخله لا يسمح له بذلك، لقد دقَّت المظاهرُ رقابَ الرجال، و أحيانا لا أقول: افعلوا هذا، لكن تجلس في بيت بسيط جدا على الأرض، هناك أثاث لغرفة الضيف يكلَّف أربعمائة ألف، وأحيانا أجلس في غرفة ضيوف فيها فُرش من الإسفنج، لا يزيد سمكُها عن أربعة سنتيمتر، مغلَّفة بقماش رخيص، فإذا هناك السرور، وهناك المحبَّة لله، وهناك الشعور بالقرب من الله، ومهما كان الأثاثُ بسيطا فإنّه يسعدُك، وفي حالة البعد عن الله عزوجل مهما كان البيتُ فخما و الأثاث وفيرا فلا يسعدك، فهنيئا لمن عرف الحقائق، وهنيئا لمن وضع يده على سرِّ السعادة، وهنيئا لمن وضع يده على حقيقة حياة الإنسان .
 في الدنيا مظاهر وحقائق، فتعليقي على هذه الكلمة، قال: (ما هذا؟ قالوا: إنها مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين، قد أُعدَّت لك لتركبها، فنظر إليها عمرُ بطرف عينيه، وقال بصوته المتهدِّجِ الذي نهَكه التعبُ وأذبَله السَّهرُ: ما لي ولها، نحُّوها عني, بارك الله عليكم .
 -ذكرتُ هذه القصَّة مراتٍ عديدة، وسمعتُ أن قريةً من قرى غوطةِ دمشقَ, اتَّفق وجهاؤُها على أن الخاطب لا يُكلَّف إلا بخاتم وساعة، كلُّ هذه المظاهر تحتَ أقدامهم، فيسَّروا بذلك الزواجَ، والآن ما الذي يقف عقبةً أمام زواجِ الشباب؟ إنها المظاهرُ، طلباتُ الأهل: بيتٌ مساحته كذا، بالموقع الفلاني، وغرفةُ الضيوف من النوع كذا، غرفةُ النوم من النوع كذا، ويجب أن يُلبِس مخطوبتَه كذا وكذا وكذا، فتكلَّف الخاطب ثلاثةِ ملايين، اتركوا ابنتكم عندكم، ومَن الذي أشقى البيوتَ؟ المظاهر، لو أخلصنا لله عزوجل، واتَّصلنا به, لانبعثت السعادةُ من داخلنا، هذا الينبوع من السعادة يغنينا, ويزهِّدنا بمصادر اللذة الخارجية- .
 قال: نحُّوها عني, بارك الله عليكم، وقرِّبوا لي بغلتي، فإن لي فيها بلاغا، ثم إنه ما كاد يستوي على ظهر البغلة, حتى جاء صاحبُ الشُّرَط ليمشي بين يديه، ومعه ثُلةٌ من رجاله, اصطفُّوا عن يمينه وعن شماله، وفي أيديهم حِرابهم اللاَّمعة، فالتفت إليهم، وقال: مالي بك وبهم حاجة، فما أنا إلا رجل من المسلمين، -عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ, قَالَ:

((أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ, فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ, فَقَالَ لَهُ: هَوِّنْ عَلَيْكَ, فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ, إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ, تَأْكُلُ الْقَدِيدَ))

[أخرجه ابن ماجه في سننه]

 قال: فما أنا إلا رجل من المسلمين، أغدو كما يغدون، وأروح كما يروحون) .
 سأقول لكم هذه الحقيقة: إذا كان الإنسانُ بسيطا متواضعا طبيعيا من دون تكلُّف، ومن دون أُبَّهة، ومن دون عظمة، ومن دون كهنوت، ومن دون هيئة، ومن دون موكب ضخم ، هل تقلُّ محبُّتُه في قلوب الناس؟ لا واللهِ، بل ربما زادت .

إليكم خطبة الخلافة لعمر بن عبد العزيز :

 قال: (ثم سار وسار الناسُ معه حتى دخل المسجدَ، ونودِي للصلاة؛ الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، فتسايل الناسُ على المسجد من كل ناحية، فلما اكتملت جموعُهم, قام فيهم خطيبا، فحمد اللهَ، وأثنى عليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
 أيها الناس إني قد ابتُليتُ بهذا الأمر, -ماذا رآه؟ بلاءً، تذكرون أن سيدنا عمر بن الخطاب كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصَّته، وقال: إني قد أمرتُ الناسَ بكذا، و نهيتهم عن كذا، والناسُ كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا، وايمُ اللهِ لا أوتينَّ بواحد وقع فيما نهيتُ الناسَ عنه, إلا ضاعفتُ له العقوبة لمكانه مني, فصارت القرابةُ من عمر مصيبةً- .
 أيها الناس إني قد ابتُليتُ بهذا الأمر، على غير رأيٍ مني، ولا طلب له، ولا مشورة من المسلمين، يبدو أن سليمان بن عبد الملك الذي كان قبله خليفة أوصى له بالخلافة، فقال: هذا الأمر لم يكن لي رأيٌ فيه، ولم أطلبه، ولا كان على مشورة من المسلمين، وإني خلعتُ ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم خليفةً ترضونه، إنما جاء هذا في وصية سليمان بن عبد الملك .
 إذًا: أنا خلعتُ هذه الخلافة من عنقي، وأنتم أحرار في اختيار خليفتكم، فصاح الناسُ صيحةً واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك، فَلِ أمرَنا باليُمن والبركة، أي تولّ أمرنا باليُمن والبركة، فلما رأى أن الأصوات قد هدأت، والقلوب قد اطمأنت، حمد اللهَ كرَّة أخرى، وأثنى على محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، وطفِق يحضُّ الناسَ على التقوى، ويزهِّدهم في الدنيا، ويرغِّبهم في الآخرة، ويذكِّرهم بالموت بلهجة تستلين القلوب القاسية، وتستدرُّ الدموع العاصية، وتجرح من فؤاد صاحبها، فتستقرُّ في أفئدة السامعين .
 -أخواننا الكرام, إذا أحبَّ اللهُ عبدَه ألقى حبَّه في قلوب الناس، لذلك الناسُ عندهم حاسَّة سادسة، يعرفون بفطرتهم الصادق من الكاذب، والمخلص من الخائن، والورِع من المتفلِّت، والذي ينفعهم مِن الذي يضرُّهم، يعرفون هذا بفطرتهم- .
 لذلك أجمع الناسُ أن يختاروا سيدَنا عمر بن عبد العزيز خليفةً للمسلمين عن بيعة، لا عن وصيَّة بعد سليمان بن عبد الملك، ثم رفع صوتَه المتعَب حتى أسمع الناسَ جميعا، وقال: أيها الناس, من أطاع اللهَ وجبتْ طاعتُه، ومَن عصى اللهَ فلا طاعة له على أحد .
 أيها الناسُ, كما قال الصدِيق: أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإن عصيتُ فلا طاعة لي عليكم، ثم نزل من المنبر، واتَّجه إلى بيته، وأوى إلى حجرته ، فقد كان يبتغي أن يصيب ساعة من الراحة, بعد ذلك الجُهد الجهيد الذي كان فيه منذ وفاة الخليفة) .

ما رأيك في هذا الموقف لابن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ؟

 الآن انتهينا من سيدنا عمر بن عبد العزيز، لأن الموضوع ليس عنه، بل الموضوع عن ابنه عبد الملك، وشيء رائع جدا، بل شيء لا يُقدَّر بثمن أن يكون الإنسان عظيما بدينه، وعلمه، وورعه، وأن يكون ابنُه على شاكلته، فمِن سعادة المرء أن يشبه الابنُ أباه .
 الآن دقِّقوا في القصة التالية؛ سيدنا عمر بن عبد العزيز ما كاد يسلم جنبَه إلى مضجعه حتى أقبل عليه ابنُه عبد الملك، وكان يومئذ يتَّجه نحو السابعة عشرة من عمره، وقال : (ما تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين؟ -والآن هناك نقطة دقيقة، يقولون: أزهد الناس بالعالم أهلُه وجيرانه، يكون للإنسان شأن كبير، ولكن في بيته يُنادى باسمه، ولكن هذا الخليفة العظيم ربَّى أولادَه تربية عالية، حيث إنّ ابنه إذا أراد أن يخاطبه في البيت, يقول له: يا أمير المؤمنين، وهذا من الأدب، والنبيُّ عليه الصلاة و السلام رأى شابا يمشي أمام شيخ فنهاه، فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه, أنَّ النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم رأى رجلاً معه غلام، فقال للغلام :

((مَنْ هَذَا؟ قال: أبي، قال: فَلا تَمْشِ أمامَهُ، ولا تَسْتَسِبَّ لَهُ، وَلا تَجْلِسْ قَبْلَهُ، وَلا تَدْعُهُ باسْمِهِ))

 قال النوويّ: قلت: معنى لا تَسْتَسِبَّ له: أيْ لا تفعل فعلاً يتعرّض فيه لأن يسبّك أبوك زجراً لك, وتأديباً على فعلك القبيح- .
 قال: ماذا تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين؟ فقال: أيْ بنيَّ أريد أن أغفُوَ قليلا، فلم تبقَ في جسدي طاقة، -يقال لك: عُصرت عصرا، هل هناك شيء خلاف الأصول؟ إنسان يومان أو أكثر في عمل مستمر وشاق، أراد أن يغفو قليلا- فقال ابنُه: أتغفو قبل أن تردَّ المظالم إلى أهلها يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني قد سهرتُ البارحة في عمِّك سليمان، وإني إذا حان الظهرُ صليتُ بالناس، ورددتُ المظالم إلى أهلها إن شاء الله، قال ابنُه: ومَن لك يا أمير المؤمنين أن تعيش إلى الظهر؟ قال له: وهل تضمن أن تعيش إلى الظهر؟ -فألهبت هذه الكلمات عزيمةَ عمر، وأطارت النومَ من عينيه، وبعثت القوةَ والعزم في جسده المتعب- وقال : ادنُ مني يا بني، فدنا منه, فضمَّه إليه، وقبَّل ما بين عينيه، وقال: الحمد لله الذي أخرج من صلبي, من يُعِينُنِي على ديني .
 -أيها الأخوة، الذي عنده زوجة توقظه للصلاة، لا بدَّ أن يذوب شكرا لله عزوجل، والذي عنده ابنٌ فيه ورع، عنده ورع على أخواته، لا يحب المعصية، هذا من سعادة المرء، تأثَّر تأثرا لأن ابنه لم يسمح له أن ينام ساعة، قبل أن يردَّ المظالم إلى أهلها- ثم قام وأمر أن ينادى في الناس: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها) .

إليكم الحديث عن عبد الملك بن عبد العزيز :

 الآن بدأنا في القصة الثانية؛ فمَن عبد الملك هذا؟ وما خبرُ هذا الفتى الذي قال عنه الناسُ: (إنه هو الذي أدخل أباه في العبادة، وسلكه مسلك الزهادة) تعالوا نلمَّ بقصة هذا الفتى الصالح من أولها .
 كان لعمر بن عبد العزيز خمسة عشر ولدا، لي قريب ذهب إلى أمريكا لعند أخيه، قال لي: البيتُ المقابل؛ الفيلا المقابلة فيها شُرفة، وفيها ألبسة أطفال موضوعة على الشرفة، فيبدو بعد حين، أن هناك صداقة وعلاقة بين الجارين، فزار هذا الضيفُ من سورية جارَ أخيه، ومن حديث إلى حديث, سأله: كم ولدا عندك؟ فقال: ليس عندي أولاد، فقال له: عجيب! إني رأيت بعيني ألبسة أولاد صغار في الشرفة، قال: هذه ألبسة الكلاب، ليس عندي أولاد، الابن في هذه البلاد عبءٌ على أبيه، لأن هذا الابن ليس لأبيه، أما طريق المنهج الإسلامي فأقرب شيء إلى الأب ابنُه، لذلك ربُّنا عز وجل ينتظر من المؤمن بعد عرفات أن يذكر كما يذكر أباه، قال تعالى:

﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾

[سورة البقرة الآية: 200]

 والعرب في الجاهلية إذا أرادوا أن يسبُّوا إنسانا, يقولون: لا أبا لك، قال الشاعر زهير بن أبي سُلمى:

سئمت تكاليف الحياةِ ومن يعشْ  ثمانينَ حولاً لا أبَا لك يسأمِ


 كان لعمر بن عبد العزيز خمسة عشر ولدا، فيهم ثلاث بنات، وكانوا جميعا على حظٍّ موفور من التقى، ومقام كبير من الصلاح، لكنَّ عبد الملك كان واسطة العقد، وكوكبة أخوته، فقد كان أديبا، وكان أريبا ذكيا، له سنُّ الفتيان، وعقلُ الكهول، وأروع ما في الشاب عقلُه الكبير، وأروع ما في الشاب ورعُه، وأروع ما في الشاب معرفتُه، وأروع ما في الشاب أدبُه، وأروع ما في الشاب عفَّته، وأروع ما في الشاب توبتُه، وأروع ما في الشاب حبُّه لله عزوجل، وربُّنا عز وجل يعجب لهذا, فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنْ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ))

[أخرجه أحمد في مسنده]

 يعجب ربُّنا عز وجل، إن الله يباهي الملائكة بالشاب المؤمن، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ, قَالَ: قَالَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدِي تَرَكَ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي, وَالصَّوْمُ لِي, وَأَنَا أَجْزِي بِهِ))

[أخرجه أحمد في مسنده]

 ثم إنه نشأ في طاعة الله عزَّ وجل منذ نعومة أظفاره، فكان أقربَ الناس سمتًا إلى آل الخَطَّاب عامة، وأشبههم بعبد الله بن عمر، خاصة في تقواه، وتخوُّفه من معاصيه، وتقرُّبه إليه بالطاعة .
حدَّث ابنُ عمَّه عاصمٌ, فقال:

((وفدتُ على دمشق، فنزلتُ على ابن عمي عبد الملك، وهو عازِب، فصلينا العشاء، وأوى كلٌّ منا إلى فراشه، فقام عبد الملك إلى المصباح فأطفأه، وأسلم كلٌّ منا جفنيه إلى الكرى، ثم إني استيقظتُ في الليل، فإذا عبد الملك قائم يصلِّي في العتمة، وهو يقرأ قوله جل وعلا:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾

[سورة الشعراء الآية: 205-207]

 -بالمناسبة؛ في سورة الأعراف فيما أذكر, بعد أن تكلَّم ربُّنا عز وجل عن قصص الأنبياء، وكيف أن أقوامهم كذَّبوهم، وكيف أن الله أهلكهم, قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾

[سورة الأعراف الآية: 94-95]

 هذه الآية تفيد أن ربنا عز وجل, أوَّلاً: يرسل الرسول، وثانيا: يسوق الشدائد, وثالثا: يبدِّل السيئة بالحسنة، ورابعا: يقصم، هذا قانون، أولا: دعوة سلمية, فإذا لم يستجِبْ للحسنى صبَّ عليه الشدائد، وإذا ما تضرَّع فتح عليه بالخيرات، فإذا لم يشكر قصَمه بإهلاك وعذاب، هذا قانون، وهذا القانون ينطبق على الأمم، والشعوب، وعلى الأفراد، واللهُ عز وجل يسوق إليك مَن يسمعك الحقَّ، فإن استجبت انتهى كلُّ شيء، وإن لم تستجب أتَت الشدائد، وإن تضرَعت نجوت من الشدائد، وإن لم تتضرع أتى الرخاءُ الاستدراجي، وإن لم تشكر أتى القصمُ، قال تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾

[سورة الشعراء الآية: 205-207]

 قال ابنُ عمه عاصم: فراعني منه أنه كان يردِّد الآيةَ، وينشج نشيجا مكبوتا, يقطِّع نِياطَ القلوب، -والحقيقة أنّ صلاة الليل صلاة الإخلاص، أنت قد تؤدِّي الفرائض خوفا من الله عزوجل، ولكنك لا تؤدِّي النوافل إلا حبًّا لله عزوجل، تماما كالذي يؤدِّي الضريبة خوفا من المضاعفة أو العقاب، لكن الذي يتبرَّع هذا دليل محبَّة، وتأدية الضريبة دليل خوف، لكن التبرُّع دليل محبَّة، فأداء الزكاة دليل خوف، وأداء الصدقة دليل محبة، وأداء الصلوات الخمس دليل خوف، وصلاة الليل دليل محبة- .
 قال: وكان كلما فرغ من الآية عاد إليها, حتى قلتُ: سيقتله البكاءُ، فلما رأيتُ ذلك, قلتُ: لا إله إلا الله، والحمد لله، كما يفعله المستيقظ من النوم، لأقطع عليه البكاءَ، فلما سمعني سكتَ، فلم أسمع له حسًّا) .
 تتلمذ هذا الفتى العمري على أكابر علماء عصره، حتى تملَّى من كتاب الله، وتضلَّع بحديث رسول الله، وتفقَّه في الدين، فغدا على حداثة سنِّه, يزاحم الطبقةَ الأولى من فقهاء أهل الشام في زمانه .

إليكم هذا الموقف الذي يشهد لعبد الملك بن عبد العزيز بالعلم :

 فقد رُوي أن عمر بن عبد العزيز جمع قرَّاءَ الشام وفقهاءها، وقال:

 (إني قد دعوتكم لأمر هذه المظالم التي في أيدي أهل بيتي، فما ترون فيها؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين, إن ذلك أمر كان في غير ولايتك، ليس لك علاقة، قضية سابقة، وأن وزرَ هذه المظالم على من غصبها، -فطرة سليمة، فلم يرتح إلى ما قالوا، أحيانا الإنسان يسمع أول فتوى لصالحه، وثاني فتوى، وثالث فتوى، ورابع فتوى، وخامس فتوى، ويقول: لستُ مرتاحا، ما هو الدليل؟ فطرة نقيَّة طاهرة، فعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ, قَالَ:

((أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لَا أَدَعَ شَيْئًا مِنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ, وَإِذَا عِنْدَهُ جَمْعٌ, فَذَهَبْتُ أَتَخَطَّى النَّاسَ, فَقَالُوا: إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ, فَقُلْتُ: أَنَا وَابِصَةُ, دَعُونِي أَدْنُو مِنْهُ, فَإِنَّهُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ, فَقَالَ لِي: ادْنُ يَا وَابِصَةُ, ادْنُ يَا وَابِصَةُ, فَدَنَوْتُ مِنْهُ, حَتَّى مَسَّتْ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ, فَقَالَ: يَا وَابِصَةُ, أُخْبِرُكَ مَا جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْهُ أَوْ تَسْأَلُنِي, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَأَخْبِرْنِي, قَالَ: جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ, قُلْتُ: نَعَمْ, فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ, فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهَا فِي صَدْرِي, وَيَقُولُ: يَا وَابِصَةُ, اسْتَفْتِ نَفْسَكَ, الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ, وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ, وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ, وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ, وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ, قَالَ سُفْيَانُ: وَأَفْتَوْكَ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 اسمعوا هذه الكلمة: لو استطعتَ أن تنتزع من فم النبيِّ عليه الصلاة والسلام فتوى لصالحك، ولم تكن محِقًّا فلن تنجَو من عذاب الله، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ, وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ, فَلَا يَأْخُذْهَا))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 لو أن القاضي الذي حكم لك هو رسولُ الله، ولم تكن محقًّا, فلن تنجوَ من عذاب الله- فالتفتَ إليه أحدُهم ممّن كان يرى غيرَ رأيهم، وقال: يا أميرَ المؤمنين, ابعث إلى عبد الملك, فإنه ليس دونَ من دعوتَ علمًا أو فقها أو عقلا، أي هؤلاء الذين دعوتهم علماء وفقهاء، ولكن ابنَك ليس أقلَّ منهم فقها ولا علما ولا عقلا، فلما دخل عليه عبدُ الملك, قال له عمر: ما ترى في هذه الأموال التي أخذها بنو عمِّنا من الناس ظلما، وقد حضر أصحابُها, وجعلوا يطلبونها ، وقد عرفنا حقَّهم فيها؟ فقال عبد الملك لأبيه: أرى أن تردَّها إلى أصحابها ما دمتَ قد عرفت أمرها, وإنك إن لم تفعل, كنتَ شريكا للذين أخذوها ظلما, فانبسطتْ أساريرُ عمر، و ارتاحت نفسُه، وزال عنه همُّه، ولقد آثر الفتى العمري المرابطة على الثغور، والإقامة في إحدى المدن القريبة منها على البقاء في بلاد الشام) .
 ما هي مضمون الرسالة التي أرسلها عمر لابنه حينما آثر البقاء على الثغور, ومع من أرسلها, وكيف وجد هذا المرسل عبد الملك؟
 الآن مشهد جديد في القصة؛ عبد الملك بن عبد العزيز آثر أن يبقى على الثغور, في قرية على حدود البلاد، عن أن يبقى في بلاد الشام، فمضى إليها، وخلَّف وراءه دمشق ذات الرياض النظرة، والظلال الظليلة، والأنهار السبعة، وكان أبوه على الرغم من كل ما عرفه؛ من صلاحه وتقاه خائفًا عليه من نزعات الشيطان، كثير الإشفاق عليه من نزوات الشباب، حريصا على أن يعلم من أمره كل ما يجوز له أن يعلم، وكان لا يغفل عن ذلك أبدا، ولا يهمله.
حدَّث ميمونُ بن مهران وزيرُ عمر بن عبد العزيز وقاضيه ومستشاره, فقال: (دخلتُ على عمر بن عبد العزيز، فوجدتُه يكتب رسالة إلى ابنه عبد الملك، يعظُه فيها، وينصحه، ويبصِّره، ويحذِّره، وينذره، ويبشِّره، وكان مما جاء فيها قولُه:
 أما بعد؛ فإنّ أحقَّ مَن وَعَى عنِّي وفَهِم قولي لأنت, وإنّ اللهَ وله الحمدُ قد أحسن إلينا في صغير الأمر وكبيره، فاذكُر يا بنيَّ, فضلَ الله عليك وعلى والديك، وإياك والكِبر والعظمة، فإنها من عمل الشيطان، وهو للمؤمنين عدوٌّ مبين، واعلم أني لم أبعث إليك بكتابي هذا لأمرٍ بلغني عنك، فما عرفتُ من أمرك إلا خيرا، غير أنه بلغني عنك شيءٌ من إعجابك بنفسك، ولو أن هذا الإعجاب خرج بك إلى ما أكره, لرأيتَ مني ما تكره .
 قال ميمونُ: ثم التفت إليَّ عمرُ, وقال: يا ميمون, إن ابني عبد الملك قد زُيِّن في عيني، وإني أتَّهم نفسي في ذلك، وأخاف أن يكون حبِّي له قد غلب على علمي به، وأدركني ما يدرك الآباء من العمى عن عيوب أبناءهم، قال له: فَسِرْ إليه, واسبِرْ غورَه وانظُر, هل ترى فيه ما يشبه الكبرَ والفخر, فإنه غلام حدَثٌ, ولا آمنُ عليه الشيطان؟ قال ميمون: فشددتُ الرحالَ إلى عبد الملك, حتى قدمتُ عليه, فاستأذنتُ ودخلتُ، فإنه غلام في مقتبل العمر، رَيَّانُ الشباب، بهيُّ الطَّلعة، جمُّ التواضع، قد جلس على حاشية بيضاء فوق بساط من شَعر، فرحَّب بي ثم قال:
 قد سمعتُ أبي يذكرك بما أنت أهلٌ له من الخير، وإني لأرجو أن ينفع اللهُ بك، فقلتٌ له: كيف أجدك؟ فقال: بخير من الله عز وجل و نعمة، غير أني أخشى أن يكون غرَّني حسنُ ظن والدي بي، وأنا لم أبلغ من الفضل كل ما يظنُّ، وإني لأخـاف أن يكون حبُّه لي قد غلبه على معرفته بي, فأكون آفةً عليه، فعجبتُ من اتِّفاقهما! ثم قلتُ له: أعلمني من أين معيشتُك ؟ قال: من غلَّة أرض اشتريتها ممن ورثها عن أبيه، ودفعتُ ثمنها من مالٍ لا شبهة فيه، فاستغنيتُ بذلك عن فيء المسلمين, قال: فما طعامُك؟ قال: ليلةً لحمٌ، وليلةً عدسٌ وزيت، وليلة خلٌّ وزيت، قلت له: أما تعجبك نفسُك؟ قال: قد كان فيَّ شيء من ذلك، فلما وعظني أبي, بصَّرني بحقيقة نفسي، وصغَّرها عندي، وحطَّ من قدرها في عيني، فنفعني اللهُ عز وجل بذلك، فجزاه اللهُ من والدٍ خيرا، فقعدتُ ساعة أحدِّثه، وأستمتع بمنطقه، فلم أرَ فتًى كان أجمل وجهًا، ولا أكمل عقلا، ولا أحسن أدبا منه على حداثة سنِّه، وقلَّة تجربته، فلما كان آخرُ النهار أتاه غلامٌ, فقال:
أصلحك اللهُ قد فرغنا، فسكت، فقلت: ما هذا الذي فرغوا منه؟ قال: الحمام، قلتُ: و كيف؟ قال: اخلوه لي، قلتُ: لقد كنت وقعت من نفسي موقعا عظيما، حتى سمعت هذا الآن ، فذُعِر واسترجع, وقال: وما في ذلك يا عمُّ - يرحمك الله-؟ قلت: الحمام لك, قال: لا، قلت: فما دعاك أن تخرج الناسَ منه, كأنك تريد بذلك أن ترفع نفسك فوقهم، وأن تجعل لها قدرًا يعلو على أقدارهم, ثم إنك تؤذي صاحبَ الحمام في غلَّة يومه، وتُرجع من أتى حمَّامه خائبا، قال: أما صاحب الحمام فأنا أرضيه، وأعطيه غلَّة يومه كلَّها، قلتُ: هذه نفقة سرف خالطها كِبرٌ، وما يمنعك أن تدخل الحمام مع الناس, وأنت كأحدهم؟ قال: يمنعني من ذلك: أن طائفة من رعاع الناس بغير أُزُر, فأكره رؤيةَ عوراتهم، وأكره أن أجبرهم على وضع الأُزر, فيأخذون ذلك عليَّ, على أنه اقتدارٌ مني عليهم بسلطان, الذي أسأل الله أن يخلِّصنا منه كفافا, لا لنا ولا علينا، فعِظني رحمك الله عظةً أنتفع بها, واجعلْ لي مخرجا من هذا الأمر، قلت: انتظِر حتى يخرج الناسُ من الحمام ليلا, ويعودوا إلى بيوتهم, ثم أدخله وحدك، قال: لا جرم ، لا أدخله نهارا بعد اليوم، ولولا شدَّة برد هذه البلاد, ما دخلته أبدا, وقال: أقسمتُ عليك لتطوِينَّ هذا الخبرَ عن أبي، إني أكره أن يظلَّ ساخطا عليَّ، وإني لأخشى أن يحول الأجل دون الرضا منه.
 قال ميمون: فأردتُ بعد ذلك أن أسْبِر عقلَه, فقلت له: إن سألني أميرُ المؤمنين: هل رأيتَ منه شيئا؟ فهل ترضى ليَ أن أكذب عليه؟ قال: لا، معاذ الله، ولكن قل له: رأيتُ منه شيئا فوعظتُه, وكبَّرتُه في عينه, فسارع في الرجوع عنه، فإن أبي لا يسألك عن كشف ما لم تظهره له، قال: لأن الله عز وجل قد أعاذه من البحث عما استتر، قال ميمون: فلم أرَ والدا قط, ولا ولدا مثلهما, يرحمهما اللهُ عز وجل) .
 هذا هو عبد الملك بن عبد العزيز، وإن كانت قصَّةً قصيرة إلا أن فيها دلالات كثيرة، والعبرة أن تربَّي ابنَك على طاعة الله، وعلى التواضع، وعلى خفض الجناح للمؤمنين، ألم يقل الله عز وجل:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة الشعراء الآية: 215]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS