18822
شرح الحديث الشريف - رياض الصالحين - الدرس (075-101) : باب: بر أصدقاء الأب, والأم, والأقارب, والزوجة, وسائر من يندب إكرامهم - ما بينه النبي في بر الوالدين بعد موتهما مع بيان صور من الوفاء للنبي مع زوجته خديجة ومع الأنصار
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-06-05
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

ما واجبك تجاه والديك بعد موتهما :

أيها الأخوة, لا زلنا في رياض الصالحين، من كلام سيد المرسلين، عليه أتم الصلاة والتسليم، والباب اليوم باب: بر أصدقاء الأب, والأم, والأقارب, والزوجة, وسائر من يندب إكرامهم .
برك لوالديك لا ينقطع حتى بعد موتهما
عَنْ ابْنِ عُمَرَ قال:

((قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ أبَرَّ البِرِّ, أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أهْلُ وُدِّ أبيه))

[أخرجه الترمذي في سننه]

عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ قَالَ:

((بَيْنَا نَحْنُ جلوس عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ فقَالَ: نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا, وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا))

[أخرجه أبو داود في سننه]

أربعة أشياء أنت مكلف بأن تقوم بها بعد موت الأب والأم: الدعاء والاستغفار, مع كل صلاة: رب اغفر لي ولوالدي، لأن الأب والأم سبب وجودك .
وفي الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ))

[أخرجهما أبو داود الترمذي في سننهما عن أبي هريرة]

من أفضل النعم وأعظمها :

أيها الأخوة, أعظم نعمة على الإطلاق نعمة الإيجاد، إذا تصفح الإنسان كتاباً مطبوعاً مثلاً في سنة 1920، في أثناء تصفح حروف هذا الكتاب, هل للقارئ وجود؟ له اسم؟ له حيز؟ له كيان؟ قال تعالى:

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾

[سورة الإنسان الآية: 1]

أنت الآن موجود، فهذه أكبر نعمة على الإطلاق, أن الله أوجدك من عدم، سمح لك أن تكون، أن تولد، عندنا إنسان اسمه فلان، متاح له أن يسكن الجنة إلى أبد الآبدين، إذا أرضى الله عز وجل، متاح له أن يسعد إلى أبد الآبدين، لذلك قالوا:

((النعمة الأولى نعمة الإيجاد، والنعمة الثانية نعمة الإمداد))

؛ أمدك بالهواء، أمدك بالماء، أمدك بزوجة، أمدك بولد، أمدك بمأوى، أمدك بقدرة على كسب المال، أمدك بذاكرة .
أحد أخواننا, توفي –رحمه الله–, خرج من معمله، وبيته في المهاجرين، قال لي: خلال نصف ساعة أو أكثر، وأنا أجول، ولم أعرف بيتي، تلفت ذاكرته، بقي في ذاكرته مكانَ بيتِ ابنه، في الجسر، طرق باب ابنه، وقال له: يا بني, أين بيتي أنا؟ فالله عز وجل أمدك بذاكرة، أمدك بنطق، قال تعالى:

﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

[سورة الرحمن الآية: 4]

أنعم عليك بنعمة الإيجاد، وأنعم عليك بنعمة الإمداد، وجمعك مع أهل الحق، سمح لك أن تسمع خطبة، أن تسمع درساً، تصلي، وتصوم، وتتزوج، وألاّ تزني، تشرب الليمون، وليس الخمر، تنام على الفراش، وليس في السجن، ولست ملاحقاً، نعمة الحرية لا تقدر بثمن .

سبب هذه النعم هما :

أيها الأخوة, أنعم عليك بنعمة الإيجاد، وأنعم عليك بنعمة الإمداد، ثم أنعم عليك بنعمة الهدى والرشاد، مَن السبب؟ الأب والأم، فلذلك قال تعالى:

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾

[سورة الإسراء الآية: 23]

والداك هم سبب نعم الله عز وجل عليك
هل يمكن أن تقول: اشتريت بيتاً في المالكي بثلاثين مليوناً وملعقة، هل ينسجم هذا معك؟ يكون الإنسان أحمق، يقول: أخذت بيتاً وأرضاً، بيتاً وسيارة، بيتاً ومرزعة، العطف يقتضي الانسجام، أما: اشتريت بيتاً وملعقة, ليس هناك تناسب، لما قال ربنا:

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾

[سورة الإسراء الآية: 23]

رفع الإحسان إلى الوالدين, إلى مستوى عبادة الله، قال تعالى:

﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾

[سورة محمد الآية: 5]

ورفع صلاح البال إلى مستوى الهدى، مثلما أن نعمة الهدى لا تقدر بثمن, فكذلك نعمة صلاح البال لا تقدر بثمن، ليس عنده مشكلة كبيرة، لم يستدعوه إلى المخفر, لأن ابنته ضُبطت في مكان دعارة، ماذا يحدث له؟ لو استدعي إلى المخفر, ليرى ابنته ضُبطت في الدعارة، لو أن بنته حملت من ابنه، ماذا يحدث له؟ هذه الأمور تقع .
أنا لا أتكلم من خيال إطلاقاً، بل من واقع، لو أن ابنه سرق، لو أن ابنه مدمن مخدرات، يأتي الساعة الثالثة صباحاً مع رفاقه، يسهرون على فيلم فيديو، ما يحدث للأب؟ أما الذي عنده ابن صالح، والذي له بيت، والذي له مأوى، ومهنة يرتزق منها، عنده زوجة صالحة، أمدك بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، والسبب الأم والأب، وإكراما لهذه الأم ولهذا الأب, عليك أن تصلي عليهما .
إذا كان هناك في المسجد جنازة، من أولى الناس أن يصلي على هذه الجنازة؟ يتوهم الناس أنه الإمام، لا، أولاده، أقرب الناس إليه يصلي عليه، أن تصلي عليهما، وأن تدعو لهما.

احذر أيها الأب من هذا :

أيها الأخوة, أب على فراش الموت، قالت له ابنته: يا أبت, حرمك الجنة كما حرمتني من الزواج، كلما جاءها خاطب, شمخ الأب أنفه، إلى أن بارت الفتاة، هذا الإعضال، أن تحول بين ابنتك والزواج، هذه جريمة، بل إن هذا ورد في آية كريمة عجيبة، قال تعالى:

﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾

[سورة النور الآية: 33]

ضياع الأبناء بيد الآباء
هل هناك على الأرض إنسان واحد, يجبر ابنته على الزنا؟ مستحيل، ولكن حينما يعضلها، وحينما يضع العراقيل أمام زواجها، وحينما يضع الشروط التعجيزية للزوج إلى أن تبور البنت، قالت له: حرمك الله الجنة، -ولم تستح منه-، كما حرمتني الزواج يا أبت .
ويوم القيامة تقول البنت المتفلتة: يا رب, لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي، لأنه ما رباني، فالأبوة الكاملة شيء ثمين جداً، قال:

((أن تصلي عليهما، وأن تنفذ عهدهما))

ترك أب لأولاده أربع بنايات، وفي حياته رجاني أن أكون ناظر وصية بمئة ألف ليرة, تُدفع في وجوه الخير، واللهِ أولاده الذين أخذوا منه أربع بنايات, ما طابت نفسهم بإنفاق مئة ألف ليرة على روح والدهم، أو على وصية والدهم .
لذلك: يا أخوان, درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم يُنفق بعد مماتك، لا تكن تحت رحمة أحد، عندي في البيت نحو تسع وصايا، أتلفتها كلها، ولم تنفّذ واحدة، الأبناء يقبضون أيديهم، أين أنت ذاهب يا أخي؟ قال: أنا ذاهب لأسكر على روح أبي، إذا لم يربِّ الإنسان أولاده, هذا ما يجنيه .

كيف تبر أبويك بعد موتهما؟ :

أيها الأخوة, أول شيء أن تصلي عليهما، وأن تدعو لهما، وأن تفذ عهدهما، أوصتك والدتك بأختك، لا بد أن تنفذ وصيتها، عينك على أختك، اتركها في هذا البيت، وأنت غني، ولكن النتيجة أن يباع البيت، ويضعها في آخر الدنيا, حتى يأخذ المليونير حصته من البيت، يبيع البيت، ويسكن أخته في أطراف المدينة، وأمه قالت له: اترك أختك في البيت، لا تبع البيت.
إنَّ أبَرَّ البِرِّ, أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أهْلُ وُدِّ أبيه
بالمناسبة: أخواننا الكرام، هناك وصية حرام، عندك بيت مساحته سبعون متراً، وعندك خمسة أولاد وزوجة، وقلت: ثلث مالي للفقراء، ليس عندك إلا هذا البيت، ماذا يفعل أهلك؟ يبيعون البيت حتى ينفذوا الوصية؟ هذه وصية حرام، تركت بيتاً فقط، مأوى صغير، وعندك خمسة أولاد وزوجة، اتركه كما هو، همْ أهمّ من وصية، ليس كل وصية مقبولة عند الله عز وجل، شغّل أولادك، تسكنهم في أطراف المدينة، يفتقرون، من أجل أن تدفع لطلاب العلم، إذا كنت في بحبوحة فلا مانع، والأولى أن تدفع، أما إذا لم يكن لديك إلا بيت واحد, فينبغي أن تبقيه لهم, دون أن تحملهم على بيعه .
أن تصلي عليهما، وأن تدعو لهما، وأن تنفذ عهدهما، وأن تصل صديقهما، أصدقاء والدك، صديقات والدتك، ينبغي أن تحتفل بهم بعد موت الأب والأم، ينبغي أن تزورهم في العيد، وأن تصل صديقهما، وأن تنفذ عهدهما، وأن تصل الرحم التي لم يكن لها صلة إلا بهما ، فهذا الذي بقي لك من برهما بعد موتهما، هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك الأب سبب وجودك، إذًا: ينبغي أن يعامَل أطيب معاملة .
عَنْ ابْنِ عُمَرَ قال,

((قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ أبَرَّ البِرِّ, أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أهْلُ وُدِّ أبيه))

[أخرجه الترمذي في سننه]

واللهِ فيما أعلم قديماً, السلف الصالح حينما يتوفى الأب، أخوته أو أصدقاؤه, يعاملون أولاد صديقهم المتوفى كأنهم أولادهم .

سبب شروع الوصية الواجبة :

هناك في الوصية الواجبة نقطة, لم ينتبه إليها أحد منكم، هل نسي الشرع إذا مات الإنسان في حياة والده, أنّ أولاده لا يرثون شيئا؟ في الوصية الواجبة لهم حصة أبيهم كما لو كان حياً، أما في أصل الشرع فليس لهم شيء، هل نتهم الشرع أنه نسي؟ .
أب له خمسة أولاد، أحد أولاده مات في حياته، بحسب نظام الإرث الإسلامي لا يرث الأولاد شيئاً، لأن أباهم مات في حياة جدهم، والمال كله لعمومهم، القانون معه وجهة نظر، أعطى الأولاد بالوصية الواجبة حصة أبيهم المتوفى, كما لو كان حياً، ما وجهة نظر الشرع في هذا؟ .
واجب العم رعاية أولاد أخيه بعد موته
إذا كان هناك أربعة أعمام، والأب ترك ميراثاً، وحصة الأب المتوفى فرضاً خمسمئة ألف، إذا أعطينا الأولاد الخمسة الأيتام خمسمئة ألف أفضل، أم نأخذ الخمسمئة لنا، ونرعاهم طول حياتهم، نزوج البنات، ونؤمِّن عملاً للشباب؟ .
الله عز وجل أراد من العمّ أن يكون أبًا، قال له: خذ حصة أخيك المتوفى، وارع أولاده كأنهم أولادك، هذه الحكمة، فلما تقاطع الناس، وتدابروا، وقصّر الناس في حقوق بعضهم بعضاً، وجدت الدولة نفسها, أن تسنّ قانون الوصية الواجبة، بسبب التدابر .
رجل يتكلم بمئتي مليون، له أخ فقير جداً، وابن هذا الأخ من أخواننا، هذا العم الغني المليونير, أتى بأكل يوم التعزية، ودعا الناس، وضيّف بثمانية آلاف ليرة على حساب الأيتام ثمن الطعام، ما سخت نفسه بدفع ثمن الطعام، تجد العم مليونيراً، والأخ فقيراً، ليس هناك رحمة أبداً.
لذلك أيها الأخوة:

((إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ:

((أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ, لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ, فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنَّهُمْ الْأَعْرَابُ، وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ, فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَبَا هَذَا, كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ))

انظر إلى وفاء النبي لخديجة :

كان النبي صلى الله عليه وسلم, لما تأتي امرأة من صديقات خديجة, يكرمها إكراماً منقطع النظير، تقول له السيدة عائشة:

((من هذه؟ فيقول صلى الله عليه وسلم: هذه كانت تغشانا أيام خديجة))

صديقة زوجته .
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

((مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ رضي الله عنها, وَمَا رَأَيْتُهَا قط, وَلَكِنْ كَانَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا, وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ, ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً, ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ, فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ! فَيَقُولُ: إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ, وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ))

[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]

إذا كان للرجل زوجة ثانية, يتفنن في ذم الأولى، يقول: ارتحنا منها، حتى يرضي الثانية, يتهم الأولى بأشياء هي بريئة منها، أما النبي فكان وفياً .

((وَلَكِنْ كَانَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا, وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ, ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً, ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ, فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ! فَيَقُولُ: إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ, وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ))

[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]

قصة لها تأثيرها :

الرسول الكريم قدوة لنا في وفائه
أنا تأثرت بقصة تأثراً بالغاً، السيدة خديجة وقفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت سنده من الداخل، عمه أبو طالب كان سنده من الخارج، أما خديجة فهي سند داخلي، وأنا درّست سيرتها، شيء مذهل، زوجة لا مثيل لها في الود, والوفاء, والمعاونة، وثابتة، توفيت رضي الله عنها، ولم تكتحل برؤية نصر المسلمين، فلما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، أين سينام في مكة؟ ما من بيت في مكة إلا ويتمنى صاحبه أن ينام فيه .
قال عليه الصلاة والسلام:

((انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة))

.
وغرس راية الحرب على قبرها، هذه المرأة كانت أحد أسباب نجاح الدعوة.

((انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة))

ونصب راية الحرب على قبرها, تنويهاً إلى فضلها في الدعوة، هذا الوفاء .

من وفائه للأنصار :

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

((خَرَجْتُ مَعَ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ رضي الله عنه, فِي سَفَرٍ, فَكَانَ يَخْدُمُنِي, فَقُلْتُ لَهُ: لَا تَفْعَلْ, فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الْأَنْصَارَ, تَصْنَعُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا, آلَيْتُ على نفسي, أَنْ لَا أَصْحَبَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا خَدَمْتُهُ))

[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]

اقتدى بأصحاب رسول الله في خدمة الأنصار .
وكان وفاء النبي صلى الله عليه وسلم عجيباً، لما أعطى الغنائم لأناس مؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار, وجدوا عليه في أنفسهم .
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:

((لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى, مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ, وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ, وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ, وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ, حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمْ الْقَالَةُ, حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ, فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ –غضبوا- لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ, الَّذِي أَصَبْتَ, قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ, وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ, وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ, قَالَ: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي, -أي أنا أيضاً واجد عليك-, وَمَا أَنَا قَالَ، فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ, قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ, فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ, قَالَ: فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ, فَتَرَكَهُمْ, فَدَخَلُوا, وَجَاءَ آخَرُونَ, فَرَدَّهُمْ, فَلَمَّا اجْتَمَعُوا, أَتَاهُ سَعْدٌ, فَقَالَ: قَدْ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ, قَالَ: فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَحَمِدَ اللَّهَ, وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ, ثُمَّ قَالَ:
يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ, مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ, وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ, أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ؟ -قال: أنا هديتكم، فهداكم الله، أرأيت إلى هذا التواضع؟-, وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ؟ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟ قَالُوا: بَلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ, قَالَ: أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟ قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ؟ –دقق الآن، وقد شرحت هذه القصة مرة في خطبة، كان عليه الصلاة والسلام بإمكانه أن يفعل, كما يفعل فعلَ الأقوياء، أن يلغي وجودهم، لأنهم انتقدوه، وكان بإمكانه أن يهدر كرامتهم، وكان بإمكانه أن يهملهم، وكان بإمكانه أن يعاتبهم لصالحه، ما الذي فعله معهم؟ ذكّهم بفضلهم عليه- .
قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ, لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ, فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ, أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ, وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ, وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ, وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ, -إن قلتم هذا, فأنتم صادقون، وإن قلتم للناس يصدّقونكم-, أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدُّنْيَا, تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا, وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ, أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ, وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ؟ .
فَوَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ, وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا, وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا, لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ, اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ, وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ, وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ, قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ, وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا, ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَتَفَرَّقْنَا))

كان تعليقي على هذه القصة: كان الله في عون كتّاب السيرة، هذه القصة أين مكانها؟ مع وفائه، أم مع رحمته، أم مع حسن سياسته، أم مع تواضعه؟ أين؟ هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام .

خاتمة القول :

أيها الأخوة، في النهاية: الإسلام أخلاق، ومكارم الأخلاق هي الدين كله، ومن زاد عليك بالخلق زاد عيك في الدين .
فالنبي صلى الله عليه وسلم كله وفاء، كله تواضع، كله رحمة، حتى إن بعض العلماء قالوا:

((الشريعة رحمة كلها، عدل كلها، مصلحة كلها، حكمة كلها، أية قضية خرجت من العدل إلى الظلم، من المصلحة إلى المفسدة، من الحكمة إلى ضدها، فهي ليست من الشريعة، ولو أُدخِلت عليها بألف تأويل وتأويل))

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS