35911
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية - الطلاق - الدرس ( 3 - 4 ) : التنجيز ، والتعليق ، والطلاق السني، والطلاق البدعي.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-12-27
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإنسان في كل طورٍ من أطوار حياته يهتم بموضوع معين :

أيها الأخوة الأكارم... لا زلنا في موضوع الطلاق، وقد بينت لكم في دروسٍ سابقة أن حاجة المسلمين إلى الموضوعات الفقهية متفاوتة، فهناك موضوعاتٌ تشتد الحاجة إليها، وكيف أشعر أنا أن هذه الموضوعات تشتد الحاجة إليها ؟ تتغير اهتمامات الإنسان في أطوار حياته الدنيوية
من عدد الأسئلة التي تطرح علي في الأسبوع، فإذا طُرحت عليَّ عشرة أسئلةٍ، فنصفها متعلقٌ بالطلاق، وكنت أظن أن هذا يقع به الجهلة من الناس، ولكن الشيء المؤسف هو أن رواد المساجد، وطلاب العلم أحياناً، في ساعة غضبٍ يحلفون بالطلاق وعندئذٍ يقعون في حرجٍ شديد، فانطلاقي من اختيار هذا الموضوع هو أن الواقع يفرض علينا معالجته.
وهناك شيء آخر سوف أوضحه إن شاء الله تعالى هو كيف أن الإنسان في كلِّ طورٍ من أطوار حياته هناك موضوعات يهتم بها، فالشاب يهتم بتأمين مستقبله، فكلُّ خواطره، وكلُّ أفكاره، واهتماماته منصبة على اختيار الفرع في الجامعة، أو اختيار حرفته، فإذا اختار حرفةً واستقر فيها، يقفز إلى ساحة شعوره موضوع الزواج، فإذا هو لسنواتٍ طويلة يبحث عن شروط الزوجة الصالحة، ويبحث عن زوجةٍ صالحة، وبعد الزواج يهتم بالأولاد، يهتم بتعليم أولاده وبتزويج بناته، ثم بعد ذلك يهتم بصحته كثيراً، فهذه الآلة قد تعبت، عندئذٍ إلى العناية بصحته وما إلى ذلك، لهذا في كل طورٍ من أطوار حياته يهتم بموضوع.

في الدين طوران طور معرفة الله وطور معرفة شرعه :

أما في موضوع الدين فهناك طوران ليسا متمايزين لكنهما متداخلين، طور معرفة الله وطور معرفة شرعه، كيف ؟ إنسان في الصحراء تائه، صحراء موحشة، قاحلة جرداء، لا ماء ولا نبات ولا طعام، بل وحوش مفترسة، أخطار، بردٌ مميت، حرٌ مميت، عطشٌ مميت، وبهذه الصحراء واحة فيها كلُّ شيء، فيها الماء العذب النمير، فيها الطعام الوفير، فيها البيت المريح، فالداعية إن رأى شخصاً تائهاً في الصحراء ليس من الحكمة أن يتحدث له عن تفاصيل القصر، من الحكمة أن يدعوه إلى القصر، اذهب إلى هذه الواحة ؟ فإذا دخل هذه الواحة وذاك القصر، الآن ممكن أن تحدثه عن التفاصيل في هذا البناء، وعن أماكن الراحة، وأماكن الطعام، وأماكن الاستجمام، وأماكن اللعب، وأماكن المطالعة، ففي كل مرحلة هناك موضوعٌ يجب أن تهتم به.
فالإنسان قبل أن يعرف الله عزَّ وجل، لا يعنى بدقائق التشريع، لا يعنى بدقائق الفقه، هو في واد والفقه في وادٍ آخر، هو شارد، ضائع، متحيِّر، مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، إذاً موضوع الدعوة إلى الله في طورٍ من أطوار حياة الإنسان يجب أن يتجه إلى تعريفه بالله، وهذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن المؤمن إذا عرف الله، الآن ينشأ عنده حاجة ملحة في معرفة أمره، استقرت نفسه، آمن بالله، وإن كان الإيمان ليس له حدٌ، له بداية وليس له نهاية، ولكن هذا المؤمن بلغ من الإيمان درجةً استقرت نفسه بها، استقرت نفسه، ارتاحت نفسه، عرف أنه لا إله إلا الله، عرف وحدانية الله عزَّ وجل، عرف كماله، عرف وجوده، فنحن في طور أن نبحث عن أمره ونهيه، لذلك في البدايات النفس تتوق إلى معرفة الله بعد أن تعرف جانباً من عظمته تتوق النفس إلى أن تعرف أمره ونهيه، فأرجو الله سبحانه تعالى أن يكون أكثركم قد تجاوز مرحلة معرفة الله عزَّ وجل، لا بمعنى أنه قد أحاط، لا يعرف الله إلا الله، ولكن استقرت نفسه، أي اطمأن بالإيمان، إيمانه أصبح ثابتاً، حمله إيمانه على طاعة الله عزَّ وجل، الآن هو في مجال معرفة الأمر والنهي.

أنواع الطلاق :

1 ـ الطلاق المنجز :

نحن في الطلاق، تحدثنا في الدرس الماضي عن الطلاق بالكتابة، والطلاق عن طريق الرسول، وطلاق الأخرس، وعن موضوعاتٍ أخرى، وعن ألفاظ الطلاق الصريحة، وعن ألفاظ الكناية في الطلاق، وتحدثنا عن حكم الطلاق العام والخاص، واليوم نتحدث عن موضوعاتٍ مهمة في الطلاق، التنجيز، والتعليق، والطلاق السني، والطلاق البدعي، وهذان الموضوعان من أهم موضوعات الطلاق.
فالطلاق أيها الأخوة... قد يقول قائل: أنا وزوجتي متفاهمان تماماً، ما شأني وهذا الموضوع ؟ أقول لكم أيها الأخوة الأكارم: يمكن أن تعرف الله من خلال خلقه، ويمكن أن تعرفه من خلال تشريعه، ويمكن أن تعرفه من خلال أفعاله، أفعاله تدل عليه، وتشريعه يدل عليه، وخلقه يدل عليه، فإن لم تستخدم هذا الموضوع، إن لم تكن بحاجةٍ إلى أن تطلق، فأنت بحاجةٍ إلى أن تعرف.
فهناك طلاقٌ منجز، الصيغة المنجزة أن يقول الرجل لامرأته: أنت طالق، هذا الطلاق ليس متعلقاً لا بزمن ولا بشرط، هذا الطلاق المنجز، ليس معلقاً على شرط، وليس مضافاً إلى زمن، بل قصد الذي لفظه أن يقع الطلاق في الحال، كأن يقول الزوج لزوجته: أنت طالق، وبهذا القول تكون قد طلقت، وهذا أخطر أنواع الطلاق.

2 ـ الطلاق المعلق :

لكن الطلاق الآخر هو الطلاق المعلَّق، أي أن الزوج جعل وقوع الطلاق معلقاً على شرط، فإن ذهبت إلى مكان كذا فأنت طالق، إن ذهبتِ إلى بيت أختك فلانة فأنت طالق، إن خرجتِ من البيت قبل مضي شهرٍ فأنت طالق، إن فعلتِ كذا فأنت طالق، هذا طلاقٌ معلق، الطلاق المنجز يقول: أنت طالق، لم يُعلِّق الطلاق على شرط، ولم يضفه إلى زمن، أما الطلاق المعلق فهو أن يجعل وقوع الطلاق مرتبطاً بشرطٍ، أو مضافاً إلى زمنٍ.

شروط الطلاق المعلق :

قال: الطلاق المعلق له ثلاثة شروط، أول شرط: أن يكون الشرط الذي علَّقه به معدوماً، إن قال لزوجته: إن طلعت الشمس فأنت طالق، والشمس طالعة، هذا الطلاق ليس له معنى، يجب أن يكون الشرط معدوماً حين التلفظ بالطلاق.
لو فرضنا شخصاً قال لامرأته: إذا جاء رمضان فأنت طالق ونحن في رمضان فقال بعض العلماء: هذا الطلاق لا يقع، لأن الشرط لم يكن وقت التلفُّظ به معدوماً، وبعضهم قال: يقع، هو طلاقٌ منجز في صيغة طلاقٍ معلق.
ويوجد عندنا شيء آخر، الشرط إذا كان مستحيلاً فهذا الطلاق يعد لغواً، إنسان قال: إن دخل هذا الجمل في سم الخياط فأنت طالق، مع أن القرآن الكريم ذكر هذا الشرط:

﴿ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 40]

المتواضعون فقط من تفتح لهم أبواب السماء
وقد حيرت هذه الآية العلماء، والحقيقة القضية سهلة جداً، هذه صورة رمزية، أي أن هذا الإنسان المتكبر الذي هو كالجمل، لا تُفَتَّح له أبواب السماء، ولا يسمح الله له بالإقبال عليه، ولا يتجلى على قلبه، حتى يخرج من كبره، ومن بعبعته، ومن تطاوله، ومن شعوره بالتفوق، فإذا صغر وصغر وصغر وانكمش وصغر وصغر حتى أمكنه أن يدخل في سم الخياط عندئذٍ تفتح له أبواب السماء، عندئذٍ يتجلى الله على قلبه، عندئذٍ يكشف الله عن بصيرته، فنحن في الآية الكريمة هكذا فسرها المفسرون، ليس شرطاً تعجيزياً ولكنه شرطٌ متعلقٌ بنفسية الإنسان، فكلما كبرت نفسه، ونظرت إلى نسبها أو حسبها أو غناها أو شكلها، كانت هذه النظرة المستعلية حجاباً بينه وبين الله عزَّ وجل.
الشرط الأول: أن يكون الشرط الذي علقت عليه الطلاق معدوماً حين إيقاع الطلاق فإن كان موجوداً أو كان مستحيلاً الطلاق لا يقع.
الشرط الثاني: أن تكون المرأة حين صدور العقد محلاً للطلاق بأن تكون في عصمته، لو فرضناه قال: إن جاء رمضان فأنت طالق، طلقها في شيء آخر، جعلها تفترق عنه قبل رمضان، إذاً يجب أن تكون محلاً للطلاق حين إيقاع الطلاق، ويجب أن تكون محلاً للطلاق حين وقوع الشرط الزمني، فأكثر الأسئلة التي تأتيني في الطلاق من الطلاق المُعلق، لكن المنجز بحالات الغضب الشديد، بحالات أن يرغب الزوج بمنع زوجته من فعلٍ ما، أو حملها على فعلٍ ما يستخدم الطلاق المعلق، وفي حالات الغضب الشديد يستخدم الطلاق المنجز.
الآن التعليق قسمان، القسم الأول يقصد به الحمل على الفعل أو الترك، أي وكأنه يمين.

أنواع الطلاق المعلق :

الآن أصبح الموضوع دقيقاً، أحياناً تجد الإنسان يحب زوجته ويكره فراقها، وهي تعجبه وهو يعجبها، وهو سعيدٌ بها وسعيدةٌ به، لكنه يكره أن تزور أختها، لأن أختها كلما زارتها رجعت بوضعٍ لا يرضي، رجعت متأففةً، رجعت منتقدةً، رجعت تحمل عليه، رجعت تطالبه بما لا يطيق، فقد تكون الأخت بحالة مادية جيدة جداً، وسيدنا عمر قال: " من دخل على الأغنياء - طبعاً غير المؤمنين - خرج من عندهم وهو على الله ساخط "، فهذا الزوج والله معه حق، كلما بعثها عند أختها ترجع متغيرة، لم تكوني كذلك، ذهبت مبسوطة مسرورة، ترجع تجدها منزعجة، متبرمة من هذه العيشة، لم تكوني تتكلمين بهذا الكلام، فالزوج انزعج، فإذا به يحلف عليها يمين طلاق: أنك إذا ذهبت إلى بيت أختكِ فأنت طالق، هذا الذي يحصل أكثر الأسئلة بهذا الموضوع، يكره الزوج بيتاً من البيوت، قد يكون أحد البيوت به غنى فاحش مع ضعف في الإيمان، وفيه كبر واستعلاء، فهذه المرأة الساذجة إذا ذهبت إلى هذا البيت تشعر أنها محرومة من كل شيء، خرج من عندهم وهو على الله ساخط فقد ورد في سنن الترمذي:

((إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ، وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ، وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ))

[الترمذي عَنْ عَائِشَةَ ]

أحياناً تجد بيتاً متفلتاً من الدين، النساء سافرات كاسيات عاريات مائلات مميلات، أجهزة لهو، اختلاط، لا يوجد فيه انضباط، فهذه الزوجة تذهب إلى هذا البيت تعود متأثرة، إيمانها ضعيف، فهو كلما رآها ذهبت إلى هذا البيت انزعج، لذلك وهذا من باب الإحصاء أكثر الأزواج يحلفون على زوجاتهم يمين طلاقٍ معلقٍ، بألا يزرن زيداً أو عبيداً، أو فلانة أو علانة، أو بيت أختها، أو بيت أمها، إلى آخره، لكنه يحبها وتحبه، ويسعد بها وتسعد به، ويكره فراقها كفراق دينه، هذا طلاقٌ معلقٌ سماه العلماء طلاقاً قسمياً أي حينما حلف بالطلاق كأنه أقسم عليها، ما أراد الطلاق إطلاقاً، لكنه كأنه استخدم يميناً مغلظةً، أي إن فعلت كذا فأنت طالق
ويوجد عندنا طلاق معلق من نوع آخر، هذا الطلاق يقصد من تلفَّظ بالطلاق أن يقع الطلاق لو حصل هذا الشرط، أي هو يضيِّق عليها حتى تبرؤه من متأخرها، إن سامحتني في متأخرك فأنت طالق، هذا طلاق ليس قسمياً، إن ضبطك مع فلان، نبهها مرة واثنتين أنت طالق إن دخل ابن عمك من دون إذنٍ مني، هذا من نوع آخر.
الطلاق المعلق ؛ طلاق قسمي، وطلاق انجازي، بمعنى إن وقع هذا الشرط فهو يريد أن يقع الطلاق.
رأي العلماء في هذين الموضوعين من الطلاق، عند جمهور العلماء هذان الطلاقان المعلقان الأول المقصود منه القسم، والثاني المقصود منه الوقوع، يقعان عند جمهور العلماء وعند ابن حزمٍ يرى أنه لا يقع، وعند بعض العلماء هناك تفصيلات فقال: إن الطلاق المعلق الذي فيه معنى اليمين غير واقع، وتجب فيه كفارة اليمين، وهي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام .
أما الطلاق الشرطي، أي إن فعلتِ كذا فأنت طالق، والزوج يريد أن يقع الطلاق إن فعلت كذا، هذا رأي العلماء في موضوع الطلاق المعلق.
المحاكم في العالم الإسلامي أخذت بالرأي المعتدل، وهو أن الطلاق المعلق الذي فيه معنى اليمين لا يقع، وكفارته كفارة يمين، وأما الطلاق الذي فيه معنى الشرط فيقع ولو كان معلقاً، فأصبح عندنا طلاق منجز وطلاق معلق، الطلاق المنجز يقع فوراً، والطلاق المعلق إن كان فيه معنى اليمين، إن أراد بهذا الطلاق أن يحملها على فعلٍ ما، وأن يمنعها من فعلٍ ما، وكان يكره فراقها كفراق دينه، فإن هذا الطلاق لا يقع، لأنه ما أراد الطلاق، ولقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة: 227]

لكن عندنا شيء آخر، لو قال إنسان لزوجته: إذا جاء عيد الأضحى فأنت طالق، بعض العلماء قال: هذا ما فعله النبي أبداً، فلا يوجد في السنة إطلاقاً طلاق مضاف للمستقبل، لذلك بعضهم قال: هذا لا يقع، والإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، وهو من المتشددين جداً في موضوع الطلاق قال: يقع في الحال، لو أضفت الطلاق إلى وقتٍ قادم، عند أبي حنيفة يقع في الحال، وبعض العلماء قال: هذا الطلاق الذي أضيف إلى المستقبل، يقع في وقت إضافته في المستقبل الذي يأتي، هذا الطلاق المنجز، والطلاق المعلق، والمعلق نوعين، نوع فيه معنى اليمين، ونوع فيه معنى الشرط.

3 ـ الطلاق السني و الطلاق البدعي :

الآن إلى الطلاق السني، والطلاق البدعي، الطلاق السني هو الطلاق الذي شرعه الله عزَّ وجل، وبينه النبي عليه الصلاة والسلام، فملخص الملخص أن الإنسان أحياناً يأتيه طور استثنائي، يغضب، يتألم، يحزن، في ساعة من ساعات الغضب لا يحب هذه الزوجة يتمنى فراقها، فربنا عزَّ وجل هو خالق الإنسان، ويعرف طبيعته المتقلبة، وطبيعته التي تنطلق في فورانٍ شديد ثم تهمد شيئاً فشيئاً، فلئلا يذهب الأطفال ضحية هذا الأمر الذي ملكه الزوج جعل الله سبحانه وتعالى الطلاق مرتان، قال تعالى:

﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾

[ سورة البقرة: 229 ]

فكل إنسان طلق زوجته ثلاث مرات بمرة واحدة، هذا طلاق بدعي أراد الله عزَّ وجل وهو خالقنا في موضوع فصم هذه العلاقة الزوجية أن نتريَّث، فأجمل آية في هذا الموضوع هي الآية التي يقول الله عزَّ وجل فيها:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

[ سورة الطلاق : 2]

فهذه الآية لو نزعتها من سياقها، لكتب عليها مجلدات:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

[ سورة الطلاق : 2]

أي من يتق الله في تجارته يجعل الله له مخرجاً من الأزمات الطاحنة التي تسحق التجَّار، فقد يشتغل بعشرة أضعاف رأس ماله، ويشتري بضاعة بالدين، وهناك علاقات ربوية، و مشكلات فيفلس، لو أنه اتقى الله في تجارته لما وقع في هذه الإشكال، فالآية عجيبة، عجيبة جداً.
إنسان اتقى الله في اختيار زوجته، اختارها من ذوات الدين، فلا يوجد عنده مشكلة معها، يجعل الله له مخرجاً من المآسي التي تصيب الأزواج الذين اختاروا زوجاتهم على أساسٍ آخر غير دينٍ.
إنسان اتقى أن يشرك بالله، جعل الله له مخرجاً من خوف الشرك، فأصبح لا يخاف، فالآية عظيمة جداً يمكن أن يكتب عنها مجلدات، لكن سبحان الله هذه الآية لو أعدتها إلى سياقها وهي حول الطلاق، لو نزعتها من سياقها، معانيها واسعةٌ جداً، تنطبق على موضوع الشرك والتوحيد، والطاعة والمعصية، واختيار العمل، والزوجة، والتوكل، فهي واسعة جداً، أي إيجاز غني كما يسمونه، أما لو قرأتها في سياق آيات الطلاق، لرأيتها متعلقةً بالطلاق، أي ومن يتق الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً إلى عودتها إليه، طلقها طلاقاً سنياً في ساعة من ساعات الغضب، أو أخذ قراراً بتطليقها، طلقها طلاقاً سنياً طلقة واحدة، هي في بيته، تبقى عنده ثلاثة قروء، اليوم غضبه في أوجه، فاض به الكيل، فغضبه اليوم مئة درجة، غضبه في اليوم الثاني تسع و تسعون، في اليوم الثالث ثمان و تسعون، ثم تجده يقول: والله أنا تسرعت، والله لابأس بها، طبخها جيد، نظيفة، أهلها جيدون، فكل يوم يجد لها ميزة، أول يوم لا أريدك، لا يريد أن يراها، في اليوم الثاني يجد لها خمس ميزات أو ست، تجد هذا العداد نزل ثم نزل، أصبح ثمانين، ستين، خمسين، أربعين، ثلاثين، بعد أسبوعين والله لماذا أنا فعلت هكذا بنفسي؟ فهو طلق طلاقاً سنياً، إذاً إن قال لها: راجعتك، انتهى الأمر، لفظةٌ واحدة، يا فلانة لقد راجعتك، وفي بعض المذاهب إن وضع يده على يدها فقد راجعها، فهو عندما طلق طلاقاً سنياً، سهل جداً أن يسترجعها، لا مهر ولا عقد، سهل جداً أن يسترجعها، هذا معنى الآية:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

[ سورة الطلاق : 2]

لكن لو قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو طالقٌ بالثلاثة، وكل ما يحللك شيخ يحرمك عشرة، حاول أن تحلها، لأنه خالف السنة، فأصبح الطريق إلى إرجاعها صعباً جداً.
فلذلك الطلاق السني أنت لا تندم، الآن قررت أن تطلقها، لكن بعد أن قررت خف الغضب، العداد نزل ونزل، بردت، فلما ذهب عن موسى الغضب، والله تطليقها فيه خطأ كبير عندك أولاد مثل الورد في البيت، وهي ليس لها هذه الإساءة البالغة، أنت طلقت طلاقاً سنياً فهذا جيد، راجعها حتى لو انقضت عدتها، أول شهر، وثاني شهر، وثالث شهر، أو أول قرء والثاني والثالث، فإذا أرادت أن تغتسل من الحيضة الثالثة، أول نقطة من الماء تضعها على جسمها، ملكت نفسها، انتهت العدة، فأسرع قبل أن تسكب على نفسها الماء، فقد ملكت نفسها.
وأيضاً يمكن أن ترجع، سهلة، بعقدٍ جديد، ومهرٍ جديد، هذا التسلسل السني، صارت بينكما مشكلة، حلفت عليها يمين طلاق، وقع الطلاق، ولكن وقع طلقة واحدة، تمضي عدتها في بيتك، ولها أن تتزين، ولها أن تلبس ما تشاء، ولها أن تتزين لك، فإن لم تراجعها في هذه القروء الثلاث، أو في هذه الأشهر الثلاث، واغتسلت من الدورة الثالثة، ملكت نفسها ومع ذلك بإمكانك أن تسترجعها بعقدٍ وبمهرٍ، قد يكون المهر درهماً من الفضة ممكن، لكن الآن ملكت نفسها.

الفرق بين من يراجع امرأته في أيام العدة و من يراجعها خارج أيام العدة :

أيها الأخوة... الفرق بين أن تراجعها في أيام عدتها، وبين أن تعقد عليها عقداً جديداً بعد عدتها، فرق كبير جداً، من يعرفه؟ الفرق إذا انقضت عدتها، العقد الذي ينعقد عليها بعد انقضاء عدتها من شروطه أن ترضى هي، فإن لم ترض طارت من عندك وذهبت، أما إذا راجعتها قبل انقضاء عدتها فليس لها خيار، إن طلقتها وراجعتها في أثناء العدة، هل لها خيار في أن تقبل أو لا تقبل؟ لا ليس لها خيار، وليس هناك مهر، ولا عقد، أما إذا انقضت عدتها ملكت نفسها، كلمة ملكت نفسها أي أن الأمر لها عائد، إما أن توافق على أن تعود لك زوجة وإما ألا توافق، فإن وافقت تأخذ مهراً، إن وافقت لا بدَّ من عقدٍ ومهر، أما إن لم توافق ملكت نفسها وانتهى الأمر، فهذا الكلام دقيق جداً، فإن طلقت وهي في العدة لك أن تراجعها، إذاً الله عزّ وجل قال:

﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾

[ سورة البقرة: 229 ]

فالطلاق السني أي الذي تتبع فيه سنة رسول الله الطلاق مرتان، وكيف إذاً الثالثة؟

﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾

[ سورة البقرة: 229 ]

أما الطلاق البدعي فثلاث طلقات في طلقة واحدة، في مجلس واحد، ولموضوعٍ واحد، ولمشكلةٍ واحدة، دقق في هذه الآيات:

﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾

[ سورة البقرة: 229 ]

المرة الأولى طلقت، ودخلت في العدة، تبقى في بيتك، وتتزين لك، فإن ندمت على هذا التطليق، لك أن تُراجعها، فإن انقضت العدة ولم تراجعها لك أن تعيد العقد والمهر، فإن قبلت استرجعتها، ولك أن تُطلق مرةً ثانية، تدخل في العدة، ولك أن تراجعها وهي في العدة، فإن انقضت عدتها تعقد عليها عقداً ثانياً ومهراً ثانياً وتسترجعها، ولك أن تطلقها مرةً ثالثة، لكن الثالثة ملكت نفسها ولا يحل لها أن تسترجعها حتى تنكح زوجاً آخر، هذه هي المشكلة.

الحكمة من الزوج الآخر :

لكن سبحان الله في موضوع الزوج الآخر هناك حكمة رائعة جداً، أحياناً المرأة تكون سيئة جداً وتظن أن زوجها سيئ، فهذه لو طلقها زوجها الأول وتزوجها آخر، والآخر كرهها إلى أن طلقها ثانيةً، عندئذٍ توقن أنها هي السبب، وأنها هي السيئة، فزوجها الآخر محك للأول، وزوجها الثاني إن كرهها كالأول فالعلة فيها، وإن أحبها فالعلة في زوجها الأول، هذا مؤشر دقيق، طلقها الأول، وتزوجها الثاني، إن كرهها الثاني فالعلة فيها، وإن رضي بها فالعلة في زوجها الأول، فأصبح زواجها الثاني مشعراً يشعرك أن سبب الطلاق إن كان من الزوجة فالثاني سيطلقها، وإن كان من الزوج فالثاني سيرضى بها
. مثل آخر: عندك في المحل موظف سيئ جداً، لكنه أوهم الناس أن معلمه ظالم، يا أخي ليس عنده رحمة، معاش قليل، عمله كثير، لا أحد يتحمل هذا المعلم، استقال، فالموظف الذي أوهم الناس جميعاً أن الخطأ من المعلم هو السيئ، الراتب قليل فلما التحق بوظيفة أُخرى وشاهدوا أخطاءه، وانحرافاته، وتقصيراته، وكسله، صرفوه كذلك، فإذا صرفته الشركة الثانية فالعلة في الموظف، أما إذا قبلته واستفادت منه جداً فالعلة في الأول.
موضوع دقيق جداً، حكمة أنه لا يجوز أن تعود إلى زوجها الأول إلا بعد أن تنكح زوجاً آخر، الزوج الآخر إن لم يطلقها فالعلة من زوجها الأول، وينبغي ألا تعود إليه، وإن طلقها الثاني فالعلة منها عندئذٍ لعلها تراجع نفسها، وتصلح من نفسها، الآية الثانية:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾

[ سورة الطلاق : 1 ]

يوجد عدة، يجب أن تدخل في العدة، أما لو قال لها: طالق بالثلاث، فلم يعد هناك عدة، لأنه في الثالثة لا يوجد عدة، بالأولى يوجد عدة، وبالثانية يوجد عدة، أما بالثالثة فلا يوجد عدة، بالثالثة:

﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾

[ سورة البقرة: 229 ]

الثالثة بينونة كبرى، أما لو أنك طلقتها أول تطليقة، ودخلت في العدة، وانقضت العدة، ملكت نفسها، فهذه بينونة صُغرى، سميت صغرى لأنك تستعيدها من دون أن تحتاج أن تنكح زوجاً آخر، لا بد من عقدٍ ومهرٍ جديدين، هذه نقطة، هذا هو نظام الطلاق السُني، سوف نعيده بشكل مختصر.
طلقت، ودخلت في العدة، يوجد اختياران، إما أن يراجعها وهي في العدة، لا يدفع شيئاً، ولا يعقد عقداً، وليس لها أن ترفض، ولا تحتاج إلى عقد، ولا إلى مهر، وإن طلقتها وانقضت العدة ملكت نفسها، وأصبحت هي في الخيار، فإن وافقت تعود إليك بعقدٍ ومهرٍ جديد، الآن طلقتها تطليقةً ثانية، ودخلت في العدة الثانية، إن راجعتها في أثناء العدة عادت إليك بلا مهر وبلا عقد وبلا اختيار، فإن انقضت العدة ملكت نفسها، فإن قبلت أن تعود إليك فبعقدٍ جديد وبمهرٍ جديد، أما إن طلقتها التطليقة الثالثة، فقد ملكت نفسها ولن تستطيع أن تسترجعها إلا أن تنكح زوجاً آخر، والزوج الآخر هو الحل، إن كانت هي السبب يطلقها الثاني، وإن كنت أنت السبب فالثاني لا يطلقها، هذا الطلاق السُني مأخوذ من قوله تعالى:

﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾

[ سورة البقرة: 229 ]

والأريح من كل هذا إن كانت تعجبك جملةً مقبولة، بنت حلال، أُم أولادك، ألفتها وألفتك، الأفضل أن تبتعد كلياً عن موضوع الطلاق، الآية الثانية:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾

[ سورة الطلاق : 1 ]

أنواع الطلاق البدعي :

الآن مشكلتنا مشكلة المسلمين في الطلاق البدعي، ما أنواع الطلاق البدعي؟
معنى الطلاق البدعي أي طلاقٌ ابتدعه المسلمون خلافاً للشرع، من هذا الطلاق كأن يطلقها ثلاثاً في مجلسٍ واحد، إما ثلاث طلقات متفرقات في مجلس واحد، أو أن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أي رشاً، هذا طلاقٌ بدعي.
الحالة الثانية أن يطلقها في حيض أو في نفاس، هذا طلاق بدعي آخر، لأن الطلاق السُني يجب أن تطلقها في طُهرٍ لم تمسها فيه بالضبط، فإن طلقتها في حيضٍ فهذا طلاقٌ بدعي، وإن طلقتها في طُهرٍ مسستها فيه فهذا طلاقٌ بدعيٌ أيضاً.
أجمع العلماء على أن الطلاق البدعي حرام، أنت حينما تطلق ترتكب شيئاً محرماً، و تكون آثماً، ومعنى حرام أي يُعاقب فاعله، كل إنسان يطلق زوجته ثلاث تطليقات في آنٍ واحد فقد ارتكب حراماً، وهو آثم وسوف يعاقب عند الله عزّ وجل.
لكن السؤال الآن: الطلاق البدعي يقع ؟ هنا المشكلة، حرام حرام، لا يوجد شك أنه حرام، ولا يوجد شك أن فاعله آثم، لكن السؤال هل يقع هذا الطلاق ؟ هذه قضيةٌ خلافية، هناك من ذهب إلى أن طلاق البدعة لا يقع، ثلاث تطليقات في واحدة بدعي، طلقها في حيضٍ أو نفاسٍ بدعي، طلقها في طهرٍ مسها فيه بدعي، بعضهم ذهب إلى أن طلاق البدعة لا يقع، من هؤلاء عبد الله بن معمر، سعيد بن المسيب، طاوس من أصحاب ابن عباس، ابن عقيل من أئمة الحنابلة، أئمة آل البيت، الظاهرية، أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، ابن تيمية هؤلاء جميعاً يرون أن الطلاق البدعي لا يقع، وبعضهم قال: يقع ولو أنه حرام، أي الطلاق البدعي موضوع خلافي بين العلماء، بعضهم يوقعه ومعهم أدلته، وبعضهم لا يوقعه ومعهم أدلته، أي أنك دخلت في منطقة شك، ومنطقة قلق، ومنطقة حيرة، إن أردت أن تُطلق فطلق طلاقاً سُنياً، والطلاق السني ميزته لك مخرجٌ أن تعيدها إليك:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

[ سورة الطلاق : 2]

جمهور العلماء رأوا أن من يطلق ثلاث مرات في مجلس واحد هذا الطلاق يقع ويرى بعضهم عدم وقوعه، والذين رأوا وقوعه اختلفوا، فقال بعضهم : يقع مرةً واحدة، فكم اتجاه يوجد؟ ثلاث طلقات في مرة واحدة، بعضهم قال: لا يقع إطلاقاً، بعضهم قال: يقع، والذين قالوا يقع انقسموا قسمين، بعضهم قال: يقع ثلاث طلقات، وبعضهم قال: يقع طلقةً واحدة.
يوجد عندنا شيء آخر أن هذه المرأة إن طلقها الإنسان ولم يراجعها، لم يستعيدها، فإذا طلقها تطليقةً ثانيةً قبل أن يراجعها التطليقة الثانية لا تقع لأنه لم يتملكها، ليست محلاً للطلاق، القضية دقيقة، طلَّق أول مرة ودخلت في العدة ولم يراجعها، الآن هي ليست زوجته، هي زوجته في البيت، لكن مطلقة، مطلقة وهي في العدة، فإن طلقها تطليقةً ثانية وهي في العدة قبل أن ينهي الأولى إرجاعاً أو إمضاءً فالطلقة الثانية لا تقع لأن الزوجة ليست محلاً للطلاق.

حاجة الطلاق إلى شهود ليقع :

كما أن هناك شهود على الزواج هناك شهود على الطلاق
هناك رأي وهذا الرأي دقيق، أسمعكم الآية التي اعتمد عليها أصحابها، هذا الرأي أن الطلاق يحتاج إلى شهود، الآية الكريمة، قال تعالى:

﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾

[ سورة الطلاق : 2]

فالأشهاد في عقد القِران وفي إنهاء العلاقة، إذاً نضيف إلى شرط الطلاق السُني أن يشهد عليه شاهدان، أصبح الطلاق في المحكمة، أي إذا طلق إنسان زوجته من رأسه إلى رأسها في ساعة غضب تطلق ويضيع الأولاد؟ يوجد رأي وهذا الرأي يراه الإمام عليُّ كرم الله وجهه، والإمام جعفر الصادق، قال : من طلق بغير شهود فليس بشيء . هذا الرأي جيد ومنطقي، أنه كيف تم هذا الزواج ؟ لم ينعقد العقد إلا بشاهدين وهذا العقد لا ينفصم إلا بشاهدين، والدليل:

﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾

[ سورة الطلاق : 2]

إذاً لابد من أن يشهد ذوا عدلٍ على هذا الطلاق، فالطلاق إذاً الذي لا يكون مع شاهدين طلاقٌ لا يقع، في رأي الإمام سيدنا علي، والإمام جعفر الباقر، والإمام جعفر الصادق، كل هؤلاء يرون أن هذا الطلاق لا يقع.

تلخيص لما سبق :

الطلاق البدعي كملخص، من يعيد أنواع الطلاق البدعي ؟ ثلاث طلقات في مجلس واحد، أو طلقها في حيضٍ أو نفاس، أو في طُهرٍ مسها فيه، أو طلقها ولم يراجعها، فليست محلاً للطلاق، أو طلقها من غير شهود، أو اختلف مع شريكه، قال له: هذا الصوف ثلاثون بالمئة بوليستر، قال له: غلطان ثمانون بالمئة بوليستر، تشاجروا، تعاركوا، عليه بالطلاق أن بالمئة ثلاثين بوليستر، فما ذنب زوجته القاعدة في البيت ؟ التي عندها خمسة أولاد، ما ذنبها هذه ؟ قال: هذا الطلاق أيضاً بدعي، هذا يدخل في باب تأكيد الأيمان، اختلفوا على موضوع فحلف بالطلاق، فممكن أن نجمعهم، ثلاث تطليقات في طلقة في مجلس واحد، طلقها في حيضٍ أو نفاس، طلقها في طهرٍ مسها فيه، طلقها قبل أن يراجعها، طلقها بلا شهود، طلقها وهي ليست طرفاً في الموضوع، ليس لها علاقة أبداً، قاعدة في بيتها، فهو قد اختلف مع شريكه، هذه أنواع الطلاق البدعي، هذه كلها محرمة، وفاعلها آثم، أما وقوعها ففيه خلاف، بعض العلماء أوقع هذا الطلاق البدعي، وبعضه لم يوقع هذا الطلاق البدعي، لذلك الإنسان يحتار إذا ذهب إلى بعض المفتين يصعق، هنا قال: طلقت نهائياً، وهنا قال: أرجعها يا بني، عليك كفارة يمين، المسافة بينهما كبيرة جداً، إن اتبعت الأول طلقت والأولاد شُرِدوا، وإن اتبعت الثاني فعليك كفارة يمين فقط، فهذه المسافة الكبيرة في آراء العلماء في موضوع الطلاق أسبابها أن الطلاق البدعي بعضهم أوقعه، وفي مقدمتهم الأحناف، وهم من أشد المذاهب في موضوع الطلاق، والإمام ابن تيمية وابن قيم الجوزية هم الذين جعلوا الطلاق المعلق والطلاق البدعي لا يقع.
أصبح موضوع درسنا اليوم الطلاق المعلق والمنجز والبدعي والسني، والأصح من هذا وذاك لا تطلق لا معلق ولا منجز ولا بدعي ولا سني، أليس من الأفضل لك هكذا؟ يا أخي لا تتكلم معها عدة أيام، اصرخ لا شيء عليك، أو أغلق الباب بشدة ، لكن لا تطلق، فالواحد أحياناً يعبر عن غضبه بأشياء كثيرة جداً، اترك الطلاق يا أخي، هذا الموضوع اتركه قليلاً، أنت لا تمر عند أهلها لكن لا تطلقها، لا تتكلم معها شهراً لكن لا تطلقها، شيء سهل، لأنك إذا دخلت في الطلاق دخلت في الشك، لأني أنا أُعاني هذا الشيء، أعاني من إخواننا الكرام، يذهب من عالم إلى عالم، يقع في تناقض عجيب، يقول لك: كم دين يوجد؟ هنا قال: رأساً طلقها، هنا قال: ادفع كفارة، لا يوجد معك صم ثلاثة أيام وانتهت المشكلة، فيه مرونة، حتى لا تدخل في هذه المتاهة يا أخي، لا تدخل في هذا القلق، أنا أرى موضوع الطلاق، لا بدعي ولا معلق ولا سنة ولا منجز، ولا طاء ولا لام ولا ألف ولا قاف، ولا حرف إذا كلمة فيها كلمة طاء ابتعد عنها أريح لك وإلى هذه الدرجة، وهذا أكمل، إذا كانت الزوجة مقبولة جملةً، أم أولادك وعشت معها ثلاث عشرة سنة أعرف إنساناً طلق بعد سبع وثلاثين سنة، والله قد تأخر في ذلك.

إعادة لأنواع الطلاق :

يوجد عندنا الطلاق الرجعي والبائن، المنجز والمعلق، والبدعي والسني، فالرجعي والبائن أول طلقة هذه طلقة رجعية، أي يمكن أن تراجعها بلا مهر وبلا عقد، إن انقضت العدة ملكت نفسها، إن أرادت أن ترجع إليك، هي إن أرادت فبعقدٍ ومهرٍ جديدين، هذا الطلاق الرجعي، وتعريفه الفقهي: هو الطلاق الذي يوقعه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقةً إيقاعاً مجرداً عن أن يكون في مقابلة مال.

المخالعة :

إيقاع الطلاق مقابل مال هذا ماذا يسمونه؟ هذه مخالعة، كرهته، فقال لها النبي: طلقها تطليقة وردي له الحديقة .
الآن إذا إنسان مثلاً تزوج امرأة تعب جداً حتى وصل إليها، واشترى البيت و الأثاث، وجلب لها الهدايا، والذهب والألماس، والملابس، ويوم العرس قالت له: أنا أهلي جبروني عليك أنا لا أُريدك، كرهته إلى درجة غير معقولة، بإمكانها أن تفتدي نفسها منه، فتسامحه بكل شيء، قال لها: طلقها تطليقة وردي له الحديقة .
على المرأة أن تعيد للزوج ماله في الخلع
فإذا إنسانة كرهت زوجها، له الحق أن يسترد منها كل هديةٍ قدمها لها، حتى لو كانت كنزة، هذا هو الحق، ليس له ذنب، إذا كرهته فهذه هي المخالعة، قلنا لكم سابقاً: إذا كان الطلاق بسبب الزوجة فهذه مخالعة، ومن طرف الزوج هذا طلاق، من طرف القاضي هذا تفريق، توجد دعوى تفريق، ودعوى طلاق، ودعوى مخالعة، الطلاق الرجعي: هو الطلاق الذي يوقعه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقةً إيقاعاً مجرداً عن أن يكون في مقابلة مال. لأن الخلع ليس له مراجعة، قال له: طلقها تطليقة وردي له الحديقة .
المخالعة لها أحكام خاصة، طلقة واحدة وبينونة مع الطلقة، ولم يكن مسبوقاً بطلقةٍ أصلاً، لو مسبوق بطلقةٍ أو كان مسبوقاً بطلقةٍ واحدة، إذا كان لا يوجد أي طلقة فهو رجعي، إذا كان هناك طلقة واحدة فهو رجعي، طلقتان لم يعد رجعياً، أصبح بينونة، إذاً الطلاق الرجعي ليس مقابل مال، ولم يسبقه أي طلقة، أو سبقه طلقة واحدة، أما إذا كان مقابل مال أصبح مخالعة، إن سبقه طلقتين أصبح بينونة.
الآن البينونة أيضاً نوعين، كبرى وصغرى، الكبرى: إذا ملكت نفسها بعد تطليقتين وانقضاء عدتين دون أن يراجعها فيهما، الصغرى: إذا انقضت عدتها من طلقةٍ رجعيةٍ ولم يراجعها فيه، هذا بينونة صغرى. كأن الله عزّ وجل يريد منا إذا نشب خلافٌ بيننا وبين زوجاتنا، نظراً لقدسية هذا العقد، ولحرمة الأولاد الصغار الذين أناط الله بالوالدين تربيتهم، كأن الله عزّ وجل أراد أن يعطيك فرصاً إن كنت نادماً.

من يتق الله يجعل له مخرجاً :

ومجمل الموضوع ملخصٌ في قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

[ سورة الطلاق : 2]

ومن يتق الله في تطليق زوجته يجعل الله مخرجاً في العودة إليها. والذي أنا أراه أن أكثر المطلقين بعد مضي زمن طويل يندمون على عملهم، فلا يوجد حكم شرعي يهتز له عرش الرحمن كالطلاق، طفل مثل الوردة، هذه أمه وهذا أبوه، أمه في جهة وأبوه في جهة إن ذهب عند أمه مشكلة، و إن ذهب لعند أبيه مشكلة، لأن النبي الكريم بكى مرة عندما جاءته امرأة وقد سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، قالت له: " يا رسول الله إن زوجي تزوجني وأنا شابة فلما كبرت سني، ونثر بطني، وتفرق عني أهلي، وذهب مالي، قال: أنت علي كظهر أُمي ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا" .
تجد مع الأب لا يوجد تربية ولكن يوجد نقود، مع الأم توجد التربية ولكن لا يوجد نقود، فلذلك الإنسان قبل أن يلفظ يمين الطلاق يعد للمليون، لا يوجد شيء يؤلم الزوج والزوجة كأن يرى أولاده مشردين في الطرقات، ولو أذكر لكم بعض ما تعامل به المرأة أولاد زوجها من القسوة والحقد أحياناً والإيقاع فيوجد أولاد يهيمون على وجوههم كرهاً بزوجات آبائهم، فالأم لها ترتيب خاص، الأم أودع الله فيها رحمةً وعطفاً وشفقةً لحدٍ غير معقول، أما الخالة زوجة الأب فليست كذلك، يوجد فرق كبير، قد سمعت قصة عن رجل توفيت والدته وهو يحبها حباً جماً، يقول هذا الرجل: إه رآها في المنام مرَّات عديدة لكن بأحوال مزعجة، رآها مسودة الوجه، رآها تلتهب بالنار ويبدو أنه رجل صالح، ومناماته واضحة تماماً، كأنها إعلام، أن أُمك في هذه الحالة، فرآها بعد ثماني سنوات بحالةٍ حسنة، هكذا وجهها منير وتلبس البياض، قال لها: ما فعل الله بك يا أمي؟ قالت له: كأس الحليب فقط، كان لها أولاد زوج، فكانت تطعم أولادها حليباً كامل الدسم، وأولاد زوجها حليباً نصفه ماء ونصفه حليب، لأن هذا ابن زوجها تعطيه النصف، أي خمسون بالمئة، أما هذا ابنها فتعطيه حليباً كامل الدسم، لم تفعل غير هذا الذنب، وهذه الرواية ظنية وغير قطعية لكن القصة لها دلالة قوية، أنه عندما الأم ترتكب مثل هذا التفريق بين أولاد زوجها وأولادها فالله بالمرصاد، على كل نحن إذا ابتعدنا عن الطلاق ليس لنا دخل في كل هذه المتاهات وهذه المشكلات.
فالطلاق كما قلت قبل درسين أو ثلاثة الطلاق له أسباب جوهرية نص عليها العلماء في حالتين فقط، شككت في سلوكها، أي إذا شككت أن أولادك ليسوا منك مثلاً، هذه حالات نعوذ بالله منها وهي نادرة جداً، هذه حالة توجب الطلاق، أو لا يمكن أن تكفك عن الحرام، هاتان الحالتان نادرتان، أما الباقي فالحالات كلها مقبولة، الحقيقة أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي وتمرري وتكدري وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي .
الكمال المطلق ليس في الدنيا، الكمال المطلق في الآخرة، لو أنه في الدنيا لأعرضت عن الآخرة، فهذه الزوجة المثالية قال: إنسان أراد أن يخطب، أعطى أمه ثمانية عشر شرطاً ؛ الشكل والطول واللون والنسب والحسب والذكاء والثقافة والمال والغنى إلخ، ذهبت ودارت سنة لم تجد، مستحيل لأن هذه الشروط كلها شروط تعجيزية، بحثت سنة ولم تجد شيئاً مناسباً، فتخلى عن شرط، السنة الثانية تخلى عن شرط ثان، الثالثة عن شرط، بعدها بقي على شرط واحد هو أن تقبل فيه واحدة من النساء. فهذا الكمال المطلق غير موجود يا أخواننا، وأنت لست كاملاً، إذاً هي ليست كاملة، كن واقعياً تعيش حياة سعيدة، عندما تكون غير واقعي هذا شيء مستحيل، فهذه الدنيا ليست دار مقر، بل دار ممر، فقد أمرنا الله تعالى بأن نعاشرهن بالمعروف فقال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة النساء: 19]

وقال:

﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة النساء: 19]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS