18406
التربية الإسلامية - تربية الأولاد في الإسلام 2008 - الدرس (12-36) : التربية العقلية 2
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-06-14
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

منهج التلقي في الإسلام :

أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني عشر من دروس: " تربية الأولاد في الإسلام"، ونتابع موضوع:" التربية العقلية".
أيها الأخوة، موضوع دقيق اسمه منهج التلقي في الإسلام، أو منهج البحث في الإسلام، الأب الذي يحرص على أولاده، أولاده يعيشون في مجتمع فيه طروحات لا تعد ولا تحصى، طروحات، مقولات، أفكار، فلسفات، أشياء لا أقيّمها الآن أبداً، كمٌ كبير من الفلسفات، والتصورات، والطروحات، والشبهات، والافتراءات، هذه الابن في المدرسة له صديق طرح عليه فكرة في الدين، له صديق آخر طرح فكرة مناقضة، كيف يستطيع أن يتوازن مع هذه الطروحات المتناقضة؟ مع هذه الفلسفات المعاصرة؟ مع هذه الشبُهات على الإسلام؟
أيها الأخوة الكرام، لا أعتقد أن هناك مرحلة مرت على الأمة الإسلامية كهذه المرحلة من الضياع، نحن معنا وحي السماء، معنا قرآن كريم:

﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾

[سورة فصلت الآية:42]

image

المسلمون معهم وحي السماء وكلام سيد المرسلين

نحن معنا كلام من المعصوم:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[سورة النجم]

ولكن الإسلام يواجه الآن معركة، معركة مصيرية، كانوا قبل خمسين عاماً ينالون من فروع الدين، الآن النيل من أصول الدين، من القرآن الكريم، من سيد المرسلين.

المقياس الذي يجب أن يوضع بين يدي الإنسان لتقبل فكرة ما أو رفضها :

لذلك وجدت أن من المناسب أن يكون الموضوع الأخير في التربية العقلية منهج التلقي في الإسلام، الأب عليه أن يتعلمه، وعليه أن يعلمه لابنه بشكل مبسط، مثلاً: لو دخلت إلى غرفة فيها مئة ألف قطعة صفراء، بعضها من أخف المعادن، وبعضها نحاس ملمع، وبعضها نحاس مغطى بالذهب، وبعضها قطع ذهبية عيار16، وبعضها قطع ذهبية عيار21، وبعضها قطع ذهبية عيار 24، مئة ألف قطعة، مئة قطعة ذهب خالص، فأنت بطولتك أنت تكتشف مئة قطعة من الذهب الخالص.
ما السبيل؟ ما المقياس؟ هنا موضوع درسنا، طروحات، مقولات، أفكار، افتراءات، تصورات، فلسفات، مثلاً: قبل سنة وجدت كتاباً، هذا الكتاب يقول: :إن إله محمد قمعي لأنه لم يقبل إلهاً معه ـ لا إله إلا الله ـ بينما آلهة قريش آلهة ديمقراطيون، لأن كل واحد منهم قَبِل الآخر".
الطروحات الآن تفوق حدّ الخيال، كيف أُحصن نفسي كمؤمن؟ وكيف أُحصن أولادي؟ هل هناك منهج بحث في الإسلام؟.
بالمناسبة بطولة الأب، وبطولة المعلم، وبطولة الشيخ والداعية، لا أن يعطي مفردات العلم، قضية سهلة، البطولة أن يعلمه منهجاً في التلقي، ميزاناً في البحث، أي هناك خطأ بالميزان، و خطأ بالوزن، الخطأ في الميزان لا يصحح، ائتِ بميزان الكفة الأولى تزيد خمسين غراماً عن الثانية، لو استخدمت هذا الميزان مليون مرة، المليون وزنة خطأ، الخطأ بالميزان لا يصحح، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، لو أنك توهمت أن هذا الوزن يقدر باثنين كيلو غرام وهو في الأصل كيلو غراماً واحداً، مرة واحدة.
أعيدها ثانيةً: الخطأ في الميزان لا يصحح، والخطأ بالوزن لا يتكرر، فالبطولة أن أعطي المتعلم منهج بحث، أي لا تطعمني سمكاً علمني كيف أصطاد السمك، البطولة أن تعلم ابنك منهج البحث في الإسلام، متى يقبل؟ ومتى يرفض؟ نحن أمام كم من المقالات، هناك صحف، ومجلات، وطروحات، وافتراءات، وندوات بالفضائيات، فأنت كأب، أو كمعلم، أو كداعية، وأنت أيها الشاب كابن، ما المقياس الذي يوضع بين يديك لتقبل هذه الفكرة أو لترفض هذه الفكرة؟ ما الدليل؟ هذا هو محور هذا الدرس؛ منهج البحث في الإسلام، أو منهج التلقي.

دور المؤمن الوحيد أن يحاول فهم النصوص وفق علم الأصول :

أيها الأخوة، نحن كمسلمين عندنا نص قرآني، القرآن وحي السماء، وقد تولى الله بذاته حفظه، ومن لوازم حفظ كتابه أنه يحفظ شرحه من قبل المعصوم، فحفظ الأحاديث الشريفة، وتصنيفها، ثم الانتهاء من تصنيفها في الصحاح، هذا من لوازم حفظ الله لكتابه، تماماً كما لو صدر قانون ثم قلنا: وسيصدر مرسوم تشريعي في تفسير هذا القانون، فهل إذا حفظنا القانون وأهملنا التفسير نكون قد حافظنا على القانون؟ أبداً، لا بدّ من أن يكون من لوازم القانون حفظ المرسوم التشريعي الذي يفسره.
دور المؤمن أن يفهم النصوص وفق علم الأصول
إذاً عندنا وحي السماء؛ كلام الله، وعندنا بيان المعصوم، فلا بدّ من أن يحفظ كلام الله كما نزل، ولا بدّ من أن يحفظ كلام المعصوم، والله عز وجل هيأ علماء كباراً، آتاهم قدرات تفوق حدّ الخيال، وحفظوا الحديث، وميزوا الحديث المتواتر الصحيح الحسن من الحديث الضعيف، وشديد الضعف، والموضوع، نحن أمة معنا وحي السماء، ومعنا بيان المعصوم، أول نص عندنا النص القرآني، النص القرآني يوصف بأنه قطعي الثبوت، أنت كمؤمن دورك الوحيد أن تحاول فهم هذا النص وفق علم الأصول، أن تحاول فهم النص لا فهماً مزاجياً، أن تحاول فهم هذا النص وفق علم الأصول، و الذي عنده رغبة بأن يأخذ فكرة عامة عن علم الأصول، هناك كتاب في الصف العاشر بالتعليم الشرعي عن مادة الأصول، و في الصف الثاني عشر، والثالث عشر، ثلاثة كتب تقرأ في أسبوع، تأخذ فكرة كبيرة حداً عن علم الأصول، النص، العام، الخاص، المقيد، المطلق، المعنى الأصلي، المعنى الفرعي، هذا علم لطيف حتى إنهم قالوا: علماء الدين عوامٌ أمام علماء الأصول، أي القواعد القطعية في فهم النصوص القرآنية والنبوية.

لابدّ للإنسان من أن يحفظ كلام الله كما نزل و كلام المعصوم كما ورد :

إذاً منهج البحث، أنا عندي قرآن:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

[سورة الأحزاب الآية:36]

إذا الله عز وجل حرم علينا الخمر، تقول لي: هناك دراسات معاصرة تقول: إن القليل منه ينعش القلب، أنا معي نص قرآني الخمر فيه محرم، معي نص نبوي مثلاً الغيبة فيها محرمة،

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

أحياناً بالمفاوضات، باللقاءات، يكون هناك جدول أعمال، يقولون: هناك عدة نقاط ليست خاضعةً للبحث، هذه مقطوع بها، مُسلّم بها، فأنت كمؤمن الأحكام التي وردت في القرآن الكريم سلباً نهي، أو إيجاباً أمر، ليست خاضعة للبحث إطلاقاً، هذا كلام الخالق.
لي قريب يعمل في إصلاح المركبات، أخذت له مركبتي لإصلاحها، بعد أن هيأ ما تحتاجه المركبة، هناك قطعة حديد تأتي خلف المكبح، رماها أرضاً قال لي: هذه ليس لها فائدة، وأنا لا يوجد عندي إمكانية لأن حاوره أو أناقشه، الموضوع ليس لي خبرة به، لكن قلت له: شركة كبيرة جداً، عملاقة، فيها خمسة آلاف مهندس، أنا لا أصدق أنك أشد فهماً منهم، أنا لم أتمكن أن أناقشه بآلية القطعة، لكن ناقشته بفكرة أصولية، أنت إنسان مقيم في بلد تصلح هذه المركبة، لكن الذين صنعوها مهندسون كبار، خمسة آلاف مهندس في هذه الشركة، وعمرها مئة عام بصنع السيارة، أنت أفهم من هؤلاء؟ أرجعها.

علاقة الأمر أو النهي بالنتيجة إن كانت علاقة علمية فالأمر أو النهي من عند الله :

مبدئياً هذا الكلام كلام الله، كلام خالق السموات والأرض، فإذا حرم شيئاً فهذا التحريم فيه أذى كبير لنا لو فعلناه، شيء محرم، أي بالتعبير المعاصر يحرمنا السعادة، وهناك فرائض بالضبط أنا أقول: شرب الماء فرض على بقاء الإنسان، هل فهمتم ما معنى فرض؟ أي إن لم أشرب الماء سأموت، شرب الماء فرض على بقاء الإنسان، بقاؤه حياً، تنفس الهواء فرض، تناول الطعام فرض، هذه الفروض تتوقف عليها سلامتنا، تتوقف عليها سعادتنا، هذا الفرض، أما الحرام لو إنسان زنى، أو شرب الخمر، أو لعب القمار.
إنسان مسلم بأمريكا زار مدينة القمار، وقامر، وخسر بليلة وحدة اثنين ونصف مليون دولار، ذهب إلى البيت أطلق خمس رصاصات على زوجته، وأولاده، ثم السادسة على نفسه، وقال: ليغفر لي ما صنعت.

هو الداء الذي لا بُرء منه وليس لذنب صاحبه اغتفــــارُ
تشـاد له المنـازل شـاهقـاتٍ وفي تشييد ساحتها الدمـارُ
نصـيب النازلـين فيهـا سهـادٌ فإفـلاسٌ فيـأسٌ فانتـحارٌ
* * *

ما أمرنا به الله عز وجل وما نهانا عنه هدفه نجاة الإنسان
اثنان ونصف مليون دولار خسرهم في ليلة واحدة، فيئس وأطلق الرصاص على زوجته وعلى أولاده ثم انتحر، هذا القمار.
فلذلك نقطة دقيقة جداً أيها الأخوة، أن بين الشيء الذي أمرك الله به وبين النتائج التي تترتب عليه علاقة علمية، أي علاقة سبب بنتيجة.
مدفأة مشتعلة وضعت يدي عليها فاحترقت، أقول: هناك علاقة علمية بين احتراق اليد و وضع اليد على المدفأة، علاقة سبب بنتيجة.
أما لو أن هناك إعلاناً مكتوب فيه: يرجى الخروج من هذا الباب لا من هذا الباب، هذه علاقة وضعية، فمن خرج من هذا الباب عليه غرامة مثلاً، لا يوجد علاقة علمية بين دفع الغرامة وبين خروج الإنسان من باب مصمم للخروج، هناك علاقة وضعية.
لذلك أنت حينما تؤمن أن علاقة الأمر بالنتيجة علاقة علمية، وأن علاقة النهي بالنتيجة علاقة علمية، تعتقد أن هذا الأمر من عند الله.


ديننا الإسلامي ليس دين كرامات وشطحات إنما دين نصوص وعلوم :

أول ملاحظة: القرآن الكريم، نص قطعي الثبوت، مهمتك مع القرآن الكريم أن تفهمه وفق علم الأصول.
النص النبوي: ما كل حديث شريف صحيح، إنسان دجال يدّعي أن كل إنسان خطر بباله أن يُقيّم حديثاً يسأله، حيث يدعي أنه ينام فيرى النبي عليه الصلاة والسلام ويسأله فيقول له: أنا قلته فهو صحيح، فهناك إنسان أراد أن يضعه في موقف حرج، جاء له بحديث صحيح، قال له: أجبنا، هذا كذاب، لا يرى النبي، فتح فوجده صحيحاً، ففي اليوم التالي قال: رأيت النبي في المنام، وقال لي: أنا قلته، ثم أعطاه حديثاً موضوعاً أيضاً هذا بحث فوجده موضوعاً، قال له: رأيت النبي في المنام فقال لي: لم أقله، المرة الثالثة أعطاه حديثاً ضعيفاً، فتح فوجده ضعيفاً، فجاءه في اليوم التالي و قال له: رأيت النبي الكريم في المنام وقال لي: حديثٌ ضعيف، قال له: لا، عند النبي لا يوجد ضعيف، إما أنه قال الحديث أو لم يقله، فكُشف بهذه الطريقة.
كان عندنا وزير أوقاف، قال له هذا الدجال: رأيت النبي الكريم يأمرك أن تعينني عندك كموظف في هذه الوزارة، قال له: في أي ساعة رأيته؟ قال له: رأيته الساعة الثانية عشرة ليلاً، قال له: وأنا رأيته الساعة الرابعة في المنام، قال لي: كذاب لا تصدقه.
نحن ديننا ليس دين كرامات، ولا دين شطحات، دين نصوص ودين علوم.

النص القرآني قطعي الثبوت والنص النبوي ظني الثبوت علينا التأكد من صحته :

إذاً: أول نص القرآن، هذا النص قطعي الثبوت، لك أن تفهمه فقط وفق علم الأصول، فإن لم تفهم الآية ماذا تفعل؟ قال تعالى:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة النحل]

علينا أن نختار من الأحاديث الشريفة ما ثبتت صحته
من هم أهل الذكر؟ أهل القرآن، أحياناً إنسان يطبخ طبخة بيده، وأحياناً يشتري طعاماً جاهزاً، فإن سألت أخذت الجواب جاهزاً من عالم، وإن تأملت أخذته من بحثك، على كلٍّ:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[سورة الملك]

نسمعُ كلاماً جاهزاً، أو نعقل، ونتأمل، فالنص القرآني قطعي الثبوت، والنص النبوي ظني الثبوت، فأول عمل مع الحديث الشريف لابدّ من أن تتأكد من صحته، حديثٌ شريف: "كل الناس هلكى ـ أعوذ بالله ـ قال: إلا العالمون، قال: و العالمون هلكى، ما هذا الكلام؟ قال: إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم".
حديث موضوع وضعته الزنادقة للتزييف، كل الناس هلكى إلا العالمون، و العالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم، حديث موضوع وضعته الزنادقة، حتى هناك من قال: هناك أربعمئة ألف حديث موضوع، لكن علماء الحديث الكبار نقوا الصحاح من هذه الموضوعات، أنت يكفيك كتاب رياض الصالحين فكل أحاديثه صحيحة وهو كتاب للنووي ـ رحمة تعالى ـ وهو من أبرك كتبه، أي لا بدّ من أن يكون في البيت كتاب صحيح كحد أدنى، واختر كتاباً صحيحاً، رياض الصالحين كتاب مناسب جداً للبيوت، مقسم إلى أبواب لطيفة جداً.

أيّ نص لأي إنسان على وجه الأرض أول عمل أتأكد من صحة نسبته لقائله :

إذاً النص القرآني، محاولة فهم النص فقط، النص النبوي محاولة التأكد من صحة النص أولاً، ثم فهم النص ثانياً وفق علم الأصول، هناك نص ثالث، نصُ أي إنسان على وجه الأرض، من آدم إلى يوم القيامة، نص القرآن وحي السماء، النص النبوي الصحيح شرح المعصوم، وما سوى ذلك هم رجالٌ ونحن رجال، وكل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه، إلا صاحب القبة الخضراء.
النص الثالث أول شيء تفتح نهج البلاغة، مثلاً الأمام علي ـ رضي الله عنه ـ هكذا سمعت يقول: "المرأة شرٌ كلها، وشرٌ ما فيها أنها لا بدّ منها"، كلام غير صحيح، يناقض القرآن الكريم، دُس على الأمام علي، أنت عندك موضوع ثالث، النص الثالث على الإنسان التأكد من صحة نسبته إلى قائله، ثم فهمه، ثم عرضه على الكتاب والسنة، فإن وافقه فعلى العين والرأس، وإن خالفه نركله بأقدامنا، هذا اسمه منهج البحث في الإسلام، أو منهج التلقي، وهذا يعني علمني كيف اصطاد السمك، لا تقل: هذا حديث صحيح وفقط، لماذا هو صحيح؟ لا تقل: هو موضوع، لماذا هو موضوع؟ لا تقل: هذا شديد الضعف، علمني كيف أقبل وكيف أرفض، أول نصيحة، وأبرز نصيحة في هذا اللقاء الطيب، لا تقبل شيئاً من دون دليل ولا ترفض شيئاً من دون دليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء.
هناك رجل علم صالح جداً كان مفتي دمشق، توفي رحمه الله، كان له مكتب بوزارة الأوقاف، في الطابق العاشر، مرة داعبني مداعبة، قال لي: هذه الشام كلها ملكي، لكن بلا دليل، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، عود نفسك إن سمعت مقولة في الدين ما الدليل؟ أين قرأتها؟ في أي كتاب قرأتها؟ هذا الحديث مخرّج، عندك تخريجه؟ من أي كتاب قرأته؟.
"إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم "

(( عمر، دينك، دينك، إنه لحمك ودمك، خذا عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))

[ العلل لابن أبي حاتم ]

إذاً النص الثالث أي نص آخر لأي إنسان على وجه الأرض، من آدم إلى يوم القيامة، أول عمل أتأكد من صحة نسبته لقائله.

خطوات البحث في الإسلام :

بالمناسبة هناك بحث اسمه الدس على علماء المسلمين، دسوا على أبي حنيفة النعمان، دسوا على أحمد بن حنبل، دسوا على علماء كبار، تقرأ كتاباً تجد شيئاً مدسوساً ليس من أصل الكتاب.
مرة أحد الدارسين أمسك كتاباً لعالم، رأى فيه كلمات الكفر ـ والعياذ بالله، قصة قديمة طبعاً ـ ذهب إلى مكة المكرمة حاجاً، والتقى بأحد علمائها، فشكا له ما في هذا الكتاب من كلمات تتناقض مع القرآن، قال: دخل إلى مكتبته وجاء بكتابٍ مخطوط بخط يد هذا العالم وقرأه لم يجد فيه شيئاً مما ذكر الضيف، معنى ذلك أن هذه الكلمات دست عليه.
بمجلة ثقافية بحث عميق جداً اطلعت عليه، دس على كبار العلماء، دس على كبار الفقهاء، كلام لا يعقل أن يقبل، فأنا أي نص آخر لعله مدسوس .
بالمناسبة: لو أن هناك عالماً مشبوهاً وجدنا بكتابه كلاماً يتناقض مع القرآن، ماذا نفعل؟ أنا لي منهج، أولاً: أحسن الظن بهذا العالم، هناك من يسارع إلى تفسيره، أقول: لعل هذا الكلام دس عليه، هذا موقف، وكبار العلماء قالوا: دس علينا كتب ما فكرنا فيها، ولا ألفناها، وقد نسبت إلينا، فأول موقف حسن الظن، لعل هذا الكلام دس عليه، فإن ثبت أنه قاله لعله أراد معنىً نحن ما فهمناه.
لذلك أنا أرى أن كل كلام يحتمل معنيين ينبغي ألا تقوله، خاطبوا الناس بما يفهمونه، أنت تقول مثلاً تمدح أناساً: لله رجالاً إذا أرادوا أراد الله، ما هذا الكلام؟ هو ماذا يقصد؟ أنهم مستجابو الدعاء، إذا كان قصدك أنهم مستجابو الدعاء فالقضية سهلة جداً، لكن لماذا تحرجنا وتدعونا إلى أن نفهم فهماً آخر؟ أي كلام يحتمل معنيين ينبغي ألا تلفظ به.
مرّ سيدنا عمر بقوم يشعلون النار أمامهم، قال: السلام عليكم يا أصحاب الضوء، ولم يقل السلام عليكم يا أصحاب النار، أصحاب النار كلمة مُشْكلة تعني شيئاً آخر.
فلذلك عليك ألا تقل كلاماً يحتمل معنيين، معنى واحداً فقط، فهناك كلمات لها معان كثيرة، فهذا الذي قال: "معبودكم تحت قدمي" أخطأ، وخالف السنة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أتُحِبُّونَ أن يُكذَّبَ الله ورسولُهُ؟ قالوا: لا، قال خاطبوا الناس بما يفهمون))

[أخرجه البخاري عن علي بن أبي طالب]

فحسن الظن الثانية أن هذا العالم الكبير الشهير جاء في كتابه كلام يناقض القرآن، أول حسن ظن لعله دس عليه، فإن ثبت أنه قاله لعله أراد معنى نحن ما فهمناه، فإن ثبت أنه أراد المعنى الذي أنكرناه، لعله قبل أن يموت تاب منه، فإن ثبت أن مات عليه، أخطأ، نحن بحياتنا هناك إنسان واحد معصوم، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نعتقد بإنسان آخر معصوم، حتى قيل: النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده، وأمته معصومة بمجموعها.
إذاً أول حسن ظن لعله ما قاله، دس عليه، ثبت أنه قاله لعله أراد معنى نحن ما فهمناه مع أنه أخطأ وخالف السنة، حسن الظن الثالث لعله تاب منه قبل أن يموت، هناك تفسير، هناك انحراف في العقيدة، قالوا: قبل أن يموت تاب مؤلفه من هذه الأفكار، فرد عليهم بعضهم: لكن الكاتب لم يتب، لأن الكتاب مطبوع.

الابتعاد عن طبع كتب فيها ضلالات وعليها رواج كبير :

لا تعمل على نشر الكتب التي تنشر الضلالات بين الناس
أقول لكم كلمة: لا تفكر أن تعمل دار نشر تطبع أي كتاب، إن طبعت كتاباً فيه ضلالات وعليه رواج كبير، أي إنسان قرأه وضلّ في صحيفتك، لو ارتكبت الكبائر أهون من أن تطبع كتاباً فيه ضلالات وينتشر، لذلك:

((إنَّ رُوح القُدسِ نَفَثَ في رُوعي أنه لن تَمُوتَ نفس حتى تستكمل رِزْقها فأتقوى الله عباد الله، وأجبروا في الطلب، واستجملوا مهنكم))

[أخرجه زيادات رزين عن أنس بن مالك]

لا تختر مهنة فيها إلقاء الرعب في قلوب الناس، لا تختر مهنة فيها ابتزاز أموال الناس، لا تختر مهنة فيها إضلال الناس.
أقول لكم هذه الكلمة الدقيقة الدقيقة: الآن بعصر العدوان على المسلمين هناك حرب عالمية ثالثة معلنة على هذا الدين، إن لم تكن طرفاً في مؤامرة قذرة هدفها إفقار المسلمين، وإضلالهم، وإفسادهم، وإذلالهم، وإبادتهم، فأنت في بحبوحة، وأنت ملك، إن لم تكن طرفاً، إياك أن تكون طرفاً في مؤامرة قذرة هدفها إفقار المسلمين، أو إضلالهم، أو إفسادهم، أو إذلالهم، أو إبادتهم.

الإنسان أمام ثلاثة نصوص؛ نص قرآني و نص نبوي و نص لأي إنسان :

أيها الأخوة، منهج البحث في الإسلام، أنت أمام ثلاثة نصوص، نص قرآني من عند الخالق، لك أن تفهمه فقط وفق منهج علم الأصول، نص نبويٌ لك أن تتأكد من صحته ثم أن تفهمه، نص آخر لأي إنسان آخر، من آدم إلى يوم القيامة، هم رجالٌ ونحن رجال، ما اجتهاد بأولى من اجتهاد، كل شيء جاءنا من صاحب القبة الخضراء على العين والرأس، وما جاءنا عن غيره فهم رجالٌ ونحن رجال، ودائماً هناك احتمال الدس، احتمال الفهم الخاطئ.
إنسان قال: أنا أصلي بغير وضوء ـ أعوذ بالله ـ هو يقصد أن الصلاة على النبي لا تحتاج إلى وضوء فعلاً، قال: وأنا أفرّ من رحمة الله، رحمة الله هي المطر، إذا كان هناك مطر شديدة وثيابه غالية يركض، يفر من رحمة الله، أنا أصلي بغير وضوء، وأفر من رحمة الله، وأنا أحب الفتنة:

﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾

[سورة التغابن الآية:15]

أي هناك كلام يحتمل عدة معان.

إن كان الإنسان ناقلاً فعليه بالصحة و إن كان مدعياً فعليه بالدليل :

الآن تتمة هذا الموضوع إذا كنت ناقلاً فالصحة، مبتدعاً فالدليل، قبل أن تقول: قال عليه الصلاة والسلام، هل أنت متأكد من هذا النص؟ لعل النبي ما قاله أبداً ، منسوب لصحابي، فتأكد من صحة النقل، إن كنت ناقلاً فالصحة، مدعياً فالدليل، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء.
بالمناسبة أنا أنصحكم أن تقتنوا كتاب فقه كل حكم معه دليل، كتاب الفقه يعلمك الفقه، أما هناك كتب فقه من دون دليل، أنصح باقتناء كتابٍ في الفقه كل حكم شرعي لقول النبي كذا، ما ورد عن أبي حنيفة ودليله كذا، فأنت حينما تقرأ الحكم الشرعي مع الدليل، ينشأ عندك ما يسمى بالفكر الفقهي.
فمنهج البحث إن كنت ناقلاً فالصحة، مدعياً فالدليل، إن أرت أن تدعي شيئاً ائتِ بالدليل، هناك دليل عقلي، و دليل نقلي، و دليل واقعي، و دليل فطري، ما هو الدليل الفطري؟ أرى إنساناً يدخن، يقول لي: ليست السيجارة ضارة لهذه الدرجة، يريد أن يرش على الموت سكراً، أنا أقول له: هل هناك إنسان في الأرض قبل أن يدخن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم؟ أما أنت قبل أن تشرب تقول: بسم الله، وقبل أن تأكل تقول: بسم الله، وهل هناك إنسان بعد أن ينتهي من طعامه يقول: الحمد لله؟ أو إنسان بعد أن يدخن هذه الدخينة يا ربي لك الحمد؟ يا ربي أدم فضلك علينا؟ ليست واردة أبداً، هذا أكبر دليل فطري، وإذا وجد إنسان خبزاً على الأرض هل يستطيع أن يدوسه؟ أما عندما ينتهي من الدخان يلقيه السيجارة على الأرض ويدوسها بقدمه، معنى هذا أنها ليست نعمة، هي دليل فطري، هناك دليل فطري، و دليل واقعي، و دليل علمي، و دليل نصي.

الدليل أساس التوجيهات التي تعطيها لمن تحت يدك :

الدليل أساس التوجيه
أيها الأخوة، هذا منهج البحث بالإسلام، منهج التلقي، عود نفسك أيها الأب! وأيها المعلم! وأيها الداعية! أن تقول لابنك: هذا حرام، لماذا حرام؟ لأن هناك آية، أو حديث، تعطيه فكراً فقهياً، عيب، فقط عيب؟ عمل غلطاً أضربه فقط، لا هذه حرام لأن الله نهى عنه، تكلم على رفيقه، لا يا بابا، الله عز وجل قال:

﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾

[سورة الحجرات الآية: 12]

فلذلك كلما أعطيت توجيهات لأولادك مع الأدلة تعلمهم، والنبي قال:

((علموا ولا تعنفوا ، فإن المعلم خير من المعنف ))

[أخرجه الحارث في مسنده عن أبي هريرة]



والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS