14972
الخطبة الإذاعية (54) : خ1 - الانتفاضة ، خ2 - موضوع علمي - الإعجاز في الآية القرآنية الكريمة هو دلالة لفظ - أنزلنا الحديد .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-04-20
بسم الله الرحمن الرحيم

الخــطــبـة الأولــى:

الحمد لله رب العالمين، يا ربّ أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون، وأشهد أنّ سيّدنا محمّداً صلى الله عليه وسلّم عبده ورسوله، بلّغ الرّسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وكشف الغمّة، وجاهد في الله حقّ الجهاد، وهدى العباد إلى سبيل الرشاد، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارض عنّا وعنهم يا ربّ العالمين.
عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، وأحثّكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

دعا الإسلام إلى توحيد الكلمة واجتماع الصف:

نقل الحافظ السيوطي في ( الدر المنثور ) ما أخرجه ابن إسحاق عن زيد بن أسلم قال: مرّ شاس بن قيس ـ وكان شيخاً عظيمَ الكفر، شديدَ الضغن على المسلمين، شديدَ الحسدِ لهم ـ على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من أُلْفَتِهِمْ وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال: قد اجتمع بنو قيلة بهذه البلاد، واللهِ مالنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر فتى شاباً معه، فقال: اعْمدْ إليهم فاجلس معهم، ثم ذكِّرْهم يوم بُعَاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثبَ رجلان من الحَيَّيْنِ فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إنْ شئتُم واللهِ رَدَدْناها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعاً وقالوا: قد فعلنا، السلاحَ السّلاحَ، موعدكم الحَرَّة، فخرجوا إليها، وانضمَّتْ الأوسُ بعضُها إلى بعض، والخزرجُ بعضُها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فَبَلَغَ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَخرجَ إليهم فِيمَنْ معه من المهاجرين من أصحابه، حتى جاءهم، فقال: يا معشرَ المسلمين، اللهَ الله، أَبِدَعْوى الجاهلية وأنا بين أَظْهِرِكم، أَبَعْدَ إذ هداكم اللهُ إلى الإسلام، وأكرمَكم به، وقطعَ به عنكم أمرَ الجاهلية، وَاسْتَنْقَذَكُم به مِنَ الكفر، وَأَلَّفَ به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً، فعرفَ القومُ أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم لهم، فألقوا السلاح، وبَكَوْا، وعانق الرجالُ بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ اللهُ عنهم كيدَ عدوهم، وأنزل الله في شأن شاس بن قيس وما صنع قولَه عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ أخوانا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ﴾

[ابن إسحاق عن زيد بن أسلم]

أهم ما تضمنته الآيات السابقة:

يا أيها الأخوة الكرام، الآيات الكريمة دعوة قوية إلى توحيد الكلمة، واجتماع الصف، وقد تضمنت:

1ـ التحذير من دسائس أعداء المسلمين:

التحذير من دسائس أعداء المسلمين، ومن طاعتهم فيما يوسوسون به، فليس وراءها إلا الارتداد على الأعقاب، والكفر بعد الإيمان.

2ـ التعبير عن الاتحاد بالإيمان وعن التفرق بالكفر:

التعبير عن الاتحاد بالإيمان، وعن التفرق بالكفر، فإن معنى:

﴿ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ(100)﴾

( سورة آل عمران)

أي بعد وحدتكم وأخوَّتكم متفرقين متعادين كما تدل أسباب النزول.

3ـ الاعتصام بحبل الله أساس الوحدة والتجمع بين المسلمين:

إن الاعتصام بحبل الله وهو القرآن بخاصة، والإسلام بعامة من الجميع هو أساس الوحدة والتجمع بين المسلمين.

4ـ التذكير بنعمة الأخوة الإيمانية بعد عداوات الجاهلية وحروبها:

التذكير بنعمة الأخوة الإيمانية بعد عداوات الجاهلية وحروبها، وهي أعظم النعم بعد الإيمان قال تعالى:

﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(63)﴾

( سورة الأنفال )

5ـ لا يجمع الأمة أمر مثل أن يكون لها هدف كبير ورسالة عليا:

لا يجمع الأمة أمر مثل أن يكون لها هدف كبير تعيش له، ورسالة عليا تعمل من أجلها، وليس هناك هدف أو رسالة للأمة الإسلامية أكبر ولا أرفع من الدعوة إلى الخير الذي جاء به الإسلام، وهذا سرُّ قوله تعالى في هذا السياق:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(104) ﴾

( سورة آل عمران الآية: 104 )

6ـ لا يفرِّق الأمةَ ويقوِّض دعائمَها إلاّ تنازعُ المصالحِ واختلافُ الأهواء

لا يفرِّق الأمةَ ويقوِّض دعائمَها إلاّ تنازعُ المصالحِ، واختلافُ الأهواء، مع بُعدِها عن هدف نبيل، وقيم ثابتة، ونهج صحيح، والتاريخ سجِّلُ العبرَ، والواعِظُ الصامتُ للبشر، وقد سجَّلَ التاريخُ أنّ مَن قَبْلَنا تَفَرّقوا واختلفوا في الدين فهلكوا، ولم يكن لهم عذرٌ، لأنهم اختلفوا بعدما جاءهم العلم، وجاءتهم البينات من ربهم، ومِن هنا كان التحذيرُ الإلهي:

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(105)﴾

( سورة آل عمران )

هذا وقد أكَّد القرآنُ أنّ المسلمين وإن اختلفت أجناسهم، وألوانهم، وأوطانهم، ولغاتهم، وطبقاتهم أمةٌ واحدة، وهم الأمّةُ الذين جعلهم الله وسطاً:

﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (143)﴾

( سورة البقرة )

وهم كما وصفهم القرآن:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (110) ﴾

( سورة الحشر)

الأخوة الإيمانيةَ هي العنوانُ المعبِّرُ عن حقيقةِ الإيمان:

أخوتي المؤمنين، أعزائي المستمعين، وقد أعلن القرآنُ أنّ الأخوة الإيمانيةَ هي الرباطُ المقدَّسُ بين المسلمين، وهي العنوانُ المعبِّرُ عن حقيقةِ الإيمان، فقال تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) ﴾


( سورة الحجرات: 10)

جاءت الآياتُ بَعْدَ هذه الآيةِ تُقِيمُ سيّاجاً مِنَ الآداب والفضائل الأخلاقية، يحمي الأخوة مما يضعِفُها ويؤذِيها مِنَ السُّخرية، واللَّمْز، والتنابُز بالألقاب، وسوءِ الظنِّ، والتجسُّس، والغيبة، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ(11)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ(12)﴾

( سورة الحجرات )

تحذير القرآنُ الكريم من التفرُّق:

حذر القرآنُ من التفرُّق أيّما تحذير، ومِن ذلك قوله تعالى:

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

(سورة الأنعام الآية: 65 )


فجعل تفريقَ الأمة شيعاً يذوق بعضها بأس بعض من أنواع العقوبات الإلهية التي يُنْزِلها اللهُ بالناس إذا انحرفوا عن طريقه، ولم يعتبروا بآياته، وقَرَنَها القرآنُ بالرجم يَنزِل من فوقهم كالذي نزل بقوم لوط، أو بالخسف يقع من تحت أرجلهم كالذي وقع لقارون، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(159)﴾

(سورة الأنعام )

توجيهات السنة النبوية:

أيها الأخوة حضوراً ومستمعين، هاكُمْ توجيهات السنة النبوية:
أما السنة النبوية فقد قررت وأكَّدتْ وفصَّلتْ ما جاء به القرآن من الدعوة إلى الاتحاد والائتلاف، والتحذير من التفرق والاختلاف، فقد دعت السنة إلى الجماعة والوحدة، ونفَّرت من الشذوذ والفرقة، ودعت إلى الأخوة والمحبَّة، وزجرت من العداوة والبغضاء، والأحاديث في هذا كثيرة وفيرة.
روى الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا فَقَالَ:

((أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ، حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ، أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنُ))

[الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ ]

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ))

[رواه الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

وعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي ـ أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّار ِ))

[رواه الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْراً فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ))

[متفق عليه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

الدعوة إلى الأخوة والوحدة بين المسلمين:

أكَّدت السنة الدعوة إلى الأخوة والوحدة بين المسلمين في مواقف كثيرة، وبأساليب شتى، منها: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ))

[متفق عليه عَنِ ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

وعَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))

[متفق عليه عَنِ أنس ]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

وعَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ))

[أبو داود عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ]

حذَّرت السنة النبوية من التباغض والتهاجر والتشاحن وفساد ذات البين:

أيها الأخوة الأحباب، ولقد حذَّرت السنة النبوية أبلغ التحذير وأشده من التباغض والتهاجر، والتشاحن، وفساد ذات البين، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ أخواناً، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ))

[متفق عليه عَنِ أنس ]

ومن حديث أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ))

[متفق عليه عَنِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ]

ومن حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ أخوانا))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

ومن حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ أخوانا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

ومن حديث أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ))

[رواه الترمذي عن أَبِي الدَّرْدَاءِ ]

ومن حديث الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ، الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ))

[رواه أبو داود في الأدب عن الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ]

ومن حديث ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( ثَلَاثَةٌ لَا تَرْتَفِعُ صَلَاتُهُمْ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ شِبْراً رَجُلٌ أَمَّ قَوْماً وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ وَأخوان مُتَصَارِمَان ِ))

[رواه الترمذي عن ابْنِ عَبَّاسٍ ]

متصارمان، أيْ متقاطعان.
ومن حديث أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ))

[رواه ابن ماجه عن أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ ]

ومن حديث جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ))

[رواه مسلم عن جَابِرٍ ]

طابع الرقي الحقيقي هو طابع روحي أخلاقي أكثر من أن يكون طابعاً عمرانياً تنظيمياً:

أيها المسلمون، إن الذين نكَّن لهم عظيم الاحترام ليسوا أولئك الذين يملكون كثيراً من المال أو الدهاء والمكر أو القوة الجسدية الخارقة، وإنما أولئك الذين يملكون خُلق التسامي والترفع عن سفاسف الأمور، وأولئك الذين انتصروا على التحديات داخل نفوسهم، وأولئك الذين يملكون قوة الانتظار والتضحية بالعاجل في سبيل الآجل والإيثار مع الخصاصة.
إنه بالإمكان القول: إن طابع الرقي الحقيقي هو طابع روحي أخلاقي، أكثر من أن يكون طابعاً عمرانياً تنظيمياً، والجاذبية التي تتمتع بها القرون الأولى من تاريخ الإسلام تنبع بشكل أساسي من طابع الاستقامة والنبل والتضحية وليس من التفوق في الحروب أو العلوم أو العمران. ولعل الطريق الوحيد إلى كسر أغلال التبعية يكون عن طريق إحداث انتفاضة روحية أخلاقية يستعلي بها المسلم على المعطيات المادية للوضع الحضاري الراهن، ويلتفت إلى إثراء حياته بوسائل، لا تحتاج إلى المال.
إن دراسة الحضارات توقفنا على حقيقة كبرى، وهي أن مصير الإنسان كان يتوقف دائماً على أمرين: علاقته بربه، وعلاقته بأخيه الإنسان. والبعد الروحي الأخلاقي هو المركز والمحور في هاتين العلاقتين. وحين ينحطّ الإنسان يتحول عن عبادته لربه إلى عبادته لذاته وشهواته. وتسود علاقتَه بالآخرين القوةُ بدل الرحمة، والعنف بدل التفاهم، وينصرف عن العناية بالروح إلى العناية بالجسد، وعن الاهتمام بالمبدأ إلى الاهتمام بالمصلحة، ويتحول المجتمعُ كلُّه إلى غابة يشعرُ كلُّ واحدٍ فيها أنّ مِن حقِّه افتراسَ الآخرين، كما أنه من الممكن أنْ يكون فريسةً لأيِّ واحدٍ منهم، والطريقُ الوحيدُ للحيلولة دون هذه الحالة يكمن في تدعيم الرقابة الذاتية، وتعزيز علاقة العبد بربه عز وجل وتحفيز الإرادة الخيِّرة في الناس. وهذا الحلُّ وإنْ كان مكْلِفاً على المدى القريب فإنّه سفينةُ نوحٍ على المدى البعيد !
لن يكون بإمكانِ أفضلِ النظم الاجتماعية، ولا في إمكان أقصى العقوبات الصارمة أن تقوِّم الاعوِّجاج، ولا أن تملأ الفراغ الناشئ من ذبول الروح، وانحطاط القيم ؛ فالعقوبات لا تنشئ مجتمعاً لكنها تحميه. والنظم مهما كانت مُحكَمة ومتقَنة لن تحول دون تجاوز الإنسان لها، وتأويلها بما يجهضها، وكل الحضارات المندثرة تركت تنظيماتها وأدوات ضبطها خلفها شاهدةً على نفسها بالعقم والعجز.

الإيمان أس الفضائل وقوام العزائم وبلسم الصبر عند الشدائد:

لا بد أن نكون على يقين أنَّ تيارَ الشهوات والنزوات الجارفَ لا يمكن أنْ يقابَل إلا بتيار روحي متدفِّق مِنِ المشاعرِ والأحاسيس الإيمانية ؛ فوظيفةُ الفكر الدَّلالةُ على الطريق وعلى الأساليب والأدوات المناسبة للعمل ؛ لكن الذي نستمد منه الطاقة على الاندفاع في طريق الخير، والطاقة على كبح جماح الشهوات هو الإيمان العميق، ورصيدنا من المشاعر الحميمة، فالإيمان أس الفضائل وقوام العزائم، وبلسم الصبر عند الشدائد، وإنّ كثيراً من الشباب الذين جرفهم تيارُ الجِنسِ والمُجونِ والخَلاعةِ لم يكونوا بحاجة إلى أدلّةٍ على فضل العفة والاستقامة، وإنما كانوا بحاجة إلى شيء من المعاني التي تفيض على القلب بسبب تَذوُّقِ طعم العبودية الحقيقية، والإحساس الصادق بمعية اللّه تعالى لهم واطلاعه عليهم.
حين يبلغ التقدم التقني أقصى مداه، ويشعر المرء بالتُخمة من أداوت التحكُّم عن بُعْدٍ، وكل ما يجعل الحياة خالية من التحديات آنذاك تنبعث أشواق قديمة جديدة، هي أشواق النفس إلى التراحم والتعاطف والتضحية ببعض المكاسب من أجل استمرار حياة الجميع.
إن الأخلاقيين اليومَ هم قادة المستقبل، وهل يعرف فضل الماء إلا عند اشتداد الظمأ ؟!
إن الإسلام يعلِّمنا أنْ بالإِمكان تصحيح المسار قبل أن نرتطم بقاع الهاوية، كما يعلّمنا أنه بالإمكان أن نتحوَّل من الخسارة إلى الربح قبل أن يصبح رصيدُنا صفراً ؛ وذلك إذا أصغينا إلى نداء الفطرة في أعماقنا، وضَغَطْنا على بعض حاجاتِ الجسد مِن أجل إنعاش الروح، وفكّرنا مَلياً بما هو آت !

الظلم وعواقبه يوم القيامة:

أيها الأخوة الكرام، لولا الإيمانُ باليوم الآخر الذي تُسَوَّى فيه الحسابات، وينتقم اللهُ به من الظالمين الذين ملؤوا الأرض ظلماً وجوراً وفساداً وكذباً وكبراً وغطرسة وعُنْجُهِيَّةً، والذين داسوا بحوافرهم على كل القيم الإنسانية والدينية والقومية والوطنية والأخلاقية، لولا الإيمانُ باليوم الآخر لماتَ القلبُ مِن كَمَدٍ، فالمؤمن تحت نيرانِ الظالمين المحتلِّين يذوب قلبه في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغيِّر، فإنْ سكتَ استباحوه، وإنْ تكلَّم قتلوهُ، وإنْ قَذَفَهُم بحجرٍ قذفوه بقنبلة. وكفاك على عدوك نصراً أنْ يكون ظالماً، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))

[رواه مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ]

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ))

[رواه أحمد َعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ]

قال سبحانه وتعالى:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم )

وقال عز وجل:

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197) ﴾

( سورة آل عمران )

وقال تعالى:

﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ﴾

( سورة يس الآية: 65 )

ضياء الإسلام سينبثق من ظُلُمَاتِ الظلم:

أيها السادة المستمعون أيتها السيدات المستمعات، أما في الحياة الدنيا فنحن مؤمنون بالله، ومؤمنون بأن الله صادقٌ فيما أَخْبَرَ، ومُنْجِزٌ وَعْدَه فيما وَعَدَ، وأن زوال الكون أهون عليه مِن ألاَّ يحقِّق وعودَه للمؤمنين، وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأنه حينما يهون أمر الله على الناس يهونون على الله، لكن حينما نؤمن بالله حق الإيمان ونحكم شرعه في حياتنا كلها، ثم نعد لأعدائنا الذين هم أعداؤه ما استطعنا من قوة عندئذ لا يمكن لهذا اليأس أن يتسرب إلى أفئدتنا، بل نحن على يقين وكأننا نرى ذلك بأعيننا أن ضياءَ الإسلام سينبثق من ظُلُمَاتِ الظلم:

﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

وقال العليُّ الحكيم:

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) ﴾

( سورة إبراهيم )

وقال عزَّ مِنْ قائلٍ:

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾

( سورة الأنفال )

وقال عزَّ مِنْ قائلٍ:

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

وقال عزَّ مِنْ قائلٍ:

﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾

( سورة المجادلة الآية: 21 )

وقال عزَّ مِنْ قائلٍ:

﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

( سورة آل عمران الآية: 120 )

عدالة الله لابدّ من أن تتحقق:

القلق الذي يخالج المؤمن هو ما إذا سمح الله للمؤمن أن يحظى بشرف نصرة هذا الدين ونصر عباده المؤمنين أو لم يسمح، ويزداد المؤمن قلقاً حينما يتلو قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ(38)﴾

( سورة محمد )

أما أنْ يسمح الله لهؤلاء المعتدين المتغطرسين أنْ يحققوا أحلامهم وخططهم على المدى البعيد فهذا لا يتناقض مع عدالة الله فحسب بل يتناقض مع وجوده، فهو الحق ولا بد أنْ يحق الحقَّ، قال تعالى:

﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ(46)﴾

( سورة يونس)

ثم إن تحقيق أحلامهم على المدى البعيد يخالف سنن الله الجارية ووعده بالنصر لهذه الأمة، أقصد أمة الاستجابة لا أمة التبليغ، ووعيده بأن اليهود مكتوب عليهم الذل إلى يوم القيامة كما قال تعالى:

﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(112)﴾

( سورة آل عمران)

وما هذا العلوُّ في الأرض إلا استدراج لهم لتكشف حقيقتهم العدوانية الهمجية للمجتمع الإنساني، وآيات الله لا تسقط أبداً، ومن أجل ذلك نقول إنه يستحيل أن تسير الأوضاع كما يشتهي الصهاينة.

الانتفاضة المباركة هي نيابةٌ عنِ الأمةِ كلِّها في مدافعة المغتصِب وفضحِ ألاعيبه:

إنّ الانتفاضة ستستمر في دربها إن شاء الله وستتطور لاحقاً لتكون جهاداً كاملاً يحقق النصر والعزة للمسلمين في أرض فلسطين، بشرط أن نعلن انتفاضةً مماثلةً ودائمةً على أثرتنا، وحظوظنا الشخصية، ومصالحنا الذاتية، إن الأمة في حالة صراع دائم مع الصهاينة، لكنها يجب أن تكون في صراعٍ دائمٍ مع سلبياتها، فهل نرتفع عن مستوى النظرة الضيقة، ونلغي من حسابنا المكتسبات الخاصة لنجعل ديمومة المقاومة هدفاً أعلى تذوب في طياته وتضاعيفه كلُّ الأهداف الصغيرة ؟
قال أحد مجرمي الحرب من قادة الصهاينة: أنا أحارب فأنا موجود، فردَّ عليه أحد قادة المقاومة: أنا أقاوم فأنا موجود، قياساً على قول ديكارت: أنا أفكر فأنا موجود.
ما بين عامَيْ ثلاثة وتسعين وستة وتسعين استخدمتْ إدارةُ دولةٍ عظمَى سلاحَ المقاطعة الاقتصادية ستين مرة ضد خمس وثلاثين بلداً في العالم، بحججٍ واهيةٍ نَفَخَتْ فيها المصالحُ السياسية، فلماذا يتردَّد المسلمون في استخدام سلاح المقاطعة السلبية ليؤدِّيَ بعضَ النتائج، أو ليشعر المسلمُ على الأقل بأن ثمَّةَ دوراً ولو محدوداً يستطيع أن يقوم به ؟ إنه جزءٌ من الإنكار القلبي أو العملي السهل الذي لا يخسر فيه المرء أكثرُ من أنْ يختار بضاعةً عربيةً أو إسلاميةً أو من دول صديقة عند الحاجة، وربما تكون بالميزاتُ نفسِها وبالسعرِ نفْسِه.
أيها الأخوة الأعزاء، إنّ الانتفاضةَ المباركةَ في الأرض المباركةَ هي نيابةٌ عنِ الأمةِ كلِّها في مدافعة المغتصِب، وفضحِ ألاعيبه، وكشفِ أساليبه، وتعريةِ وحشيتهِ وغطرستِه أمام العالم، فلنَصْدُقِ الوِقفةَ مع أخواننا في الضراء، ولْنشاركْهم مرارة عيشهم، إنْ لم يكن حضورياً فليكن شعورياً، ولنقتسمْ معهم لقمةَ الخبز، وليكن لهم من قلوبنا، وعقولنا، ومجالس درسنا وحديثنا، وإعلامنا، وصلاتنا، وتواصينا ما يشد على أعضادهم، ويُواسي جراحَهم، وهذا ما دعا إليه السيد الرئيس قبل يومين في لقائه مع بعض القيادات، وكان قد دعا في نهاية خطابه في مؤتمر القمة في عمان إلى أن نرتقي إلى مستوى طموحات الأمة، وأنْ نتجاوزَ الخلافاتِ لأنّ ما يوحِّدنا أكثرَ مما يفرِّقنا، ونحن جميعاً في مركب واحد شئنا أمْ أبَينا، فالأحرى بنا أنْ نحسنَ قيادةَ وتوجيهَ هذا المركب.
وهذا المعنى مهمٌّ جداً، وتحتاجُه الأمَّةُ العربيةُ والإسلاميةُ، وهي تمرُّ بأحلَكِِ الظروف، و تواجِهُ وضعاً دولياً وعربياً يحدِّد مصيرها.
وهو أيضاً من توجيهاتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الصدد عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ، وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا،فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقاً، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعاً))

[رواه البخاري عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

نقطة مهمة جداً في قانون المسلمين الدولي:

مِن أخطر توجيهات النبي الكريم في هذا الظرفِ الصعب الذي يُحَدِّق بالأمة العربية والإسلامية قولهُ:

((إِنَّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ، لاَ يُسَالِمُ الْمُؤْمِنُ دُونَ الْمُؤْمِنِ فِي قِتِالٍ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلاَّ عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ))

[سيرة ابن هشام]

هذه نقطة مهمة جداً في قانون المسلمين الدولي،

(( إِنَّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ، لاَ يُسَالِمُ الْمُؤْمِنُ دُونَ الْمُؤْمِنِ فِي قِتِالٍ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلاَّ عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ))

أيْ لا يحق في المنهجِ الإسلاميِّ لفئةٍ أنْ تصطلحَ مع عدوٍّ بشكلٍ انفراديٍّ، هذا وصفٌ دقيقٌ مِن قِبَلِ مبعوثِ العنايةِ الإلهيةِ لِمَا عليه المؤمنون، أو لِمَا ينبغي أنْ يكونوا عليه في شتَّى أقطارهم وديارهم مِنْ تعاوُنٍ وتناصُرٍ وتعاطُفٍ، فهم كالجسدِ الواحدِ نَصَحَةٌ متوادُّون، وهم بنيانٌ واحدٌ يشدُّ بعضُهم بعضاً، هم يَدٌ على مَن سواهم، سِلْمُهُم واحدةٌ، وحَربُهُم واحدةٌ، هذا ما ينبغي أنْ يكونَ عليه المؤمنون في شتّى أقطارهم وأمصارهم.
أيها الأخوة المؤمنون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطّانا إلى غيرنا وسيتخطّى غيرَنا إلينا، فلنتَّخِذْ حِذْرَنا، الكَيِّسُ مَن دان نفْسَه وعَمِل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني.
أخي المسلم: هل رأيت القبورَ ؟ بل هل رأيت ظلمتها ؟ وهل رأيت وحشتها ؟ وهل رأيت شِدّتها ؟ هل رأيتَ ضِيقَها ؟ هل رأيت هوامَها وديدَانها ؟ أما علمت أن مصيرَنا إليها ؟ أما رأيت أصحابُك وأحبابُك وأرحامُك نُقِلوا مِنَ القُصور إلى القبور، ومِن ضِياء المُهود إلى ظلمة اللُّحود، ومِن ملاعبة الأهلِ والولدان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومِن التَّنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في الثرى والتراب، ومن أنس العشرة إلى وحشة الوحدة، ومن المضجع الوثير إلى المصرع الوبيل، فأخذهم الموتُ على غرة، وسَكَنوا القبورَ بعدَ حياةِ التَّرفِ واللَّذة، وتساوَوْا جميعاً بعد موتهم في تلك الحفرة، فاللهَ نسأل أنْ يجعلَ قبورَنا روضةً مِنْ رياضِ الجنة.

أتيــتُ القبورَ فساءلتُــــهَا أينَ المُعَـظَّم والمُحْتَــقَرْ؟!
وأين المــــذِلُّ بسلــطانه وأين القويُّ على ما قـدرْ؟!
تفانَوْا جميعاً فما مـــــخبر وماتوا جميعاً ومات الخيرْ!!
أفيا سائلـي عـن أناس مَضَـوا أما لك فيما مضى مُعْتَبَـرْ؟!
تروح وتغـدو بناتُ الـــثَرى فتمحو محاسنَ تلك الصورْ!!
***

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، والحمد لله رب العالمين.

الخــطــبـة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.

معجزة إنزال الحديد من السماء:

أخوة الإيمان في كل مكان، إلى الموضوع العلمي، قال الله تعالى:

﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ(25) ﴾

( سورة الحديد )

البينات هي المعجزات التي تؤكِّد صدقَ الرسل، والكتاب هو المنهج، والميزانُ هو العقلُ الذي هو مناطُ التكليفِ، والهدفُ إقامةُ العدل في الأرض، وقوةُ الردعِ هي الحديدُ الذي فيه بأسٌ شديدٌ ومنافع للناس، وجه الإعجاز في الآية القرآنية الكريمة هو دلالة لفظ:

﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ﴾

الذي يفيدُ إنزالَ الحديدِ من السماء ولم يكن موجوداً على كوكب الأرض، وهذا ما كشفت عنه الدراساتُ الفضائيةُ والجيولوجيةُ في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث وَجدَ علماءُ الفضاء أنّ أصلَ معدنِ الحديدِ ليس مِن كوكب الأرض بل مِنَ الفضاء الخارجي، وأنّه مِنْ مُخلَّفات الشُّهُب والنَيَازِك، وكشف علماءُ الفضاءِ مؤخَّراً أنّ عنصرَ الحديد لا يمكن له أنْ يتكوّنَ داخلَ المجموعةِ الشمسية، فالشمسُ نجمٌ ذو حرارةٍ وطاقةٍ غيرِ كافيةٍ لدَمْج عنصرِ الحديدِ، وهذا ما دفع بالعلماء إلى القول بأنَّ معدنَ الحديدِ قد تمَّ دمجُه خارجَ مجموعتنا الشمسية، ثم نزلَ إلى الأرض عن طريق النيازك والشهب.

منافع الحديد التي أشار إليها القرآن في سورة الحديد:

يعتقد علماءُ الفلك حالياً أنَّ النيازكَ والشهبَ ما هي إلا مقذوفات فَلَكِية مختلفة الأحجام، وتتألَّف في معظمها مِن معدنِ الحديدِ، ولذلك كان معدنُ الحديدِ مِنْ أوَّل المعادنِ التي عَرَفَها الإنسانُ على وجه الأرض لأنه يتساقطُ بصورة نَقِيَّةٍ مِنَ السماء على شكل نيازك، يَتَساقطُ في كل عامٍ آلافَ النيازكِ والشُّهُبِ على كوكبِ الأرضِ، التي قد يَزِنُ بعضُها أحياناً عشرات الأطنان، وقد عُثَر على نيزك في أمريكا بلغ وزنُه اثنين وستين طناً مكوّناً من سبائك الحديد والنيكل، أما في ولاية " أريزونا " فقد أحدثَ نيزكٌ فوهةً ضخمةً عمقها مئتا متر وقطرها ألف متر، وقد بلغت كميات الحديد المستخرجة من شظاياه الممزوجة بالنيكل عشرات الأطنان.
من هذا الشرح العلمي تتبيَّنُ لنا دقَّةُ الوصف القرآني

﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ﴾

، ولكن ما البأسُ الشديد ؟ وما هي المنافع التي أشار إليها القرآن بقوله:

﴿ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾

لقد وجد علماءُ الكيمياءَ أنّ معدنَ الحديد هو أكثرُ المعادنِ ثباتاً وقوة ومرونة وتحمُّلاً للضغط، وهو أيضاً أكثر المعادن كثافةً، وهذا يفيد الأرض في حفظ توازنها. كما يعد معدنُ الحديدِ الذي يشكِّل ثلثَ مكوِّناتِ الأرض أكثرُ العناصرِ مغناطيسيةً وذَلك لِحفظ جاذبيتها. ولا بدّ أنْ نذكرَ أيضاً أنّ الحديدَ عنصرٌ أساسيٌّ في كثيرٍ مِنَ الكائناتِ الحيَّة، كمَا في بناءِ النباتاتِ التي تمتصُّ مُركَّباتُه مِنَ التربة، وتدخل أملاحُه في تركيب خلايا الدمِ عند الكائنات الحية.
وهنا محلُّ الإشارة إلى أنّ هناك توافقاً عددياً عجيباً بين رقم آية الحديد في سورة الحديد وهو ستة وعشرون ، ووزنه الذري وهو ستة وعشرون ، هذا يؤكد أن الذي خلق الأكوان وأنزل النيازك والشهب هو الذي أنزل هذا القرآن.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS