40456
الخطبة الإذاعية (16) : خ1 - الزكاة ، خ2 - قصة ثعلبة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1990-04-20
بسم الله الرحمن الرحيم

 استفتاح الخطبة:

 الحمد لله رب العالمين، يا رب قد عجز الطبيب فداونا، يا رب قد عم الفساد فنجنا، يا رب قَلَّتْ حيلةٌ فتولنا، ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل ويفعل السفهاء منا، لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، واقبل توبتنا، وتول أمرنا، فأنت أرحم بنا من أنفسنا.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أغنى وأقنى، وأضحك وأبكى، وأمات وأحيى.
 وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، قال فيما رواه الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ))

[ متفق عليه ]

 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه النجوم الزاهرة، والعترة الطاهرة، الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وبذلوا كل غال ورخيص، ونفس ونفيس.
 عباد الله، أوصيكم بتقوى الله، فإنه لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، وقد كان أُناس قد منعوا الحق حتى اشتريَ منهم شراءً، وبذلوا الباطل حتى افتدي منهم فداءً.

مقدمة: الإسلام عقيدة وشريعة:

 الإسلام هو دين الله الذي أوحاه إلى محمد صلوات الله وسلامه عليه، وفيه عقيدة وشريعة، والعقيدة بكلياتها أصل، والشريعة بأحكامها التفصيلية فرع، وإن صحَّت عقيدة المرء صح عمله، وأركان العقيدة هي أركان الإيمان، وأركان الشريعة هي أركان الإسلام، من عبادات ومعاملات وأخلاق، وقد عبَّر القرآن عن العقيدة بالإيمان، وعن الشريعة بالعمل الصالح، فورد الإيمان مُقترناً بالعمل الصالح في أكثر آيات القرآن الكريم، لأن العلاقة بين الإيمان والعمل الصالح هي علاقة سبب بنتيجة علاقة الشجر بالثمر.
 والعبادات في الإسلام منها ما هو قولي كالنطق بالشهادتين، ومنها ما هو بدني كالصلاة، ومنها ما هو مالي كالزكاة، ومنها ما هو بدني ومالي كالحج.

الزكاة:

1 ـ أهمية الزكاة:

 فالزكاة: حارس على الأموال وعلى أصحابها، فإذا شبع الجائع، واكتسى العاري عم الأمن والسلام، إنها تطبع الفرد على حب البذل والسخاء، وتغرس في المجتمع بذور التعاون والإخاء، وهي لا تحل المشكلة المالية بالعصا والسوط، ولكن بإيقاظ الضمائر وتنوير العقول.

2 ـ المال مال الله، والإنسان مستخلَف فيه:

 المال مال الله، والغني مُستخلف فيه، والفقراء عيال الله، وأحب خلفاء الله إلى الله أبرهم بعياله، والبر ذمةٌ وفريضة لا منةٌ وعطاء، قال تعالى:

﴿ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾

( سورة الحديد: 7)

 أنتم خلفاؤه في المال.

3 ـ الزكاة ركن من أركان الإسلام:

 إنها ركن من أركان الإسلام، ودعامة من دعائم الإيمان، وإيتاؤها مع إقامة الصلاة، والشهادة لله بالوحدانية، ولمحمد بالرسالة، عنوان على الدخول في الإسلام، واستحقاق لأخوّة المسلمين، قال تعالى:

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾

( سورة التوبة: 11)

 إنها فريضة لازمة يُكفَّر مَن جاحدها، ويفسق من منعها، وإنها ليست تبرعاً، يتفضل به غني على فقير، أو يُحسن به واجدٌ إلى معدوم إنها أبعد من ذلك غوراً، وأوسع أفقاً.

4 ـ الزكاة جزء مهم من نظام الإسلام الاقتصادي:

 إنها جزء مهم من نظام الإسلام الاقتصادي، إنها نقل الأمة بعض مالها من إحدى يديها إلى اليد الأخرى، من اليد المستخلفة على حفظ المال، وتنميته، وهي يد الأغنياء، إلى اليد العاملة الكادحة، التي لا يفي عملها بحاجتها أو التي عجزت عن العمل، وهي يد الفقراء.
 عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بالقــدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا إلا بما يضّيع أغنياؤهم ألا وإن الله سيحاسبهم حساباً شديداً، ويعذبهم عذاباً أليماً ))

[ الطبراني في المعجم الصغير ]

 ويقول الإمام علي كرَّم الله وجهه: <<.. إذا بخل الغني بماله، باع الفقير آخرته بدنيا غيره >>.

استنباطات من آيةٍ قرآنية هي أصلٌ في فرضية الزكاة:

 قال تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

( سورة التوبة: 103)

 وهذه الآية أصل في فريضة الزكاة، لذلك سنقف عندها وقفة مُتأنية:

الاستنباط الأول: خُذْ

 يُستنبط من كلمة " خذ " أن الزكاة ليست مجرد عمل طيب من أعمال البر، وليست خُلَّةً حسنة من خِلال الخير، بل هي ركن أساسي من أركان الإسلام، وشعيرة كبرى من شعائره، إنها حجر الزاوية في النظام الاقتصادي للإسلام، وأساس من أسس التكامل الاجتماعي، وإنها ليست إحساناً اختيارياً، ولا صدقة تطوعية، إنما هي فريضة تتمتع بأعلى درجات الإلزام الشرعي والخلقي، لذلك لم يأمر الله عز وجل المؤمنين بدفعها، بل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر من بعده بأخذها، فالزكاة تؤخذ، ولا تُعطى، تُفرض ولا تُستجدى.

الاستنباط الثاني: مِنْ

 ويُستنبط من كلمة " من " التي هي للتبعيض، أن الزكاة لا تطول جميع المال، بل بعضه، وقد بينت السنة مقادير هذا البعض، بحسب أنواع الأموال، وبحسب طريقة تحصيلها، وبحسب مقدار الجهد المبذول في جمعها.

الاستنباط الثالث: أَمْوَالِهِمْ

 ويُستنبط من كلمة " أموالهم " التي وردت جمعاً، أن الزكاة تطول كل أنواع المال، فتجب الزكاة في كل ما أخرجته الأرض من إنتاج زراعي، وفي الثروة الحيوانية، ومُنتجاتها، وفي الذهب والفضة، وفي كل أنواع النقد المتداول، والسندات، والديون، والسُلف، وفي عروض التجارة بشتى أنواعها، وفي الحلي التي ليست للاستعمال الشخصي، بل وتجب في الثروات المعدنية والنفطية.

الاستنباط الرابع: الضمير ( هِمْ )

 ويُستنبط من ضمير الجمع في " أموالهم " أن الزكاة مفروضة على جميع المسلمين كافة، ممن يملكون النصاب الذي بينته السنة، من دون استثناء، أو إعفاء، أو تخفيض أو طي..

الاستنباط الخامس: صَدَقَة

 ويُستنبط من كلمة " صدقةً " أن المسلم حينما يدفع زكاة ماله، يؤكد صدقه، أي تطابق فعله مع اعتقاده، ويؤكد تصديقه لأمر الله، وتصديقه بيوم الدين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه:

(( وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ ))

[ مسلم عن أبي مالك الأشعري ]

 أي برهانٌ على صدقك، وعلى تصديقك.
 فالزكاة عبادة مالية يؤكد بها المسلم تصديقه وصدقه، فلو لم يُطالبه بها السلطان طالبه بها القرآن.

الاستنباط السادس: تُطَهِّرُهُم

 ويُستنبط من كلمة " تطهرهم " أن الزكاة تطهير لنفس الغني، من الشح البغيض، تلك الآفة النفسية الخطرة التي قد تدفع بصاحبها إلى الدم فيسفكه، أو إلى العرض فيبذله، أو إلى الوطن فيبيعه، ولن يُفلح فرد أو مجتمع سيطر عليه الشح، وملك ناصيته، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾

( سورة الحشر )

 وهي تطهير لنفس الفقير أيضاً من الحسد والضغن على ذلك الغني الكانز لمال الله، والذي يمنعه عن عباد الله، فمن شأن الإحسان أن يستميل قلب الإنسان، ومن شأن الحرمان أن يملأه بالبغض والحقد، وهي تطهير للمجتمع كله من عوامل الهدم، والتفرقة، والصراع، والفتن.
 وهي تطهير للمال من تلوثه بتعلق حق الغير به، فالحجر المغصوب في الدار سبب خرابها، وكذلك الدرهم الذي استحقه الفقير في المال رهن بتلويثه كله، بل وبإتلافه، قال صلى الله عليه وسلم:

(( إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره ))

[رواه ابن خزيمة وصححه الحاكم على شرط مسلم ]

 وقال أيضاً:

(( حصنوا أموالكم بالزكاة، وما تلف مال في برّ أو بحر إلا بحبس الزكاة ))

[رواه الطبراني والبيهقي مرفوعاً متصلاً، ورواه أبو داود في المراسيل ]

الاستنباط السابع: وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا

الزكاة نماء لشخصية الغني:

 ويُستنبط أيضاً من كلمة " وتزكيهم بها " في هذه الآية، النماء والزيادة نماء للغني، وللفقير، ولمال كل منهما، ونماء للعلاقات الاجتماعية، ونماء للقيم الإنسانية.
 أما أن الزكاة نماء لشخصية الغني وكيانه المعنوي فالإنسان الذي يُسدي الخير، ويصنع المعروف ويبذل من ذات نفسه ويده، لينهض بإخوانه في الدين والإنسانية، وليقوم بحق الله عليه يشعر بامتدادٍ في نفسه، وانشراح، واتساع في صدره، ويُحسُّ بما يُحسُّ به من انتصر في معركة، وهو فعلاً قد انتصر على ضعفه، وأثرته، وشيطان شُحِّه، وهواه، فهذا هو النمو النفسي والزكاة المعنوية، ولعل هذا بعض ما قصدته كلمة " وتزكيهم بها " وما عناه عطف التزكية على التطهير وتأخُّرها عنه " تطهرهم وتزكيهم بها ".

الزكاة نماء لشخصية الفقير:

 والزكاة أيضاً هي نماء لشخصية الفقير، حيث يشعر أنه ليس ضائعاً في المجتمع، ولا هيناً عليه، ولا متروكاً لضعفه وفقره، إن مجتمعه ليعمل على إقالة عثرته، ويحمل عنه أثقاله، ويمدُّ له يد المعونة، بكل ما يستطيع، وبعد ذلك هو لا يتناول الزكاة من يد فردٍ يشعر بالضعف أمامه، بل يأخذها من أولي الأمر، حرصاً على كرامته أن تُخدش، ولو قدّر للأفراد أن يُعطوا فإن القرآن يحذرهم من المن والأذى، قال تعالى:

﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ﴾

( سورة البقرة: 263)

الزكاة نماء للمال:

 والزكاة بعد ذلك نماء للمال، وبركة فيه، وكيف يكون ذلك ؟ وهي في الظاهر نقص من المال بإخراج بعضه، ولكن العارفين يعلمون أن هذا النقص الظاهر وراءه زيادة حقيقية، زيادة في مال المجموع، وزيادة في مال الغني نفسه، فتأدية الزكاة ترفع القوة الشرائية عند الفقير، وهذا يعود بالنفع على دافع الزكاة، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾

( سورة سبأ )

 وقال تعالى:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

( سورة البقرة: 276)

 وقد يزيد مال دافع الزكاة بالعناية الإلهية المباشرة بغير ما نعرف من الأسباب.

الزكاة وسيلة من وسائل الضمان الاجتماعي:

 والزكاة بعد ذلك وسيلة من وسائل الضمان الاجتماعي الذي جاء به الإسلام، فالإسلام يأبى أن يوجد في مجتمعه، من لا يجد القُوت الذي يكفيه، والثوب الذي يستره، والمسكن الذي يُؤويه، فالمسلم مُطالب أن يحقق هذه الضروريات، وما فوقها من جهده وكسبه، فإن لم يستطع فالمجتمع المسلم يكفله ويضمنه، ولا يدعه فريسة للجوع والعري والتشريد، فالمسلمون كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

الزكاة وسيلة لتقريب المسافة بين الأغنياء والفقراء:

 والزكاة وسيلة من وسائل الإسلام لتقريب المسافة بين الأغنياء والفقراء، وما دام الإسلام دين الفطرة فإنه يعترف بنوازع الإنسان الفطرية لكسب المال وتملُّكه، ولكنه يضع حدوداً ومسارات وتنظيمات فلا يدع الغني يزداد غنىً، ولا يرضى للفقير أن يزداد فقراً، فقد حرَّم الربا، والاحتكار، والسرف، والترف، وأمر بالتعاون، والإنفاق والصدقة، وقد حرَّم الإسلام كنز المال ليساهم المال في ميدان العمل، والتنمية، ويعود نفعه على الأمة كلها، رخاءً وقوةً وسيادة، ولئلا يكون المال قوة معطلة شلاّء ينفقه صاحبه إنفاقاً استهلاكياً تبذيرياً، يزيد الهوة عمقاً واتساعاً بين الأغنياء والفقراء، لذلك حرَّم الله كنز المال، وأعلن القرآن عن سخط الله على الكانزين الأشحاء، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(34)يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾

( سورة التوبة )

 وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن كل مالْ أُديت زكاته ليس بكنز، بل إن فريضة الزكاة تدفع أصحاب الأموال إلى استثمارها في مشاريع إنتاجية تنموية، لئلا تأكلها الزكاة لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأوصياء على أموال اليتامى أن يتّجروا بأموال اليتامى حتى لا تأكلها الزكاة.
 والإسلام فوق كل ذلك حرم الإسراف في إنفاق المال، والتبذير فيه وإتلافه بشكل أو بآخر، لتعلق حق الغير به ورد في الأثر القدسي:

(( الأغنياء أوصيائي، والفقراء عيالي، فمن منع مالي عيالي أذقته عذابي ولا أُبالي ))

[ ورد في الأثر ]

هذه بعض آثار الزكاة:

 وهذه بعض من ثمار الزكاة اليانعة، وكيف لا تكون يانعة، والقرآن يهدي للتي هي أقوم.
 روي التاريخ: أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن أميراً عليها، فبعث معاذ إلى عمر بثلث الزكاة، فأنكر ذلك عمر، وقال له: << لم أبعثك جابياً، ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فتردها على فقرائهم، فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء، وأنا أجد أحداً يأخذه مني، فلما كان العام الثاني بعث إليه بنصف الزكاة فتراجعا بمثل ذلك، فلما كان العالم الثالث بعث إليه بالزكاة كلها، فراجعه عمر بمثل ما راجعه قبل ذلك، فقال سيدنا معاذ: ما وجدت أحداً يأخذ مني شيئاً >>.
 وقد قيل: << ما مات سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وقد ولي الخلافة ثلاثين شهراً، حتى صار الرجل يأتينا بالمال العظيم فلا نجد من يأخذه، وقد قيل: أغنى عمر الناس.. والأصح أن نقول: لقد أغنى الإسلام الناس.. ولقد بشَّر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخير العميم فقال:

(( تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها يقول الرجل: لو جئت بها بالأمس لقبلتُها فأما اليوم فلا حاجة لي بها ))

[ رواه الطبراني في الكبير ]

القحط والجفاف والأوبئة نتائج منع الزكاة:

 قد تشحُّ الأمطار، وتجف الأنهار، وتغور الينابيع، وقد يقضي الصقيع على الزرع والكلأ، وقد يكثر الشجر ويقل الثمر، وقد تُتلفُ الحشرات، والأوبئة بعض المحاصيل، وقد تهب الرياح العاتية فتقتلع الأشجار، وتهدم البيوت، وقد تُسلط ذبابة فتقضي على محصول كبير، ودودة على محصول آخر، وقد يأتي الجراد فيأكل الأخضر واليابس.. ويقف الإنسان حائراً أمام هذه الظواهر، ويحاول أن يبحث عن السبب.
 يقول له العلم: إن ارتفاع نسبة غاز الفحم في الجو سببت تخلخلاً في طبقة الأوزون المحيطة بالأرض، الأمر الذي أدى إلى اضطراب درجات الحرارة وسرعة الرياح، واضطراب وانتقال خطوط المطر، وهذا التفسير العلمي لا يكفينا.. ولا يمنعنا أن نسأل مسبب الأسباب، وخالق الأكوان، ومُنزل القرآن عن السبب الأبعد والأهم لكل هذا، وعن السبب الحقيقي، وها هو القرآن ذا يجيبنا قائلاً:

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة الأعراف: 96)

﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾

( سورة الجن )

 ولنسأل مبعوث العناية الإلهية النبي عليه الصلاة والسلام فيجيبنا قائلاً:

(( ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين ))

 أي الفقر والقحط.

[رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الحاكم على شرط مسلم انظر مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 3/96]

(( ولم يمنعوا زكاة مالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا ))

[رواه الحاكم وصححه وغيره ]

(( ما تلف مال في برٍ أو بحرٍ إلا بحبس الزكاة ))

[رواه الطبراني في الأوسط، وقال الهيثمي في المجمع 3/93: فيه عمر بن هارون وهو ضعيف ]

زكاة الفطر:

1 ـ زكاة الفطر طهرة للصائم:

 وبقي علينا في الخطبة موضوع صغير، ألا وهو زكاة الفطر، لأن صيامنا وقيامنا لا يُرفع إلى الله تعالى إلا بتأدية هذه الزكاة، لقد فرض الله علينا زكاة الفطر طُهرة للصائم مما بدر منه من لغو أو رفث، وطُعمة للمسكين وإغناءً له عن السؤال.

2 ـ على من تجب زكاة الفطر ؟

 وصدقة الفطر تجب على كل مسلم يملك قوت يومه حرٍ أو عبدٍ ذكرٍ أو أنثى، صغير أو كبير، غني أو فقير، يخرجها الرجل عن نفسه أولاً، وعن كل من يمونه، ويلي عليه، كزوجته، وأولاده، وعن أمه، وأبيه، وإخوته، وأخواته، إن كان يُنفق عليهم.

3 ـ مقدار زكاة الفطر ؟

 ومقدارها في الحد الأدنى ثمن نصف صاع من القمح، ونصف الصاع من القمح يعدل اثنين كيلو من القمح، عن كل فرد، أو ثمن اثنين كيلو من القمح، ولا حد لأكثرها، لقول الله عز وجل:

﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾

( سورة الطلاق: 7 )

 لا إسراف في الخير ولا خير في الإسراف.

4 ـ حكمتها:

 وحكمتها أن يذوق كل مسلم طعم الإنفاق حتى الفقراء، ولكي يتدرب الإنسان على الإنفاق في العسر واليسر، ولكي تكون يده هي العليا، ووقت أدائها من أول رمضان، وحتى قُبيل الخروج لصلاة العيد، ويفضل أن تعطى للأقارب عدا الأصول والفروع " الآباء مهما علوا، والأبناء مهما دنوا، وعدا الزوج والزوجة.

 والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية:

1 ـ عدم الإنفاق إلقاءٌ بالنفس إلى التهلكة:

 يقول المولى عز وجل في كتابه العزيز:

﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

( سورة البقرة: 195 )

 من معاني هذه الآية: أن المسلم إن لم ينفق في سبيل الله، وإيتاء الزكاة من الإنفاق , فقد ألقى نفسه بيده إلى التهلكة.

2 ـ قصة ثعلبة حمامة المسجد !!!

 وترسيخاً لهذا المعنى، ومن باب التطبيق العملي لهذه الآية ننتقل إلى المدينة المنورة... وندخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن في المسجد إذا برجل يسمى ثعلبة، وقد كان يسمى حمامة المسجد، لأنه كان لا تفوته تكبيرة الإحرام خلف سيد الأنام، رآه النبي صلى الله عليه وسلم يرتدي ثوباً بالياً فسأله، كيف حالك يا ثعلبة ؟ فيقول: حالي كما تراني، ولم يقل: الحمد لله.. لقد غفا قلبه، وانغمس في وحول الحياة، ثم قال ثعلبة: سل الله أن يغنيني يا رسول الله ؟ فنظر إليه الني صلى الله عليه وسلم بعين البصيرة، وقال له: " يا ثعلبة، قليل يكفيك خير من كثير يطغيك، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تؤدي حقه، يا ثعلبة ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، يا ثعلبة ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس، ومن أصبح حزيناً على الدنيا فقد أصبح ساخطاً على ربه، من شكا مصيبة نزلت به فكأنما يشكو الله عز وجل، من قعد إلى غني لينال من ماله فقد ذهب ثلثا دينه.. " لكن ثعلبة ألح في الطلب.. بل قال: لئن أغناني الله لأصدَّقنَّ، ولأكونن من الصالحين، عندها قال صلى الله عليه وسلم: " اللهم أغن ثعلة بما شئت، وكيف شئت " ودعوة الرسول ليس بينها وبين الله حجاب..
 ورزق ثعلبة برؤوس الأغنام، وزادت وتوالدت حتى ضاقت بها شعاب المدينة، ثم ماذا حدث بعد هذا لقد قطع ثعلبة صلته بالمسجد فتفقده النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجده، فسأل عن حمامة المسجد فإذا بها قد قُصت أجنحتها، وتمرغت في وحول المال..
ما الحياة في جوهرها أيها الإخوة ؟ درهم ودينار.. لا والله، ولكنها طاعة للرحمن.

إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى  تقلب عرياناً و لو كان كاسيـا
و خير لباس المرء طاعة ربـه  ولا خير في من كان لله عاصيا
***

 قطع ثعلبة صلته بالمسجد، واستنكفت نفسه أن يجلس على الأرض، واستكبرت نفسه أن تسجد لله.. ومضى عام، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثعلبة من يأخذ منه زكاة ماله..
 نظر ثعلبة في الأمر، فإذا به ينطق بكلمة السوء، ويقول لعامل بيت المال: بلِّغ صاحبك " ولم يقل بلِّغ رسول الله " أن ليس في الإسلام زكاة، فقال له مبعوث رسول الله: أو ما تراه لك صاحباً ؟ لقد جمعت إلى منع الزكاة نقض العهد، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ثعلبة وقوله فقال: " يا ويح ثعلبة "، ثم نزل بثعلبة وبأمثاله قرآن يُتلى إلى يوم القيامة:

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ(75)فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ(76)فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ(77)أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾

( سورة التوبة )

 لقد صدق الله العظيم إذ قال:

﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

( سورة البقرة )

 وقال:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)إِلَّا الْمُصَلِّينَ(22)الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ(23)وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ(24)لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(25)وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾

( سورة المعارج )

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS