12563
التفسير المختصر - سورة الطلاق (65) - الدرس (1-5) : تفسير الآيتان 1-2 ، الطلاق البدعي والطلاق السني.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-11-15
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
 الآية الأول من سورة الطلاق وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1)﴾

هذه الآية أيها الأخوة:
 تبين الطلاق السني ، والذي يفعله معظم المسلمين ، يطلقون طلاقاً بدعياً ، فهذا الذي يطلق زوجته ثلاث طلقات متواليات في مجلس واحد ، ماذا فعل بقوله تعالى:

﴿ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1)﴾

 أي أمراً يحدث بعد أن طلقتها ثلاث طلقات متتاليات في مجلس واحد وانتهى الأمر ، ماذا أمرا الله عز وجل؟ أمر أن تطلقها طلقة واحدة ، وأن تبقى زوجتك عندك في البيت ، وأن تتزين لك ، وفي أية لحظة خلال ثلاثة قروء ، أو ثلاثة أشهر ، بإمكانك أن تراجعها بكلمة أو بلمسة ، وترجع إليك وليس هناك شيء.
لذلك قال الله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾

 هذه الآية جاءت في سياق سورة الطلاق ، من يتق الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها ، لو أنه طلقها كما سن النبي عليه الصلاة والسلام ، وكما نطقت به هذه الآية ، طلقها طلقة واحدة رجعية ، وأبقاها عنده في البيت ، فالموضوع الذي من أجله ، كان الطلاق ، إذا كان صغيراً بعد أياماً عدة ينتهي ، ويندم على فعلته ، ويسترجعها ، بكلمة أو بلمسة وانتهى الأمر ، فإذا بقيت ثلاث قروءٍ عنده في البيت ، تتزين له كل يوم ، وهو مصر على طلاقها ، وانقضت العدة ، كانت طلقة رجعية بإمكانه أن يسترجعها بعقدً ومهرٍ جديدين ، ولا شيء عليه ، بعد الثلاثة قروء ، ثم إنه بإمكانه أن يطلقها مرة ثانية كما فعل في المرة الأولى ، يطلقها طلقة واحدة وبإمكانه أن يسترجعها بكلمة أو لمسة خلال ثلاثة قروء ، فإذا مضت القروء الثلاثة ، ملكت نفسها ، بإمكانه أن يسترجعها بعقد ومهرٍ جديدين ولا شيء عليه ، لأنه طلق طلاقاً سنياً.
وقد قال الله عز وجل:

﴿ الطلاق مرتان ﴾

( سورة البقرة: 229 )

 هو جعله مرة واحدة ، الذي يطلق طلقات ثلاث في مجلس واحد يخالف أحكام هذه الآية ، الله عز وجل قال:

﴿ الطلاق مرتان ﴾

 في الثلاثة.

﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾

 هو جعل الثلاثة في مجلس واحد ، وعنده أولاد ، فهذا الذي يطلق تطليقات ثلاثاً في مجلس واحد يعد طلاقه بدعياً مخالفاً للسنة.
أما الذي ، قال الله عز وجل:

﴿ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1)﴾

 لعل هذا القلب يلين ، لعل هذه المشكلة تصغر ، لعل هذا الخصام يفتر ، لعل هذه الكراهة تنقضي.

﴿ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1)﴾

 آلاف الزيجات فيها خلافات مستعصية بعد حين حلت الأمور وعاد الوئام وسار الركب ، فلماذا التعنت.
أيها الأخوة الكرام:
 ابن عباس رضي الله عنه قال مرة: أيرتكب أحدكم أحموقته ويقول يا بن عباس يا بن عباس ، يعني حينما تلقى الخطب ، وحينما ينزل الخطيب من على المنبر ، أكبر موضوع يسأل عنه موضوع الطلاق ، لأتفه سبب ، لأتفه انفعال ، لأتفه غضب ، يحلف على زوجته يمين طلاق ، هذا من الحمق ، وأنت حينما تحلف على زوجتك يمين الطلاق ، صارت هي المطلقة ، إن قلت لها: إن زرت أختك فأنت طالق ، صار طالقها بيدها ، كنت أنت الآمر فأصبحت مأموراً ، كنت أنت الحاكم فأصبحت محكوماً ، كنت أنت القوي فأصبحت ضعيفاً.
يا أيها الأخوة الكرام:
يقول الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾

 يعني في عدة ، أول قرء ، ثاني قرء ، ثالث قرء ، معناها طلقة واحدة بينونة صغره ، إذا مرت القروء الثالثة ولم تراجعها ، ولم تراجعها ، بانت منك بينونة صغره ، أي بإمكانك أن تنشئ عقداً جديداً ومهراً جديداً وأن تسترجعها ، ولك أن تفعل هذا مرة ثانية ، أول قرء وثاني قرء ، وثالث قرء ، وهي في بيتك تتزين لك ، فأكبر موضوع يصغر ، مهما يكن الخلاف شديداً ، ينسى ، يصغر يمحى ، أنت في بحر الآمان ، أنت في بحبوحة الطلقة الثانية والثالثة.
لذلك أكثر شيئاً أتمنى على أخوتنا ، أن يتريثوا عند موضوع الطلاق.
أيها الأخوة:
لفتة لطيفة جداً في هذه الآية:

﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾

 إلى من نسب البيت ، إلى الزوجة ، هو ملكك ، في السجلات العقارية البيت باسمك ، أم هنا نسب البيت إلى الزوجة ، لأنها المشرفة على البيت ، استنبط بعض العلماء من هذه الإضافة ، أنه من حق الزوجة أن تستقل ببيت ، فطعم الزواج لا يتذوق إلا في بيت منفرد أما بيت في نساء ورجال ، وشباب ، وشابات ورقابة وتفتيش وملاحظات ، وتعليقات ، هذا زواج تعيس ، يعني لو خُير الإنسان العالق ، بين بيت من غرفة واحدة في رأس الجبل ، هو وزوجته وحدهما ، وبين أن يسكن في أرق أحياء دمشق ، مع أناس كثيرين ، لا ينجح الزواج إلا في بيت مستقل ، ولو كان متواضعاً ، ولو كان غرفة واحدة ، هذه ملاحظة ، هي نسبة البيت إلى الزوجة.
 شيء آخر الإنسان له شخصية ، ويؤكد ذاته في حقول كثيرة منها عمله ، منها دعوته ، منها عمله الصالح ، أما الزوجة ليس لها إلا مجال واحد فقط تؤكد فيه شخصيتها ، ألا وهو بيتها ، فدع لها حق الإشراف على البيت ، هذا من أجل أن تشعر أنها ذات شخصية ، أنها تقدم شيئاً ثميناً ، أما إذا تدخلت في شؤونها الدقيقة ، التفصيلية ، في شؤون بيتها ، أفقدتها شخصيتها ، لذلك نسب البيت إليها نسبت إشراف لا نسبت تملك ، ونسب البيت إليها نسبت استقلال.
 في نقطة دقيق جداً جداً ، صدقوني أنها قاعدة ذهبية ، ما من مشكلة مهما كبرت بين الزوجين ، إذا بقيت الزوجة في بيت زوجها هذه المشكلة تتناقص مهما تكن المشكلة كبيرة ، تتناقص إذا بقيت الزوجة في بيت زوجها ، ومهما تكن المشكلة صغيرة ، لو أنها ذهبت إلى بيت أهلها ، أو أنه أذهبها إلى بيت أهلها صار في أطراف ، صار في تغذية ، خالاتها ، عماتها ، أخواتها ، أخوات الذكور ، أخوات البنات ، ما بيليق فيكِ ، أنت أرق من هيك ، ألف مين بخطبك ، بكبروا برأسها ، بزهدوا بزوجها ، بكرهوها في ، هو ينتظر أن تتصل به هي تنظر أن يتصل بها ، حلقة مغرفة ، هي لا ترجع إلا أن يأتي ليأخذها ، وهو لا يذهب ليأخذها إلا أن تأتي وحدها ، كل واحد ركب رأسه ، من أصغر مشكلة إلى أكبر مشكلة ، وقد تنتهي بالطلاق.
لذلك خطأ كبير ، لا تخرجوها من هذا البيت ، وكأنه بيتها.
المعنى الثالث:

﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾

 أول معنــــــــى: ينبغي أن تكون مستقلة في بيتها.
المعنى الثـــاني: لها حق الإشراف.
المعنى الثــالث: لا تخرجها من هذا البيت وكأنه بيتها.
المعنى الرابع: أيتها المرأة لا تخرجي من هذا البيت وكأنه ليس لك بيت سواه.
 فطبقوا هذه القاعدة الذهبية ، مهما تكن المشكلة كبيرة ، ما دامت الزوجة عند زوجها في البيت هذه تتناقص إلى أن تتلاشى وطلقتها طلقة واحدة ، يسهل في ، أول قرء ، خمس وعشرين يوم وثاني قرء ، خمس وعشرين يوم ، وثالث قرء خمس وعشرين يوم وما راجعها ، تمت العدة ، بإمكانه أن يراجعها ، وأن يعقد عليها عقد جديداً ، ومهراً صورياً ، طرق ، في بحبوحة كبيرة جداً أما حينما يطلق طلقات ثلاث في مجلس واحد هذه حماقة ما بعدها حماقة ، لأنه ألغى هذه الآية ، قال تعالى وهو خالق الكون:

﴿ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1)﴾

 أنت قطعت هذا الأمر ، والآية الثانية:

﴿ الطلاق مرتان ﴾

 جعلته مرة واحدة.
والدليل الثالث:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾

 أين العدة ؟ إن طلقتها طلقات ثلاث ألغيت العدة ، خلص ما عاد في عدة أخرجتها إلى بيت أهلها و انتهى الأمر.
لذلك جهل عميم ، وحماقات لا تنتهي ، كلها بسبب الجهل والإنسان من دون علم يتعامل مع الآخرين تعامل مريعاً وأحمقاً.
فهذه آية كريمة ، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يطلق لكن المؤمنين أمروا من خلاله.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾

 يجب أن تحصيها تماماً ، أول قرء ، ثاني قرء ، ثالث قرء.

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾

 إن قلت لها الحقي بأهلك فهذا مخالف للشريعة ، وإن خرجت من غير إذنك والتجأت إلى بيت أهلها فهي عاصية ، هي تعصي الله إن خرجت من دون إذنك إلى بيت أهلها ، وأنت تعصي الله إذا طردتها إلى بيت أهلها ، هذا هو الشرط ، هذا بيتها وبيت أولادها ، والزواج ما أنشئ ليفسخ ، أنشئ ليبقى ، والإنسان غير الحكيم ، هو الذي يعرض هذا الزواج لهزات كثيرة ، ولأسباب تافهة ، طبعاً المرأة تطلق ، من ريبة ، إذا خانت زوجها ، أما لأسباب غير متعلقة بالخيانة.
قال عليه الصلاة والسلام: لعن الله الذواقين والذواقات.
 هذا المزوج المطلاق ، وكل إنسان في عنده بنات ، فعليه أن يتقي الله في زوجته ، لئلا يعامل في بناته كما عامل زوجته.
أيها الأخوة الكرام:
نستخلص من هذا ، أن أي طلاق مخالف إلى هذه الآية ، طلاق بدعي لكن العلماء على مذهبين.
بعض العلماء أمضى طلاق البدعة وبعضهم الآخر لم يمضي طالق البدعة لكن جمهور العلماء على أنه يقع ، لكن يقع وصاحبه عاصي لله عز وجل.
 بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وأرض عنا ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS