91717
خطبة الجمعة - الخطبة 0861 : خ1 - معاني العيد في الإسلام ، خ2 - الإعجاز القرآني في الآية ( ولتعرفنهم في لحن القول ) الكشف عن الكذب .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2002-12-06
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده ونعوذ به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارا بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن واله ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين .

معاني العيد

 أيها الأخوة الكرام ؛ نحن في أيام العيد ، والعيد عند المسلمين مظهر من مظاهر الدين وشعيرة من شعائره ، ينطوي العيد في الإسلام على حكم عظيمة ، ومعاني جليلة ، وأسرار بديعة ، لا تعرفها الأمم الأخرى في شتى أعيادها .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ العيد في معناه الديني شكر لله تعالى على تمام العبادة.

﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[سورة البقرة الآية:185]

 شكر لله على تمام العبادة ، لا يقولها المؤمن بلسانه فحسب ولكن تعتلج في سرائره رضاً واطمئناناً ، وتظهر في علانيته فرحاً وابتهاجاً ، وتسفر بين نفوس المؤمنين بالبشر والأنس والطلاقة ، وتمسح ما بين الفقراء والأغنياء من جفوة ، هذا المعنى الديني للعيد .
 العيد في معناه الإنساني يوم تلتقي فيه قوة الغني وضعف الفقير على محبة ورحمة وعدل من وحي السماء ، عنوانها الزكاة والإحسان والتوسعة .
 العيد أيها الأخوة يتجلى على الغني المترف فينسى لبعض الوقت تعلقه بالمال ، وينزل من عليائه متواضعاً للحق والخلق ، ويذكر أن كل من حوله إخوانه وأعوانه فيمحو إساءة عام بإحسان ، يوم يتجلى العيد على الفقير المدقع فيطرح همومه وينسى مكاره للعالم ومتاعبه وتمحو بشاشة العيد آثار الحقد والتبرم من نفسه ، وتنهزم لديه دواعي اليأس على حين تنتصر بواعث الرجاء ، هذا في معناه الديني ومعناه الإنساني .
 العيد في معناه النفسي فهو حد فاصل بين تقيد تخضع له النفس وتسكن إليه الجوارح ، وبين انطلاق تنفتح له اللهوات وتتنبه له الشهوات .
 العيد في معناه الزمني قطعة من الزمن خصصت لنسيان الهموم واستجمام القوى الجاهدة في الحياة .
 العيد في معناه الاجتماعي يوم الأطفال يفيض عليهم بالمرح والفرح ، ويوم الفقراء يلقاهم باليسر والسعة ، ويوم الأرحام يجمعها على البر والصلة ، ويوم المسلمين يجمعهم على التسامح والتزاور ، ويوم الأصدقاء يجدد فيهم أواصل الحب ودواعي القرب ، ويوم النفوس الكريمة تتناسى أضغانها فتجتمع بعد افتراق وتتصاف بعد كدر وتتصافح بعد انقباض .
 العيد أيها الأخوة تجديد للرابطة الاجتماعية على أقوى ما تكون من الحب والوفاء والإخاء ، فيه أروع ما يضفي على النفوس من الأنس وعلى النفوس من البهجة وعلى الأجسام من الراحة ، ومن المغزى الاجتماعي أنه تذكير لأبناء المجتمع بحق الضعاف والعاجزين ، حتى تشمل الفرحة بالعيد كل بيت ، وتعم النعمة كل أسرة ، إلى هذا المعنى الاجتماعي يرمز تشريع صدقة الفطر في عيد الفطر ونحر الأضاحي في عيد الأضحى فإن في تقديم ذلك قبل العيد أو في أيامه إطلاقاً للأيدي الخيرة في مجال الخير فلا تشرق شمس العيد إلا والبسمة تعلو كل الشفاه ، والبهجة تغمر كل قلب.
 في العيد أيها الأخوة يستروح الأشقياء ريح السعادة ويتنفس المختنقون جو من السعة ، وفيه يذوق المعدمون طيبات الرزق ويتنعم الواجدون بأطايبه .
 في العيد تسلس النفوس الجامحة في قيادها إلى الخير وتهش النفوس الشحيحة إلى الإحسان .
 في العيد أحكام تقمع الهوى ، من وراءها حكم تغزي العقل ، ومن تحتها أسرار تصفي النفس ، ومن بين يديها ذكريات تثمر التأسي في الحق والخير ، وفي طيها عبر تجلي الحقائق وموازين تقيم العدل بين الأصناف المتفاوتة من البشر ، ومقاصد سديدة في حفظ الوحدة وإصلاح الشأن ، ودروس تطبيقية عالية في التضحية والإيثار والمحبة.
 في العيد أيها الأخوة تظهر فضيلة الإخلاص معلنة للجميع ويهدي الناس بعضهم إلى بعض هدايا القلوب المفعمة بالمحبة ، وكأنما العيد روح الأسرة الواحدة في الأمة كلها .
 في العيد تتسع روح الجوار وتمتد حتى يرجع البلد العظيم وكأنه لأهله دار واحدة يتحقق فيه الإخاء بمعناه العملي .
 في العيد تنطلق السجايا على فطرتها ، وتبرز العواطف والميول على حقيقتها .

 العيد في الإسلام سكينة ووقار ، وتعظيم لواحد القهار ، وبعد عن أسباب الهلكة ودخول النار .
 العيد مع ذلك أيها الأخوة ميدان استباق إلى الخيرات ، ومجال منافسة في المكرومات .

عظمة العيد :

 أيها الأخوة الأحباب ؛ ومما يدل على عظم شأن العيد أن الإسلام قرن كل واحد من عيديه العظيمين بشعيرة من شعائره العامة التي لها جلالها الخطير في الروحانيات ، ولها خطرها الجليل في الاجتماعيات ، ولها ريحها المهابة بالخير والإحسان والبر والرحمة ، ولها أثرها العميق في التربية الفردية والجماعية التي لا تكون الأمة صالحة للوجود نافعة في الوجود إلا بها هاتان الشعيرتان هما شهر رمضان الذي جاء عيد الفطر مسك ختامه وكلمة الشكر على تمامه ، والحج الذي كان عيد الأضحى بعض أيامه والظرف الذي يحتوي معظم أحكامه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا الربط الإلهي بين العيدين وبين هاتين الشعيرتين كافٍ في الحكم عليهما ، وكاشف عن وجه الحقيقة فيهما ، وأنهما عيدان دينيان بكل ما شرع فيهما من سنن ، بل حتى ما ندب إليه من أمور ظاهرة أنها دنيوية كالتجمل والتحلي والتطيب والتوسعة على العيال وألطاف الضيوف والمرح واختيار المطاعم والمناعم والأطايب واللهو المباح في حدود الشرع ، هذه الأمور المباحة داخلة في الطاعات في العيد ، إذا حسنت النية ، فمن محاسن الإسلام أن المباحات إذا حسنت فيها النية وأريد بها تحقيق حكمة الله ، أو شكر نعمته انقلبت قربات كما قال صلى الله عليه وسلم .
 عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يرفعها إلى امرأته ))

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ كلا طرفي العيد في معناه الإسلامي جمال وجلال وتمام وكمال وربط واتصال ، وبشاشة تخالط القلوب ، واطمئنان يلازم النفوس ، وبسط وانشراح وهجر للهموم والطراح ، وكأنه شباب وخطته النضرة ، أو غصن ربيع عاوده الإزهار .
 أيها الأخوة الأحباب ؛ ليس السر في العيد يومه الذي يبتدئ بطلوع الشمس وينتهي بغروبها ، وإنما السر فيما يعمر ذلك اليوم من أعمال وما يغمره من إحسان وأفضال ، وما يخشى النفوس المستعدة للخير من سمو وكمال ، فالعيد إنما هو المعنى الذي يكون في العيد لا في اليوم نفسه .

أين نحن من هذه المعاني :

 هذه بعض معاني العيد كما نفهمها من الإسلام ، وكما يحققها المسلمون الصادقون ، فأين نحن اليوم من هذه المعاني التي في الأعياد وأين هذه الأعياد منا ، وما نصيبنا من هذه المعاني ، وأين آثار العبادة من آثار العادة في أعيادنا .
 أيها الأخوة ؛ إنه مما يؤسف له أن بعض المسلمين جردوا الأعياد من حليتها الدينية ، وعطلوها عن معانيها الروحية الفوارة التي كانت تفيض على النفوس بالبهجة ، مع تجهم الأحداث ، وبالبشر مع شدة الأحوال فأصبح بعض المسلمين وإن شئت فقل كثير منهم يلقون أعيادهم فاترةً ، وبحس بليد ، وشعور بارد ، وأسرة عابسة ، حتى لكأن العيد عميلة تجارية ، تتبع الخصب والجدب ، وتتأثر بالعسر واليسر والنفاق والكساد ، لا صبغة روحية تؤثر ولا تتأثر ، ولئن كان من حق العيد أن نبتهج به ونفرح ، وكان من حقنا أن نتبادل به التهاني ونطرح الهموم ، ونتهادى البشائر ، فإن من حقوق إخوتنا المشردين المعذبين شرقاً وغرباً يقتضي أن نحزن لمحنتهم ونغتم ، ونعنى بقضاياهم ونهتم ، فالمجتمع السعيد الواعي هو ذلك الذي تسمو أخلاقه في العيد إلى أرفع ذروة ، ويمتد شعوره الإنساني إلى أبعد مداً ذلك حينما يبدو في العيد متماسكاً متعاوناً متراحماً حتى ليخفق فيه كل قلب بالحب والبر والرحمة ، ويذكر فيه أبناءه مصائب إخوانهم بالأقطار حين تنزل بهم الكوارث والنكبات .
 أيها الأخوة ؛ المعنى دقيق جداً لا يراد من ذلك ذرف الدموع ، ولبس ثياب الحداد في العيد ، ولا يراد من ذلك أن يعتكف الإنسان كما يعتكف المرزوق بفقد حبيبه ، ولا أن يمتنع عن الطعام كما يفعل الصائم ، وإنما يراد من ذلك أن تظهر أعيادنا بمظهر الأمة الواعية التي تلتزم الاعتدال في سراءها وضراءها فلا يحول احتفائها بالعيد دون الشعور بمصائبها التي يرزح تحتها فريق من أبناءها ، ويراد من ذلك أيضاً أن تقتصد في مرحنا وإنفاقنا لنوفر من ذلك ما تحتاج إليه أمتنا في صراعها المرير الدامي ، ويراد من ذلك أن نشعر بالإخاء قوياً في أيام العيد فيبدو علينا في أحاديثنا عن نكبات إخواننا وجهادهم ما يقوي العزائم ويشحذ الهمم ، ويبسط الأيدي بالبذل ويطلق الألسنة بالدعاء ، فهذا هو الحزن المجدي الذي يترجم إلى عمل واقعي .
 أيها الأخ المسلم ؛ لقد استعدت للعيد أباً كنت أو أماً أو شاباً أو فتاةً ، ولا ريب أنك قد أخذت أهبتك لكل ما يستلزمه العيد من لباس وطعام ، فأضف إلى ذلك استعداداً تنال به شخراً ، وتزداد في صحيفتك نوراً استعداداً هو أكرم عند الله وأجدر في نظر الأخوة والمروءة ، ألا وهو استعدادك للتفريج عن كربة من حولك من البؤساء والمعدمين من جيران أو أقربين ، فتش عن هؤلاء سلهم عن حاجاتهم ، بادر إلى إدخال السرور إلى قلوبهم ، إن لم يسعدك المال فلا أقل من أن يسعدك المقال بالكلمة الطيبة والابتسامة الحامية والخفقة الطاهرة ، تذكر في صبيحة العيد وأنت تقبل أولادك تذكر المجتمع الذي يئن من وطأة الاحتلال ، من وطأة القهر ، تذكر اليتامى الذين لا يجدون في صبيحة العيد حنان الأب ، تذكر الأيامى اللواتي فقدن ابتسامة الزوج ، تذكر الآباء والأمهات الذين حرموا أولادهم ، وجموعاً من إخوانك شردهم الطغيان ، مزقهم كل ممزق ، فإذا هم في العيد يشرقون بالدمع ويكتوون بالنار ، ويفقدون طعم الراحة والاستقرار ، تذكر في العيد وأنت تأوي إلى ظلك الظليل ، ومنزلك الواسع ، وفراشك الوثير تذكر إخواناً لك يفترشون الغبراء ويلتحفون الخضراء ، ويتضورون في العراء واستحضر حينما تأسى جراحهم وتسعى لسد حاجتهم ، أنك إنما تسد حاجتك وتأسو جراحك ، لقوله تعالى :

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

[سورة التوبة الآية:71]

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾

[سورة فصلت الآية:46]

 عن أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((مَن نَفَّسَ عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفّس اللَّهُ عنه كربةً من كرب يوم القيامة))

[أخرجه مسلم والترمذي]

 عن أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْن أخيه ))

[أخرجه مسلم والترمذي]

 ومن لم يهتم لأمور المسلمين فليس منهم .
 عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد: إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))

[أخرجه البخاري ومسلم]

 بارك للمسلمين في عيدهم ، مكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم صلِ على نبيهم الرحمة المهداة والنعمة المجزاة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لا شك أن في العيد أفراحاً ومباهج ، وصفاء ونقاء .

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[سورة يونس الآية:58]

 فلتتصافح القلوب ، ولتتصافى النفوس ، ولنجدد ميثاق الإخاء الإسلامي بين أولياء الله بالتعريف القرآني .

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾

[سورة يونس الآيات:62-63]

 جدد هذا الميثاق تعاوناً على البر والتقوى ، وتواصياً بالحق والصبر ، ونصرةً للمظلوم ، فلن يذوق طعم الفرح في العيد قلب تأكله الأحقاد ، أو ضمير يسكنه الغش ، أو نفس يتلبسها الهوى ، ولنحلم بغد مشرق تلوح تباشيره بالأفق البعيد فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل ، لمَ لا نفرح بالأحلام اللذيذة ، إن لبلوغ الأمل المنشود على الصعيد الفردي والأممي فرحة أخرى تختلف بمباهجها وطعمها عن فرحة العيد الراتبة المألوفة ، وقد علم الله الحكيم أن الأمة ستركب طبقاً عن طبق وطبقاً بعد طبق ، والتخاذل عن الواجب ، سيدعو إلى أن ستمر بالأمة أزمات ومحن ومصائب ، وشرع لهم سبحانه أن يفرحوا بعيدهم شكراً على تمام العبادة والهداية إلى الشريعة .

﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[سورة البقرة الآية:185]

 لقد نأى النبي صلى الله عليه وسلم الهادي بالمسلمين عن موافقة أهل الشرك في أعيادهم ، لا ليدعى المسلمين من دون عيد أو فرحة ولكن ليخصهم بهذين العيدين الكبيرين المرتبطين بالتعبد صوماً أو حجاً وهما عيد الفطر وعيد الأضحى .
 أيها الأخوة الكرام ؛ المسلمون كانوا يقيمون هذه الأعياد ولا يزالون ، ويجتمعون ويوسعون على الفقير والمسكين ، يفعلون ذلك حتى حين يكونون في معاناة أو ترقب أو محنة ، إن النفس البشرية قد تمل من فرط الإلحاح على معناً واحد ولو كان صواباً في ذاته ، فالجد الصارم يمل ، ولا بأس من حين إلى آخر أن نشم عبير الفرح والهداية والتوفيق ، وثمة معناً لطيف يتصل بهذا السياق هو التذكير بأنه لا شيء من أمر الحياة الدنيا يدوم ، فيوم علينا ويوم لنا ، ويوم نساء ويوم نسر ، والله تعالى بيده الأمر يخفض ويرفع .

﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾

[سورة الرحمن الآية:29]

 وليست الذلة والمرارة التي تعيشها الأمة الإسلامية حتماً صارماً لا يزول والتاريخ البشري لا يعرف الكلمة الأخيرة ، بل هو في دوامات متعاقبة ، يتحقق فيها التقديم والتأخير ، والعلو والهبوط ، والتمكين والاستضعاف ، ولا شيء يدمر إمكانيات الأمة ويجرها إلى اليأس والقنوت مثل الإحساس بالعجز والتوقف عند حال خاص ، لقد أدركنا العيد أيها الأخوة هذا العام ونحن هدف لمغامرات قوى الشر ، وتفتحت شهية الأحلاف للضرب ذات اليمين وذات الشمال ، وتفتحت شهيتهم أيضاً لمحاكمة الثقافة الإسلامية ، والتاريخ الإسلامي وإدانة المجتمعات المسلمة والتدخل المباشر لتغير مناهج المسلمين ، وأفكارهم وإعلامهم واقتصادهم هذه حالة مؤلمة جداً ، إذا رأيت وجوه الواعين رأيتها متألمة لهذه الحال التي آلت إليها حالة المسلمين ، لكن تعديل المزاج بجرعة من الفرحة الغامرة ، والضحكة الصادقة ، واستعادة البراءة الطفولية التي تعيد تشكيل النفس وتجدد عزيمتها، وترفع همتها .
 ومن الحكمة البالغة أن الله تعالى غش المسلمين النعاس حينما احمرت الحدق واشتد الخوف وأصابهم القرح في أحد ، فكشف به عنهم غائلة الشر وأعاد به إليهم السكينة والرضا والاطمئنان .
 إن العيد جزء من نظام الأمة الرباني ، يصل ماشيها بحاضرها وقريبها ببعيدها ، ويربي ناشئتها على انتماء الحق لها ، ويربط أفراحها بشرائع دينها ، التي هي معراجها إلى الكمال والقوة والانتصار ، وليس يحسن أن تكون المتغيرات قامعة لنا فلا نفرح في العيد بل ينبغي أن نشحذ همة وعزماً على أن نصحح الحال ، فلنفرح بالعيد أيها الأخوة كما هي سنة الأنبياء ، وها نحن نلتقط خيط الأمل من نقطة ضوء تلوح بآخر النفق ، لعل الله سبحانه وتعالى يريد من هذه الشدة الشديدة ، وهذه المحنة القاسية أن تنقل المسلمين إلى حال آخر فيه طاعة الله وفيه التزام بمنهجه ، وفيه استحقاق لنصره .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه بعض المعاني عن العيد في الإسلام ، فيه المعاني الإنسانية وفيه المعاني الدينية ، وفيه المعاني الاجتماعية ، وفيه المعاني التي تبعث بالنفس الأمل .
 أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم فيا فوز المستغفرين أستغفر الله .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الفهم الصحيح للدين .

 أيها الأخوة ؛ من أعجب ما قرأت أن أستاذاً جامعياً في جامعة في أمريكة وقف يخاطب المسلمين منذ سنوات ، قال لهم : إنكم أيها المسلمون لن تستطيعوا أن تنافسوا الدول الكبرى علمياً أو اقتصادياً أو عسكرياً في الوقت الحاضر على الأقل ، ولكنكم تستطيعون أن تجعلوا هذه الدول تجثوا على ركبها أمامكم بالإسلام ، هو يعني ما يقول ، أفيقوا من غفلتكم ، لقيمة هذا النور الذي تحملون ، والذي تتعطش إليه أرواح الناس في مختلف جنبات الأرض الناس جميعاً في القارات الخمس متعطشون إلى هذا الدين العظيم ، إلى هذا النور المبين ، إلى منهج خالق الأرض والسماوات ، إلى قرآنكم ، إلى سنة نبيكم ، إلى تعليمات الصانع إلى هداية القرآن ، الناس جميعاً متعطشون إلى ذلك ، أفيقوا من غفلتكم ، لقيمة هذا النور الذي تحملون ، والذي تتعطش إليه أرواح الناس في مختلف جنبات الأرض ، تعلموا الإسلام ، وطبقوه تعلموه وطبقوه ، واحملوه لغيركم من البشر ، تفتح أمامكم الدنيا ، ويدين لكم ذي كل سلطان .
ثم يقول : أعطوني أربعين شاباً ممن يفهمون هذا الدين فهماً عميقاً ويطبقونه على حياتهم تطبيقاً صحيحاً ويحسنون عرضه على الناس بأسلوب العصر ، وأنا أفتح بهم الأمريكيتين ، هذا يدعو إلى انتصار المسلمين ، معهم دين قويم ، معهم وحي السماء ، معهم منهج خالق الأرض والسماء ، لا يحتاجون إلى عنف إطلاقاً ، يحتاجون إلى فهم وتطبيق ، فإذا هم مشاعل نيرة ، لكل من حولهم ، لكن المسلمين في غفلة في غفلة عن عظمة دينهم ، في غفلة عن منهج ربهم ، في غفلة عن أن أنهم إذا طبقوا المنهج فلن يدعهم الله كما هم عليه ، سبحانك إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت ، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر أو أن تعصيه وتربح ، هذا الكلام أيها الأخوة يذكرنا بكلمة قالها القائد الألماني الشهير بسمارك ، قال أعطوني أربعين مسلماً إسلاماً صحيحاً أفتح بهم العالم .
 هل تصدقون أن سيدنا خالد بن الوليد طلب من خليفة رسول الله سيدنا الصديق المدد لأنه يواجه 300 ألف وأصحابه لا يزيدون عن خمسين ألف ، طلب المدد طلب خمسين ألف أخرى ، أرسل له الصديق رجلاً واحداً ، اسمه القعقاع بن عمر ، لما وصل إلى خالد قال أين المدد ؟ قال أنا المدد ، قال أنت ؟! قال أنا ، ومعه كتاب ، قرأ الكتاب ، يقول سيدنا الصديق لا تعجب يا خالد أني أرسلت إليك واحداً فو الذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً في القعقاع لا يهزم ، كان الواحد كألف ، بينما المسلمون حينما أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات صار الألف منهم بواحد ، بل صار المليون منهم بواحد إنهم يعدون مليار ومئتين مليون ليست كلمتهم هي العليا وليس أمرهم إليهم ، وللكفار عليهم ألف سبيل وسبيل ، يفرضون عليهم إرادتهم وثقافتهم وعولمتهم وإباحيتهم .

﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾

[سورة التوبة الآية:67]

 هان أمر الله عليهم فهانوا على الله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ أدعوكم وأدعو نفسي إلى فهم صحيح لهذا الدين وإلى تطبيق له وإلى عرضه بأسلوب عصري واضح مدعم بالدليل ، واقعي ، تفهم هذا الدين وطبق هذا الدين ثم اعرض هذا الدين عرضاً يتناسب مع طبيعة العصر ، عرضاً بالدليل والتعليم ، عرضاً واقعياً ، عرضاً بعيداً عن الخرافة ، بعيداً عن الكذب ، بعيداً عن التزوير.
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا هو العلاج ، ولا علاج غيره ، فهم وتطبيق ودعوة.

حقيقة علمية :

 أيها الأخوة الكرام : موضوع آخر يلفت النظر الله جل جلاله :

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾

[سورة محمد الآية:24]

 هناك أجهزة اخترعها العلماء سموها أجهزة الكشف عن الكذب أو ما يسمى أحياناً مكشاف الكذب ، هناك نوعان من هذه الأجهزة ، نوع يتطلب توصيل عدة أسلاك بالشخص المراد التحقق من صدقه أو كذبه يقوم هذا الجهاز بقياس التغيرات الطفيفة التي تطرأ على جسم الشخص الممتحن من حيث ضربات القلب والتنفس وتفصد العرق ، ويقوم المحلل بعدها بتحليل هذه القراءات لتظهر له النتيجة ، هذا جهاز معروف قديماً لكن تم اختراع جهاز آخر لكشف الكذب ، هذا الجهاز لا يتطلب توصيل أسلاك للشخص المراد التحقق من صدقه أو كذبه ، ويعطي نتيجة فورية من دون اتصالات ، من دون شرائط ، وتم تطوير نسخ حديثة تعمل على جهاز الحاسوب ، هذا الجهاز أساسه صوتي ، فيأخذ صوت الممتحن ، فإذا كان هناك امتداد في موجات صوته فهذا دليل كذبه ، وقد عرض في البحث العلمي صورة لتموجات صوت الكاتب وكيف أنها ممطوطة ، وصور لتموجات صوت الصادق وكأنها متطامنة ، ثم نفاجئ أن الله سبحانه وتعالى أشار إلى الجهاز الثاني فقال:

﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾

[سورة محمد الآية:30]

 أنت كيف تلحن الكلام ؟ تمططه ، فالكاذب يكشف كذبه من لحن القول كما قال الله عز وجل :

﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾

[سورة محمد الآية:30]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه حقيقة من حقائق الإعجاز القرآني في الكتاب والسنة فالكاذب يكشف نفسه حينما يتكلم فكلامه وراءه اضطراب نفسي ، وراءه تغيير للحقيقة ، فكأنه دون أن يشعر يلحن بقوله ، يمط حروفه فيظهر كذبه .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين ، اللهم أعطنا سؤلنا يا كريم ، اللهم إنا نسألك مما سألك منه عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS