14422
العقيدة - العقيدة من مفهوم القران والسنة - الدرس ( 12-40) : كلمة التوحيد
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2003-08-03
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

اعلم أن الاعتقاد بلا إله إلا الله وأن محمد رسول الله تحقيقاً لا تقليداً :

 أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثاني عشر من دروس العقيدة، وصلنا إلى بعض معاني لا إله إلا الله, إنها كلمة التوحيد الأولى, الإسلام كله في هاتين الكلمتين: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا إله إلا الله يعني لا معبود بحق إلا الله, ولكن أدق شيء يقال في هذه المناسبة: أن الاعتقاد بمضمون لا إله إلا الله تقليداً, لا يقبل أن تعتقد بمضمون لا إله إلا الله تقليداً, هذا لا يقبل منك أبداً, لا بد من أن تعتقد بمضمون لا إله إلا الله تحقيقاً، وفرق كبير بين التقليد والتحقيق, ذلك لأن الله عز وجل يقول:

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

[سورة محمد الآية: 19]

ما الذي ينجم عنه ضعف التوحيد؟ :

ما  من مشكلة, ما من تقصير, ما من قلق, ما من خوف, ما من استغباء, ما من نفاق, ما من قلق, إلا بسبب ضعف بالتوحيد, ويمكن أن يعزى إلى الضعف بالتوحيد مئات بل عشرات المئات من أمراض المسلمين, حينما لا ترى مع الله يداً أخرى تعمل, حينما لا ترى إلا الله, وحينما ترى أن الأمر كله بيد الله, وحينما ترى أنه لا رافع إلا الله, ولا خافض إلا الله, ولا معز إلا الله, ولا مذل إلا الله, ولا معطي إلا الله, ولا مانع إلا الله, تتجه إلى الله, أما حينما ترى أن مع الله آلهة أخرى, ليس شرطاً أن تسميهم آلهة, يمكن أن تقول: أن هؤلاء بشر, لكنك تعتقد اعتقاداً جازماً, أنهم يملكون أن ينفعوك أو أن يضروك, فإذا ظننا أنهم يملكون أن ينفعوك أو أن يضروك, توجهت إليهم, من هنا يقول الله عز وجل:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾

[ سورة النساء الآية: 48]

 لمجرد أن تشرك بالله عز وجل, فقد قطعت عنك الطريق إلى الله عز وجل .

ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام عن هذه الآية: -ولم يلبسوا إيمانهم بظلم- حينما سئل عنها؟

 حينما قال الله عز وجل:

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾

[سورة الأنعام الآية: 82]

 قلنا: يا رسول الله! أينا لا يظلم نفسه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ليس كما تقولون, لم يلبسوا إيمانهم بظلم, أي بشرك .
 وظلم النفس حينما تشرك، أشد أنواع الظلم قاطبةً هو ظلم النفس, أي أنت حينما تعلق الأمل على مخلوق ضعيف, لو أنك علقت الأمل على خالق الأكوان, لارتقيت إلى أعلى عليين, لنت سعادة الدارين, لكنت في المقدمة, أما حينما ربطت نفسك بمخلوق, وهو ضعيف, وقد يكون لئيماً, وقد يكون ضعيفاً, فأنت بهذه الحالة انتهيت .

دقق في هذه الكلمة :

 أيها الأخوة الكرام, دققوا في هذه الكلمة: لا يليق بك أيها الإنسان, أن تكون لغير الله, ولمجرد أن تكون لغير الله, فإنك تحتقر نفسك .
 ذكرت لكم مرةً: أن عالماً جليلاً, التقيت به في مصر مرتين, فسافر إلى بريطانيا لإجراء عملية جراحية, فانهالت الرسائل والاتصالات بشكل غير معقول, من شتى بقاع العالم الإسلامي, فالإذاعة هناك أجرت معه حواراً من هذه الأسئلة التي طرحت عليه, ما هذه المكانة التي حباك الله بها؟ فأجاب إجابةً رائعة, قال: لأنني محسوب على الله .
 أنت كمؤمن يجب أن تكون محسوباً على الله فقط, أما أن تكون محسوباً على جهة أرضية, هذا يعني أنك تحتقر نفسك, أنت لله .
 ببعض الآثار ورد: عبدي, خلقت لك ما في الكون من أجلك فلا تلعب, وخلقتك من أجلي فلا تلعب, فبحقي عليك, لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك .
 النبات للحيوان والحيوان للإنسان والإنسان؟ لله، هناك من يعيش ليأكل, هناك من يأكل ليعيش, وهناك من يعيش لله عز وجل.

ما معنى ظلم النفس هنا في هذه الآية؟ :

 شيء آخر: يقول الله عز وجل:

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾

[ سورة فاطر الآية: 32]

 ظالم لنفسه؛ أي واقع بالشرك، الإنسان حينما يشرك يتجه إلى لا شيء, وأنا مرة قربت هذا المعنى لأخواننا:
 لو فرضنا إنسان مسافر في حلب, وسوف يقبض مليون ليرة, الساعة الثانية عشرة, وركب قطار حلب, قد يرتكب أخطاء كثيرة, قد يجلس في عربة من الدرجة السادسة, وبطاقته من الدرجة الأولى, أخطأ, وقد يجلس مع شباب  أزعجوه طوال الرحلة, وهذا خطأ ثاني, وقد يتلوى من الجوع, ولا يعلم أن في القطار مركبة مطعم, هذا خطأ ثالث, وقد يجلس بعكس اتجاه القطار, فيصاب بالدوار, وهذا خطأ خامس, لكن مع كل هذه الأخطاء, القطار سوف يصل إلى حلب في الوقت المحدد, وسوف يقبض المبلغ, أخطاء تغتفر, لأن القطار في اتجاه حلب, والمبلغ جاهز هناك، أما في خطأ لا يغتفر, أن تركب قطار درعا, لا شيء بهذا الاتجاه, لا يوجد شيء إطلاقاً .
 الإنسان حينما يتجه إلى الله في كل شيء, إذا اتجه إلى غير الله لا يوجد شيء، لو جئتني بملء السموات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي, أما إذا اتجهت إلى غير الله :

﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾

[ سورة إبراهيم الآية: 22]

ما حق الله على عباده؟ :

 الحديث الذي أكثر من تلاوته عليكم في الصحيحين: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

((كنت ردف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مؤخِرَة الرَّحْلِ, قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ, قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, ثُمَّ سَارَ سَاعَةً, ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بن جبل, قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, ثُمَّ سَارَ سَاعَةً, ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بن جبل, قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ, وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا, ثُمَّ سَارَ سَاعَةً, ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ, قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ ذلك؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]

متى يحقق العبد الهدف الذي خلق من أجله؟ :

 هل تستطيع أن تأتيني بآية تضغط الأديان السماوية كلها, أو تضغط الشرائع السماوية كلها؟ قال تعالى:

﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾

[سورة المؤمنون الآية: 32]

 العقيدة: لا إله إلا الله, السلوك العبادة, لذلك قالوا: نهاية العلم التوحيد, ونهاية العمل التقوى، فإذا وحدته وعبدته, حققت الهدف الذي خلقت من أجله .

نقطة إليك توضيحها :

 في نقطة أتمنى من الله أن يمكنني من أن أوضحها لك. قال: المطيع يستحق الجزاء, لكن هذا الاستحقاق استحقاق إنعام وفضل, وليس استحقاق مقابلة, كما يستحق المخلوق على المخلوق, طبعاً: هذا المعنى مأخوذ من قول النبي عليه الصلاة والسلام:
 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ, حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عَائِشَةَ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا, فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ, قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا, إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ, قَالَ: أَظُنُّهُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ, عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا, قَالَ: مُجَاهِدٌ قَوْلًا سَدِيدًا وَسَدَادًا صِدْقًا))

ما شرح هذا الحديث الذي سبق ذكره: (قال: سددوا وقاربوا ......)؟ :

 الحديث يحتاج إلى شرح, لكن أوضح شرح: أب وعد ابنه, أنه إذا نجح بتفوق, سيشتري له دراجة غالية جداً, فالابن نجح بتفوق, فلما أخذ الجلاء, ذهب مباشرةً إلى بائع الدراجات, قال له: أريد هذه الدراجة, وهذا الجلاء, هل يأخذ الدراجة؟ لا بد من دفع الثمن, هو حقق السبب, أما ما دفع الثمن .
 مثل آخر: بيت بأرقى أحياء دمشق, ثمنه ثمانون مليون, سبب دخوله مفتاح, ثمنه خمس عشرة ليرة, تدخل إلى هذا البيت بخمس عشرة ليرة, لكن ثمنه ثمانين مليون .
 فكل أعمالك في الدنيا, وكل طاعتك في الدنيا, وكل إقبالك على الله في الدنيا, وكل ذلك في الدنيا, يساوي سبب دخول الجنة, ولكن الثمن, لا يمكن أن يدفعه أحد, لذلك قالوا: الجنة محض فضل, والنار محض عدل، النار بالعدل أما الجنة بالفضل .
 أنت تدفع ثمن دخول الجنة؛ استقامتك, وعبادتك, وطاعتك, وإنفاقك, وبذلك لسنوات معدودة, الجنة إلى أبد الآبدين, وكلمة أبد من الصعب أن تتصورها, من الصعب أي شيء سأدلي به الآن محدود, واحد بالأرض أصفار إلى الشمس, كل ميليمتر صفر, ما هذا الرقم؟ مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر, كل ميلي صفر, هذا الرقم ضعه صورة مخرجه, لا نهاية, قيمته صفر، أي رقم نسب إلى اللا نهاية فقيمته صفر, إذا كان الأبد لا نهاية, لو الإنسان عاش مليار سنة، يقول لك: ما شاء الله تسعة وسبعين, لو عاش مليار سنة عمره صفر، العمر صفر لا شيء بعده .

ما أجمع عليه أهل العلم :

 أيها الأخوة الكرام, مرة ثانية لا يكفي أن تتلفظ بالشهادتين, لا بد أن تعلم بمضمون الشهادتين .
 أيها الأخوة الكرام, أجمع أهل العلم على أن: النطق بكلمة التوحيد من غير معرفة بمعناها, ولا يقين, ولا عمل بمقتضاها من البراءة من الشرك, وإخلاص القول, والعمل قول القلب واللسان, وعمل القلب والجوارح, فغير نافع بالإجماع .

ما معنى إله؟ :

 الدين يكاد يفرغ من مضمونه؛ قوالب, حركات, سكنات, عادات, تقاليد, الدين مضمون عميق جداً: لا إله إلا الله .
 ما معنى إله؟ يقول بعض العلماء: الإله: هو الذي تألهه القلوب محبةً, وإجلالاً, وإنابةً, وإكراماً, وتعظيماً, وذلاً, وخضوعاً, وخوفاً, ورجاءً, وتوكلاً, هل في الأرض جهة يمكن أن تألهها القلوب, أن تحبها محبةً, وإجلالاً, وإنابةً, وإكراماً, وتعظيماً, وذلاً, وخضوعاً, وخوفاً, ورجاءً, وتوكلاً؟.
 عند بعض العلماء الإله: هو الذي يطاع, فلا يعصى هيبةً, محبةً, وإجلالاً, وإنابةً, وإكراماً, وتعظيماً, وذلاً, وخضوعاً, وخوفاً, ورجاءً, وتوكلاً, وسؤالاً, ودعاءً, ولا يصلح هذا كله إلا لله .
 مثلاً: في بلدنا الطيب, يجب أن تعبد جهةً تنزل الأمطار، هل في بكل أطراف الدنيا جهة بإمكانها أن تغدق على الناس الأمطار إلا الله؟ إذاً: ينبغي أن تعبد الله، يجب أن تعبد جهةً تستطيع, أو من قدرتها أن تشفي المرض العضال, هل في الأرض كلها جهة يمكن أن تشفي مرضاً عضالاً إلا الله؟ :

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾

[ سورة الشعراء الآية: 80]

 يجب أن تعبد من بيده كل شيء, من بيده حياتك, من بيده مماتك, من بيده نفعك, من بيده ضرك, من بيده قلوب الخلق, من إليه المصير .
 إذاً: من أدق تعريف لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، ليس في الكون جهة تستحق أن تعبد إلا الله.

ما مطلب هذا المثال؟ :

 بالمثل البسيط: لازم تأخذ تأشيرة إلى بلد معين, فقال لك: الموظف هذه التأشيرة بالذات, لا يمكن أن تمنح إلا من قبل المدير العام, وهذه الدائرة فيها أربعة طوابق, بكل طابق في خمسة وعشرين موظف، ما دام أيقنت أن صلاحية منح هذه التأشيرة بيد إنسان واحد في هذا البناء, فهل تبذل ماء وجهك لغير هذا الإنسان؟ هل تقف على باب أحد من هؤلاء الموظفين متسكعاً ساعات طويلة؟ معنى هذا أنك أحمق، هذا الطلب بيد المدير العام, لذلك تتجه إليه, أنت حينما تعلم أمر رزقك, أمر زواجك, أمر صحتك بيد الله عز وجل, أمر مكانتك, أمر إسعادك, أمر تلبية حاجاتك, أمر حل مشكلاتك بيد الله عز وجل, هي بيد الله عز وجل .
 لو تحققنا من التوحيد, لو أنك تعيش في أسوأ بلد في العالم, ترى من التوفيق ما لا تصدق, ومن لم يتحقق بمعنى التوحيد, قد يذهب إلى أرقى بلد في العالم, وتكون مصيبته هناك.

تعريف آخر لكلمة الإله :

 تعريف ثالث: قال: الإله هو المعبود المطاع, فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد, وكونه يستحق أن يعبد, هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب, المخضوع له غاية الخضوع .
 يعني العبادة غاية الحب, وغاية الخضوع, يعني أعلى درجة من الطاعة مع أعلى درجة من المحبة, لكنك في حياتك اليومية, قد تطيع جهةً ولا تحبها .
 يقول لك: ابن حرام, لكنك تطيعه, تخاف منه, وقد تحب جهةً ولا تطيعها، إنسان له والدة يحبها, لكن هو مثقف ثقافة عالية جداً, شعر باختلال بصحته, قالت له: خذ طاسة الرعبة مثلاً, لا يرد عليها, هذا تقليد قديم فرضاً .
 فقد تحب ولا تطيق, وقد تطيع ولا تحب, لكنك مع الله, ينبغي أن تطيعه وتحبه, لذلك في بحياتك شخص, تحترمه كثيراً ولا تحبه, قد يكون مدرس بالجامعة, شديد جداً في الامتحانات, ولئيم أحياناً, لكن فهمان باختصاصه, ما في أعلى منه, أو أيام طبيب لا يتكلم معه, لكنه أفضل طبيب, تحترمه ولا تحبه, وقد تحب جهةً ولا تحترمها, لكن الله وحده بقدر ما تعظمه, بقدر ما تحبه, وهذا معنى قوله تعالى:

﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾

[ سورة الرحمن الآية: 78]

المطلوب منك أيها الداعي إلى الله :

 فيا أيها الأخوة, من دعا إلى الله, يجب أن تجمع في دعوتك بين الحب وبين الخوف, لا أن تجعل كل كلامك ينصب على الوعيد والتهديد, وألوان العذاب والثعبان الأقرع هذا، اجمع بين الرجاء والخوف, يجب أن تخوف, ويجب أن تطمع أحياناً برحمة الله .

التعريف الجامع الشامل للإله :

 الإله: هو المحبوب المعبود, الذي تأله القلوب بحبها, وتخضع له, وتذل له, وتخافه, وترجوه, وتنيب إليه في شدائدها, وتدعوه في مهماتها, وتتوكل عليه في مصالحها, وتلجأ إليه, وتطمئن بذكره, وتسكن إلى حبه, وليس ذلك إلا الله .
 مثلاً: إنسان قال لك: يجب أن تطيعني, تقول له: نعم, هل تستطيع أن تدفع عني الموت؟ يقول لك: لا، هل تستطيع أن ترزقني؟ لا, هل تستطيع أن تحفظني؟ لا .

قصة وردت عن أحد العارفين بالله :

 في بعض القصص: أحد العارفين بالله, جاءه شاب يطلب منه أن يسمح له بالمعصية, قال له: خمسة أشياء إن فعلتها لا تضرك معصية, قال: ما هي؟ قال: إن أردت أن تعصيه فلا تسكن بلاده, قال: وأين أسكن إذاً؟ قال: تسكن أرضه وتعصيه؟ ألا تستحي تسكن أرضه وتعصيه؟ قال: هات الثانية, قال له: إذا أردت أن تعصيه, فلا تأكل من رزقه, قال: وماذا آكل إذاً؟ قال: تسكن أرضه, وتأكل رزقه, وتعصيه؟ قال: هات الثالثة, قال: إن أردت أن تعصيه فاعصه في مكان لا يراك فيه, كيف لا يراني؟ قال: تسكن أرضه, وتأكل رزقه, وتعصيه, وهو يراك؟ قال: هات الرابعة, قال: إذا أردت أن تعصيه, وجاءك ملك الموت, فلا تذهب معه, لا ترد عليه, قال: لا أستطيع, قال: تسكن أرضه, وتأكل رزقه, وتعصيه, وهو يعلم, ولا تستطيع أن تدفع عنك ملك الموت؟ قال: هات الخامسة, قال: إذا أردت أن تعصيه, ومت, ثم حشرت يوم القيامة, فلا تدخل إلى النار, قال: تسكن أرضه, وتأكل رزقه, وتعصيه, وهو يعلم, ولا تستطيع أن تدفع عنك ملك الموت, ولا عذاب الزبانية؟ قال له: كفاني ذلك .

اسمع هذا القول :

 أيها الأخوة الكرام, يقول بعض العلماء: الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها, وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب .
 إنسان ماشي في الطريق, وجد ألف ليرة, وفي مصور انحنى, وأخذ الألف, ووضعها في جيبه, صورناه, وفي نيته أن يبحث عن صاحبها، إنسان آخر وجد ألف ليرة, وفي مصور انحنى, وأمسك بالألف, ووضعها في جيبه, وفي نيته أن يأخذها، لو عرضت الصورتين, الصورتان متطابقتان تطابقاً تاماً, إنسان عمل طاعة, والثاني اجترح معصية, التفاضل أين؟ في النية, إنما الأعمال بالنيات .

ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد :

 أيها الأخوة الكرام, لا أرتوي من هذه المقولة: ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد, في تعبير دارج لهذه الكلمة يقول: ما في إلا الله .
 في قوى مخيفة, في أناس شريرين, في أمراض عضال, في فقر مدقع, في سجن مدمر, في تعذيب لا يحتمل, في ظلام, في قصف, في ألغام, في صواريخ, وفي اجتياح, وفي إذلال, لكن ما في إلا الله, إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ هذا التوحيد أن لا ترى مع الله أحداً, لذلك يقول بعضهم: إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوب .

الدعاء صلاة :

 في حديث قصير جداً كلمتين بل أدائين: اللهم أنا بك وإليك .
 أنا قائم بك، في أحيانا أدعية جامعة مانعة: اللهم ارزقني طيباً واستعملني صالحاً, اللهم اهدني واهد بي، اجعلني هادياً مهدياً, اللهم ارزقني طيباً واستعملني صالحاً, اللهم أقل عثرتي, واغفر زلتي, وآمن روعتي, وفرج كربتي .
الدعاء صلاة يا أخوان, قبل أن تدخل على مكان: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي, والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين .

خلاصة القول :

 أيها الأخوة الكرام, أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بمضمون التوحيد, ونحن في أمس الحاجة إلى حقائق عن التوحيد, لكن فرق كبير بين أن تدرك الحقيقة وبين أن تعيشها، إدراك معاني التوحيد سهل جداً, كل إنسان الله آتاه إدراك سليم يدركها, لكن على المحك العملي, لا ينجو من الألف عدد قليل .
 مثلاً: قد يأتيك ضغط لا يحتمل أن تعصي الله, فالموحد يقول: أحد أحد كسيدنا بلال, قد يأتيك تهديد بالقتل إن لم تعص الله, في التوحيد لا تأخذه بالله لومة لائم, وقد يأتيك إغراء شديد, بالتوحيد أيضاً هذا الإغراء لا يؤثر بالمسير إلى الله عز وجل .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS