15832
الفقه الإسلامي - العبادات الشعائرية - الصيام - الدرس 1 : الصيام : ثلاث مراتب : صيام الفم - صيام الجوارح - صيام القلب .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1985-04-28
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الصيام :

أصبح الصيام عادة وطقوس
أيها الأخوة الأكارم ، ترتيب كتاب الفقه بعد الحديث عن الوضوء والغسل والجنابة والحيض وما إلى ذلك تأتي أبحاث الصلاة ، وبعد أبحاث الصلاة يأتي بحث الصيام ، وسوف نقدم الصيام على الصلاة لقرب قدوم شهر رمضان المبارك ، وقبل قراءة ما في الكتاب عن الصيام لابد من التذكير لأن الصيام ثلاث مراتب صيام الفم ، وصيام الجوارح ، وصيام القلب، فانظر أين أنت من هذه المراتب .
صيام عامة الناس صيام عن الطعام والشراب وسائر المفطرات ، فإذا بقيت عاداتهم هي هي وأخلاقهم هي هي ، صلتهم بالله على فتورها وانقطاعها فكأنهم لم يصوموا ، هذا الصيام لا يعتد به في الإسلام إطلاقاً . البعض يزداد غضبه بسبب الصيام

(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

عامة الناس أصبح عندهم الصيام عادة من عوائدهم ، له ترتيب في رمضان يسهر حتى السحور ، يأكل وينام ، يتابع كل ما يستجد في شهر رمضان المبارك ، وإكراماً لشهر رمضان المبارك هناك أشياء تستجد في البرامج يتابعها جميعاً إلى أن يأتي السحور يتسحر وينام ، لا نقول له : لا تصم ، صيامه كعدم صيامه لأنه لم يرقَ إلى الله عز وجل والله غني عن هذه العبادة ، الله عز وجل غني عن عبادة تبدأ بترك الطعام وتنتهي بتناوله ، هذا أمر إلهي ، هذا صيام العامة ، صيام عن الطعام والشراب وسائر المفطرات ، عاداته هي هي ، أخلاقه هي هي ، انقطاعه عن الله هو هو ، بل إن غضبه يزداد في رمضان ، لأنه جائع وصلت معي إلى هنا ، بل إن غضبه يزداد في رمضان ، هذا الصيام لا يريده الله عز وجل ، هذا صيام الجهلاء ، صيام عن الطعام والشراب ، لكن صيام الجوارح صيام المؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام :
" خمسة يفطرن الصائم وينقضن الوضوء : الكذب والغيبة والنميمة والنظر بشهوة واليمين الغموس "

الفرق بين مدافعة التدني ومتابعة الترقي :

الصوم من أجل أن تسمو نفسك إلى الله عز وجل ، فإذا سمت إلى الله طهرت واصطبغت بصبغته ، وصارت ذات أخلاق رفيعة ، أما صيام القلب فأن يصوم عما سوى الله عز وجل هذا صيام المتقين ، صيام المسلمين ، وصيام المؤمنين ، وصيام المتقين ، صيام المتقين عما سوى الله ، مشغول به عما سواه ، ملتفت إليه عما سواه .

فليتك تحلو والحياة مريــــرة وليتك ترضى والأنـــام غضاب
وليت الذي بيني و بينك عامــر وبيني وبين العالمين خــــراب
إذا صح منك الوصل فالكـل هين وكل الذي فوق التراب تـــراب
***

فرق كبير بين مدافعة التدني ومتابعة الترقي ، هناك إنسان طول حياته يدافع التدني ، نفسه تطلب المنكر ولا يسمح لها دائماً ، هناك صراع لأنه ما عرف الله ، ولا ذاق طعم القرب منه ، ولا ذاق حلاوة الإيمان ، هذه الحالة اسمها مدافعة التدني ، نفسه تأمره بالسوء وهو يخاف من الله تعالى ، وهو في صراع دائم ، هذه النفس الأمارة بالسوء ما علّمها صاحبها ، ما عرفها بدين الله ، ما فقهها بدين الله ، ما أعانها على الاتصال بالله ، أكثر عليها المخالفات فانقطعت وفجرت ، فجرها حجبها ، حجابها أشقاها ، هذه النفس الأمارة بالسوء ، وهناك نفس أمارة هذه نفس المؤمن يتكلم كلمة لا ينام طول الليل ، يقول : غضب مني لأني استغبته ، نقلت قصة من فلان إلى فلان وقع بينهما شر ، النمام لا يدخل الجنة ، لا ينام يقول لك : ما نمت ، يتقلب طول الليل وثاني يوم قدم إلى هذا هدية وإلى هذا هدية ، واستسمح وهو متألم من نفسه ، هذه مرتبة جيدة قال تعالى :

﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ *وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾

[ سورة القيامة :1-2]

الذي عنده هذه النفس اللوامة فهو بخير ، عنده حساسية في نبض ، كنت يوم الجمعة بأحد أسواق دمشق ، رأيت الناس متحلقين نظرت فإذا رجل قالوا : لقد مات وكان طبيب فقال : لقد مات ، يوجد شخص يفعل الذنب ، يستغيب ، يتكلم بالفاحشة ، يوقع بين اثنين ويقول لك : ماذا فعلت ؟ هذا خالص ، ليس معنى هذا أنه خلص من عذاب الله ، أي ميت لا يوجد نبض .

((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

أي يشعرون بذنوبهم ، هذا ماذا يقول لك ؟ هل فعلت شيئاً ؟ خرب الدنيا وقال : هل فعلت شيئاً ؟ ويقول لك : الله غفور رحيم .

العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني :

من يومين قال شخص لآخر : لماذا تعقدها ربنا عز وجل قال :

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الزمر : 53 ]

الله عز وجل قال : لا تقنطوا وأنت تيئس ، فعرض له القصة ، فقلت له : تابع الآيات ، الآية التي بعدها مباشرةً قال تعالى :

﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ *وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ *أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر : 54-56]

ارجع له بالتوبة واستسلم له بالأوامر ، إذا لم تلحق نفسك عدت إليه تائباً وأطعته طاعةً تامة يأتيك العذاب فجأةً ، أين قول هذا الرجل لا تيأس الناس ؟
آيات قرآنية :

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة النحل : 110]

أنت تعامل إلهاً تظن أن جنة عرضها السموات والأرض تأتي بفرنكين تدفعهم لفقير وركعتين بلا وضوء ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله غالية ، ادخل إلى محل سجاد واطلب منه سجادة تبريزية إيرانية ترصف ، كاشاني ، واسأله عن ثمنها يقول لك : ثمانية وثلاثون ألفاً ، قل له : تأخذ ثمنها خمسمئة ليرة لا أملك غيرهم ؟ يسمعك كلاماً قاسياً هذا البائع ، يطردك ، سجادة تحتاج إلى ثمن وجنة عرضها السموات والأرض تريدها وأن تعطي نفسك ما تشتهي ثم تتمنى على الله الأماني ، هذا هو العاجز ، وهذا هو الغباء بعينه ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .
الآن المسلمون في مشارق الأرض ومغاربهم كلما تحركوا يا رب ترزقنا الجنة ، شيء جميل ، يا رب نحن عبيد إحسان وليس عبيد امتحان ، يا رب لا يسعنا إلا عفوك وكرمك ، الله عز وجل قال :

﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الزخرف : 72]

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

[ سورة الحجر : 92]

اللهم لا تسألنا عن شيء ، خالق كل شيء لا تسألنا عن شيء ، هذا الدعاء خلاف القرآن ، هذا دعاء ليس عن رسول الله قاله إنسان لا يعلم القرآن الكريم .

أنواع الصوم :

عندنا صوم الفم صوم العوام ، وعندنا صيام المؤمنين صيام الجوارح ، وصيام المتقين عما سوى الله ، فإذا كان يمضى من وقتك اثنتا عشرة ساعة لا يأتيك من الخواطر إلا عن الله عز وجل فأنت من هؤلاء ، مشغول بالله ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾

[ سورة الأحزاب : 41]

الإنسان إذا ما تكلم بصوت عال يتكلم في نفسه ، اركب إلى حلب ، لا تعرف أحداً وأنت ساكت ، لست ساكتاً تقول في بالك مليون قصة سوف أعمل كذا وكذا ، سوف أشتري بيتاً ، وأتزوج ، تتكلم ولست ساكتاً ، راقب نفسك ماذا تقول طوال الطريق ، ليس في السفر ، في الشام من الشيخ محي الدين إلى المرجة اركب الباص وانظر ماذا تقول ، تتكلم مليون قصة ، في المساء افحص هذه القصص هل كلها متعلقة بالدنيا والله مشكلة .
صيام الفم كالناقة لا تعرف لم عقلت ولم أطلقت
من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ، وشتت عليه شمله ، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ، راقب نفسك تأتيك خواطر متعلقة بالآخرة ، هل تخاف ألا تكون في الآخرة من الفالحين ؟ هل أنت قلق على إيمانك ؟ قلق على استقامتك ؟ قلق على صلاتك ؟ هل ترى نفسك لست جيداً ؟ هل تخاف أن يكون فيك طرف من نفاق ؟ إذا سمعت قصة عن رسول الله هل تبكي ؟ إذا قرأت كتاب الله هل تتأثر ؟ هل تتفاعل معه ؟ هل تعرف مقامك عند الله ؟ إذا خواطرك من هذا النوع هنيئاً لك ، هذا صيام القلب عما سوى الله عز وجل .
وعندنا صيام الجوارح ، وعندنا صيام الفم ، عامة الناس صيامهم صيام الفم كالناقة عقلها أهلها فلا تدري لا لم عقلت ؟ ولا لم أطلقت ؟ لماذا صام ؟ لا يدري يقول لك ثبتوها ، كل عام وأنتم بخير ، ثم ثبتوا العيد إلى أين ؟ إلى اللاذقية نأخذ شاليه على البحر ، أخذ معه أجهزة ستريو إلى البحر وعيّد ، المنافق كالناقة لا تدري لا لم عقلت ؟ ولا لم أطلقت؟ هذا صيام الجهلاء صيام العامة ، نعوذ بالله أن نكون منهم ، إن شاء الله الدرس القادم نبدأ أحكام الصيام حكماً حكماً تمهيداً لشهر رمضان المبارك .

* * *

العقل و شرفه :

والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين ، انتهينا من موضوع العلم ، فضل العلم ، وفضل طلب العلم ، وفضل تعليم العلم ، وصفات العلماء المخلصين ، اثنتا عشرة صفة قضينا فيهم ثلاثة أشهر ، كل أسبوع صفة ، والآن إلى باب كبير آخر من أبواب هذا الكتاب القيم وهو في : "العقل وشرفه وحقيقته وأقسامه" .
العلم ثمرة والعقل شجرة
قال الإمام الغزالي : العلم يجري منه – أي من العقل - مجرى الثمرة من الشجرة، أي العلم من العقل كمجرى الثمرة من الشجرة ، أي العلم ثمرة والعقل شجرة ، فالعلم من إنتاج الشجرة أي من إنتاج العقل .
والنور من الشمس ، العقل شمس والعلم نور ، والرؤية من العين ، العين عقل والرؤية علم ، فكيف لا يشرف به وهو أصله ، سماه الله نوراً ، سمى العقل نوراً فقال تعالى : الله نور السموات والأرض

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة النور : 35 ]

وسماه روحاً ، قال تعالى :

﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة الشورى : 52 ]

انظر ما أجمل هذه الصفات ! نور و روح ، وسماه حياةً ، قال تعالى :

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة النور : 35 ]

وربنا سبحانه وتعالى قال :

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 257]

صفة العاقل :

وقال عليه الصلاة والسلام :

(( اعلموا أن العاقل من أطاع الله ))

[ ذيل تاريخ بغداد لابن النجار عن أبي هريرة ]

لو التقيت بإنسان يحمل أعلى شهادة في العالم ، ورأيته لا يصلي أو يشرب الخمر أو لا يحتاط من حيث النساء فسمه جاهلاً ، ولو اطلعت على أعلى شهاداته ، لأن النبي عليه الصلاة السلام يقول :

((العاقل من أطاع الله وان كان دميم المنظر ، حقير الخطر ، دني المنزلة ، رث الهيئة))

[ أبو داود عن أبي هريرة]

أي إذا دخلت إلى موظف من أعلى مستوى يوجد عنده مستخدم ، هذا المستخدم رث الهيئة مثلاً ، ليس قذراً ، ثيابه رخيصة ، وشكله ذميم ، و لا أحد يخاف منه ، لا يستطيع أن يفعل شيئاً ، قليل الخطر ، دميم المنظر ، منخفض المنزلة ، رث الهيئة ، لكنه يطيع الله ورسوله ، فهذا يسمى عند الله عاقلاً ، يقف حاجباً على باب موظف كبير جداً ، أناقة من أعلى مستوى ، غرفة فخمة ، اختصاصه دكتوراه ، متفلسف ، متحذلق ، معه حجة لكنه لا يصلي يعصي الله ورسوله ، ليس عاقلاً ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال :

((العاقل من أطاع الله وان كان دميم المنظر ، حقير الخطر ، دني المنزلة ، رث الهيئة ، وان الجاهل من عصى الله وان كان جميل المنظر ، عظيم الخطر ، شريف المنزلة ، حسن الهيئة ، فصيحاً ، نطوقاً ))

كل هذه الصفات مع المعصية تساوي الجهل وكل تلك الصفات مع الطاعة علم .

الفرق بين الأحمق و الفاجر :

أثنى الصحابة الكرام على رجل عند النبي عليه الصلاة والسلام ، والنبي كان صاحب فطنة ، أثنى قوم على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى بالغوا ، فقال صلى الله عليه وسلم : كيف عقل الرجل ؟ فقالوا : يا رسول الله نخبرك عن اجتهاده في العبادة - عن قيام الليل ، عن صلاته ، عن صيامه - وأصناف الخير وتسألنا عن عقله ؟ - ما علاقة هذه بهذه ؟ - فقال عليه الصلاة والسلام :

(( إن الأحمق يصيب بجهله أكثر من فجور الفاجر ))

[ إحياء علوم الدين عن أنس]

أي إنسان يصوم ويصلي وله ورد صباحي طويل ، وله قيام ليل لكن جاهل ، عقله ضعيف ، يرتكب أخطاء ، ينفر الناس من الدين أضعافاً مضاعفة عن فاجر يفجر أمام الناس لماذا ؟ لأن الفاجر يراه الناس فاجراً لا يقتدون به ، إذا إنسان فاجر قال لك : لا يوجد آخرة وأنا أريد أن أعيش كما يحلو لي ، وهذا الذكاء ، أعوذ بالله ما هذا الكلام ؟ فاجر ، عاص ويفتخر بالمعصية ، لكن إنسان يصلي ويصوم ارتكب معك نقصاً شديداً ، كذب ، خان عهدك ، غشك في البيع والشراء ، أنت تنفر ليس منه بل من دينه .
فهذا الجاهل يصيب بجهله كما قال النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من فجور الفاجر :

(( وإنما يرتفع العباد غدا في الدرجات الزلفى عند ربهم بقدر عقولهم ))

لذلك النبي الكريم له حديث سبحان الله ، أنا خطر في بالي تعليق على الحديث ، أن إنساناً يوجد عنده بيت على الهيكل ، هذا البيت يطين ، ويدهن ، ويبلط ، وتمدد له كهرباء وماء ، ومرافق عامة ، ثم يفرش ، عنده قوام بيت ، أما إذا كان لا يملك بيتاً على الهيكل ذهب و شارط طياناً على أي شيء تشارطه ؟ وأحضر اسمنتاً ورملاً ناعماً ، أين بيتك الذي تريد أن تبلطه ؟ اشترى البلاط ، اشترى الدهان لا يوجد عنده بيت .
قوام الشيء أي أساسه وقوام الرجل العقل
ما معنى قوام الشيء ؟ أي أساسه ، إذا إنسان لا يوجد عنده بيت كيف يقوم بكسوته ؟ رسول الله قال : " قوام الرجل عقله " إذا لا يوجد عنده عقل لا يوجد عنده شيء ، مهما زين نفسه ، واعتنى ببيته ، عقل لا يوجد ، والعقل قوام الرجل ودليل العقل آثاره ، العاقل من أطاع الله ، يخاف من الله فهو عاقل ، لا يسأل يكون جاهلاً ليس له عقل ، لا يوجد قوام هيكل فارغ ، يوجد إنسان رأى براد في السوق المستعملة وليس غالي الثمن بألف ليرة وثمنه أكثر من ثلاثة آلاف اشتراه ، قال له شغله ؟ فوضعه في الكهرباء أنار الضوء ، أخذه على البيت وضع المأخذ بالكهرباء ليس له صوت ، محرك لا يوجد ، قوام هذا البراد المحرك ولا يوجد محرك ، وضع ثمنه على هيكل فارغ .
النبي الكريم قال : قوام الرجل عقله لا يوجد عقل لا يوجد شيء ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى))

[بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه]

لا يوجد كسب ، الآن الكسب أنواع ، يقول لك : هذا عنده أموال غير منقولة أي عنده أراض ، محاضر ، أبنية ، أراضي زراعية ، مزرعة ، الأموال غير المنقولة كسب هذه معروفة ، أو أموال منقولة عنده من كل أنواع الأموال ، أما النبي الكريم يقول :

(( ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله ))

أي العقل هو الأساس ، لذلك النبي الكريم قال :

((تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتا إن الرجلين ليستوي عملهما وبرهما وصومهما وصلاتهما ولكنهما يتفاوتان في العقل كالذَّرَّة في جنب أُحُدٍ وما قسم الله لخلقه حظا هو أفضل من العقل واليقين))

[ الترمذي من رواية طاوس]

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ولا يتم لرجل حسن خلقه حتى يتم عقله فعند ذلك تم إيمانه وأطاع ربه وعصى عدوه))

[ أحمد عَنْ عَائِشَةَ]

العقل هو حجر الأساس :

سلسلة كل الأحاديث تبين أن حجر الأساس هو العقل ، لما الإنسان يسأل أخاه ماذا استفدت من هذه الدروس ؟ تكلم لنا عن درس الجمعة ؟ يمتحن عقله إذا له عقل مفكر والله هذا إيمانه جيد ، يقول لك : ما هذا الخطيب ؟ شيء يطير العقل ، ماذا سمعت منه ؟ والله خطبة عظيمة ما شاء الله ، صوت عال ، ما تذكرت شيئاً ؟ والله الخطبة ممتازة ، ما تذكرت آية حديثاً ؟ يقول : لا يوجد لهذا الخطيب مثيلاً ، أين عقل هذا الرجل ؟ اذكر آية حديثاً، الإنسان عندما يسمع درس العلم ماذا استفدت منه ؟ هذا الوقت ثمين ، اذهب ونم إذا كنت لا تستطيع أن تعقل ما سمعت ، لأن الوقت ثمين .

((....ولا يتم لرجل حسن خلقه حتى يتم عقله فعند ذلك تم إيمانه وأطاع ربه وعصى عدوه))

لما رجع المسلمون من غزوة أحد سمع النبي صلى الله عليه وسلم الناس يقولون:

(( فلان أشجع من فلان وفلان أبلى ما لم يبل فلان ونحو هذا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أما هذا فلا علم لكم به ، قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه و سلم : إنهم قاتلوا على قدر ما قسم الله لهم من العقل وكانت نصرتهم ونيتهم على قدر عقولهم))

[أخرجه ابن المجبر عن أبي هريرة]

هذا قال : أنا لو قاتلت بشجاعة فسيثني الناس عليّ ، هذا عقله خرب ، خسر حياته ، لو إنسان هدفه إعلاء كلمة الله على قدر عقله يكسب الأجر الكبير .

(( عن عائشة رضي الله عنها قالت يا رسول الله : بما يتفاضل الناس في الدنيا قال : بالعقل ، قلت وفي الآخرة ، قال : بالعقل ، قلت : أليس إنما يجزون بأعماله ، فقال عليه الصلاة والسلام : يا عائشة وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم الله عز وجل من العقل ))

[عن عائشة]

عملهم بقدر عقلهم ، إذاً بالدنيا يتفاضل الناس بالعقل ، وفي الآخرة يتفاضلون بالعقل .

العقل كسبي و الإنسان مسؤول عن استعماله :

هل العقل كسبي أم فطري ؟ هنا سؤال دقيق إذا كان فطرياً لا يوجد ذنب له ، هذا أعطاه الله بالمئة ثمانين أخذ بالمئة ثمانين ، وهذا أعطاه بالمئة عشرة ، لا العقل كسبي العقل موجود إما أن تستعمله وإما ألا تستعمله ، أغبى الناس في الآخرة قد يكون أذكاهم في الدنيا ، العقل موجود فهو مسؤولية على عدم استعماله لا على عدم وجوده .
لما خلق الله العقل قال له : أقبل فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر ، فقال الله عز وجل : " وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم علي منك ، بك آخذ وبك أعطي ، وبك أثيب وبك أعاقب "

قيمة الإنسان عند الله برجاحة عقله :

دائماً ملخص الملخص قيمتك عند الله برجاحة تفكيرك ، الأمور واضحة تماماً :

(( أحب المؤمنين إلى الله عز وجل من نصب في طاعة الله عز وجل ونصح لعباده وكمل عقله ونصح نفسه فأبصر وعمل به أيام حياته فأفلح وأنجح ))

[أخرجه ابن المجبر من حديث ابن عمر]

وقال عليه الصلاة والسلام :

(( أتمكم عقلاً أشدكم لله تعالى خوفاً ))

[أخرجه ابن المجبر من حديث أبي قتادة ]

كل إنسان يمتحن عقله بقدر طاعته لله
هذا الفصل على قيمة العقل ، فنحن لا نريد من هذا الفصل قراءة الأحاديث بقدر ما نريد الإفادة منها ، فكل إنسان يمتحن عقله بقدر طاعته لله عز وجل ، كل معصية لها عند الله عقاب ، وكل طاعة لها عند الله ثواب ، فإذا كانت استقامته تامة وعمله صالح فعقله راجح، أما إذا كان باستقامته خلل .
كنت أضرب مثلاً قلته كثيراً ولكن الآن مناسب يعاد مرة ثانية ، باص المهاجرين كان في المرجة يقف في أيام الصيف الحارة ، كان يقف باتجاه الشرق ، وإذا صعد راكب إلى الباص يرى الشمس على اليمين ، و الظل على اليسار ، أنا كنت أصعد وأمتحن عقل هؤلاء الركاب ، يصعد راكب ويجلس في الشمس ، والشمس في تموز ، ويصعد راكب يجلس في الظل ، الذي جلس في الظل عطل فكره ، لم يفكر ، وجد ظلاً فجلس بحكم الفطرة ، والذي جلس في الشمس أعمل عقله ، الذي جلس في الظل قد يتهم في نفسه من كان في الشمس بالغباء ، هذا الباص بعد دقيقتين سوف يلف ساحة المرجة ، وسوف يصبح الذي جلس في الشمس في الظل إلى نهاية الخط ، والذي جلس في الظل سيبقى في الشمس إلى آخر الخط .
العقل هو تصور المستقبل
تعريف العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه ، فلان ذكي ما معنى ذكي ؟ أي أنه تصور المستقبل ، الطالب الذكي تصور الامتحان وهو في أيلول تصور الامتحان ورهبة الامتحان ودرس حتى هيأ نفسه ماذا يفعل .
صيادان مرّا أمام غدير فيه ثلاث سمكات قال : كيسة وأكيس منها وعاجزة ، تواعدا أن يرجعا ليصيدا ما فيه من سمك ، فسمع السمك قولهما - وهذه قصة رمزية - أما أكيسهما فإنها ارتابت وتخوفت وقالت : العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها ، هل يوجد أحد من الحاضرين وأنا معكم لن يموت ؟ كلا ، إذاً العقل يحتاط إلى الأمور قبل الموت ، والأحمق من يأتيه الموت فجأة ، قال تعالى :

﴿ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ﴾

[ سورة القيامة : 31-33]

هذه السمكة الكيسة جداً قالت : العاقل يحتاط إلى الأمور قبل وقوعها ، فلم تعمل شيئاً حتى خرجت من الغدير فنجت وارتاحت ، وأما الكيسة ولكن الأقل ذكاء فبقيت في مكانها حتى عاد الصيادان فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها فإذا المكان قد سد ، فقالت : فرطت وهذه عاقبة التفريط ، غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي ، ثم إنها تماوتت فطفت على وجه الماء فأخذها الصياد ووضعها على الأرض بين النهر والغدير فوثبت في النهر فنجت ، لكن حرقت أعصابها وخاطرت ، غامرت احتمال نجاحها خمسون بالمئة ، لو وضعها في مكان بعيد ماتت ، وأما العاجزة الغبية فلم تزل في إقبال وإدبار حتى صيدت .
ملخص الدرس كله قول النبي عليه الصلاة والسلام : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" .
عرف النبي الكريم الذكي بأنه إنسان ضبط نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والغبي من أتبع نفسه هواها ، أنا مع الناس ، والناس كلها هكذا ، هل أنا أفضل منهم ؟ هل معقول كل الناس إلى جهنم ؟ هذا كلام فارغ ، الله عز وجل أوامره محددة وليس لك علاقة بسلوك أحد ، عليكم أنفسكم والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

* * *

ثابت بن قيس :

ثابت بن قيس رضي الله عنه سيد من سادات الخزرج المرموقين ، ووجه من وجوه يثرب المعدودين ، وكان إلى ذلك ذكي الفؤاد ، حاضر البديهة ، تطبيق لدرسنا ذكي الفؤاد ، حاضر البديهة ، رائع البيان ، جدير الصوت إذا نطق بزّ القائلين ، وإذا خطب أسر السامعين ، وهو أحد السابقين إلى الإسلام ، إذ ما كاد يستمع إلى آيات الذكر الحكيم يرتلها الداعية المكي الشاب مصعب بن عمير بصوته الشجي وجرسه الندي حتى أسر القرآن سمعه بحلاوة وقعه ، وملك قلبه برائع بيانه ، وخلب لبه بما حصل به من تشريع ، فشرح الله صدره للإيمان ، وأعلى قدره ، ورفع ذكره بالانزواء تحت لواء نبي الإسلام .
ولما قدم النبي صلوات الله عليه إلى المدينة مهاجراً استقبله ثابت بن قيس في كوكبة كبيرة من فرسان قومه أكرم استقبال ، أي إذا الإنسان أكرم النبي الكريم فهذا إكرام لله عز وجل ، إذا لك أخ مؤمن أكرمته فكأنما تكرم الله عز وجل ، هكذا الحديث الشريف : من أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم الله

(( من أكرم أخاه المؤمن فإنما أكرم الله ))

[الأصبهاني في ترغيبه عن جابر]

ورحب به وبصاحبه الصديق أجمل ترحيب ، وخطب بين يديه خطبة بليغة افتتحها بحمد الله عز وجل ، والثناء عليه ، والصلاة والسلام على نبيه ، وختمها بقوله أنا نعاهدك يا رسول الله على أن نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا ونساؤنا فما لنا لقاء ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام : الجنة ، ما كادت كلمة الجنة تصافح آذان القوم حتى أشرقت وجوههم بالفرحة ، وزهت قسماتهم بالبهجة ، وقالوا : رضينا يا رسول الله ، رضينا يا رسول الله ، ومنذ ذلك اليوم جعل النبي صلوات الله عليه ثابت بن قيس خطيبه كما كان حسان بن ثابت شاعره ، فصار إذا جاءه وفود العرب لتفاخره أو تناظره بألسنة الفصحاء المقاول من خطبائها وشعرائها ندب إليهم ثابت بن قيس لمصاولة الخطباء وحسان بن ثابت لمفاخرة الشعراء .

بشارة النبي العظمى لثابت بن قيس :

كان خطيب النبي الخاص ، ولقد كان ثابت بن قيس مؤمناً عميق الإيمان ، تقي صادق التقوى ، شديد الخشية من ربه ، عظيم الحذر من كل ما يغضب الله عز وجل ، فلقد رآه النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم هرعاً ، جزعاً ترتعد فرائسه خوفاً وخشيةً فقال له : ما بك يا أبا محمد فقال : يا رسول الله أخشى أن أكون قد هلكت ، قال : ولم ؟ - ترى عامة الناس تفعل الموبقات وتقول لك : نمنا نوماً عميقاً مريحاً ، هؤلاء ميتون- أما سيدنا ثابت فقال أخشى أن أكون قد هلكت ، فقال سيدنا ثابت : لقد نهانا ربنا عز وجل عن أن نحب أن نحمد بما لا نفعل وأجدني أحب الحمد ، ونهانا عن الخيلاء وأجدني أحب الزهوة - كان أنيقاً جداً - فما زال النبي عليه الصلاة والسلام يهدئ من روعه حتى قال : يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة ؟ فأشرق وجه ثابت بهذه البشرى وقال : بلى يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن لك ذلك .
مرة النبي الكريم بشر صحابي بالجنة اسمه عكاشة ، هناك صحابي ثان قال له : وأنا ؟ فإذا قال له : أنت لست من أهل الجنة حطمه صلى الله عليه وسلم ، وإذا قال له : أنت منها كذب عليه ، حل هذه ، فقال له : وأنا ؟ فقال له صلى الله عليه سبقك بها عكاشة ، أي جواب بمنتهى اللطف أما سيدنا ثابت فبشره بالجنة .
وعندما نزل قوله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة الحجرات : 2]

تجنب ثابت بن قيس مجالس النبي عليه الصلاة والسلام على الرغم من شدة حبه له ، وكثرة تعلقه به ، ولزم بيته حتى لا يكاد يبرحه إلا لأداء المكتوبة ، النبي الكريم وفي لأصحابه ويعرف من غاب .
افتقده النبي عليه الصلاة والسلام وقال من يأتيني بخبره ؟ كان محباً وكم هم يحبونه والله الذي لا إله إلا هو كان يحبهم أضعاف ما يحبونه ، فقال أحدهم : أنا يا رسول الله فذهب إليه فوجده في منزله محزوناً منكساً ، فقال : ما شأنك يا أبا محمد ؟ قال : شر ، قال وما ذاك ؟ ماذا فعلت ؟ قال : أنك تعرف أني رجل جهير الصوت - صوتي عال - وإن صوتي كثيراً ما يعلو على صوت النبي صلى الله عليه وسلم وقد نزل في القرآن ما تعلم : " لا ترفعوا أصواتكم " ولا أحسب إلا حبط عملي وأنني من أهل النار ، كم كانوا يخافون على أنفسهم من مخالفة القرآن الكريم !! الآن يخرب بيته ويقول ماذا فعلنا ؟ فرجع الرجل إلى النبي الكريم وأخبره بما رأى وما سمع فقال له : اذهب إليه وقل له : لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة ، فكانت هذه بشارة عظمى لثابت ، ظل يرجو خيرها طوال حياته .
هل يوجد عندنا هذا القلق ؟ هذا ميزان هؤلاء أصحاب الجنة ، هؤلاء ملوك الدار الآخرة ، هل يوجد عندنا هذا القلق ؟ من منا يخاف على نفسه ، الذي يخاف له البشرى والذي لا يخاف أعانه الله .

قصة استشهاد ثابت بن قيس :

وقد شهد ثابت بن قيس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها سوى بدر وأقحم نفسه في غمار المعارك طلباً للشهادة التي بشره بها النبي ، فكان يخطئها في كل مرة إلا أن وقعت حروب الردة بين المسلمين ومسيلمة الكذاب على عهد سيدنا الصديق ، وقد كان ثابت بن قيس إذ ذاك أميراً لجند الأنصار وصار مولى أبي حذيفة أميراً لجند المهاجرين ، وخالد بن الوليد قائداً للجيش كله أنصاره ومهاجريه وما فيهم من أبناء البوادي ، وقد كانت الريح والدولة في جل المعارك لمسيلمة ، أول أمر طغى مسيلمة حتى بلغ بهم الأمر أن اقتحموا فسطاط خالد - خيمته - وقطعوا حبال الخيمة ومزقوها ، فرأى ثابت بن قيس يوم ذاك من تضعضع المسلمين ما شحن قلبه أسىً وكمداً وسمع ما ملأ صدره هماً وغماً عند ذلك تحنط وتكفن ووقف على رؤوس الأشهاد وقال : " يا معشر المسلمين ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ، بئسما عودتم أعداءكم من الجرأة عليكم ، وبئسما عودتم أنفسكم من الانخذال لهم، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال : اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء من الشرك - أي مسيلمة - وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء – أي المسلمون – " ثم هب هبة الأسد الضاري كتفاً لكتف مع الغر الميامين ، البراء بن مالك الأنصاري وزيد بن الخطاب و هو أخ أمير المؤمنين وغيرهم وأبلى بلاءً عظيماً ملأ قلوب المسلمين حميةً وعزماً ، وشحن أفئدة المشركين وهناً ورعباً ، وما زال يجالد في كل اتجاه ويضارب بكل سلاح حتى أثخنته الجراح فخر صريعاً على أرض المعركة قرير العين بما كتب الله له من الشهادة التي بشره بها النبي عليه الصلاة والسلام ، القصة ما انتهت مع أنه استشهد رضي الله عنه .

وصية ثابت بن قيس :

وهذه أغرب قصة وكانت على ثابت درع نفيسة فمر به رجل من المسلمين من عام المسلمين فنزعها عنه وأخذها لنفسه ، وفي الليلة التالية لاستشهاده رآه رجل في منامه فقال للرجل : أنا ثابت بن قيس في المنام فهل عرفتني ؟ قال : نعم ، قال : إني أوصيك بوصية فإياك أن تقول هذا حلم إني لما قتلت أمس مر بي رجل صفته كذا وكذا فأخذ درعي ومضى بها نحو خبائه في أقصى المعسكر من الجهة الفلانية ، ووضعها تحت قدر له ، ووضع فوق القدر رحلاً فائت خالد بن الوليد وقل له أن يبعث إلى الرجل من يأخذ الدرع منه فهي ما تزال في مكانها ، وأوصيك بأخرى فإياك أن تقول هذا حلم قل لخالد : إذا قدمت على خليفة رسول الله في المدينة فقل له : إن على ثابت بن قيس من الدين كذا وكذا ، وإن فلاناً وفلاناً من رقيقه عتيقان لوجه الله تعالى فليقض ديني وليحرر غلامي ، استيقظ الرجل فأتى سيدنا خالد بن الوليد فأخبره بما سمع ورأى ، فبعث خالد من يحضر الدرع من عند آخذها فوجدها بمكانها وجاء بها كما هي ، ولما عاد خالد إلى المدينة حدث أبا بكر رضي الله عنه بخبر ثابت بن قيس ووصيته ، فأجاز الصديق بوصيته وما عرف أحد قبله ولا بعده أجيزت وصيته بعد موته ، طبعاً كل إنسان وصى تنفذ بعد موته هذه وصاها بعد موته ، أملاها بعد موته ونفذت ، النبي الكريم يقول : " لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة " أحوال الكشوف الآن مفقودة لأن الدنيا غلبت على الناس ، هموم الدنيا وزينتها غلبت على القلوب ، أما لو أن الدنيا بعدت لسمعت العجب العجاب .
رجل يمشي مع عالم صادق الناس تكلموا له عليه ، أن هذا يتهيأ أشياء غير صحيحة ، تشوش واضطرب وطالب العلم صادق فنام وقال : يا رب إن كان هذا على حق فأعلمني بذلك ولكن أنا توقعت أنه صادق جداً ، نام في الليل رأى النبي عليه الصلاة والسلام قال له : " والذي نفس محمد بيده هذا أحيا سنتي بعد موتي ".
إذا أنت عندك صدق كاف والله ترى النبي الكريم وتسمع منه ، إذا عندك سؤال دقيق جداً وتريد جواباً شافياً ترى النبي عليه الصلاة والسلام يقول لك كذا وكذا وهذا سيدنا ثابت ، الإنسان عندما الله عز وجل يفتح له قلبه يرى رؤيا صحيحة تأتي كفلق الصبح يستبشر أما حب الدنيا فرأس كل خطيئة ، حبك الشيء يعمي ويصيب ، رضي الله عن ثابت بن قيس وأرضاه وجعل في أعلى عليين مثواه .
القصة بشكل موجز سيدنا ثابت كان ورعاً ، وكان حريصاً على رضاء الله عز وجل ورضاء نبيه ، لأنه كان قلقاً هو الآن آمن والآمن اليوم قلق يوم القيامة .

* * *

معرفة الله عز وجل أساس الدين :

أفضل الأعمال العلم بالله
حديث شريف قال عليه الصلاة والسلام :

(( أفضل الأعمال العلم بالله ))

[ كنز العمال عن أنس]

سماه النبي عليه الصلاة والسلام عملاً ، أين ذاهب ؟ أحضر مجلس علم حتى أتعرف إلى الله عز وجل ، أفضل الأعمال العلم بالله السبب ؟ قال عليه الصلاة والسلام : " إن العلم بالله ينفعك معه قليل العمل وكثيره وإن الجهل بالله لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره "
أقل عمل مع العلم بالله ينفعك ، وأكبر عمل مع الجهل بالله لا ينفعك ، فالأساس العلم بالله ، إن العلم بالله ينفعك معه كثير العمل وقليله ، والجهل بالله لا ينفعك معه لا كثير العمل ولا قليله ، لأنه مبني على جهل ، ولو إنسان عمّر جامعاً ولا يعرف الله عز وجل وله معاص فالطريق إلى الله مسدود ، أما إذا عرف الله عز وجل ودفع ليرة سورية واحدة هذه ترفعه إلى أعلى عليين ، فالموضوع مبني على معرفة الله ، ومعرفة الله عز وجل أساس الدين.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS