19305
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 38 : النذر.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-06-21
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

النذر :

 أيها الأخوة المؤمنون : كما تعلمون درس الأحد مخصص دائماً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولسيرته وسيرة أصحابه المطهرة ، هذا هو الأصل لكن أحياناً تتكاثر عليّ الأسئلة في موضوع واحد ، فأجد أن هذا الموضوع الفقهي أخواننا في أمس الحاجة إليه من خلال كثرة الأسئلة التي تردني حول موضوع واحد ، قبل حين تحدثنا عن الوصية وهناك أشخاص كثيرون جداً يسألونني عن موضوع الوصية وعن حكمها .
 واليوم تكاثرت عليّ الأسئلة ولا سيما قبيل موسم الحج في موضوع النذر ، موضوع النذر موضوع دقيق في الإسلام ، لكن من غرائب هذا الموضوع أنه يكبر ويكبر حتى يشمل الدين كله ، ويصغر كثيراً حتى يعد فرعاً من فروع الفقه ، فأنا لن أعالج هذا الموضوع من خلال زاوية الفقه الضيقة بل من خلال زاوية الدين الواسعة ، ولن أنسى أن أعرج على النواحي الفرعية بموضوع النذر ، ولكن ما معنى قوله تعالى :

﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً ﴾

[ سورة مريم : 26]

 ما معنى قول الله عز وجل :

﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

[ سورة آل عمران :35]

 الحقيقة النذر إذا عرفت الله عز وجل نذرت له حياتك ، نذرت له شبابك ، نذرت له عمرك ، نذرت له قوتك ، نذرت له ذكاءك ، نذرت له لسانك ، نذرت له يدك ، نذرت له مالك، معنى النذر الواسع أنه شيء بين يديك تقدمه لمن تحب ، معنى النذر الدقيق شيء تملكه، أنا أملك صحتي ، أملك شبابي ، أملك قوتي ، أملك مالي ، أملك علمي ، أملك جاهي ، هذا الشيء الذي أملكه بين يدي لشدة حبي لله عز وجل قدمته قربةً لله عز وجل ، فالأصل أن نذر الحياة الدنيا شيء بين معرفة الله وبين الآخرة ، تعرفه فتنذر له كل حياتك فتقبض الثمن بعضه في الدنيا وجله في الآخرة هذا هو المعنى العام .
 يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبم تلقى الله إذاً ؟ هذا سؤال كبير ليسأل أحدنا هذا السؤال : أنا ماذا قدمت لله عز وجل ؟ ما الذي أستطيع أن أقدمه لله عز وجل حينما أقف بين يديه ؟ يا رب أنا فعلت كذا من أجلك ، يارب أنا فعلت كذا وأنفقت كذا ، سلكت هذا الطريق ، تجشمت هذه المشاق ، بذلت هذا المال ، بذلت وقتي الثمين ، بذلت من راحتي ، بذلت من وقتي، معنى البذل امرأة عمران رضي الله عنها ماذا فعلت ؟ نذرت لله ما في بطنها ، ماذا تملك المرأة ؟ إن جل ما تملكه أن تندر لله عز وجل وليدها ، فتقبل الله منها هذا النذر ، وكانت امرأة هي سيدة نساء العالمين هي السيدة مريم وقد ولدت نبياً عظيماً ، هذه الآية ذات دلالة كبيرة جداً إذا نذرت لله شيئاً الله عز وجل يعطيك أضعافاً مضاعفة ، يريد الله عز وجل أن تربح عليه ، يريد أن تقدم شيئاً قليلاً ليعطيك شيئاً كثيراً ، قد لا تكون النسبة معقولةً بين الذي تقدمه وبين الذي تأخذه . إذاً معنى قوله تعالى :

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 245 ]

 من هذا القبيل ، الدنيا كلها ، إعطاء المال ، والقوة ، والصحة ، والسمع ، والبصر، والفؤاد ، والقلب ، واللسان ، أعطاك المال ، والزوجة ، والأولاد ، والذكاء ، والعمل ، والجاه من أجل أن تقدم بعض هذا الذي أعطاك إياه لله عز وجل .

النذر بالمعنى الواسع :

 في القرآن الكريم آية تلتقي مع النذر من يذكرها جاءت في معرض قصة قارون ؟ قال تعالى :

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾

[ سورة القصص : 77 ]

 أي حظوظك من الدنيا ، هذه الحظوظ إما أن تنفقها استهلاكاً وإما أن تنفقها استثماراً ، وشتان بين الاستهلاك والاستثمار ، أعطاك الله صحة نمت حتى شبعت نوماً ، أكلت حتى شبعت ، تنزهت حتى مللت ، تزوجت ، أنجبت الأولاد هكذا ، يقال لك يوم القيامة : هذه الصحة ، وراحة البال ، ونعمة الأمن ، ونعمة الغنى ، ونعمة القوة ، ونعمة الشباب ماذا فعلت بها ؟ استهلكتها أم استثمرتها ؟ هذا معنى قوله تعالى :

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ *لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ *ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾

[ سورة التكاثر : 5-8]

 السؤال صار كبيراً جداً ماذا نذرت لله عز وجل ؟ طالبان جامعيان في كلية واحدة وفي صف واحد ، الأول في ذهنه أن ينال هذه الشهادة ليكون طبيباً لامعاً ، يشتري بيتاً واسعاً، ويتزوج امرأةً جميلةً ، ويشتري بيتاً في مصيف رائع ، ويشتري مركبةً ويتيه على أقرانه ، وطالب آخر في الكلية نفسها وفي الفرع نفسه وفي الصف نفسه ، يقدم علمه في سبيل الله ، يقول : يا ربي نذرت هذه الشهادة الجامعية من أجلك ، لعلي أتمكن بها من الدعوة إليك ، لعلي أقرأ في هذا الفرع شيئاً يعينني على أن أذكر الناس بآياتك الدالة على عظمتك ، فطالبان في فرع واحد وفي كلية واحدة بعضهم استهلك هذا الحظ والثاني استثمره . المال كذلك والشباب كذلك ، ترى شاباً مفتول العضلات يقطع الأرض قفزاً ، هذا الشباب وهذه القوة وهذا النشاط إلى أين ؟ ترى بعض الشباب في مزاح رخيص ، في متع رخيصة ، في هبوط أخلاقي ، في هبوط اجتماعي ، وترى شاباً في السن نفسه يرتاد المساجد ، يحفظ كتاب الله ، يدعو إلى الله ، يؤثر في أسرته ، يغدو في أسرته كوكباً درياً ، التزم في المسجد بعد قليل جاء معه أخوه ، أخوه الثاني ، والثالث ، جاء بأبيه وابن عمه ، بزملائه كان واحداً فصار أمةً ، فالمعنى الواسع للنذر هو الدين كله ، أي بعد أن تعرف الله ماذا نذرت له ؟ ماذا قدمت له ؟ أنا أنصح أخوتنا الشباب أن يقدموا لله شبابهم، وأن يقدموا لله علمهم ، وأن يقدموا لله اختصاصهم ، وأن يقدموا لله مالهم إذا كانوا يملكون ، كل شيء تستهلكه انتهى .
سيدنا عمر أمسك تفاحةً قال : أكلتها ذهبت أطعمتها بقيت ، لا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله علماً ، ولا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله قرباً، هذا النذر وهذا معناه الواسع ، أي أنت لن تقدم لله شيئاً قبل أن تعرفه ، فإذا عرفته يرخص معه كل شيء .
 لمن هذا الوادي ؟ قال : لك ، قال : أتهزأ بي ؟ قال : لا ، هو لك ، قال :أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر . وأقول لك هذه الكلمة : لن تبلغ درجةً في الإيمان درجة رفيعة إلا إذا استوى عندك التبر والتراب ، أي تنفق مئة ألف من أجل هداية إنسان ولا تبالي وتضن بليرة واحدة تنفق سدى بلا طائل ، هذه مقدمة تعطي للنذر معنىً واسعاً جداً ، أي الإنسان ما لم ينذر ، قال تعالى :

﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 1-3]

 أحياناً الله عز وجل يؤتي إنساناً مكانة ، مركزه حساس جداً ، وماله وفير ، وصحته طيبة ، وخبرته واسعة ، فهذا الذي يبيع كل شيء لا يعرف الله ، أما الذي يقدم جزءاً من خبرته في سبيل الله هذا الذي يعرفه ، قالت له : لم يبقَ من الشاة إلا كتفها ، فقال عليه الصلاة والسلام : بل بقيت كلها إلا كتفها ، هذا هو النذر بالمعنى الواسع .

النذر بالمعنى الضيق :

 أما النذر بالمعنى الضيق فتعريف الفقهاء : النذر هو التزام قربة غير لازمة ، الصلاة لازمة يصح أن يقول إنسان : نذرت أن أصلي الصلوات الخمسة ؟ لا هذه قربة لازمة لابد منها ، دفعت زكاة مالك ، إذا قلت : نذرت إن نجحت هذا العام أن أدفع زكاة مالي ، هذا نذر باطل لأن زكاة المال واجبة ، أما إذا قلت : نذرت لله ألف ليرة فهذا نذر صحيح ، فالنذر بتعريف الفقهاء : التزام قربة غير لازمة ، هي قربة وليست لازمة وليست مفروضةً عليك ، بلفظ يشعر بذلك ، إذا قال أحدهم : لله علي أن أتصدق بمبلغ كذا هذا نذر ، هذا نذر ليس معلقاً، أما إذا قال : إن شفى الله مريضي فعلي صيام ثلاثة أيام هذا نذر معلق بالشفاء .

شروط صحة النذر :

 العلماء قالوا : لا يصح النذر إلا من بالغٍ ، إن كان طفلاً صغيراً نذر هذا النذر لا يصح ، ولا ينعقد ، ولا يطالب به ، ولا يحنث إذا لم يقدمه ، لأنه طفل ليس مكلفاً .
 بالمناسبة كل الأوامر التي يأمر الآباء بها أبناءهم ليكونوا متخلقين بأخلاق الإسلام هذه سماها علماء الشريعة أوامر تأديبية وليست تكليفية ، إذا أمرت ابنتك أن تصلي وهي دون العاشرة هذا أمر تأديبي وليس تكليفياً ، طبعاً نحن نأمر أبناءنا بأوامر تأديبية ، بالصلاة والصيام وتلاوة القرآن كلها أوامر تأديبية ، لكن الأوامر التكليفية لا تكون إلا للبالغ ، فالنذر لا ينعقد ، ولا يصبح ديناً على صاحبه ، ولا يحنث صاحبه ، ولا يطالب به إلا إذا كان بالغاً وهذا أول شرط ، ويجب أن يكون عاقلاً لأن المجنون رفع عنه التكليف ، إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب ، ويجب أن يكون مختاراً وليس مكرهاً ، فإن شهر على أحد سلاح وقيل له : قل كذا وكذا لله عليّ أن أدفع كل مالي ، مادام ليس مختاراً فليس هذا نذراً ولا ينعقد ولا يحنث لعدم أدائه ، لابد من أن يكون بالغاً ، عاقلاً ، مختاراً ، أما أن يكون مسلماً فهذا موضع خلاف بين الفقهاء ، الأصل أن يكون مسلماً لكن الكافر إنسان أيضاً ، وأحياناً يقع في ورطة كبيرة جداً وبفطرته يقول : يارب إن فعلت كذا فلأفعلن كذا ، هذا مقبول ، وموضع الخلاف أن الكافر إنسان وفي أعماقه وفي فطرته هو مؤمن بوجود الله عز وجل ، فإذا وقع الكافر في ورطة كبيرة جداً في ساعة ضيقه الشديدة يقول : يا رب إن فعلت كذا فلأفعلن كذا ، لذلك موضوع مسلم أو كافر موضع خلاف بين الفقهاء .

النذر عبادة قديمة و لا يكون لغير الله :

 الحقيقة النذر عبادة قديمة جداً والدليل قوله تعالى :

﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

[ سورة آل عمران : 35]

 لكن السيدة امرأة عمران نذرت ما في بطنها فتقبل الله نذرها وأعطاها عطاءً لا حدود له ، آية ثانية يقول الله عز وجل يتحدث عن السيدة مريم :

﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً ﴾

[ سورة مريم : 26 ]

 أي النذر بمعناه البسيط أن الإنسان واقع في مشكلة هذا نوع ، أو امتلأ قلبك شكراً لله فأردت القربة فقلت : يارب لك عليّ أن أفعل كذا وهذا شيء فطري يفعله كل الناس ، لذلك كثرت علي الأسئلة في هذا الموضوع . لكن أهل الجاهلية قبل الإسلام قد يجعلون بعض ما أعطاهم الله عز وجل للآلهة ، يتقربون بها إلى الله زلفى ، قال تعالى :

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 136]

 أحياناً الإنسان ينذر لغير الله عز وجل ، هذا نذر مضاف إليه شرك ، بالمناسبة النذر لله وحده ، فمن نذر شيئاً لغير الله فقد أشرك وهو لا يدري ، وربنا سبحانه وتعالى عناهم فقال :

﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 136]

 ماذا فعلوا ؟ لأنهم نذروا لشركاء الله عز وجل شيئاً مما أتاهم الله .

الحكمة من تقديم النفقة على النذر :

 الحقيقة النذر مشروع في الكتاب والسنة ، والدليل القطعي قوله تعالى :

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾

[ سورة البقرة : 270]

 سؤال لماذا قدم الله النفقة على النذر ؟ رجل وقع في مشكلة ، في مرض عضال، يا ترى يقول : يا رب إن شفيتني فلأدفعن مئة ألف ليرة ، أو يدفع مئة ألف ليرة على نية الشفاء، الأولى نذر والثانية نفقة ، أيهما أفضل ؟ النفقة لذلك قدمها الله عز وجل .
 أنت مع شخص عادي تشارط ، أنا لا أحب أن أغرق معك ، إن فعلت كذا أعطيك كذا ، اكتب لي عقداً ، اكتب إيصالاً ، وأنت مع إنسان تعرفه ، لكن خالق الكون يشارط ؟! يجرب ؟! أخي كن مع الله على الصاحي هذا كلام فارغ ، لذلك الله عز وجل قدم النفقة على النذر ، أنا أعرف شخصاً ذهب إلى مسبح ويبدو أنه يوجد جرثومة أصابت أذنه الداخلية فشعر بوشة دائمة وهو شاب في مقتبل الحياة ، والله عز وجل أورثه مالاً كثيراً من والده ، أموال طائلة وشباب ودخل كبير ، وفي ريعان الشباب أصابه مرض في أذنه الوسطى فذهب إلى طبيب لامع، فقال : هذا مرض خطير وهذا المرض قلّما يحدث ، والأمل ضعيف بالشفاء ، عاد إلى البيت وليس له قوائم تحمله ، ما إن دخل بيته حتى ارتمى على الأرض كأنه طفل صغير وهو يقول : أصبحت أصماً ، قالت له أمه : يا بني تصدق ، بساعة اليأس وعندما فقد سمعه قال : يارب إن شفيتني فلأدفعن مبلغاً كبيراً ، فقالت له أمه : ادفعه الآن ، ودفعه في اليوم التالي ، ومعلوماتي التي سمعتها من قبل أن الله منّ عليه بالشفاء .
 فأنا أنصح أخواني إذا وقع الإنسان في مشكلة لا يشارط الله عز وجل ، يارب إن شفيتني أنا أدفع ، إن نجحتني أدفع ، إن زوجتني أدفع ، إن اشتريت هذا البيت أدفع ، لا ، ادفع بالتي هي أحسن ، ادفع ولا تشارط هذا الموقف الكامل .

ورود النذر في القرآن والسنة :

 ورد النذر أيضاً بآية ثانية ، قال تعالى :

﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾

[ سورة الحج : 29]

 في آيات الحج ، وأثنى على الذين يوفون بالنذر ، فقال مادحاً لهم :

﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ﴾

[ سورة الإنسان : 7]

 النذر محتل مساحات كبيرة في القرآن والسنة وبمعناه الواسع لابد من كل مسلم أن ينذر لله شيئاً ، بالمعنى الواسع لابد من أن تقدم شيئاً فوق الفرض ، النذر أساسه أن يجعل من هذا الخروف طعاماً ، وليمة للأقرباء ، أما إذا قال : لله عليّ أن أذبح خروفاً إذا شفي ابني ما حدد ، يجب أن يقدم اللحم كله للفقراء ، لا يجوز أن تأكل لقمةً واحدة من النذر ، ويوجد حالة ثانية غريبة ، رجل قال : إذا نجح ابني ، أو شفي ابني سوف أشتري خروفاً بثلاثة آلاف ليرة وأقدمه نذراً ، فوجد خروفاً بأربعة آلاف وخمسمئة له الحق أن يأخذ الفرق ، هاتان الحالتان ولا يوجد غيرهم ؛ يجوز أن يأكل من النذر وإلا لا يجوز أبداً أن نأكل من النذر .
 لا أعتقد أحداً من أخواننا وقع بشدة أو ضائقة ، إما قضية متعلقة بصحته ، أو قضية متعلقة بدخله ، أو بتجارته ، أو بقضية مع جهة رسمية مثلاً ، والأمر تعقد جداً وصار فيه خوف ، فالإنسان ليس له إلا الله عز وجل ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة ، ومع الصلاة أنا يارب أفعل كذا وكذا ، ولكن أنا أنصح لكم دائماً لا يكن نذرك مشروطاً ، يارب سأفعل كذا ، قدم مالاً أو جهداً .
 أحد أخواننا الكرام وقع في ورطة فقال : يارب نذراً عليّ إن أنقذتني من هذه الورطة فلأخدمنّ في الجامع الفلاني ثلاث سنين ، ووفى بنذره ، وخدم هذا المسجد ثلاث سنوات بتمامها وكمالها ، فالإنسان يقع في ورطات ومشكلات ، وأساساً الإنسان إذا بردت همته وضعف سيره إلى الله ، الله يعينه على نفسه بمشكة ، أنا كنت أقول : إن ملخص الملخص الطريق إلى الله إما أن تأتيه راكضاً أو أن يجعلك تأتيه راكضاً ، فأنت تعال لوحدك أفضل .
 النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ ))

[البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا]

حقيقة الحج تبدأ بعد انتهاء الحج :

 تكلمت بكلمة بمناسبة الحج ، أنه أنا قناعتي أن الحج يبدأ بعد الحج ، حقيقة الحج تبدأ بعد أن ينتهي الحج ، لأنك عاهدك الله على الطاعة ، وما بعد الحج كل هذا الوقت الذي بعد الحج أنت تحت المراقبة ، كأن الله عز وجل يقول لك : يا عبدي أين عهدك ؟ أنت حينما قبّلت الحجر ، أو حينما أشرت إليه قلت لي : بسم الله الله أكبر ، اللهم إيماناً بك ، وتصديقاً لكتابك ، واتباعاً لسنة نبيك ، ووفاءً بعهدك ، وعهداً على طاعتك ، فالوقت الذي بعد الحج هو وقت الامتحان ، سوف يمتحن الله وعدك الذي وعدته به ، وعهدك الذي عاهدت به ، وميثاقك الذي واثقت الله به ، وتوبتك النصوحة التي عقدتها في بيت الله الحرام ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ ))

[البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا]

 يبدو أن النبي الكريم يعرف طبيعة النفس البشرية ، الإنسان في ضائقة يقول : لن أعصيك يا الله أبداً ، هذا نذر ، عهداً على طاعتك لن أعصيك أبداً ، هل تصدقون أن رجم الجمار في الحج أحد أنواع النذر ، حينما ترجم الجمرات الثلاثة في منى ، معنى ذلك أنك تعاهد الله على ألا تلقي أذن لوسوسة الشيطان ، هكذا يقول الإمام الغزالي : " لا يحصل إرغام أنف الشيطان إلا إذا أطعت الله عز وجل " أحياناً أنا أرى حاجاً مندفعاً لإلقاء هذه الحصوات وكأن هذا المجسم الذي يلقي عليه الحصوات كأنه هو الشيطان بنفسه فيريد أن يخربه ، لا ، الحماس ليس هنا ، الحماس وأنت في الطريق ، في بلدك الحماس إذا مرت امرأة هل هناك غص البصر عنها ؟ الحماس في الترفع عن المال الحرام ، ألقي هذه الحصوات تعبيراً رمزياً عن معاداة الشيطان .

النذر يستخرج به مال البخيل :

 الآن الحديث الذي يؤكد أن النفقه مقدمة على النذر طبعاً الحديث :

(( مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ ))

[البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا]

 هذا حديث صحيح رواه الإمام البخاري عن عائشة ، الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام عن النذر إنه : "لا يأتي بخير وإنما يستخرج به مال البخيل " البخيل لا يدفع إلا بعد الشفاء ، ولا يدفع إلا بعد النجاح ، فطريقة من استخراج مال البخيل هو النذر ، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن محبذاً له بقسمه الثاني المشروط ، طبعاً إذا الإنسان نذر أن يفعل معصيةً ، نذر أن يقاطع أخته ، نذر أن يقطع رحمه ، نذر أن يترك الصلاة ، هذا نذر محرم لكن العلماء قالوا : يجب أن تمتنع عنه وأن تفدي نذرك بقربة إلى الله عز وجل ، فالنذر الواجب ما كان قربةً والمحرم ما كان معصيةً ، قربة غير لازمة ، لو أنها لازمة لا ينعقد بها النذر ، وما كان معصيةً يجب أن تدعه .

أنواع النذر :

 النذر المباح ، رجل قال : لله عليّ إذا شفي ابني من المرض أن أجلس في هذا المكان ، خير إن شاء الله ، أن يجلس في طرف بيته على الزاوية اليمنى ثلاث ساعات متصلة، ماذا فعلت أنت ؟ ما فعلت خيراً ، ولا قدمت صدقة ، ولا قرأت قرآناً ، ولا خدمت إنساناً ، هذا نذر مباح ، عندنا نذر واجب ما كان قربةً غير لازمة ، ونذر محرم ماكان معصية ، ونذر مباح ما كان شيئاً عادياً لا معنى له ، يؤكد هذا النبي الكريم قال : هذا ليس بنذر ، والعلماء اختلفوا هل يلزمه شيء إذا حنث به أم لا يلزمه شيء ؟ هذا موضوع خلافي ، فالنبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب :

(( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إِلَى أَعْرَابِيٍّ قَائِمًا فِي الشَّمْسِ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ : مَا شَأْنُكَ ؟ قَالَ : نَذَرْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ لا أَزَالَ فِي الشَّمْسِ حَتَّى تَفْرُغَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ هَذَا نَذْرًا إِنَّمَا النَّذْرُ مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))

[أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]

 يوجد استنباط دقيق من هذا الحديث هو أن المشقة بالإسلام ليست مطلوبةً لذاتها ومن طلب المشقة لذاتها فهذا دليل عدم فقه في الدين ، أنت مكرم عند الله عز وجل ، مثلاً : الآن الحج بالطائرة ممكن ، بالسيارة ، رجل أراد أن يحج ماشياً خلال أربعة أشهر سيراً ، ماذا قدمت ؟ نقول له : المشقة ليست مطلوبةً لذاتها ، أما يوم كان الحج مشياً فلك بكل خطوة أجر وبعد أن صارت الأمور ميسرة المشقة ليست مطلوبة ، ومن هذا الحديث نستنبط أن المشقة ليست مطلوبةً لذاتها ، ونستنبط ايضاً أن هذا العمل ليس بنذر لأنه عمل ليس له معنى .
 لله علي إن صار كذا وكذا أن أرتدي ثوبي الأزرق أسبوعاً ، هذا الكلام ليس له معنى ، فهذا النذر المباح النبي عليه الصلاة والسلام قال : "هذا ليس بنذر ولا ينعقد" ، لكن بعض الفقهاء حملوا هذا الكلام على عموم النذر ، قال : الناذر يخير بين أن يفعله وبين أن يتركه وتلزمه كفارة ، أنت قلت : لله عليّ ونحن أخذنا الأصل ، بالمناسبة إذا قال أحدهم : إذا نجحت في الامتحان سأقص يدي ، هذا ليس نذراً ولا يلزمه شيء هذا نذر اللجاج ، بعضهم قال: كفارته كفارة اليمين ، طالما أنه حلف بالله حتى يقص يده نقول له : اذهب وادفع صدقة ، وإذا إنسان قال : إذا شفي ابني سوف أتصدق بالبرج الذي في المرجة ، ولكن هذا البرج ليس لك، يوجد سخافات عند الناس ، وقالوا أيضاً لا نذر في غضب وكفارته كفارة اليمين وهذا نذر اللجاج ، ولا نذر فيما لا تملك ، ولا نذر فيما لا تطيق ، إذا شفي ابني لن أنام أبداً ، لا تستطيع ألا تنام أبداً .
 وكل هذا كفارته كفارة يمين ، لذلك يوجد بعض العلماء استنبطوا عندما الإنسان يغضب غضباً شديداً من زوجته فحملوا على قول النبي صلى الله عليه وسلم :

(( لا طلاق في إغلاق ))

[ أحمد عن عائشة]

 في الغضب الشديد لا ينعقد الطلاق ، هناك حالة لا يعلم السماء من الأرض ولا الطول من العرض ، والإنسان أحياناً يحلف بالطلاق لا ليطلق امرأته إطلاقاً يكره فراقها كفراق دينه لكن يحلف الطلاق ليحملها على فعل أو ليمنعها من فعل ، مزعوج من بيت أهلها فحلف طلاقاً ألا تدخل بيت أهلها ، هي جاهلة وأحبت أن تغيظه فدخلت إلى بيت أهلها ، ثم تعالوا يا أيها العلماء حلوا لنا هذه المشكلة . أيضاً هناك علماء قالوا : هذا طلاق معلق هدفه منع الزوجة من فعل ما ولكنه موضوع خلافي وليس الكل يقرون هذا ، رجل سألني سؤالاً متعلقاً بالطلاق ، فقلت له : أنا لست مفتياً أنا رجل لي ثلاثة دروس في هذا الجامع ألقيهم ، ولكن أنت لا تريدها، فقال لي: نعم ، فقلت له : قل لفلان يفتي لك بها ، يوجد متشددون يأخذون أشد الفتاوى ، ويوجد متساهلون . النذر المطلق مشكور ، النذر المطلق شكر لله ، لله عليّ أن أصوم شهراً تطوعاً وليس له طلبات على الله عز وجل ، لله عليّ أن أدفع نصف راتبي لوجه الله ، شيء جميل النذر المطلق مرغوب ، ولا يكون في مشكلة ولا طلب ولا مشارطة ، لله عليّ أن أصلي قيام الليل كل يوم ، لله عليّ أن أذكر الله كل يوم ، هذا تحت قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ ))

[البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا]

النذر لله وحده :

 الآن أكثر العوام يقول لك : إذا ابني نجح مئة شمعة للشيخ محي الدين ، الشيخ محي الدين مات رحمه الله تعالى وكان سلطان العارفين ، ولكن هذا النذر لا يجوز ، زيت ، شمع ، بسط ، إذا نذرت لغير الله فهذا شرك ، أما إذا قلت : لله عليّ إذا نجح ابني أو شفي من مرضه لأتصدقن على فقراء جامع الشيخ محي الدين ممكن ، هذا ليس للشيخ محي الدين نذرت لله عز وجل ، ولا تقل للولي الفلاني ، للجيلاني ، الله والباز ، هذه كلها شرك ، لذلك بهذا لا يجوز أن يصرف النذر لغني ولا لشريف ولا لولي والنذر لله وحده ، كيف الله عز وجل قال :

﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الجن : 18]

 وأن النذر لله فلا تنذر لغير الله شيئاً .

المكان والصفات الثانوية في النذر يمكن تعديلها :

 الآن يوجد عندنا أسئلة كثيرة أنه يا رب إذا حصل كذا فسوف أصلي في الجامع الفلاني مئة ركعة ، فالجامع الفلاني له مشكلة ، بعيد أو أنه كان في حلب وانتقل إلى الشام ، يأتي السؤال أن المكان هل أستطيع أن أغيره ؟ نقول له : نعم لأن النذر قربة لله عز وجل وجميع المساجد عند الله سواء سوى ثلاثة الحرام والنبوي والأقصى لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الأقْصَى ))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

 فإذا الإنسان نذر ، أحياناً نذرت مبلغاً من المال لمسجد ، وهذه تقع كثيراً ، نذر براد ماء لمسجد وهم لا يحتاجون إلى براد ، يحتاجون إلى سجاد ، مراوح ، أنا لا أستطيع نذرت براد ماء ، أنت ألا تريد القربة من الله عز وجل ، فلذلك أجاز الفقهاء إذا مبلغ قربة لله عز وجل فالمكان والصفات الثانوية يمكن تعديلها ، سمعت أن امرأة نذرت توزيع خبز على باب مسجد فذهبت إلى المسجد ويبدو أن المسجد في حي غني من سيأخذ منها رغيف خبز ؟ لا أحد رضي أن يأخذ منها ، احتارت بأمرها ، تغير المسجد .
 لو قال أحدهم : لله عليّ أن أصلي ركعتين في موضع كذا ، أو أن أتصدق على فقراء بلدة كذا ، يجوز أداؤه عند الأحناف في غير ذلك المسجد وغير تلك البلدة ، الجوهر أن النذر قربة لله عز وجل فإذا صدر منك تحديد مكان أو زمان وتعذر تحقيق المكان أو الزمان فلك أن تغير الزمان والمكان مادام حجم القربة إلى الله عز وجل هو هو ، لكن إذا رجل قال: نذرت أن أصلي ركعتين في المسجد الحرام وذهب وصلى في جامع في باب سريجة مثلاً لا تصح لأن هناك الصلاة غير الصلاة في هذا الجامع ، وهذا نذر في المسجد الحرام ، إذا الوفاء ضروري لأن المسجد له ميزة ، وبعضهم قال : لا ، مادامت الصلاة لله عز وجل ، وهو موضوع خلافي ، حتى لو قال في المسجد الحرام تقبل منه ولكن أقل درجة في المكان الشريف الذي حدده هو .
 أنا سمعت أن الأجانب لهم على الشرقيين مأخذ يسمون الشرقي ـ ي ب ن ـ ياء يعني إن شاء الله أي لا يدفع ، باء تعني غداً ، نون تعني لابأس .
 إن شاء الله بالمعنى الشرعي أي إذا الله مكنك سوف تنذر لها ، أنا أتمنى على أخواننا أن يستخدموا كلمة إن شاء الله في معناها القرآني ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً ﴾

[ سورة الكهف : 23-24]

 إذا رجل نذر لشيخ معين ميت ، قلت قبل قليل : هذا حرام ، أما إذا نذر لفقراء في مسجده فهذا ممكن ، النذر لغير الله لا يجوز .

نذر اللجاج :

 يوجد عندنا حالات دقيقة قال : من نذر صوماً مشروعاً وعجز عن الوفاء به لكبر سن ، أو لوجود مرض لا يرجى برأه ، كان له أن يفطر وأن يكفر كفارة يمين ، أو يطعم عن كل يوم مسكيناً وكأنه أفطر في رمضان .
 يوجد أشياء غير معقولة ، رجل حلف بالله إذا جاءه مولود أن يتصدق بالجمل ولا يوجد عنده غيره ، فلما جاءه مولود وقع في مشكلة ، يعيش عليه ويركبه ، ويحمل عليه متاعه ، ويأكل من لبنه ، فهذا ماله ، قوام حياته ، فالحكم الفقهي قال : من حلف أن يتصدق بماله كله أو قال مالي في سبيل الله فهو من نذر اللجاج وما قبل النبي عليه الصلاة والسلام من أصحابه المال كله إلا من سيدنا الصديق ، لأنه قال : ماذا أبقيت لك يا أبا بكر ؟ قال : الله ورسوله ، وبقي في عباءته ، من سيدنا عمر أخذ نصف ماله ، لذلك معنى الآية الكريمة :

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 195]

 الآية لها معنيان ؛ الأول لا تهلكوا أنفسكم بعدم الإنفاق ، والمعنى الثاني : لا تهلكوا أنفسكم بإنفاق كل المال ، لأن الله عز وجل جعل المال قوام الحياة ، وأنا لاحظت أناساً كثيرين أنفقوا بغير روية وقعوا في ندم ومع الندم تراجع ، ودائماً هذه القاعدة : أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ ، الطفرات يوجد بعدها نكسات ، كثير من الأخوان يأتي إلى الجامع ويتعلق تعلقاً كبيراً بالدروس ، ترك دراسته ، ورفقاؤه سبقوه ، وصار أمام أهله صغيراً ، وتلقى اللوم والتقريع ، واللوم اشتد عليه وغابت عنه الأحوال قليلاً انتكس نكسة شديدة ، وهذا غلط وازن بين دراستك وبين دينك ، وبين دينك ودنياك ، لأنه ليس بخيركم - كما قال النبي الكريم - من ترك دنياه لآخرته ، ولا من ترك آخرته لدنياه إلا أن يتزود منهما معاً فإن الأولى مطية للآخرة .
 يبدو أن سيدنا الصديق والسابقين السابقين من كبار المؤمنين ، يتحملون أن ينفقوا كل شيء ، لكن عامة المؤمنين أو أواسط المؤمنين لو أنفق كل ماله أغلب الظن يظهر بعد إنفاق المال نكسة لأنه سوف يصبح معه قصور لأن الله جعل قوام الحياة المال ، فهذا الحديث :

(( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ قَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَتْ : فُلانَةُ تَذْكُرُ مِنْ صَلاتِهَا ، قَالَ : مَهْ عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ فَوَاللَّهِ لا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ ))

[متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ]

 افعلوا ما تطيقون ، وازن بين دنياك وآخرتك ، وبين عقلك وقلبك ، وبين حاجاتك وقيمك ، النبي كان متوازناً فقال :

(( عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا ، فَقَالُوا : وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ : آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ وَقَالَ : آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))

[البخاري عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

 قال تعالى :

﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

[ سورة الحديد : 27]

 أنت لك حاجات فإذا أغفلتها النفس تشوشت ، القاعدة : إذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت ، أنا أقول : علامة متابعتك طريق الإيمان والسير الحثيث أن تكون مستقراً نفسياً وأحد أسباب الاستقرار ، تكون تسير مع زملائك إن كان في الدراسة مثلهم ، وإن في العمل مثلهم ، كثير من الأخوان اندفعوا إلى الدين اندفاعاً رائعاً جداً ونسوا دنياهم ، ودراستهم وعملهم ، وبعد أن صحوا رأوا أن زملاءهم سبقوهم وهم لا يوجد عندهم شيء ، انتكسوا نكسة كبيرة جداً ، وأنا أقول لكم هذا الكلام عن تجربة : قضايا كثيرة جداً عرضت عليّ من الباب ، اندفع اندفاعاً من غير ترو ، فدفع الثمن إن الله لا يمل حتى تملوا ، وافعلوا ما تطيقون ، من حلف بأن يتصدق بماله كله ، أو قال : مالي في سبيل الله فهو من نذر اللجاج وفيه كفارة يمين ، هذا رأي الإمام الشافعي ، والإمام مالك قال : لا يدفع ثلث ماله ، وعند الشافعي عليه كفارة يمين لأنه نذر اللجاج ، ويوجد رأي ثالث لأبي حنيفة رضي الله عنه أنه ينصرف هذا إلى المال التي تجب به الزكاة ، وأما الأموال غير المنقولة من البيوت ، والضياع ، والأراضي ، أو المركبة ، أو أثاث البيت ، قال : فهذا المال لا ينطبق عليه هذا النذر .

الحنث في النذر :

 أقول لكم بصراحة ألا تسير في الدين شهراً ، تفور فورة وتهمد بعد ذلك ، ولا شهرين وتقف ، ولا سنتين وتقف ، البطولة هذا دين الله مدى الحياة ، مادام مدى الحياة يحتاج إلى توازن ، يحتاج إلى اتباع السنة ، ماذا فعل النبي ؟ النبي تزوج ، إذا أنت الزواج ليس في حسبانك إطلاقاً أنت مخالف السنة ، أنا لا أريد أن أنشغل عن الله عز وجل بالزوجة ، يخاف عليك أن تنحرف ، أنت لست أورع من النبي إطلاقاً ، الذي فعله النبي قمة في الورع وهو مع أشد حالاته حباً لله ، وإخلاصاً له ، وحباً وورعاً فعل كذا وكذا . قال : إذا حنث الناذر أو رجع عن نذره لزمته كفارة يمين ، معنى حنث أي ما فعل ، أما الحنث باليمين إذا لم تفعل موضوع اليمين ، الحنث في النذر إن لم تفعل موضوع النذر ، من حنث بالنذر أو رجع عنه لزمته كفارة يمين . هنا المعنى ينصرف إلى شيء آخر ، النذر في سورة البقرة ليس نذراً معلقاً ، ليس إذا ابني شفي أفعل هذا ، رجل نذر أن يطيع الله ، أليس النبي قال هذا ؟ نذر أن يستقيم على أمره، فإن لم يفعل فقد ظلم نفسه ظلماً كبيراً ، قلت لكم : في الحديث يوجد نذر واجب ، ونذر مباح ، ونذر محرم ، ويوجد نذر مطلق ، ونذر معلق ، المعلق هو أكثر موضوعات النذر ، كل الناس في المرض ، والنجاح ، وشراء البيت ، يطلب من الله أن يوفقه من شراء بيت حتى يذبح خروفاً، كل حديثنا متعلق بالنذر المعلق ، أما النذر المطلق فهو تعبير عن شكر الإنسان لله عز وجل ، رجل في ساعة صفاء نذر أن يستقيم على أمر الله ، أحياناً يكون رجل عمله في الربا ووقع في ضائقة يقول : عهداً عليّ أن أدع الربا ، نذر ، وهذا نذر ولكن نذر أن يطيع الله عز وجل وهذا يقابله التوبة ، قال تعالى :

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾

[ سورة البقرة : 270]

 هنا ظلم نفسه بعدم وفاء هذا النذر .

من لم يسمِ موضوع النذر فعليه كفارة يمين :

 يوجد عندنا حالة نادرة جداً ما سمى النذر ، لله عليّ إن نجحت وسكت ، رجل دخل إلى المطعم وقال : أتطعمني أم أفعل ما فعله والدي البارحة ؟ خاف أن يكون مجرماً ، فقال له : أطعمك ، وبعد أن أطعمه قال له : ماذا فعل والدك؟ قال : ما فعل شيئاً نام دون أن يتعشى .
 فإذا لم يسمِ النذر عليه كفارة يمين ، وهذا صار لعب بدين الله ، من لم يسمِ موضوع النذر فعليه كفارة يمين .

من مات وعليه نذر على الابن وفاء هذا النذر :

 بقي موضوع أخير : من مات وعليه نذر صيام ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرُ صِيَامٍ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِيَصُمْ عَنْهَا الْوَلِيُّ ))

[ابن ماجه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

 فهذا حكم شرعي إذا إنسان والده غال عليه وكان نذر أن يذبح خروفاً ومات قبل أن يذبح الخروف ، إذا الابن ذبح عنه انحلت القضية لأنه دين معلق برقبته ، فكل ابن يعلم أن والده نذر شيئاً في حياته ولم يوفِ نذره لئلا يقع في حرج مع الله عز وجل عليه أن يفي بنذر والده وأن يقدمه ابتغاء وجه الله عز وجل وهذا حكم شرعي أيضاً .

كل إنسان في مصلحته يستطيع أن يخدم الناس :

 وعوداً على بدء النذر بمعناه الواسع هو الدين ، هو معرفة الله ، إذا عرفت الله عز وجل لابد من أن تنذر شيئاً مما عندك يؤكده قول الله تعالى :

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 16]

 يؤكده قول النبي عليه الصلاة والسلام : " يا بشر لا صدقة ولا صيام فبم تلقى الله؟" إذاً وهذا السؤال الكبير كل إنسان يسأل نفسه هذا السؤال ، هل يوجد رجل ليس له حرفة ؟ الله أعطاه شيئاً ؛ طبيب ، محامي ، مهندس ، مدرس ، صانع ، تاجر ، خبير بالمصلحة الفلانية ممكن أن تقدم منها شيئاً لله ، ممكن أن تعالج مريضاً لوجه الله ، لك عيادة وتعيش في بحبوحة لكن في حالات هذا المريض فقير .
 مرة دخل شخص إلى صيدلية واقفة امرأة متقدمة بالسن محجبة نقصها ليرتين فالصيدلانية سحبت الدواء وقالت لها : اذهبي وأحضري الليرتين ، الإنسان إذا الله أعطاه صيدلية ، مرتبة ، طبيب ، متجر ، جعله موظفاً ، مدرساً ، عنده مركبة يقدم منها شيئاً لله ، توصل إنساناً ملهوفاً ، تساعد رجلاً فقيراً .
 قال لي مدرس : طرق بابي رجل وقال لي : أنت فلان ؟ فقلت له : نعم ، فقال لي: أنا أريد دروساً بالدَّين ، فقلت له : نعم ، فقال لي : أنا أعمل بالصيف وأعطيك ، عندك خمسون طالباً كل طالب ثلاثمئة ليرة في الساعة وهذا مجاناً .
 كل إنسان في مصلحته يستطيع أن يخدم الناس ، ليس كل شيء بالمال ، يوجد شيء لله والعوام لهم كلمات جميلة : المركب إذا لا يوجد شيء لله يغرق ، أحياناً يوجد أصحاب مصالح يقدمون شيئاً للمسجد ، ترك أثراً عند الله عز وجل .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS