120121
خطبة الجمعة - الخطبة 0988 : خ1 - عشر قواعد تمنع المعصية ، خ2 - الأصدقاء المؤمنون أكبر معوان على الطاعة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-12-09
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته، ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

عشر قواعد تمنع المعصية:

 أيها الإخوة الكرام، مثالا ضربته كثيراً، وهو أن التجارة لها نشاطات لا تعد ولا تحصى، بدءاً من شراء محل للبيع، إلى مكتب للاستيراد، إلى مستودعات، إلى تعيين موظفين، إلى تأمين وكالات، إلى سفر إلى بلاد المصانع، إلى اعتماد الدعاية الطرقية، أو ما شاكل ذلك، فنشاطات التجارة لا تعد ولا تحصى، ولكن التجارة كلها تضغط بكلمة واحدة، ألا وهي الربح، فإن لم تربح فلست تاجراً، كل هذه النشاطات على تنوعها وكثرتها تضغط بكلمة واحدة.
الآن: الدين نشاطات دينية لا تعد ولا تحصى، تأليف الكتب، وعقد مؤتمرات، وإصدار نشرات، وحضور مجالس، وإقامة ندوات ودورات، وإلقاء دروس علم، وإلقاء خطب، نشاطات الدين لا تعد ولا تحصى، ولكن الدين كله يضغط بكلمة واحدة، ألا وهي طاعة الله عز وجل، ولا يمكن أن ننتفع بثمرة من ثمار الدين إلا إذا أطعنا الله عز وجل، لذلك هذا الموضوع اليوم المشكلة الأولى التي يعاني منها المسلم في هذا العصر، بالمخالفات، والمعاصي، والتجاوزات، فما الذي يحملك على الطاعة، وما الذي يمنعك من أن تعصي ؟ عشر قواعد لو عقلها الإنسان لمنعته من أن يعصي الله عز وجل.

القاعدة الأولى: أن يعلم العبد قبح المعصية

 ، وأن الله جل جلاله لا يمكن أن يحرم شيئاً فيه خير للإنسان، لأن الله هو الخبير، هو أعلم بسلامة الإنسان وسعادته، فإذا حرم شيئاً فيجب أن نوقن يقيناً قطعياً أن هذا الشيء قذر وغير مقبول، لا أخلاقياً، ولا دينياً، ولا اجتماعياً، ولا إنسانياً، قال تعالى:

﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾

[ سورة الأعراف: الآية 157]

 لمجرد أن الله حرم هذا الشيء، وهو الخبير، إذاً هذا الشيء كله شر، وأردد هذه الكلمة مرات عديدة: أن الذي ذهب إلى بلاد الغرب، وحاور عالماً هداه الله إلى الإسلام، وكان الحديث عن لحم الخنزير، هذا العالم الشرقي أطنب في الحديث عن مضار الخنزير، وعن الدودة الشريطية، لكن هذا العالم الغربي المتفهم لحقيقة العبودية قال له: يا أستاذ، كان يكفيك أن تقول لي: إن الله حرمه.
 إذا قال الطبيب المختص بأمراض القلب: الملح لا يناسبك، قد لا يخطر في بال المريض أن يناقشه، فأنت حينما تثق بعلم مخلوق تستسلم له فهذا الذي يبحث عن علل التحريم، وعن علل الإباحة، أو عن علل الفرضية هو بعيد عن مفهوم العبودية لله عز وجل، فحينما يعلم العبد قبح المعصية ودناءتها، وأن الله إنما حرمها، ونهى عنها صيانة وحماية للإنسان عن الدنايا والرذائل، كما يحمل الوالد الشفيق ولده عما يضره.
 أنت حينما ترى لوحة كتب عليها: " ممنوع التجاوز، حقل ألغام "، لا ترى أن هذه اللوحة حداً لحريتك، بل تراها ضماناً لسلامتك، فإذا كنت فقيهاً ترى أن كل شيء حرمه الله عليك ليس حجراً لحريتك، بل هو ضمان لسلامتك، لسلامة صحتك النفسية، وصحتك الجسمية، ولسلامة دنياك وآخرتك، حينما تفهم هذه الحقائق لا تشعر بضيق، وحينما تلتزم أمر الله عز وجل تشعر أنك تتحرك لصالحك.
 إذاً: أن يعلم العبد قبح المعصية ودناءتها، وأن الله إنما حرمها صيانة لهذا العبد عن أسباب شقائه وهلاكه في الدنيا والآخرة، لو لم يكن كذلك لما حرمها، إذاً كما قال علماء العقيدة: " الشريعة مصلحة كلها، عدل كلها، حكمة كلها، وأية قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة، ومن العدل إلى الجور، ومن الحكمة إلى خلافها فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل "، لذلك جزء من الدين أن تعرف قبح المعاصي وآثارها النفسية والفردية والاجتماعية، وآثارها في الأسرة وفي الفرد.
أيها الإخوة الكرام.

سبب آخر: الحياء من الله عز وجل:

 إذا كنت مؤمناً أن الله معك، وهو معكم أينما كنتم، وأن الله ناظر إليك، فلا تجعل الله جل جلاله أهون الناظرين إليك، أما تستحي أن تفعل هذا وأنت في ملك الله !؟ وأنت تأكل من رزق الله !؟ وأنت تتمتع بكل الخصائص التي أهلتك للطاعة !؟ فاستخدمت هذه المؤهلات للمعصية !؟

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقـاً لأطعته  إن المـحب لمن يحب يطيع
***

 القاعدة الأولى عقلية، هذه المعصية فيها أسباب الشقاء والهلاك في الدنيا والآخرة، أما القاعدة الثانية فهي نفسية.

ألا تستحي منا ويكفيك مـا جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً و تنظـــر ما به جاء وعدنا
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهباً وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا
***

 أيها الإخوة الكرام، الحياء من الله عز وجل، فإن العبد متى علم بنظر الله إليه ومقامه عليه، وأنه بمرأى منه ومسمع كان حرياً به أن يستحي من الله، لذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ))

[الترمذي وأحمد]

سبب آخر، وقاعدة ثالثة في منع الإنسان عن أن يعصي الله:

 يقينه أن النعم التي أنت فيها تزول واحدة واحدة بمعصية الله، لأن المعاصي تزيل النعم، والنعم التي أنت فيها وقد لا تعد ولا تحصى هذه تزول واحدة واحدة بمعصية الله، فما أذنب عبد ذنباً إلا زالت عنه نعمة من الله، بحسب ذلك الذنب، فإن تاب وراجع رجعت إليه، وإن أصر لم ترجع، ولا تزال الذنوب تزيل عنه النعم حتى تسلب منه النعم كلها، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد: الآية 11]

 هذا كلام ينطبق على الأمم والأفراد، الأمة الإسلامية حينما فتحت الأندلس كانت قوية إلى أبد الحدود، فلما انغمست في الموشحات والجواري والقيان والخمور خرجت من الأندلس، هذه قاعدة تنطبق على الأفراد والأمم، الأمة إذا استمرأت معصية الله سلبت منها هذه النعم.
أيها الإخوة الكرام، قيل:
إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
 إذا كنت في بحبوحة، وثبت على طاعة الله، وثبت على ورعك فهذا أكبر حصن لهذه النعم، أما إذا كنت في بحبوحة، وبحبوحتك المادية والاجتماعية والنفسية حملتك على التساهل في طاعة الله، فهذه النعم تزول شيئاً فشيئاً، فإذا أنت بين عشية وضحاها فاقد لهذه النعم، فالذي يحرص على بقاء النعم نقول له: احرص على طاعة الله، لأن الله عز وجل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

قاعدة رابعة لها علاقة بالمعاصي والآثام:

 أنت حينما تؤمن يقيناً أن لكل معصية عقاباً، ولكل معصية نتيجة سلبية في الدنيا قبل الآخرة، ولكل نتيجة من جنس المعصية، فالإنسان حينما يخون تضعف ثقة الناس به، وضعف ثقة الناس به جاءت من خيانته، والإنسان حينما يأخذ ما ليس له، وتضعف مصداقيته في كلامه، فأية معصية وراءها سلبية من جنس المعصية، إذاً هناك علاقة علمية بين الطاعة ونتائجها، وبين المعصية ونتائجها، هي علاقة سبب بنتيجة، فأنت حينما تزمع أن تفعل معصية فاعلم علم اليقين أن بذور نتائج هذه المعصية فيها، كيف ؟
أنت حينما تركب شاحنة، ومعك عشرة أطنان، وصلت إلى جسر كتب عليه: الحمولة القصوى خمسة أطنان، أنت حينما تتلفت يمنة ويسرى هل هناك من شرطي يراقبني ؟ لا، القضية أعمق من ذلك، الجسر نفسه سيعاقبك لو لم يكن أحد يراقبك، فأنت حينما تجتاز جسراً حمولته القصوى خمسة أطنان بحمولة عشرة أطنان لا بد أن تقع في النهر، أحياناً المعصية نفسها فيها بذور نتائجها، لو أن إنسانًا رأى لوحة كتب عليها: " ممنوع الاقتراب، توتر عال "، ونظر هل من أحد يراقبني يكون أحمق، التيار نفسه سيعاقبك، لأنه ضمن ثمانية أمتار يصبح الإنسان قطعة فحم سوداء، ليس موضوع من يراقبك، ومن يكتب عليك مخالفتك، الموضوع أعمق من ذلك، فكل معصية فيها بذور نتائجها.
مثلاً: إطلاق البصر ينعكس على السعادة الزوجية، الحديث بغير انضباط شرعي ينعكس على مكانة الإنسان، فكل معصية فيها بذور نتائجها، وكأن المعصية نفسها تعاقبك.
 تروي بعض الكتب أن شاباً تعلم من شيخه أن لكل معصية عقاباً، فزلّتْ قدمه بمعصية، وهو ينتظر العقاب من الله عز وجل، لم يحدث شيء، مضى أسبوع، وأسبوعان، ثم في المناجاة قال: يا رب، لقد عصيتك ولم تعاقبني، قال: فوقع في قلبه: أن يا عبدي، قد عاقبتك، ولم تدر، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟
أنت حينما تألف نوعاً من الصلة مع الله عز وجل فإذا زلت قدمك، وحجبت عن الله عز وجل هذه أكبر عقاب من الله، قال تعالى:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)﴾

[ سورة المطففين: الآية 15]

 الذي ألف الاتصال بالله، الذي ألف الود مع الله، الذي ألف الإقبال مع الله، الذي ألف حسن الصلة بالله، هذا إذا زلت قدمه يحجب عن الله عز وجل، وهذا أكبر عقاب للمؤمنين، أحياناً الله عز وجل لا يعاقبك عقابًا يهينك، بل تبقى في أعلى مرتبتك، بصحتك، وبإمكاناتك، لكن يعاقبك بالحجاب، وهذا العقاب لا يعرفه إلا أهل القرب، لأن القريب من الله يعرف قيمة هذا العقاب، قال تعالى:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)﴾

[ سورة المطففين: الآية 15]

أيها الإخوة الكرام،

هناك حقيقة وقاعدة خامسة:

 هي أن محبة الله ينبغي أن تكون أقوى الأسباب في طاعته من الخوف منه، لذلك سيدنا عمر يقول وهو يتحدث عن صهيب، وهو أحد الصحابة الكرام: " نِعْم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه "، الذي يحمله على طاعة الله محبة الله، وقد تكون المحبة أقوى في التأثير في الطاعة منها من الخوف من الله عز وجل، الذي يحب الله حباً جماً يحرص على دوام هذه المحبة، ولا يضحي بهذه الصلة من أجل شهوة طارئة، أو كلمة عابرة، أو نظرة آثمة، لذلك أحد أسباب طاعة الله عز وجل أنك حينما تطيع الله عز وجل تنعقد لك صلة معه، فإذا فرطتَ في هذه الطاعة حجبت عنك هذه الصلة، وهذا أكبر عقاب، لذلك ينبغي أن يكون دافع المحبة إلى الطاعة أقوى من دافع الخوف إلى الطاعة، لكن هذه المحبة ينبغي أن تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه، تحب الله وتجله، كما قال تعالى:

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)﴾

[ سورة الرحمن: الآية 78]

 إنك تحبه، لأنه يكرمك، وتحبه أيضاً لجلاله وعظمته، فينبغي أن تكون المحبة مع الإجلال، لأن المحبة مع الإجلال هي التي تحول بين العبد ومعصية الواحد الديان.
أيها الإخوة الكرام.

قاعدة سادسة:

أن نفسَ الإنسان عزيزة، وكلما عرف قيمة نفسه أبى أن يدنسها بمعصية تضعف مكانته عند الله عز وجل .
 أضرب لكم مثلاً بسيطاً، لو كلفك إنسان أن تأتي له بحاجة، وأنت مسافر، وأنت في الحقيقة نسيته كلياً، نسيت هذا الصديق، ونسيت ما كلفك به، الآن عدت إلى بلدك فسألك: هل جلبت لي هذه الحاجة ؟ إذا قلت له: الحاجة لم أجدها في المحل الفلاني، وفي محل ثان وثالث لا يستطيع أن يحاورك، أنت عنده مصدق، لكن ألا تشعر أنك ضعفتَ أمام نفسك، وأنك كذبت، وهذه الكذبة لن تكشف، أما إذا قلت: والله نسيت، طبعاً سوف تحرج أمامه، لكن أمام نفسك تبقى كبيراً.
 أنا ضربت هذا المثل لأن الإنسان أحياناً إذا ارتكب معصية، ولو لم يعلم بها أحد، لكن لمجرد أنه ارتكبها يسقط أمام نفسه، والانهيار الداخلي خطير جداً، قد تكون عند الناس عظيماً كبيراً، لكن أمام نفسك لست كذلك، فالبطولة أن تكون كبيراً أمام نفسك، لست متكبراً، لكن أن تشعر بطهارتك، وأن تشعر بإخلاصك، وأن تشعر بصدقك، وأن تشعر باستقامتك، فهذا الذي يرى أنه على حق، وأنه لا يحيد عن منهج الله عز وجل هو إنسان عند الله مهمّ، وعند الناس كذلك.
 لذلك أيها الإخوة الكرام، شرف النفس وفضلها وأنفتها وحميتها أن تختار الأسباب التي تحطمها، وتضع من قدرها، لا تكذب، لست مضطراً أن تكذب، قل الحقيقة، ولو كانت مرة، حتى تبقى عند نفسك كبيراً، أما حينما تغيّر الحقائق، تتكلم بلسانين ولونين، ولو لم يدرِ أحد بهذا الكذب، لكنك سقطت من عين نفسك، والإنسان حينما يسقط من عين نفسه يكون في وضع صعب جداً.
أيها الإخوة الكرام.

الآن: قوة العلم بسوء عاقبة المعصية،

 وقبح أثرها، والضرر الناشئ منها من سواد الوجه، وظلمة القلب، وضيق القلب، وغمة القلب، وحزن القلب، وألم القلب، وانحصار القلب، وشدة القلق، والاضطراب، وتمزق الشمل، والضعف عن مقاومة العدو، وتعرية القلب من زينته، والحيرة في أمره، وتخلي وليه وناصره، وتولي عدوه المبين، وتواري العلم الذي كان مستعداً له، ونسيان ما كان حاصلاً له، أو ضعفه، ولا بد من أن يعلم الإنسان أن المعصية شر كلها، وأن الطاعة خير كلها، وأنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح.
إن الذنوب تميت القلب، وتذل العبد بعد عز، ويصبح الإنسان أسيراً بين يدي أعدائه بعد أن كان ملكاً متصرفاً يخافه أعداءه، والذنوب تضعف تأثير العبد بالآخرين بعد أن كان تأثيره كبيراً وواضحاً.
 الحقيقة أيها الإخوة الكرام، آثار المعاصي السلبية لا تعد ولا تعصى، لذلك المعاصي تخلق في الإنسان وحشة، فيزول مع الوحشة الأنس بالله، والمعاصي تخلق في النفس سخطاً بعد أن كان هناك الرضا، المعاصي تزيل من القلب الطمأنينة بعد أن كان هناك الأمن، والسكون إلى الله عز وجل، المعاصي تورث الحسرات، وتورث الزلات، المعاصي لها آثار لا تعد ولا تحصى، فقر بعد غنى، رأس مال الإنسان يبدد شيئاً فشيئاً، حتى يفقد رأسماله، المعاصي تزيل المهابة والحلاوة التي يلبسها الإنسان بالطاعة، المعاصي تزرع في قلوب الخلق البغض والكراهية، بعد أن كانت الطاعة تزرع في قلوب الخلق المحبة والهيبة، المعاصي تجعل العدو يطمع بك بعد أن كان يائساً منك، المعاصي إذا تتالت كان الران، قال تعالى:

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾

[ سورة المطففين: الآية 14]

 المعاصي تبعد الإنسان عن حلاوة الطاعة، وللطاعة حلاوة، حلاوة واضحة جداً، فعَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ...))

[ متفق عليه ]

فلو ذهبنا نعدد نتائج المعاصي النفسية والاجتماعية والجسمية والاقتصادية لوصلنا إلى طرق لا تنتهي.
أيها الإخوة الكرام، ملخص الملخص: المعاصي شر كلها، ومن اشتغل بالمعاصي أعرض الله عنه، وأعرضت عنه الملائكة، وأعرض عنه العباد، بعد أن كان الله مقبلاً عليه، والملائكة كذلك، وهذه المعاصي تجتمع على العبد حتى تهلكه.
 أيها الإخوة الكرام، ومن حِكم الله عز وجل أنه لا يجمع لعبد بين لذة المحرمات في الدنيا ولذة ما في الآخرة، فمن آثر الآخرة على لذة المحرمات في الدنيا يسعده الله عز وجل في الدنيا والآخرة، والقاعدة: أنه من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً، ومن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، فلذة المحرمات في الدنيا لا تجتمع مع نعيم أهل الجنة، أما أن يطمح الإنسان أن يفعل في الدنيا ما يتمنى، وما هو مباح، وما هو غير مباح، ثم يطمع أن يكون من أهل الجنة فهذا في سنن الله عز وجل ليس وارداً إطلاقاً، فمن أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب بآخرته أضر بدنياه.
أيها الإخوة الكرام، الإنسان في حصن مادام في طاعة الله الإنسان، في حصن مادام في ظل الله، أما إذا خرج عن طاعة الله فكأنه خرج من الحصن، وخرج من مظلة الله عز وجل، إذاً: المعصية بكلمة موجزة شر كلها.

شيء آخر أيها الإخوة الكرام، قصر الأمل:

 حينما يطيل الإنسان أمله في الدنيا، وهذا من الأمراض المهلكة الذي يطمح أن يعيش لسنوات مديدة، ولا يفكر بالموت إطلاقاً، بل يفكر بطموحات مادية ونفسية وشهوانية، هذا الأمل هو الذي أهلكه، فلذلك التفكر في الموت من سنة النبي عليه الصلاة والسلام إذ يقول:

(( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، يَعْنِي الْمَوْتَ ))

[ الترمذي، والنسائي وأخمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحببت ما شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[ الطبراني في الأوسط عن سهل بن سعد، وسنده حسن ]

 هذا الذي يكون في النعش في بعض الآثار ورد أنه يقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم، والتبعة علي.
أيها الإخوة الكرام، هل شقي أحد بطاعة الله ؟ هل سعد أحد بمعصية الله ؟ ألا ندعو ونقول كل يوم: سبحانك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت.
 أيها الإخوة الكرام، لأن الدين كله مجموع بكلمة واحدة، وهو الطاعة، وأن ثمار الدين اليانعة لا يمكن أن نقطفها إلا بالطاعة، لذلك الدين شيء، والمجالات الثقافية شيء آخر، في أي مجال ثقافي آخر يكتفى أن تفهم الفكرة، وأن تحفظها، وأن تدلي بها في مناسبة أو أخرى، أما الدين فهو موضوع آخر، وما لم تطبق ما تعلم فلا قيمة لك عند الله إطلاقاً، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[ سورة الأنفال: الآية 72]

ما لم تأخذ موقفاً عملياً، ما لم تعط لله، ما لم تمنع لله، ما لم تصل لله، ما لم تقطع لله، ما لم ترض لله، ما لم تغضب لله، ما لم تتحرك إلى طاعة الله فلا قيمة لإيمانك إطلاقاً.
 أوضح مثل على ذلك أيها الإخوة الكرام، لو أن إنسانًا معه مرض جلدي، وعلاجه الوحيد التعرض لأشعة الشمس، وبقي في غرفة قميئة مظلمة يشيد بأشعة الشمس، وتحدثْ عن الشمس ما شئت، فلن تنتفع منها إلا إذا تعرضت لها، لذلك قال تعالى:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾

[ سورة الكهف: الآية 110]

 الإسلام حركة، الإسلام التزام، الإسلام امتناع وعطاء، الإسلام سلوك، أما الإسلام كقناعات فقط، اعتزاز بالإسلام، اعتزاز بهذا المنهج الرباني، اعتزاز بهذا الإسلام العظيم، اعتزاز بهذا النبي الكريم من دون أن يكون الإسلام في حياتك اليومية، فهذه مشكلة المشكلات، وأعداء الإسلام لا يرضون أن يطبق منهج الله في الأرض، لكنهم يرضون أن يكون إطاراً لحياتنا، مساجد، محاضرات، أما أن ترى الإسلام مطبقاً في البيوت، وفي الأعمال، وفي كسب الأموال، وفي إنفاق الأموال، فهذا الذي يخافون منه أشد الخوف.
أيها الإخوة الكرام، يجب أن يكون الأمل قصيراً لا أن يكون مديداً هذه قاعدة ثامنة، أن يكون الأمل قصيراً، والتعلق بالآخرة كبيراً.

القاعدة التاسعة: مجانبة الفضول في المطعم والمشرب،

 والملبس والمنام، والاجتماع بالناس، كله بالحد المعتدل مقبول، أما بالحد الزائد عن الحد الطبيعي فهذا يسبب تصريف في الطاقات في مجال لا تكفيه الطاعات، لذلك مجانبة الفضول في المطعم والمشرب، والملبس والمنام، والاجتماع بالناس، فإن قوة الداعي إلى المعاصي إنما تنشأ من هذه التجاوزات عن الحد المعتدل.

وأما السبب العاشر والأخير، وهو الجامع لهذه الأسباب كلها:

ثبات الإيمان في قلب الإنسان، فكلما كان الإيمان أثبت في قلب الإنسان كان أبعد عن معصية الواحد الديان، وكلما ضعف الإيمان ضعف الصبر عن المعصية.
 وكما تعلمون أيها الإخوة الكرام، هناك صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على قضاء الله وقدره، الصبر يحتاج إلى إيمان، لأن الإيمان كله صبر، معك شهوات، ولك أن تتحرك فيها مئة وثمانين درجة، وقد سمح الله لك بسبعين درجة، فالإيمان كله أن تضبط شهواتك وفق منهج الله، أن تصبر على تطبيق شرع الله، فالإيمان هو الصبر، هو الضبط، هو الامتناع، فيه جانب سلبي وجانب إيجابي، الجانب السلبي الامتناع، والشهوات بين أيديكم، والله عز وجل جعل الدنيا دار ابتلاء، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

[ سورة هود: الآية 7]

 فنحن في دار مفتوحة، المال مفتوح، في اليانصيب، في القمار، في السرقة، في الاغتصاب، في الاحتيال، في الغش، مليون طريق لكسب المال، وهناك عدة طريق مشروعة، فالإيمان هو الصبر، والحقيقة أنك حينما تضبط كل حاجاتك وفق منهج الله فأنت في مأمن، وفي سلامة، وفي بحبوحة، وفي إقبال على الله عز وجل، لذلك أيها الإخوة الكرام، إذا ضعف الإيمان ضعف الصبر، ومن باشر قلبه الإيمان بقيام الله عليه ورؤيته له، وتحريمه لما حرم عليه، وبغضه له، ومقته لفاعله، وباشر قلبه الإيمان بالثوابت واليقينيات، وباشر قلبه الإيمان بالثواب والعقاب والجنة والنار امتنع من ألا يعمل بموجب هذا الإيمان، فالإيمان هو أكبر معين على طاعة الله، والإيمان يحتاج إلى تفكر في خلق الله، ويحتاج إلى نظر في أفعال الله، ويحتاج إلى تدبر لكلام الله، وحينما ينمو الإيمان تحل كل مشكلاتنا، فالإيمان ينمو في معرفة الله من خلال خلقه، بمعرفة الله من خلال أفعاله، بمعرفة الله من خلال كلامه، فإذا نما الإيمان، وكان مستمراً كان الإنسان قوياً على البعد عن معصية الله عز وجل.
* * *
 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، العاقل من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، و الجاهل من أتبع نفسه هواها، و تمنى على الله الأماني، و الحمد لله رب العالمين.
* * *
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سينا محمد عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 أيها الإخوة الكرام، في خصائص النفس البشرية اسمها حالة العطالة، العطالة قانون فيزيائي، حيث إن الأجسام المتحركة ترفض السكون، والأجسام الساكنة ترفض الحركة، وأنت حينما تمشي في طاعة الله يصعب عليك أن تعصيه، وحينما تمشي في معصية الله تستمرئ هذا السلوك، ويصعب عليك أن تطيعه، لذلك أكبر معوان لك أنك إذا كنت في جماعة مؤمنة هؤلاء يعينوك على طاعة الله، والدليل: قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

[ سورة التوبة: الآية 119]

 أنت حينما تختار أصحابك وأصدقاءك ممن يؤمنون بالله عز وجل يكون هؤلاء أكبر معوان لك على الطاعة، فأنت لست وحدك في الحياة، والصديق والصاحب الشرير أكبر ممول يهدم إيمانك، لذلك أحد أكبر أسباب الطاعة أن تحاط بمؤمنين صادقين ناصحين.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ))

[الترمذي]

 عش مع المؤمنين أولاً، تشعر براحة، هم نَصحة لك، والمؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون، ولو ابتعدت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون، ولو اقتربت منازلهم، فأنت حينما تصطفي إخوة مؤمنين صادقين أوفياء صالحين هؤلاء يعدون أكبر معوان لك على طاعة الله، لذلك قال تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)﴾

[ سورة الكهف: الآية 28]

 طبيق عملي لهذه الخطبة: أكبر شيء يعينك على طاعة الله أن تكون بين المؤمنين، أن تكون منتمياً إلى المؤمنين، أن تعيش معهم، أن تمضي وقت الفراغ معهم، أن تسهر معهم، أن تذهب إلى نزهة معهم، لا أن تختار أصدقاء من الطرف الآخر، هؤلاء يحببون الدنيا إليك، ويبعدونك عن طاعة الله، يزينون المعصية إليك، ويسهِّلون لك الأشياء التي تخاف أن تفعلها، لذلك احرص على من حولك أن يكون مؤمناً.

 اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS