27671
الخطبة الإذاعية (80) : خ1 - ولكل أمة أجل ، خ2 - الاستقامة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2007-07-13
بسم الله الرحمن الرحيم

 الخطبة الأولى:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حق الجهاد، وهدى العباد إلى سبيل الرشاد .
 اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين .
 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 قال تعالى:

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾

 لهذه الآية أبعاد كثيرة، ودلالات خطيرة.
 1 – أولاً...
 من هي الأمة ؟ جمعٌ كبير من البشر، لهم صفات مشتركة، وبينهم قواسم مشتركة، ومصالح مشتركة، الأمر الذي حدا بعلماء النفس إلى وضع علم جديد اسمه علم نفس الأمم، لأن معظم الأمم لها خصائص مشتركة فيما بينها.
 مثلاً: الله عز وجل وصف بعض الأمم، فقال:

﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 96 )


 فهناك أمّة تقدس العمل، وأمة تقدس المال، وأمة غارقة في الشهوات، وأمة دينها الغزو والسيطرة، وأمةٌ تعبد الأشخاص من دون الله، وأمة تقدس المبادئ، وأمة تقدس الحرية، وأمة تقدس الآباء والأجداد.
 لكن الله سبحانه وتعالى خاطب الأمة العربية بهذه الآية فقال:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

 : وقد قال المفسرون: أي أصبحتم ببعثة النبي ( ص ) خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ .
 وعلة خيريتها أنها:

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

 فإن لم نأمر بالمعروف، ولم ننهَ عن المنكر، ولم نؤمن بالله الإيمان الذي يحملنا على طاعته، نحن كأية أمة خلقها الله .
 يقول عليه الصلاة والسلام:

(( كيف أنتم إذا لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر ؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده، وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه ؟ قال: كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، قالوا وما أشد منه، قال كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ))

 تبدلت القيم .

[الفردوس بمأثور الخطاب]

والحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح... إذن لسنا خير أمة أخرجت للناس، ولا نملك أية ميزة على بقية الأمم، وهذا معنى قوله تعالى حينما رد على من ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، فقال لهم:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

 وإذا قال المسلمون اليوم: نحن خير أمة، نحن أمة سيد الأنبياء والمرسلين، فالرد الإلهي جاهز:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

 2 – لكل أمّةٍ أجلٌ...
 لكل تجمعٍ كبير له صفات مشتركة، هذه الأمة التي كبرت، وقويت، وسيطرت، وطغت، وبغت... لها أجل، وهذه الأمة الخيرة التي آمنت بمنهج السماء، وارتقت في مدارج الإحسان... لها أجل، أيضاً،

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾

 الله عز وجل ضرب مثلاً للأمم الطاغية، المتجبرة، المستكبرة، التي تظلم العباد وتسفك الدماء، وتنتهك الأعراض، وتنهب الثروات، هذه الأمم المتجبرة، ضرب الله لنا مثلاً عنها قوم ( عاد ) فقال تعالى عنهم:

﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾

 تفوق في شتى المجالات، وقال عنها:

﴿ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾

 تفوّق وغطرسة لا تحتمل، وقال عنها:

﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ ﴾

 تفوق عمراني، وقال عنها:

﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾

 تفوق صناعي، وقال عنها:

﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾

 تفوق عسكري، وقال عنها:

﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾

 تفوق علمي ....تفوق عمراني، وصناعي بشكل أو بآخر، وعسكري، وعلمي، وغطرسة، بل تفوق في شتى الميادين.
 لو أردنا أن نلخص حركة عاد في الحياة ؛ فهما كلمتان:

﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾

 لم يقل طغوا في بلدهم، بل في كل البلاد، ولم يقل أفسدوا بلدهم، بل أفسدوا في كل البلاد .

﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾

 صب عذابه على عاد... لقد أدب بعاد بقية البلاد، ثم تولى تأديب عاد بذاته العلية .
 كيف أهلكهم الله ؟ لقد أهلكهم بالأعاصير

﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ ﴾

 وما أهلك الله قوماً إلا وذكرهم أنه أهلك من هم أشد منهم قوة إلا عاداً حينما أهلكها الله عز وجل، قال:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قوة ﴾

 أي ما كان فوق عاد إلا الله، ومع ذلك أهلكها الله .
 وحينما قال الله عز وجل:

﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ﴾

( سورة النجم )

 في هذه الآية إشارة لطيفة إلى أن هناك عاداً ثانية، والعالم يعاني منها ما يعاني، وصفات عاد الثانية تنطبق على صفات عاد الأولى.
 ( البنتاغون يقصف بالصواريخ

﴿ طغوا في البلاد ﴾

  وهوليود تفسد بالأفلام

﴿ وأكثروا فيها الفساد ﴾

 إذاً: الأمم الطاغية، وغير الطاغية لها أجل، أية أمة قوية جداً، لم يكن فوقها إلا الله، متغطرسة، مستكبرة، لها نفوذ في كل البلاد، خططت لتبني مجدها على أنقاض الشعوب، وتبني غناها على إفقار الشعوب، وتبني حريتها على قهر الشعوب، وتبني ثقافتها على محو ثقافات الشعوب، وتبني أمنها على إخافة الشعوب، وتبني قوتها على إضعاف الشعوب، وتبني عزها على إذلال الشعوب، هذه الأمة القوية، نجاح خططها على المدى البعيد يتناقض مع وجود الله عز وجل، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾

  وبالتعبير الشعبي: لكل أمة عشرة أيام وتنقضي.
 ومن مقتضيات الإيمان بالله ومسلماته أن قوى الأرض مجتمعة لا تستطيع أن تفسد على الله هدايته لخلقه، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

  لذلك لا ينبغي أن نقلق على هذا الدين، لأنه دين الله، ولكن ينبغي أن نقلق على أنفسنا إذا لم يسمح لنا أن نكون جنوداً له 0 والباطل قديم قدم الإنسان، ولكن بطولتنا ألا نسمح له أن ينفرد بالساحة .
 لذلك، هذه الآية

﴿ لكل أمّةٍ أجلٌ ﴾

 تدعو إلى التفاؤل، وهي تبعدنا عن الشعور باليأس وعن الشعور بالقهر، وعن الشعور بالإحباط، هذه المشاعر ليست من صفات المؤمنين الموحدين.
 أين هم الرومان ؟ أين هم اليونان ؟ أين هم الفراعنة ؟ أين هم المغول ؟ أين هم الفرنجة ؟ وأين هو المعسكر الشرقي الذي رفع شعار لا إله ؟ وصدق الله العظيم إذ يقول إن الباطل كان زهوقاً .
 3 ـ معنى: لكل أمّةٍ أجلٌ:
 ومعنى:

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾

 الذين ظلموا وسلبوا الأموال وانتهكوا الأعراض وسفكوا الدماء لم يَدُم لهم ذلك، بل أمد الله لهم في طغيانهم، ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر، ولو أراد خصومهم الانتقام منهم لما وصلوا إلى أدنى درجات انتقام السماء منهم، فما مِن شيء يستمر، وكل أمر مستقر ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾، فإذا رأيت طغياناً واحتلالاً، إياك أيها المؤمن أن تيأس، ولاسيما في البلاد الإسلامية والعربية المحتلة، إياك أن تشعر بالإحباط، إياك أن تستسلم، إياك أن تشعر أن الله تخلى عنك، إياك أن تضعف معنوياتك.

﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

( سورة آل عمران )

 فالله سبحانه وتعالى لا يسمح للطغاة أن يكونوا طغاة، ولا يسمح لهم أن يعضوا المؤمنين، حتى يجعلوهم يصرخون... إلا ليحمل المؤمنين على أن يكفروا بالطواغيت ويؤمنوا بالله الإيمان الذي يحملهم على طاعته، وليصطلحوا معه، وبذلك تتحقق سلامتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، فالألم وسيلة للعافية لأنه يشعرك بأن وضعك غير طبيعي، فالطغاة والظالمون والجبابرة والمستكبرون لهم أجل معلوم ينتهي به طغيانهم، فالذين نالهم الطغاة بالعذاب ألجأهم الله عن طريق الطغاة إلى واحة الإيمان، ففروا إلى بيته حجاجاً تائبين، وإلى مساجده عماراً منيبين، وإلى تلاوة قرآنه ذاكرين ومحبين، فالطغاة لابد من أن يسخرهم الله لخدمة دينه ومنهجه من دون أن يريدوا، ومن دون أن يشعروا، ومن دون أجر ولا ثواب، فهناك شريحة كبيرة من المؤمنين لولا أن طغيان الطغاة مسهم لما فروا إلى الله تائبين منيبين، باحثين عن النجاة، ولما التفتوا إلى الله عابدين موحدين، ولا يسعنا إلا أن نقول للطغاة شكراً لكم لقد أعنتمونا على أن نكفر بكم .

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾

 ولو علمتم ماذا قدمتم لدين الله وللمؤمنين من خير لم تريدوه، ولا تؤجرون عليه، لندمتم أشد الندم، فنحن بسبب طغيانكم أكثر وعياً، وأكثر تماسكاً، وأكثر قرباً من ربنا، وأكثر تفهماً لحقيقتكم المادية المتوحشة غير المتحضرة، وأكثر تفهماً لحقيقة ديننا وحضارتنا التي ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم منها، ولا تنسوا أيها الطغاة أن لكل أمة أجل، وإن فغرتم أفواهكم لهذه الحقائق التي لم تألفوها، فاسمعوا قول خالق السماوات والأرض:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

 لذلك... هذه الآية ترسم سياسة الله مع الطغاة:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾

 علا علواً كبيراً وقال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾

 وقال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾

 لأنه ـ في ما ترويه الكتب ـ رأى رؤيا أن طفلاً من بني إسرائيل سيقضي على ملكه، فأمر بذبح أبناء بني إسرائيل جميعاً، القضية عند فرعون سهلة، فأي مولدة لا تخبر عن مولود ذكرٍ تقتل مكانه، لكن الطفل الذي سيقضي على مُلكه رباه فرعون في قصره، قال تعالى:

﴿ فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾

 وهذا مِن حكم الله العظمى، والسياسة الواضحة لفرعون تؤخذ من قوله تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ﴾

 سياسته اعتماد الفتن الطائفية، هي الورقة الرابحة الوحيدة في يده، وأيدي كل الطغاة، قديماً وحديثاً، ولا يستطيع المسلمون إسقاط هذه الورقة إلا بوعي، وتقارب، ومحبة، وتعاون، فيما بينهم إذاً:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ ﴾

 فالله عز وجل يسلط الذي لا يعرفه على المقصر الذي يعرفه، فإذا عاد المؤمن المقصر إلى الله، واستقام على أمره، قواه على الذي سلط عليه، فلعله يؤمن بعد كفره، هذه سياسة الله.

﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

 إذاً:

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾

  هذه الآية تملأ قلب المؤمن راحة وطمأنينة

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 الله عز وجل له امتحان صعب، وأظنه واقع بنا ـ نحن المسلمين ـ الله يمد أعداءه بالقوة استدراجاً، فيفعلون ما يريدون، ويدمرون ويقتلون، وينهبون و يسلبون، ويقولون ويتبجحون، ويتغطرسون، ويستعلون، ويهددون ويتوعدون، إلى أن يقول ضعاف الإيمان: أين الله ؟ وقد قالها الضعاف من المؤمنين، ثم يظهر آياته، حتى يقول أعداء الله، وأعداء الخير، وأعداء الإنسانية: لا إله إلا الله، هناك امتحانان صعبان ؛ امتحان يوصل المؤمن الضعيف إلى أن يقول: أين الله، وامتحان آخر يوصل أعداء الله إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، وبعدها يمزقهم شر ممزق، ويجعلهم أحاديث .
 وقد امتحن أصحاب النبي ( ص ) هذا الامتحان الصعب في معركة الخندق قال تعالى:

﴿ إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا..... مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾

 من السهل جداً أن نعاين السلبيات، وما أكثرها في الأحداث الأخيرة، و لكن ليس من السهل ولا متاحاً لكل إنسان أن يكتشف الإيجابيات فيها، لأنها تحتاج إلى بعد نظر، وإلى قوة بصيرة وهذا ليس متاحاً لمعظم الناس، يضاف إلى ذلك أنه من منطلق العقيدة الإسلامية الصحيحة أن كل شيء وقع أراده الله، بمعنى أنه سمح به فقط، فلا يقبل ولا يعقل أن يقع في ملك الله ما لا يريد، وأن كل شيء أراده الله وقع فهو فعال لما يريد، وأن إرادته متعلقة بالحكمة المطلقة، لأن كمال الله مطلق، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، قال تعالى:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 26]

 يضاف إلى ذلك أن لكل واقع حكمة، ولو كان الموقع مجرماً، لأن الله جلت حكمته يوظف الشر الذي تنضح به نفوس المعرضين في الخير المطلق، ولأن الشر المطلق لا وجود له في الكون، بل هو يتناقض مع وجود الله .
 و بناء على هذا سنحاول تلمس الحكمة الربانية في الأحداث الأخيرة منطلقين من قوله تعالى:

﴿ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾

[ سورة النساء الآية: 19]

 من الحقائق المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح أن هناك خسائر لحقـت،
وتلحق بالمسلمين من خلال الأحداث الأخيرة، وثمة مكاسب للطرف الآخر حققها، وقد يحقق غيرها، ولكن السؤال المطروح كيف نتلمس المكاسب تحت ركام الخسائر ؟ و ما من شك أن لكل معركة خسائر ظاهرة ومكاسب خفية، والمتأمل في التاريخ يرى صوراً للنصر انبثقت من حطام المأساة، إذاً تفاءلوا ـ أيها المؤمنون ـ و كان عليه الصلاة و السلام يحب التفاؤل.
 في الأحداث الأخيرة سقطت مبادئ القوم، وسقطت شعاراتهم، وأخفقت مؤسسـاتهم، وهيئاتهم، فالحرية والديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان وما شابهها، باتت مصطلحات محنطة من مخلفات الماضي، وكادت هذه القيم الغربية التي كانت براقة تصرف النفوس عن قيم الدين الأصيلة، وتخطف الأبصار عن مضامين وحي السماء، فلما سقطت مبادئ القــوم
وقيمهم، ولم يبق في ساحة القيم إلا قيم الدين، ولم يبق من خلق إلا خلق أهل الإيمان، كما أن الأحداث الأخيرة وسعت دائرة المقت للغرب البعيد و لمبادئه و لحضارته، و كثرت من سواد الرافضين لأفكاره و مبادراته، و أن كثيراً من المفهومات والأنماط و السلوكيات الاجتماعية سيعاد النظر فيها أعني تلك التي صدرت لنا من الغرب على مستوى الرجل و المرأة، وعلى مستوى الأسرة والعلاقات والنشاطات، فالمقت للغرب البعيد سيسري على مقت صادراتهم الفكرية، وأنماط حياتهم الاجتماعية، ولا مجال اليوم ولا غداً لمن كانوا ينظرون للغرب عامة على أنه قبلة الفكر، ونموذج القيم، فقد كشفت حقيقة القوم، وأصبح قوة غاشمة ليس غير، وآن الأوان للمسلمين أن يعتزوا بقيمهم الإسلامية، وأنماط حياتهم الاجتماعية.
 و أما الآلة العسكرية فليست كما يقولون لحفظ العدل و السلام، بل للتدمير والاحتلال، ولا تفرق بين مدني و عسكري، و أن الآلة الإعلامية تلبست بالكذب و التزوير والاستخفاف بالعقول، و قد اتضح للمسلمين من خلال الأحداث الأخيرة أن الجهاد بمضامينه الشموليـــة
والعميقة لا يمكن أن يكون ردّ فعل مرتجل على خطر طارئ، إنما هو سلوك مستمر لكل أفراد الأمة بصرف النظر عن الظروف المحيطة، فالجهاد الأساسي هو جهاد النفس والهوى، ذلك أن المهزوم أمام شهواته و أمام حظوظه لا يمكن أن يقاوم عدواً، ولا أن يواجه نملة، أخذاً من قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 ومن إيجابيات الأحداث الأخيرة أنها قسمت العالم كله إلى فريقين ؛ فريق قوي متغطرس ظالم مجرم كذوب إرهابي إرهاب دولة وإرهاب تنظيم، وفريق مستضعف يتمتع ببقية من قيم ومبادئ يحاول بكل ما أوتي أن يدافع عن هويته ودينه وقيمه الحضارية، وعن أرضه المحتلة وتوصف مقاومته للمحتل ظلماً بالإرهاب .
 وإذا رمزنا إلى الحق الصرف باللون الأبيض، وإلى الباطل الصرف باللون الأسود، وإلى الحق الذي لابسه الباطل، وإلى الباطل الذي لابسه الحق باللون الرمادي، فقد كان اللون الرمادي يحتل أكبر مساحة في العالم قبل الأحداث الأخيرة، وبعد الأحداث الأخيرة لم يبق إلا اللون الأبيض والأسود، واختفى اللون الرمادي، وقد أشار النبي الكريم إلى انحسار اللون الرمادي .
 فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: قال: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن ؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلَّكم تَعْنُون فتنة الرجل في أهل وجاره ؟ قالوا: أجل، قال: تلك تكَفِّرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيُّكم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن التي تموج موجَ البحر ؟ قال: حذيفة: أنا، فقال عمر أنت ....لله أبوك، فسكتَ القومُ، قال: حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تُعْرَض الفتن على القلوب كالحصير عَودا عَودا، فأيُّ قلب أُشْربَها نُكِتَ فيه نُكتة سوداء، وأَي قلب أنكرها نُكِتَ فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيضَ مثل الصَّفا، فلا تَضرهِ فتنة، مادامت السموات والأرضُ، وقلب: أسود مُرْبادّ، كالكوزِ مُجَخِّيا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أُشرب من هواه .

أتيــتُ القبورَ فساءلتُــــهَا  أينَ المُعَـظَّم والمُحْتَــقَرْ؟!
و أين المــــذِلُّ بسلــطانه  وأين القويُّ على ما قـدرْ؟!
تفانَوْا جميعاً فما مـــــخبر  وماتوا جميعاً ومات الخبرْ!!
فيا سائلـي عـن أناس مَضَـوا  أما لك فيما مضى مُعْتَبَـرْ؟!
تروح وتغـدو بناتُ الـــثَرى  فتمحو محاسنَ تلك الصورْ!!

ما العمل ؟ هناك ورقة عمل العمل، وقد لا يقبلها بعضهم:

 هل يستقيم إيمانك بالله إذا توهمت أن الله لا يعلم ماذا يجري في الأرض من ظلم وجور واحتلال وقتل وسلب ونهب، فإذا قال الله عز وجل

﴿ وما تسقط من ورقة إلا هو يعلمها ﴾

 فما قولك بسقوط صاروخ لا يبقي ولا يذر .
 هل يستقيم إيمانك بالله إذا توهمت أن الله لا يقدر

﴿ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾

  ( زلزال تسونامي قوته تساوي مليون قنبلة ذرية ) وهو القائل:

﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾

 وهو القائل أيضاً

﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾

 هل يستقيم إيمانك بالله إذا توهمت أن الله لا يعنيه ما يجري في الأرض وهو القـائــل

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾

 وهو القائل:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾،

 وهو القائل:

﴿ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾

 هل يستقيم إيمانك بالله إذا توهمت أن أعداء الله يستطيعون أن يفعلوا شيئاً ما أراده الله، وأنهم يستطيعون أن يتفلتوا من عقاب الله، وهو القائل:

﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾

  ومعنى ( سبقوا ) أي فعلوا شيئاً ما أراده الله، ومعنى ( لايعجزون ) أي لن يتفلتوا من قبضة الله .
 إذن كل ما حدث، ويحدث، وسيحدث ضمن خطة الله، أو أن خطة الله استوعبت خطة أعدائه... لحكمة بالغة، بالغة، بالغة، عرفها من عرفها، وما أقلهم، وجهلها من جهلها وما أكثرهم .
جاء في مصنف ابن أبي شيبة الجزء الثامن: الأثر التالي:

((إني أنا الله لا إله إلا أنا، ملك الملوك، ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن هم عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخطة والنقمة ؛ فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك، وادعوا لهم بالصلاح، فإن صلاحهم بصلاحكم ))

 دخل على الإمام الجليل الحسن البصري سيد التابعين وفد من علية القوم يسألونه عن رأيه بأمير لهم ابتلوا به كان مفرطاً في استعمال الشدة معهم، فقال تعلمون رأيي فيه، فقالوا ولهذا أتيناك، فقال: لا تخرجوا عليه، بل اصطلحوا مع الله، لأن ظلم الأقوياء هي نقمة الله علينا، ونقم الله لا تدفع بالسيوف وحدها من دون توبة وإنابة، بل تدفع بالصلح مع الله وتطبيق منهجه أولاً، ثم بإعداد العدة المتاحة ثانياً، وإن نقمة الله المتمثلة بظلم الأقوياء إذا دفعت بالسيوف وحدها من دون توبة وإنابة كانت بعدها فتنة أقطع من السيوف، وهذا ما يعاني منه العالم الإسلامي اليوم ففي بعض بلاد المسلمين جاء بعد الطغاة الذين هم من جلدتهم جبابرة أجانب حملوهم على الترحم على طغاتهم .
 أما البطل صلاح الدين فقد وصلت الأخطار المحدقة بالعالم الإسلامي في عصره إلى أشد من الأخطار المحدقة بنا اليوم، فبدأ بإزالة المنكرات، وأنشأ المدارس التي خرجت جيلاً من الشباب المؤمنين الواعين الملتزمين المنضبطين الذين حملوا هموم أمتهم، وتطلعوا إلى حمل رسالة السماء إلى شعوب الأرض، كي تستعيد أمتهم دورها القيادي بين الأمم، ثم أعد للفرنجة المحتلين العدة المتاحة تنفيذا لقوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، وواجة سبعة وعشرين جيشاً فرنجياً وانتصر عليهم جميعاً، وتوجت انتصاراته في حطين، بعد تسعين عاماً من غزوهم واحتلالهم، وفتح القدس وأعادها إلى حظيرة المسلمين، ورفع رأس العرب والمسلمين أجمعين، وأنا أدعو إخوتنا في البلاد العربية والإسلامية المحتلة إلى المقاومة، وإعداد القوة المتاحة للعدو، مع التوبة والإنابة والصلح مع الله جنباً إلى جنب، وملخص هذه الموضوع أنه ما لم نجمع بين إعداد القوة المتاحة بكل أنواعها، لأعدائنا الذين ينبغي أن يكونوا أعداء الله، وبين العودة إلى الله والصلح معه وتطبيق منهجه، فلن نستطيع أن نقف في وجه الطواغيت وما أكثرهم . ولا ينبغي أن يفهم من هذا الموضوع غير هذا الملخص .
 والمسلم الذي يتعاون مع أعداء الأمة لتنفيذ مخططاتها، مثله كمثل منديل مسحت به أقذر عملية ثم ألقي في سلة المهملات .
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS