92367
خطبة الجمعة - الخطبة 0959 : خ1 - الأخوة الإيمانية ، خ2 - التفسير العلمي لعدة النساء .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-04-01
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الأخوة الإيمانية:

 أيها الإخوة الكرام، تحدثت عن الظلم في المجتمعات الإسلامية فيما بين الأفراد، وبينت أنه لا سبيل كي ننتصر على أعدائنا، إلا بإزالة الظلم فيما بين المسلمين، واستشهدت على ذلك بأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أرسل عبد الله بن رواحة ليقيّم تمر خيبر أغراه اليهود بحلي نسائهم كرشوة:

 عن سليمان بن يسار، رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم:

(( كان يبعث عبد الله بن رواحة رضي الله عنه إلى خيبر، فيخرُص بينه وبين يهود خيبر، قال: فجمعوا له حَلْياً من حَلْي نسائهم، فقالوا: هذا لك، وخَفِّف عنا وتَجَاوَزْ في القَسْم، فقال عبد الله: يا معشر يهود، والله إِنَّكم لمن أبغضِ خلق الله إِليَّ، وما ذلك بحاملي على أَن أَحيف عليكم، فأمَّا ما عرضتم من الرّشوة فإنها سُحْت، وإِنَّا لا نأكُلُهَا، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض ))

[ حديث حسن، أخرجه مالك في الموطأ ]

 وتحدثت عن القسوة التي يعاني منها المسلم في شتى مراحل حياته، وبينت أنه إذا أردنا رحمة الله ينبغي أن يرحم بعضنا بعضاً.
أمام هاتين النقطتين الكبيرتين الأساسيتين في ضعف المسلمين وتخلفهم، ما البديل؟
ما البديل أمام التحديات الخارجية التي يشهدها العالم الإسلامي كل يوم عدة مرات؟
ما البديل أمام الضغوط والتحديات والتهديدات والضعف الداخلي؟
 ضعف العلاقات الاجتماعية، ضعف العلاقات الأسرية، الأحقاد والأضغان، هذا التخلف الاجتماعي عند المسلمين، وهذا الضغط الخارجي.
كيف نواجه هذه التحديات وتلك الثغرات؟
الحقيقة ما من بديل إلا الأخوّة الإيمانية.

معاني الأخوة الإيمانية:

 أيها الإخوة الكرام، ينبغي أن نفهم ماذا تعني الأخوّة الإيمانية؟ كيف نتعامل مع بعضنا؟ كيف يفهم بعضنا بعضاً؟ كيف يعذر بعضنا بعضاً؟ كيف يحب بعضنا بعضاً؟ كيف نختلف مع بعضنا، ولا يثمر هذا الخلاف أحقاداً ولا ضغائن؟ هذا ما تعنيه الأخوّة الإيمانية.
أيها الإخوة الكرام، إن العمل الإسلامي لا يتسع للخلاف بين أفراد الصف الواحد لئلا تضيع الجهود سدى.
الأخوّة الإيمانية ليست كلاماً نردده، ولكنها ممارسات نفعلها.
 أيها الإخوة الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام حينما أراد أن يؤسس كياناً في المدينة أول شيء فعله أنه آخى بين المهاجرين والأنصار، الأخوّة الإيمانية بمفهومها الشمولي والعميق هي التي يمكن أن تحل محل العداوة والبغضاء والتنافس غير الشريف، وهي التي يمكن أن تجعل المجتمع صفاً واحداً متماسكاً يصعب خرقه من العالم الغربي.
 أيها الإخوة الكرام، الأخوّة الإيمانية نعمة من أعظم النعم التي يمتن الله بها على عباده، هي رابطة بين أفراد المجتمع الإسلامي يصعب أن نجد مثلها في المجتمعات الأخرى.
 لا لمصلحة ولا لنفع مادي، إنما هي لله، أخوّة بين القلوب والأرواح، تربط المؤمنين برباط وثيق لا يمكن فصمه.

الأخوة من الإيمان:

 أيها الإخوة الكرام، إليكم الأدلة:
قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

(سورة الحجرات: الآية 10)

﴿ إِنَّمَا ﴾

 هذه، تفيد القصر والحصر، أي ما لم تنتمِ إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً، وما لمْ تتمثل الأخوّة بينك وبين أخيك المؤمن فلست مؤمناً.

الأخوّة الإيمانية من أوثق عرى الإيمان، وتحقيقها عبادة من أعظم العبادات:

عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( من أحبَّ للَّه، وأبْغَضَ لله، وأعطَى لله، ومنع للهِ، فقد استكمل الإيمانَ ))

[ حديث حسن، أخرجه أبو داود ]

 هذا شرح نبوي للأخوّة الإيمانية، تحب لله، وتبغض لله، وتعطي لله، وتمنع لله.

 عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( ثلاثٌ من كُنُّ فيه وجدَ بهنَّ طَعْمَ الإيمان: مَن كان اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مما سواهما، ومَنْ أحبَّ عبداً لا يُحِبُّهُ إلا لله، ومن يكْرهُ أن يعودَ في الكفر، بعد أن أنقذه الله منه، كما يكرَه أن يُلقى في النار ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 نذوق طعم الإيمان إذا أحب بعضنا بعضاً ابتغاء وجه الله.

الأخوة تكسب محبة الله:

 إن الأخوّة الإيمانية تستجلب محبة الله لنا جميعاً، يفهم من هذا الكلام المفهوم العكسي، وعداوة المؤمنين وتنافسهم وتناحرهم والبغض الذي بينهم يستجلب سخط الله عليهم جميعاً، والدليل:

 يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:

(( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاورينَ فيَّ، والمتباذلينَ فيَّ ))

[ من حديث أخرجه مالك في الموطأ بإسناد صحيح ]

 عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال اللهُ عز وجلَّ:

(( المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نُور، يغبِطهم النبيُّون والشهداءُ ))

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

 إن الأخوّة الإيمانية سبيل إلى ظل عرش الله جل جلاله يوم لا ظل إلا ظله، ففي الحديث المشهور:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(( سَبْعَة يظِلُّهمُ الله في ظِلِّهِ يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه: ))

 وذكر منهم:

(( ورجلان تحابَّا في الله، اجتمعا على ذلك وتفرَّقا عليه ))

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

الأخوة منة من الله تعالى:

 هذه الأخوّة الإيمانية من خلق الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾

(سورة الأنفال: الآية 63)

 قد يسأل سائل: ما أوجه إعجاز القرآن الكريم؟ هناك جواب رائع: المؤمن بأخلاقه، بصدقه، بأمانته، بعفته، ببذله، بتضحيته، برضاه عن الله عز وجل أحد مظاهر إعجاز القرآن الكريم، لأن هذا الكتاب العظيم صنع هذه الشخصية، والآن المؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاونهم وتضامنهم وتناصحهم أحد مظاهر إعجاز القرآن الكريم.
 أيها الإخوة الكرام، لقد امتن الله على عباده المؤمنين بهذه الأخوة الإيمانية، قال تعالى:

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾

(سورة آل عمران: الآية 103)

 كان الشريف في الجاهلية يمد رجله ويقول: من كان أشرف مني فليضربها، فيقوم منافس له، ويضربها، وتنشأ حرب تمتد إلى عشر سنين، هكذا كانوا في الجاهلية، أما إذا رأيتهم في الإسلام فقد رأيت العجب العجاب في محبتهم، في تضحياتهم، في تعاونهم، في بذلهم.
 الأنصار عرضوا على المهاجرين نصف ممتلكاتهم، نصف بيوتهم، ودكاكينهم، ولم يسجل التاريخ أن مهاجراً واحداً أخذ من أنصاري شيئاً، كان يقول أحدهم: بارك الله لك في مالك، ولكن دلّني على السوق.
 أيها الإخوة الكرام، الإسلام الحقيقي وحده يجمع القلوب المتنافرة، ويرأب الصدع، ويلمُّ الشمل.

الأخوة من اركان الدين:

 أيها الإخوة الكرام، الأخوّة في الإسلام ليست من نوافل القول، ليست كلاماً يستهلك، وليست جانباً معتّماً عليه ينبغي أن نظهره، الأخوّة في الإسلام أحد أركان هذا الدين:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:

(( المسلمُ أخو المسلمِ، لا يَظْلِمُهُ، ولا يُسْلِمُه، مَنْ كانَ في حاجةِ أخيهِ كانَ اللهُ في حاجتِهِ، وَمَن فَرَّجَ عن مُسلم كُرْبَة فَرَّجَ اللهُ عنهُ بهَا كُرْبة مِنْ كُرَبِ يومِ القيامةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسلِماً سَتَرَهُ اللهُ يومَ القيامةِ ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( للمؤمن على المؤمن سِتُّ خِصَال: يعُودُه إِذا مَرِضَ، ويشهدُهُ إِذا ماتَ، ويجيبُه إِذا دعاه، ويسلِّمُ عليه إِذا لَقِيَهُ، ويشمِّتُه إِذا عَطَسَ، وينصَحُ له إِذا غابَ أَو شَهِدَ ))

[ حديث صحيح، أخرجه النسائي ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( حقُّ المسلمِ على المسلم خمس: ردُّ السلام، وعِيادةُ المريض، واتِّباعُ الجنازة، وإِجابةُ الدَّعْوَةِ، وتشميتُ العاطس ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 وأن تنصحه بظهر الغيب إن غاب عنك، وأن تحب له ما تحب لنفسك، وأن تكره له ما تكره لنفسك.
هذه أحاديث شريفة صحيحة تبين حقيقة الأخوّة الإيمانية.
وقد ورد في الأثر:
 أربع من حق المسلمين عليك، أن تعين محسنهم، وأن تستغفر لمذنبهم، وأن تدعو لغائبهم، وأن تجيب دعوة تائبهم.

الأخوة واجبة على المسلمين:

 أيها الإخوة الكرام، قال بعض العلماء وهو قول بليغ: إن الأخوّة الإسلامية مستوى وجوبها كفرضية الصلاة والصيام:
تصلي وتعادي أخاك؟ تصلي وتحقد على أخيك؟ تصلي وتمكر بأخيك؟ تصلي وتأكل مال أخيك ظلماً؟
يقول بعض العلماء: والله لترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً قال:

(( يا رسول الله إن فلانة ذكر من كثرة صلاتها وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها؟ قال: هي في النار. قال: إن فلانة ذكر من قلة صلاتها وصيامها، وإنها ما تصدقت بأثوار أقط، غير أنها لا تؤذي جيرانها؟ قال: هي في الجنة ))

[ حديث صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه ]

سبل تنمية الأخوة الإيمانية:

 أيها الإخوة الكرام، إلى الخطوات العملية، كيف ننمّي هذه الأخوّة الإيمانية بيننا، بين أفراد مسجد واحد، بين أفراد المساجد كلها، بين أفراد المؤمنين، بين أفراد المسلمين؟

البند الأول:

الحب في الله:

 الحب في الله: أروع أنواع الحب، أعظم أنواع الحب، أقدس أنواع الحب، أن يكون الحب في الله، ولله، فلا نفع، ولا غرض، وفي الحديث الشريف القدسي:

 عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال اللهُ عز وجلَّ:

(( المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نُور، يغبِطهم النبيُّون والشهداءُ ))

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

إذاً: البند الأول: أن تجعل محبتك لأخيك مبرّأة من كل هدف دنيوي:
 تحبه إذا كان غنياً، وتحبه إذا كان فقيراً، تحبه إذا كان قوياً، وتحبه إذا كان ضعيفاً، تحبه إذا كان لطيفاً، وتغفر له إن قسا عليك أحياناً، يجب أن تحبه لله.

 البند الثاني:

سلامة الصدر:

أن يكون صدرك سليماً تجاه أخيك في الله:
 لا تحقد عليه، لا تحمل عليه ضغينة، ولا سوء نية، احمل أفعاله وأقواله على محمل حسن، أحسن الظن به، كما أنك تحسن الظن بنفسك، أحسن الظن بأخيك.

 عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( لا تَقَاطَعُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عبادَ الله إخواناً، ولا يَحِلُّ لمسلم أن يَهْجُرَ أخاه فوق ثلاث ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قَالَ:

(( قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ. قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ وَلا بَغْيَ وَلا غِلَّ وَلا حَسَدَ ))

[ حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه ]

ورد في الأثر:
 يا رب، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي.
 ولنبدأ من مسجد واحد، يجب أن تكون المحبة هي السائدة، سلامة الصدر هي السائدة، والتسامح هو السائد.

البند الثالث:

التناصح والتواصي بالحق:

 إن المسلم الآن لا يسير في طريق آمن، لكنه يسير في طريق محفوفة بالمكاره وبالمزالق، وبالعقبات وبالصوارف، وبالفتن وبشياطين الإنس وشياطين الجن، فهو أحوج في مثل هذه الطريق الوعرة الخطرة إلى من يأخذ بيده، إلى من يرشده، إلى من يبصره، إلى من يذكره إذا نسي، إلى من يعينه إذا ذكر، لذلك قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ (*) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (*) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر)

 التواصي بالحق أحد أركان النجاة، بل ربع النجاة، هذا التواصي بالحق، هذا النصح ينبغي أن يكون سراً، وبالحكمة والموعظة الحسنة، وبأسلوب رقيق، يقول بعض السلف: أدِّ النصيحة على أكمل وجه، واقبلها على أي وجه.

البند الرابع:

معرفة فضل الاخ في الله:

 معرفة فضل أخيك عليك:
قال تعالى:

﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾

(سورة البقرة: الآية 237)

 قال بعض الشعراء:

أعـلمه الرماية كل  يوم فلما اشتد ساعده رماني
و كم علمته نظم القوافي  فلما قال قافية هجــاني

 مرة قال أحدهم لعمر بن الخطاب: والله يا أمير المؤمنين، ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فامتقع لون عمر، وجحظت عيناه، وحدّ فيهم النظر، فخافوا جميعاً، فقال أحدهم: لا والله، لقد رأينا من هو خير منك، قال: ومن هو؟ قال: أبو بكر، فقال هذا الخليفة العظيم: كذبتم جميعاً، وصدق هذا، كنتُ أضلَّ من بعيري، وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك.
اعرف الفضل لأهله، قال عمر: أنا حسنة من حسنات أبي بكر.
لا تتنكر لأخيك، لا تتنكر للذي علمك، للذي دلك على الله، للذي هداك إليه.
قال تعالى:

﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾

(سورة البقرة: الآية 237)

 معرفة المسلم فضلَ أخيه فرض عيني على كل مسلم، هو علّمك، دلّك على الله، هو أعانك، هو أمدك بمال، أعانك على الزواج، إياك أن تتنكر لمن له فضل عليك، هذه القاعدة أيها الإخوة الكرام، إن فعلت خيراً يجب أن تنسى هذا الخير، وإن فعل معك خير يجب ألا تنساه إلى الأبد.
هكذا المصارحة والمكاشفة، لك على أخيك مأخذ، بلغك عنه موقف لا يليق بمؤمن، لا تبقِ هذا في نفسك، وتبحث عن موقف آخر تتقصى زلاته، تحاول أن تقتنص عيوبه إلى أن تشيع هذا بين الناس، هذا سلوك الشيطان، بل صارحه، وكاشفه، فقد يكون الراوي كاذباً، وقد يكون الخبر غير صحيح، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

(سورة الحجرات: الآية 6)

الآن دققوا في هذه القصة القصيرة:
 وقف الصحابي أبو الهيثم يصارح، ويكاشف، ويستفسر من رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يجول في نفسه، فقال يا رسول الله:

(( يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها، وهي العهود، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك وأظهرك الله عز وجل أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنتم مني وأنا منكم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم ))

[ من حديث أخرجه أجمد، ورجاله رجال الصحيح إلا واحداً وقد صرح بالسماع ]

 هذا وفاؤه صلى الله عليه وسلم، وتلك مصارحة أحد أصحابه.

البند الخامس:

التسامح والتراحم :

 قال تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

(سورة آل عمران: الآية 159)

وفي الحديث:
 عن جودان رحمه الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ اعْتَذَرَ إِلَى أَخِيهِ بِمَعْذِرَةٍ فَلَمْ يَقْبَلْهَا، كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ خَطِيئَةِ صَاحِبِ مَكْسٍ ))

[ حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه ]

 هذا الذي يأخذ أموال الناس بالقوة ذنبه من أعظم الذنوب، من اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل منه كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس.
وفي حديث آخر:

(( ومن أتاه أخوه متنصلاً، فليقبل ذلك منه، محقاً كان أو مبطلاً ))

[ من حديث صحيح، أخرجه الحاكم ]

 لا تكن حقوداً، وكن عفواً:

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

(سورة آل عمران: الآية 159)

 أيها الإخوة الكرام، هذه بعض الوسائل التي تنمي الأخوة الإيمانية، ونحن في أشد الحاجة إليها.

نتائج الاخوة الإيمانية :

 الأخوة الإيمانية لها نتائج يانعة ورائعة على المستوى الفردي، وعلى المستوى الجماعي، وعلى المستوى الدعوي، وعند أعداء المسلمين:
إن رأونا متماسكين متعاونين كنا عندهم أصحاب هيبة، أما إن رأونا مختلفين متناحرين متباغضين سقطنا من أعينهم، وهذه كلمة أقولها لكم من أعماق قلبي:
 حينما يتعاون المؤمنون، ويتناصحون، ويتحاببون، ويتباذلون يرتفعون جميعاً في عين الله، وحينما يختصمون، وحينما يحسد بعضهم بعضاً، وحينما يكيد بعضهم لبعض يسقطون جميعاً من عين الله، ولأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله.

خطوط في سبيل الأخوة الإيمانية:

 أيها الإخوة الكرام، الحديث عن الأخوة الإيمانية حديث طويل، ولكن خطوة عملية، أوصيكم بها، هي أبلغ من ألف صفحة تقرؤونها: قوله تعالى:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾

(سورة الأنفال: الآية 1)

 قال علماء التفسير: تفهم هذه الآية على ثلاثة مستويات:
أصلح علاقتك بالله أولاً، ثم أصلح علاقتك بمن حولك ثانياً، ثم أصلح كل علاقة بين مؤمنيْن:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾

(سورة الأنفال: الآية 1)

 عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

(( أخبركم بأفضل من درجة الصيام والقيام؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة ))

[ حديث صحيح، أخرجه أبو داود والترمذي ]

وأخيرا:

 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.
***

الخطبة الثانية:

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سينا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحكمة من عدة المرأة في الإسلام:

 أيها الإخوة الكرام، العلماء فسروا العدة للنساء، عدة المرأة المطلقة، أو عدة المرأة التي توفي عنها زوجها، فسروا هذه العدة للتأكد من خلو الرحم من جنين، وأنها مهلة أيضاً للصلح بن الزوجين لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، وهذا صحيح لا شك فيه، ولكن هناك سبب آخر اكتشفه العلم الحديث، وهو من باب الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.

عدة المرأة المطلقة:

 قال العلماء: اكتشف أن السائل الذكري يختلف من شخص إلى آخر كما تختلف البصمة تماماً، كيف أن هناك قزحية العين تتميز بها، ونبرة الصوت، ورائحة الجلد، وبلازما الدم، والزمرة النسيجية، هذه هوية لكل إنسان، يضاف إلى هذه النقاط التي يتميز بها الإنسان شيفرة سائله المنوي.
لذلك المرأة، وكأنها تحمل داخل جسمها حاسوب يحتزن شيفرة الرجل الذي عاشرها، فإذا دخل على هذا الحاسوب أكثر من شيفرة كأنما دخل فيروس إلى هذا الحاسوب، وأصاب الحاسوب بالخلل، والاضطراب، وأصاب المرأة بالأمراض الخبيثة، وهذا يتضح من أن اللواتي يمتهن الدعارة قد يصبن بأمراض خبيثة جداً، لأن تبدل هذه الشيفرات يمكن أن يضطرب الحاسوب الذي أعده الله في جسم المرأة، لذلك المرأة تحتاج إلى المدة التي شرعها النبي عليه الصلاة والسلام كي تستقبل زوجاً آخر، هذه المدة التي تمحى بها شيفرة السائل الأول كي يستقبل شيفرة جديدة.

عدة المتوفي عنها زوجها:

 بعض العلماء وجد أن التي توفي عنها زوجها تزيد عدتها على عدة المرأة المطلقة، فقالوا: موت الزوج الوفي يخلق اضطراباً في المرأة يؤخر محو الشيفرة السابقة، هذا بحث علمي يبين أن هذا الشرع العظيم الذي جاءنا من عند خالق السماوات والأرض إضافة إلى أسباب اجتماعية، وأسباب نفسية، هناك أدلة علمية قطعية على صدق هذا التفسير.
 أيها الإخوة الكرام، هذا يفسر أنه لا يجوز لامرأة أن يكون لها أكثر من زوج، وبعض هذه الملامح تبدت في هذا البحث العلمي الذي اكتشف مؤخراً من أن في المرأة جهازاً يختزن الشيفرة للسائل الذكوري للذي عاشرها، فإذا أراد إنسان أن يطلق زوجته فهذه الشيفرة لا تمحى إلا بعد ثلاثة أشهر، ولا تمحى من المرأة المتألمة على موت زوجها إلا بعد أربعة أشهر وعشرة أيام، وكلما تقدم العلم كشف عن جانب من عظمة هذا الدين.

الدعاء:

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS