7743
الخطبة الإذاعية (74) : خ1 - المقاومة الإسلامية ، خ2 - متى تغضب؟.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-08-04
بسم الله الرحمن الرحيم

 الخطبة الأولى:
 الحمد لله رب العالمين... يا رب أنت غنى كل فقير، وعز كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف، فحاشا يا رب أن نفتقر في غناك، وأن نضل في هداك، وأن نذل في عزك، وأن نضام في سلطانك، فما من مخلوق يعتصم بك من دون خلقك، فتكيده أهل السماوات والأرض، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دونك، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه .
 الحمد لله الذي كتب البلاء على عباده المؤمنين، أحمده سبحانه إذ جعل أشد الناس بلاء الأنبياء والمرسلين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعد الصابرين أفضل ما أعده لعباده المتقين .
 وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، خيرته من خلقه، قدوة الصابرين، وإمام الشاكرين .
 اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يارب العالمين .
 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 في زحمة الأحداث، وتسارع المتغيرات، وفي خضم تداعيات النوازل والمستجدات، وكثرة الأطروحات والتحليلات، يلحظ المتأمل الغيور غياباً أو تغييباً للرؤية الشرعية، والنظر في فقه السنن الكونية، حتى حصل من جرّاء ذلك زلل أقدام، وخطل أقلام، وضلال أفهام، عند كثير من أهل الإسلام، مما يؤكد أهمية المرجعية الموحدة، للأمة الواحدة التي ينبغي أن ترتكز في تحقيق أهدافها على صحة المعتقد، وسلامة المنهج، والعناية بمصالح الأمة الكبرى، ومقاصد الشريعة العظمى، باعتدال في الرؤى، وتوازن في النظر، وأسلوبٍ عالٍ في الطرح والحوار .

 الله جل جلاله وحده هو القوي، ولا قوي سواه، وكل قوة في الأرض في الذوات والأشياء، مستمدة من قوة الله، تأييداً، أو استدراجاً، أو تسخيراً، لحكمة بالغة عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها . قال تعالى:

﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾

 كن عضواً في جمعية الأقوياء، ولا تكن رأساً في قطيع النعاج، قال عليه الصلاة والسلام:

((المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

 قد تكون ضعيفاً ؛ لأنك قبلت أن تكون ضعيفاً، فعشْ كما تريد، ولكن لا بد من أن تعلم أنه بإمكانك أن تصبح قوياً، وأن تتعافى من شعورك بالضعف، وهذا ما تؤكده تجربة إخوتنا المجاهدين المقاومين في فلسطين ولبنان الذين نقلوا واقع المسلمين من

﴿ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾

 إلى

﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ﴾

 واعلم يقيناً أن الشيء الذي لا تستطيعه، هو الشيء الذي لا تريد أن تكونه .
 القوّة مطلب أساسي في حياة الأمم والشعوب، وإلا فلا قيمة للحياة من دون قوة، فلا بد من دعم قوة الحق بحق القوة، فما قيمة منشآتنا، وبنانا التحتية، من دون سلاح يحميها، إذا كان من الممكن أن تدمر في بضعة أيام، وقد استغرق بناؤها عشرين عاماً، إن القوّة مصدر للثقة، والثقة لا توجد إلا في قلوب الأقوياء.
 وإذا أردت القوّة الحقيقيّة... فاستمدها من قوّة لا تحتاج إلى غيرها... إنها قوة الله عز وجل.
 إن الجبن والخور، والاستكانة والاستسلام، والانهزامية والذلّ، وجميع المفردات، في قاموس الضعف، وما يرشح منها من تنديد، واستنكار، وشجب، وتحميل مسؤوليه، واحتكام للشرعية الدولية، وحرق صورة وعلم، مرفوضة في حياة المؤمنين الأقوياء ؛ فأنت كائن لم تُخلق لتكون مسلوب الإرادة، ضعيف الهمّة، خائر العزيمة، يتفنن أعداؤك في إفقارك، وفي إضلالك، وفي إفسادك، وفي إذلالك، وفي إبادتك .
 تأمّل دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، و الجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال ))

 إذن عليك ألاّ تتردّد لحظة في الانتساب " لعضوية نادي الأقوياء "، فلديك عملاق ينام بين جنبيك ؛ فابحث عنه، حتى لا تموت، وأنت تعيش بين الأحياء !
 ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء

 إن الأقوياء بالحق هم السعداء، والضعفاء بالباطل هم التعساء !

 إن الحديث عن القوة النابعة من الضعف، ليس دعوة إلى الرضا بالضعف، أو إلى السكوت عليه، بل هو دعوة لاستشعار القوة، حتى في حالة الضعف، إذن يجب أن نبحث في كل مظنة ضعف، عن سبب قوة كامنة فيه، ولو أخلص المسلمون في طلب ذلك لوجدوه، ولصار الضعف قوة، لأن الضعف ينطوي على قوة مستورة، يؤيدها الله في حفظه ورعايته، فإذا قوة الضعف، تهد الجبال، وتدق الحصون، كما ترون وتسمعون من بطولات فلسطين ولبنان .
 أنت قويّ، وهذا سر ضعفك، وأنت ضعيف، وهذا سر قوتك !
 لذلك نستطيع أن نقابل القنبلة الذرية، بقنبلة الذُرية، أي بتربية جيل واع ملتزم، ينهض بأمته، ويعيد لها دورها القيادي بين الأمم، وتعلمنا هذه الأحداث التي زلزلت أعدائنا الصهاينة الشيء الكثير، تعلم المحبطين من المسلمين الذين استسلموا وخضعوا واستكانوا لقوى البغي والعدوان، ويئسوا من رحمة الله، ظنوا أن الله تخلى عنهم، ولن ينصرهم، يذكرهم بقوله تعالى:

﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

 والآن نقطع الخطبة، وننتقل بحضراتكم إلى مدينة القدس، حيث المسجد الأقصى، متعبد الأنبياء السابقين، ومسرى خاتم النبيين، ونعود بكم القهقرى، عبر بعد الزمان إلى يوم الجمعة الواقع في السابع والعشرين من شهر رجب عام خمسمئة وثلاثة وثمانين للهجرة، الموافق للثاني من تشرين الأول عام ألف ومئة وسبع ثمانين للميلاد.. ففي هذا اليوم تم فتح مدينة القدس، من قبل المسلمين بقيادة البطل صلاح الدين، وتم تحريرها من أيدي الغزاة الطامعين، وها نحن أولاء نرى القلوب قد امتلأت بالفرح، والوجوه قد عمها البشر، ونسمع الألسنة، وقد لهجت بالشكر، لقد علت الرايات، وعلقت القناديل، ورُفع الأذان، وتُلي القرآن، وصفت العبادات، وأُقيمت الصلوات، وأديمت الدعوات، وتجلت البركات، وانجلت الكربات، وزال العبوس، وطابت النفوس، وفرح المؤمنون بنصر الله.
 وها نحن أولاء ندخل المسجد الأقصى، فإذا المسلمون وفيهم صلاح الدين وجنده يجلسون على الأرض، لا تتفاوت مقاعدهم، ولا يمتاز أميرهم عن أحد منهم، قد خشعت جوارحهم، وسكنت حركاتهم، هؤلاء الذين كانوا فرساناً في أرض المعركة، استحالوا رهباناً خُشعاً، كأن على رؤوسهم الطير، في حرم المسجد، وها هو ذا خطيب المسجد: محي الدين القرشي قاضي دمشق يصعد المنبر، ويلقي خطبته، ولو ألقيت على رمال البيد لتحركت، وانقلبت فرساناً، ولو سمعتها الصخور الصم لانبثقت فيها الحياة.. لقد افتتحها بقوله تعالى:

﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة الأنعام الآية: 45 ]

 وها نحن أولاء نستمع إلى فقرات من خطبته:
 " أيها الناس، ابشروا برضوان من الله، الذي هو الغاية القصوى، والدرجة العليا، لما يسّره الله على أيديكم، من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة، وردّها إلى مقرها من الإسلام، بعد ابتذالها في أيدي المعتدين الغاصبين قريباً من مئة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يُرفع، ويُذكر فيه اسمه، من رجس الشرك والعدوان، ثم قال محذراً: إياكم عباد الله أن يستزلكم الشيطان، فيُخيل إليكم أن هذا النصر كان بسيوفكم الحداد، وخيولكم الجياد.. لا والله، وما النصر إلا من عند الله.. فاحذروا عباد الله بعد أن شرَّفكم الله بهذا الفتح الجليل أن تقترفوا كبيرة من مناهيه، انصروا الله ينصركم.. خذوا في حسم الداء، وقطع شأفة الأعداء ".
 وها نحن أولاء، نخرج من المسجد الأقصى، ونلتقي بأحد الفرنجة، الذين شهدوا فتح القدس، وها هو ذا يحدثنا فيقول: إن المسلمين لم يؤذوا أحداً، ولم ينهبوا مالاً، ولم يقتلوا مُسالماً، ولا مُعاهداً، وإن من شاء منا خرج، وحمل معه ما شاء، وإنا بعنا المسلمين ما فضُل من أمتعتنا، فاشتروها منا بأثمانها، وإننا نغدو، ونروح، آمنين مطمئنين، لم نرَ منهم إلا الخير والمروءة، فهم أهل حضارة وتمدُّن، وصدق من قال: " ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم منهم ".
 فنحن مضطرون أن نقدم اعتذارنا للبطل صلاح الدين الذي طرد الفرنجة القدامى من بلاد المسلمين، ونحن أعدناهم إلى بعض بلاد العرب والمسلمين .
 فعذراً لك يا صلاح الدين، وألف عذر، أنت الذي طردت الفرنجة القدامى من بلاد الشام ومصر والعراق، وأنت الذي حررت دمشق والقدس من أيديهم، وقد قلت قولتك المشهورة ( لن يرجعوا إليها ما دمنا رجالا ) عذرا يا صلاح الدين، لقد رجعوا بعد الحرب العالمية الأولى إلى بلاد الشام، ودخل قائدهم دمشق، وزار قبرك، وقال لك: ها قد عدنا يا صلاح الدين، فعذراً وألف عذر لك، لقد رجعوا مرة ثانية إلى العراق، ولسان حالهم يقول: ها قد عدنا يا صلاح الدين ثانية.
 ولئلا تقلق علينا كثيراً أيها البطل ؛ إنهم قالوا حينما عادوا إلينا: عدنا كي تنعموا بحرية كحريتنا، وبسلام كسلامنا، وبرخاء كرخائنا، وهم يخططون لشرق أوسط جديد وكبير، ولا أتمنى عليك ـ أيها القائد الفذ ـ أن تسأل هل تحقق لكم ذلك، الذي تحقق: إفقار وإضلال، وإفساد وإذلال، وإبادة واقتتال، وتدميرللمنشآت، ونهب للثروات، ونسف لكل المنجزات... إنها ردّة ولا صديق لها، إنها هجمة تترية ولا قطز لها، إنها حملة فرنجية وأنت غائب عنها .
 عذراً يا صلاح الدين... لقد كانت معالم الحزن والأسى ترتسم على وجنتيك، ولم يكن للابتسامة طريق إلى شفتيك، فلما كنت تُسألُ لم لا تضحك يا صلاح الدين، فكان جوابك المتكرر ( إني أستحي من الله... أن أضحك، وما يزال المسجد الأقصى بيد المعتدين (
عذراً يا صلاح الدين... وأنت الذي وصلك خبر اعتراض أمير الفرنجة أرناط، الذي احتل قلعة الكرك في الأردن، وراح يقطع الطريق على الحجاج المسلمين، المتوجهين من الشام نحو الحجاز فكان يقتل الرجال، ويسبي النساء، وهو يقول لهم: نادوا محمداً لينتصر لكم، فلما سمعت مقالته انسابت الدموع من عينيك، وقلت قولتك المشهورة: أنا سأنوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نصرة أمته، وهذا ما كان منك ـ أيها البطل ـ فما هدأ لك بال، ولا سكنت لك جارحة، حتى وفيت بوعدك، يوم حطين، يوم انتصرت على ملوك أوروبة وأمرائها، ويوم وقع أرناط في الأسر... فمثل بين يديك، وذكرته بما قال، وقلت له يا أرناط: أنا أنوب اليوم عن رسول الله في الدفاع عن أمته .
 عذراً ياصلاح الدين... يا من هزمت الفرنجة القدامى، حتى أصبح اسمك على لسان النساء في أوروبة، يخوفن بك أولادهن في الليل ليناموا، تقول الأم لابنها: نم يا ولدي... وإذا لم تنم، فسيطلع علينا صلاح الدين، لقد قذفت الرعب في نفوس أهل أوروبة، وشكَّلت لهم عقدة نفسية، اسمها صلاح الدين .
 فعذراً وألف عذر، يا أيها القائد الحبيب، لما حل بنا من بعدك، ومن أجل أن تبقى منسجماً مع إيمانك الكبير بالله، نقول لك:هان أمر الله علينا ـ من بعدك ـ فهنا على الله، وقد تحققت نبوءة القرآن فينا: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غياً... وقد لقينا ذلك الغي .
 ومن أجل أن نطمئنك، نذكرك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أنبت نفسك عنه في الدفاع عن المسلمين:

((لايزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، ما يضرهم من كذبهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك فقال مالك سمعت معاذاً يقول: وهم بالشام))

[رواه البخاري ومسلم ]

 

 كنت خاشع القلب، غزير الدمعة، إذا سمعت القرآن أو تلوته بكيت، وكنت كثير التعظيم لشعائر الدين، كنت ناصرا للتوحيد، وقامعا أهل البدع، لا تؤخر الصلاة عن وقتها، وكانت لك ركعات تصليها في جوف الليل .
 وكنت إذا سمعت أن العدو داهم المسلمين ـ كما يجري في بلاد المسلمين ـ خَررتَ إلى الأرض ساجدا لله تدعو بهذا الدعاء: إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك، ولم يبق إلا الإخلاد إليك، والاعتصام بحبلك، والاعتماد على فضلك، أنت حسبي ونعم الوكيل.
 والآن نعود بحضراتكم إلى دمشق، وإلى مسجدها الأموي الكبير، حيث يرقد البطل صلاح الدين في جوار المسجد، ولنتابع خطبة الجمعة:

 حينما ينقطع الإنسان عن ربه، وينقاد إلى هوى نفسه، فعندئذ تفسد علاقته بعقله، فيعطله، أو يرفض نموَّه وتطوره، أو يسيء إعماله، فيسخره لأغراض رخيصة دنيئة، عندها يكون الجهل والتجهيل، والكذب والتزوير ؛ وتفسد علاقته بنفسه، فتَسفُل أهدافه، وتنحط ميوله، ويبيح لنفسه أكثر الوسائل قذارة لأشد الأهداف انحطاطاً، عندها تكون أزمة الأخلاق المدمرة، التي تسبب الشقاء الإنساني، وتفسد علاقة الإنسان بأخيه، فتكون الغلبة لصاحب القوة، لا لصاحب الحق، وعندها تعيش الأمة أزمة حضارية، تعيق تقدمها، وتقوِّض دعائمها، وحينئذ تظهر العنصرية، أناس أقوياء توهموا أنهم فوق البشر، وأن لهم ما ليس لبقية البشر، ويحق لهم ما لا يحق للبشر، وأنهم مستثنون مما يجب على بقية البشر، وأنهم بنوا مجدهم على أنقاض البشر، بنوا قوتهم على ضعف البشر، بنوا عزهم على إذلال البشر، بنوا غناهم على إفقار البشر، بنوا أمنهم على إخافة البشر، هؤلاء عنصريون، يكيلون بألف مكيال ومكيـال، يملكون حق النقض، لكل قرار صادر من المجتمع الدولي، لا يوافق مصالحهم، أو لا يوافق أهواءهم، يملكون الأسلحة النووية بمئات الرؤوس، ولا يسمحون لغيرهم بامتلاك مفاعل نووي لأغراض سلمية، ويجبرون من اتهم بإسقاط طائرة على دفع مليارين وسبعمئة مليون دولار دية لمئتين وسبعين راكبا من مواطنيهم، ولا يعتذرون عن قتل مئات الألوف من المسلمين، في العراق وفلسطين ولبنان، وجلهم من النساء والأطفال، ويأسرون عشرة آلاف فلسطيني، ويأسرون ثمانية وزراء، وثلاثين عضواً في المجلس التشريعي الفلسطيني منتخبين وفق ديمقراطيتهم، وبإشرافهم، ويقتلون ألف لبناني، ويهجرون مليوناً من وطنهم ويدمرون كل شيء من أجل ثلاثة أسرى، ولا أحد في المجتمع الدولي يعترض، ولا أحد يندد، ولا أحد يعبر عن أسفه، العالم كله متواطئ مع هؤلاء العنصريين، منافق لهم، هم يعاملون طبقة من شعوبهم معاملة تفوق حد الخيال، وبالمقابل يتفننون في إذلال بقية الشعوب، وفي تدمير ممتلكاتهم، وتدمير مرافقهم، وتدمير بنيتهم التحتية، يتفننون في قتل الأبرياء، من الأطفال النساء، ويزعمون أن كل هذا من أجل الحرية، والديمقراطية، وشرق أوسط جديد، وسموا هذه الجرائم كلها بالفوضى البناءة .
 ثم إنهم يجرُّون المجتمعات الإسلامية إلى الفساد، والإباحية، و إلى الانحلال الخلقي، وينتهكون الحرمات، ويستخفون بالثوابت، ويدنسون المقدسات، هم في الحقيقة من المتسببين في حدوث الارهاب، وإن أعلنوا الحرب عليه .
وحينما تُسْلَب أرضُ شعبٍ، وتُنهَب ثرواتُه، و تُنتهَك حرماتُه، وتُدَنَّس مقدساته، وتُداسُ كرامتُه، و تُقهَر إرادتُه، وتفسد عقائده، وتفرغ قِيَمُه، ويُزوَّر تاريخُه، ويُحمَل على الفساد والإفساد، وتُمَارَس عليه ألوانُ التجهيل والتجويع والتعذيب على يد أعدائه، أعداء الله، أعداء الحقِّ، أعداء الخير، أعداءِ الحياة، عندئذٍ لا بد لهذا الشعب أن يتحرّك ليسترِدَّ حقَّه في الحياة الحرة الكريمة.
 إننا نواجه أعداء، ماتت في ضمائرهم، وضمائر الذين انتخبوهم، كل القيم الإنسانية، والأعراف الدولية، وداسوا على حقوق الإنسان بحوافرهم، إنهم يصفون المالِكَ للأرض الطريدَ المشرَّدَ إرهابياً لا حقَّ له، والمتمسكَ بدينه القويم أصولياً، ويجعلون اللصَّ الغالبَ على المقدسات، ربَّ بيتٍ محترماً، يملكون الأرضَ لا بالإحياء الشرعيّ، ولكن بالإماتة الجماعية، والقهر النفسي، قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

[سورة يونس: 24]

 إن نتائج الظلم لا يمكن ضبط حساباتها، ولا تقدير ردود أفعالها، وذلك أن ردود فعل المقهورين، والمظلومين كشظايا القنابل، تطيش في كل اتجاه، وتصيب من غير تصويب.
 إن ردود أفعال المظلومين، والموتورين، لا يمكن التحكم في مداها ولا اتجاهها، وإنها تطيش متجاوزة حدود المشروع والمعقول، مخترقة شرائع الأديان، وقوانين الأوطان، وتكفر أول ما تكفر بهذه القوانين، التي لم توفر لها الحماية أولاً ؛ فلذا لن تقبلها حامية لأعدائها، فإن العلاج الأول، والحقيقي، هو نزع فتيل الظلم، الذي يشحن النفوس بالكراهية والمقت، ويعمي البصائر والأبصار عن تدبر عواقب الأمور، والنظر في مشروعيتها أو نتائجها.
 حين ينتظر الناس طويلاً، قبل أن ينالوا حقوقهم، فمن المرجح أنهم سيتصرفون في فترة الانتظار، بطريقة يصعب توقعها، كما سمعتم وشاهدتم في الأربعة والعشرين يوما الماضية في لبنان وفلسطين .

 إن دراسة تاريخ الحضارات توقفنا على حقيقة كبرى، وهي أن مصير الإنسان، يتوقف دائماً على أمرين: علاقته بربه، وعلاقته بأخيه الإنسان. والبعد النفسي والأخلاقي، هو المركز والمحور في هاتين العلاقتين، وحينما ينحطّ الإنسان، يتحول عن عبادته لربه إلى عبادته شهواته، وتعتمد علاقتَه بالآخرين على القوة لا على الرحمة، وعلى العنف لا على التفاهم، وينصرف الإنسان عن العناية بالنفس إلى العناية بالجسد، وعن الاهتمام بالمبدأ إلى الاهتمام بالمصلحة، ويتحول المجتمع كله إلى غابة، يحسّ كل واحد فيها، أن من حقه افتراس الآخرين، كما أنه من الممكن أن يكون فريسة، لأي واحد منهم !. هذا هو مجتمع الغاب، أو النظام العالمي الجديد، أو حيونة العولمة .

 إن الذين نكَّن لهم عظيم الاحترام، ليسوا أولئك الذين يملكون كثيراً من المال، أو الدهاء والمكر، أو القوة العسكرية الخارقة، وإنما نكن عظيم الاحترام، لأولئك الذين انتصروا على التحديات، داخل نفوسهم، وأولئك الذين يملكون فضيلة الانتظار، والتضحية بالعاجل في سبيل الآجل، والإيثار مع مسيس الحاجة إلى ما يؤثرونه...
 إنه بالإمكان أن نقول: إن طابع الرقي الحقيقي، هو طابع إيماني أخلاقي، أكثر من أن يكون طابعاً عمرانياً تنظيمياً، والجاذبية التي تتمتع بها القرون الأولى، من تاريخ الإسلام، تنبع بشكل أساسي من طابع الاستقامة والنبل والتضحية... وليس من التفوق في الحروب أو العلوم أو العمران.
 لقد كان صلى الله عليه وسلم رحيماً بأمته من بعده، وتمثلت هذه الرحمة في حرصه الشديد على وحدتها وقوتها، فكل ما من شأنه أن يوحد أمته ويقويها، وأن يجمع شملها، وأن يرص صفوفها، أمر به، وكل ما من شأنه أن يفرقها، أو أن يشتتها، أو أن يضعفها، نهى عنه .
 لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأخوة الحقيقية التي تتجسد في الاتحاد، والتضامن، والتساند، والتآزر، والتعاون، والتكاتف، ولقد حذر من التفرق، والاختلاف، والعداوة، والبغضاء، والتشرذم، ويتبدى ذلك من سنته القولية والعملية، حدث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهودياً في المدينة المنورة غاظه ما رأى من ألفة المسلمين، غاظه ما رأى من صلاح ذات بينهم، بعد الذي كان بينهم من العداوة والبغضاء، في الجاهلية، فأمر شاباً على شاكلته أن يجلس مع الأوس والخزرج، وأن يذكرهم بيوم بعاث، وهو من أيام الجاهلية، يوم اقتتالهم، وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوه فيه من أشعار، فتفاخر القوم، ثم تنازعوا، ثم تواثب رجلان من الحيين، وتقاولا، فقال أحدهما: إن شئتم رددناها الآن جذعةً، أي حامية، وغضب الفريقان، وكادت تقع فتنة، بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم غاضباً، وقال لهم:

(( يا معشر المسلمين، الله، الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟ أبعد أن هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به،، وقطع به عنكم دعوى الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم... ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدو لهم ))

  وبكوا، وعانق الرجال بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مطيعين.
 لقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخصومة بالكفر، ثم إن الله جل جلاله أنزل بهذه الحادثة قرآناً فقال تعالى:

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

 لقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على وحدة أمته وقوتها من بعده، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ))

[رواه مسلم ]

 فما من مرحلة في تاريخ أمتنا المعاصر، تشتد فيها الحاجة إلى رأب الصدع، ولمِّ الشمل، وتضميد الجراح، ورصّ الصفوف، كهذه المرحلة التي نحن فيها، ولن نستطيع أن ننتزع حقنا وأرضنا إلا بالتعاون، والتضامن، والتساند، والتكاتف، والتآزر، وبيد أعدائنا ورقة رابحة وحيدة، وهي إثارة الفتن الطائفية، ونحن بوعينا، وإخلاصنا، نستطيع أن نسقط هذه الورقة من يده، وهذا ما يسعى إليه بلدنا الطيب .

 إننا بكل شرائحنا وأطيافنا، وفي كل بقاعنا وأصقاعنا... نكبر جميعاً إخوتنا المجاهدين في جنوب لبنان، وفي فلسطين، الذين جسدوا ببطولاتهم معاني الجهاد، تلك الفريضة التي عطلها ضعاف النفوس في العالم الإسلامي، ونحن نقبل جميعاً رؤوس المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين، لأنهم رفعوا رؤوس المسلمين عالياً، ونقبل عيونهم لأنها باتت تحرس في سبيل الله، ونصافح أيديهم، لأنها بطشت بأعداء الله، وجعلتهم يألمون، كما كنا نألم، ونرجو من الله ما لا يرجون .
 يعلمنا التاريخ الإسلامي، أننا إذا أضفنا على الإسلام ما ليس منه، تمزقنا، وتشرذمنا، وأصبحنا فرقاً، وشيعاً، وطوائف، وكان بأسنا بيننا، ولا أدل على ذلك من أن نقاط الخلاف بين الفرق الإسلامية ليس لها وجود في أصل في الدين، ولنضرب على ذلك مثلاً ً: ذكر أبو بكر الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن الصفحة الثالثة والأربعين بعد المئة، أن سيدنا علياً بن أبي طالب رضي الله عنه، قال لما قبض أبو بكر رضي الله عنه: رحمك الله أبا بكر كنت إلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنسه، وثقته وموضع سره، كنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدهم يقيناً، وأخوفهم لله، وأثبتهم على الإسلام، وأحسنهم صحبة، وأرفعهم درجة، وأشبههم برسول الله هدياً ورحمة وفضلاً، وأشرفهم منزلة، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله خيرا كنت عنده بمنزلة السمع والبصر، صدقت رسول الله حين كذبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، سماك الله في كتابه صديقاً فقال: " والذي جاء بالصدق وصدق به ".
 ويعلمنا التاريخ الإسلامي أيضاً... أننا إذا حذفنا من الإسلام ما علم منه بالضرورة، كالجهاد ضعفنا، وتفنن أعداؤنا في قهرنا، وفي نهب ثرواتنا، وفي السيطرة علينا، وفي إملاء إرادتهم، وثقافتهم علينا، وفي منعنا من تعليم أولادنا مبادئ ديننا، فهذه الفريضة طبقت جزئياً، في بلدان عدة، من العالم العربي والإسلامي، فتحدى المقاومون أعتى القوى في الشرق الأدنى والأوسط والأقصى، فحجمت، وأذلت، وأربكت، فعجزت عن تحقيق أي إنجاز عسكري في لبنان مثلاً خلال أربعة وعشرين يوماً، لكنه حقق إنجازاً همجياً بربرياً، حينما ضرب البنية التحتية، وهدم المنازل، وقتل النساء والأطفال .
 وإن كنا كما ينبغي، وانتصرنا بفضل الله ورحمته وعدله، كان النصر استحقاقياً، وإن لم نكن كما ينبغي، وانتصرنا بفضل الله ورحمته وحكمته، كان النصر تفضلياً، لذلك توجه نور الدين الشهيد بالدعاء إلى الله حين واجه التتار: يارب... من هو نور الدين حتى تنصره إنه لايستحق النصر... ولكن انصر دينك .

 ثم إنني أخاطب أولئك الذين ؛ لم يحملوا هموم أمتهم، التي تحيق بها المحن والشدائد، أخاطبهم أينما كانوا في العالمين العربي والإسلامي، وفي أي مستوى وجدوا في قواعد المجتمع أو في قممه، الذين لم يتألموا لآلامها، ولم يحزنوا لأحزانها، وتوهموا أن الذي يجري حولهم لايعنيهم، وهم غارقون في حفلات تقام في ردهات الفنادق، وفي أبهاء المطاعم، وفي حدائق المزارع، وفي ألعاب تافهة، وسباقات فارغة، وفي برامج ساقطة، مستوردة من عالم، تتناقض قيمه ومبادئه، مع قيمنا ومبادئنا، تبثها بعض الفضائيات، والتي تبذل فيها الأموال الطائلة، والأوقات الثمينة، إلى هؤلاء الشاردين أقول لهؤلاء متمنياً أن ينتبهوا من غفلتهم، وأن يعودوا إلى رشدهم، أقول لهم:

أخي في الله أخبرني متى تغضبْ ؟
إذا انتهكت محارمنا
إذا نُسفت معالمنا، ولم تغضبْ
إذا قُتلت شهامتنا، إذا ديست كرامتنا
إذا قامت قيامتنا، ولم تغضبْ
فــأخبرني متى تغضــبْ ؟
إذا نُهبت مواردنا، إذا نكبت معاهدنا
إذا هُدمت منازلنا، إذا قطعت طرائقنا
وظلت قدسنا تُغصبْ
ولم تغضبْ
فأخبرني متى تغضبْ ؟
عدوي أو عدوك يهتك الأعراض
يعبث في دمي لعباً
وأنت تراقب الملعبْ
إذا لله.. للحـــرمات.. للإسلام لم تغضبْ
فأخبـــرني متى تغضبْ ؟!
رأيتَ هناك أهوالا
رأيتَ الدم شلالاً
رجالاً شيعوا للموت أطفالاً
رأيتَ القهر ألواناً وأشكالاً
ولم تغضبْ
فأخبـــرني متى تغــضبْ ؟
فصارحني بلا خجلٍ.. لأية أمة تُنسبْ ؟!
فلست لنا، ولا منا، ولست لعالم الإنسان منسوبا
ألم يحزنك ما تلقاه أمتنا من الهول
ألم يخجلك ما تجنيه من مستنقع الحل
وما تلقاه في دوامة الإرهاب والقتل ِ
ألم يغضبك هذا الواقع المعجون بالذلِ
وتغضب عند نقص الملح في الأكلِ!!
ألم يهززك منظر طفلة ملأت
مواضعَ جسمها الحفرُ
ولا أبكاك ذاك الطفل في هلعٍ
بظهر أبيه يستترُ
فما رحموا استغاثته
ولا اكترثوا ولا شعروا
فخـــرّ لوجهه ميْتـــاً
وخرّ أبوه يُحتضرُ
متى التوحيد في جنبَيْك ينتصرُ؟
أتبقى دائماً من أجل لقمة عيشكَ
المغموسِ بالإذلال تعتذرُ؟
متى من هذه الأحداث تعتبرُ؟

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع