21314
التربية الإسلامية - موضوعات مختلفة - الدرس ( 051) :الترغيب والترهيب2 - برالوالدين - عيد الأم.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-09-27
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، و زدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تمهيد :

أيها الإخوة الكرام ؛ بعض الإخوة الكرام لِمَ لَمْ تجعل خطبة الجمعة حول موضوع عيد الأم ، الحقيقة أن هذا العيد مستورد استيراد ، سأذكر لكم قصة عشتها قبل سنوات عدة :
أنظمة التعليم العالي في بلدنا وأنظمة البعثات لا تسمح لإنسان يحمل أعلى شهادة أن يُعيَّن في هذا البلد ما لم يحمل شهادة ثانوية سورية ، معه دكتوراه ، معه بورد ، لا يُعيَّن إلا إذا كان يحمل شهادة ثانوية سورية ، هذا النظام حرمنا من كثير من أبنائنا النابغين والمتفوِّقين ، لذلك ظهر في السبعينات تعديل لهذا النظام أن كل إنسان يحمل شهادة عالية ؛ دكتوراه فما فوق ولا يحمل شهادة ثانوية سورية ، بإمكانه أن يتقدّم بامتحان يعادل الشهادة الثانوية ، والحقيقة امتحان شكلي ، مادة لغة عربية ، ومادة جغرافيا ، وتاريخ ، فإذا نجح في هذا الامتحان الشكلي عُدّ ممن يحمل الشهادة الثانوية السورية وعُيِّن ، وبهذه الطريقة استقبلنا طلابنا اللذين حصلوا على شهادات عليا ولم يحملوا الشهادة الثانوية السورية .
المؤمن يبر والديه في كل يوم
هذا الكلام لا يعنينا إطلاقا ...
لكن مرة أنا كُلِّفت أن أصحِّح أوراق اللغة العربية في هذه الشهادة ، في العام الواحد هناك ورقة ستة عشر أو عشرون أو خمسة عشر ، كل عام العدد لا يزيد عن عشرين ورقة ، مرة طرق بابي رجل فسألني : هنا بيت فلان ؟ فقلت : نعم أنا فلان ، قال : لي عندك حديث خمس دقائق ، تفضل ، قال لي : أنا طبيب أعمل في بريطانيا ، في مانشيستر ، ودخله ثمانية آلاف جنيه بالشهر ، هذا رقم خيالي ، وسيارته جاكوار ، و أراد أن يعود إلى بلده مختارا ، وقبِل أن يتقاضى راتبا في بلده في السبعينات لا يزيد عن ثلاثة آلاف ليرة ، من ثمانية آلاف جنيه استرليني إلى ثلاثة آلاف ليرة سورية ، على أن يعمل في جامعة دمشق ، قلت له : ما الذي حملك على أن تعود إلى بلدك ، وأن تعمل في هذا البلد الطيب ، طبعا الدخل قليل ، قال : قصة عاينتها في البناء الذي أسكنه في مانشيستر ، ما هذه القصة ؟ قال : يسكن في الطابق السادس ، في البناء الذي أسكنه فيه بالذات رجل إنجليزي ، وقد توفي في بيته ، ومضى على وفاته ستة أشهر ، الطقس في الشتاء بارد ، وآخر طابق ، والبيت محكم الإغلاق ، إلى أن تفسخت الجثة ، وشعر الجيران أن هناك إنسان ميت في الطابق العلوي ، طبعا اقتحموا الباب عن طريق الشرطة ، منظر لا يُصدَّق ، إنسان متفسخ أسود اللون ، روائح ، و دود ، الآن قصة طبيعية ، أما الشيء غير الطبيعي أن لهذا الرجل ستة أولاد مقيمين في لندن ، و ما خطر لواحد منهم أن يزوره في هذه الأشهر الستة مرة واحدة ، قال لي :
من أجل هذا عدت إلى بلدي .
هؤلاء يحتاجون إلى عيد أم ، وعيد أب ، لكن نحن عندنا في ديننا الإسلامي إذا لا تزور والدتك كل يوم ، إذا لا تقدم لها كل الخدمات ، فأنا لا أحب أن نستورد عيدا استيرادا ، طبعا مع تقطُّعه العلاقات و ضعف الدين ، العيد جيد ، مناسبة ، مجرد أم ، أما أنا أتحدث من زاوية المسلم ، من زاوية الإنسان العادي الضائع التائه الشارد ، الذي ثقافته غير دينية ، والله عيد الأم لا بأس به ، نحن اقتربنا أن نكون مثل هذه المجتمعات ، لكن لما أنا أخاطب مؤمنين ، رواد مسجد ، طلبة علم شرعي ، حينما أخاطب هؤلاء أستحي أن أقول لهم ينبغي أن تحتفلوا بعيد الأم ، وأن تقدِّموا لأمهاتكم هدية في هذه المناسبة ، طبعا قدِّموا لها هدية ، أنا لا أعترض عن تقديم الهدية ، ولكن أعترض على أن تقدِّم لأمك هدية في العام يومًا واحدا ، هنا الاعتراض ، يجب أن تبرها كل يوم ، و الحد الأدنى كل أسبوع ، الحد الأدنى ، إذا كنت مشغولا ، غارقا في متاعبك كل أسبوع ، بالمقابل أخ كريم في هذا المسجد حدَّثني بقصة سأرويها لكم لفائدتها .
أب عنده خمسة أولاد فجأة رأى في إبهامه ؛ إبهام قدمه الأيسر رأى سوادا ، فلما ذهب إلى الطبيب ، قال له : هذا السواد مرض خطير ، هذا المرض مرض الموات ، اسمه الأجنبي " GARGARINE" فقال الطبيب : لا بد من قطع الإبهام اليوم ، غدا قد يُقطع مكان أكبر ، بعد أيام القدم ، لهذا الأب خمسة أولاد ، الأربعة أولاد قالوا : لا حول ولا قوة إلا بالله ، هذا أمر الله ، وهذا قضاء الله و قدره ، ووافقوا أن يُقطع إبهام أبيهم ، إلا أنّ أحد هؤلاء الأولاد يبدو على بِرٍّ شديد بوالده ، وعلى محبة قصوى ، اعترض على أن يُقطع إبهام أبيه ، فقال له الطبيب : أنت مخطئ يا بني ، إن لم نقطع الإبهام اليوم قطعنا القدم بعد أيام ، فلما رأى الطبيب هذا الابن يهوي من شدة الألم ، و يتألم ، و يتوسل ، ليس هناك طريقة ، لا يوجد حل ، لا يوجد علاج ، هذه قصة واقعية ، مع قريب أحد إخواننا ، يبدو أن الطبيب احترم هذا الابن ، رأى فيه البِرَّ و المودة و المحبة لأبيه ، قال له : واللهِ يا ابني هناك علاج لكن احتمال نجاحه خمسة بالمائة ، هذا الإبهام يحتاج إلى ثلاث حمامات كل يوم ، و الحمامات مع مواد معينة ، ولمدة طويلة جدا ، و هناك احتمال أن تنجح هذه المعالجة دون قطع إبهام أبيك ، قال له : أنا أتكفل بها ، طبعا قال له : حينما نشاهد السواد امتدّ ميليمتر لابد من قطع الإبهام ، أما إذا توقف السواد ، ثم تراجع ، فهذا احتمال النجاح بالمائة خمسة ، فهذا الابن يعمل موظفا و يسكن في مزرعة ، والده يسكن في الجادة السادسة في المهاجرين ، فكان يخرج من بيته الساعة السادسة صباحا إلى بيت أبيه ، يجري له هذا الحمّام مع المواد و ينطلق إلى عمله ، و ظهرا يأتي إلى بيت أبيه مرة ثانية و يجري له حماما ثانيا و يعود إلى بيته ، و مساء يأتي إلى بيت أبيه ، و بقي على هذه الحالة ستة أشهر ، دون أن يزداد السواد ، و بعد هذه الأشهر الست تراجع السواد و شفي إبهام الأب ، الجائزة في الآخرة ، لكن الأخ الذي روى لي القصة قال لي : هذا الابن الآن حجمه المالي مائتا مليون فما فوق ، وأخوته ليس معهم قرش ، الأربعة الذين قالوا : لا حول و لا قوة إلا بالله ، طبعا أنا ما أردت أن تكون هذه الجائزة ، الجائزة الجنة ، و لكن لا يمنع أن تكون الجائزة في الدنيا و جائزة في الآخرة ، الله وفقه لعمل تجاري ، و أموره ارتقت سريعا ، فنحن عيد الأم هو عيد المسلم كل يوم .

بر الوالدين من خلال القرآن الكريم .

الآية الأولى قال تعالى : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ...

الآن :
حتى الإنسان لا يغلط عندنا شيئان ، إن تمسكنا بهما لا نغلط إطلاقا ؛ كتاب الله وسنة رسوله ، الله عز وجل قال :

﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

[ سورة النساء الآية : 36 ]

عناية الآباء بالأبناء طبع لا يحتاج إلى أمرعناية الآباء بالأبناء طبع لا يحتاج إلى أمر
هذه الواو واو العطف من لوازمها أنه لا بد من تناسب بين المتعاطفين ، لا بد من مشاركة بين المتعاطفين ، لا بد من تشابه بين المتعاطفين ، أي أن الله رفع برّ الوالدين إلى مستوى عبادته ، فالأمر الذي يرقى إلى مستوى العبادة هو بر الوالدين ، لكن هنا سؤال ؛ هل تعلمون أن في الأديان السماوية كلها توجيها ربانيا واحدا يدعو الآباء إلى العناية بالأبناء ؟ الجواب لا ، كما أنه ليس هناك أمرا في أيِّ دين سماوي بتناول الطعام ، لماذا ؟ لأن تناول الطعام تحصيل حاصل ، لأن الله عز وجل ركّب في بنية الإنسان دافعا إلى الطعام ، هذا الدافع يتمثل في الشعور بالجوع ، وهذا الشعور بالجوع لا يقاوم ، إذًا من نافلة القول ، و ما يسميه علماء العقيدة تحصيل حاصل ، أن يكون هناك أمر بتناول الطعام ، بالمقابل ليس في الدين الإسلامي كله أمر بالعناية بالأبناء ، لماذا ؟ لأن هذا مركّب في أصل الفطرة ، في أصل الطبع ، و كل شيء مركب في أصل الطبع لا يحتاج إلى أمر ، لا حاجة ، و خير دليل على ذلك اذهب إلى مستشفى الأطفال ، وانظر إلى الأمهات كلهن ، من كل الأجناس ، ومن كل الثقافات ، و من كل المستويات ، أودع اللهُ في قلب كل أمٍّ و في قلب كل أب شيئا فطريا يدفعه إلى العناية بابنه ، لذلك لا تجد في القرآن و لا في السنة أمرا يحضُّ الآباء على أن يعتنوا بأبنائهم ، إذًا العناية بالأبناء طبعٌ مركب في الإنسان ، فالأمر به لا معنى له ، بل هو تحصيل حاصل ، لكن العناية بالآباء و الأمهات ، بر الآباء و الأمهات هذا فيه تكليف ، لأنه ليس مركبا في طبع الإنسان ، بمعنى ، لما الشاب يتزوج مع من مصلحته ؟ مع زوجته ، يعني متعته في الدنيا مع زوجته ، و مع أولاده ، و علاقاته الحميمة مع أصدقائه ، الأب والأم أغلب الظن من جيل آخر ، هو الآن شاب ، وأبوه من جيل آخر ، فالأب و الأم عبء على الإنسان، لذلك جاء التكليف ، التكليف ما كان مخالفا للطبع بطولة الآباء أن يربوا أبنائهم تربية دينية
أما حينما يكون الشيءُ مركبا في طبع الإنسان لا يحتاج إلى أمر ، كما أننا لا نحتاج إلى أمر إلهي بتناول الطعام ، لا يوجد آية " كلوا " هذا أمر إباحة ، " و كلوا و اشربوا " هذا أمر إباحة ، و ليس أمر إلزام ، الإنسان عنده دافع إلى الطعام يدفعه إلى الطعام دون أن يشعر ، إذًا حينما تعتني بابنك ، أنا لا أقول : ليس لك أجر ، إذا أطعمته واعتنيت به ، العناية العادية أنت تلبِّي حاجة من حاجاتك النفسية ، أما حينما تنشئه تنشئة دينية ، وهذا يحتاج إلى جهد ، يحتاج إلى صبر ، و يحتاج إلى متابعة ، يحتاج إلى مراقبة ، يحتاج إلى جلسات طويلة تعكف فيها على توجيهه ، يحتاج إلى أن تأخذه معك إلى الأمكنة الطيبة ، إلى المساجد ، هو عبء عليك ، الأب لما يربِّي ابنه تربية إسلامية دينية راقية له أجر لهذا العبء الذي يحمله ، أما حينما يرى ابنه في صحة طيِّبة ، إذا ارتفعت حرارته يأخذه إلى الطبيب فورا ، لأن الأب متألِّم ، الأب يريح نفسه لما يعالجه و يعطيه الدواء ، إذًا الشيء المألوف بين الناس ، العناية بالأبناء بالمستوى المألوف هذا فطرة في الإنسان و طبع ، أما حينما تعتني بابنك العناية الفائقة التي تجعله فيها مؤمنا مستقيما طاهرا عالما طالب علم شرعي ، حينما تجعل من هذا الابن ، كما قالت امرأة عمران :

﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 35 ]

عندئذ لك أجر كبير جدا ، بل إن كل أعمال أولادك الذين ربّيتعهم هذه التربية و نشّأتهم هذه التنشئة في صحيفتك ، قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾

[سورة الطور الآية : 21 ]

أي ألحقنا بهم أعمال ذرياتهم ، قال تعالى :

﴿ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾

[سورة الطور الآية : 21 ]

الآية الثانية قال تعالى : ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ...

وقال تعالى :

﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ﴾

[سورة الأحقاف الآية : 15]

الآية الثالثة قال تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا

و قال تعالى :

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

[سورة الإسراء الآية : 24]

طبعا الآيات كثيرة جدا حول بر الوالدين .

بر الوالدين من خلال الأحاديث الشريفة .

الآن أيها الإخوة ؛ أمامي كتاب " الترغيب و الترهيب " وهو اسم على مسمّى ، في فصل الترهيب من عقوق الوالدين ، في فصل آخر : الترغيب في بر الوالدين .

الحديث الأول : حرم عليكم عقوق الوالدين ....

يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ وَمَنَعَ وَهَاتِ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ))

[رواه البخاري]

الحديث الثاني : عقوق الوالدين من الكبائر ....

إخواننا الكرام ؛ يجب أن تعلموا أن عقوق الأمهات من أكبر الكبائر .
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ ))

[رواه البخاري]

أي الشيء الذي لا يُغفر ، الإشراك بالله ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾

[سورة النساء الآية : 48]

عقوق الوالدين من الكبائر
و مع الإشراك بالله عقوق الوالدين ، و أؤكد لكم لما الإنسان يكون بارا بوالديه يشعر بسعادة لا توصف ، يشعر أنه في مرضاة الله ، و يشعر أنه أدّى واجبه تجاه من كانا سبا في وجوده ، نعمة الإيجاد من سببها ؟ أبوك وأمك ، نعمة الإمداد ، هذه نعمة من الله مباشرة ، الماء و الهواء و الطعام و الشراب ، نعمة الهدى و الرشاد لمن دلّك على الله ، لذلك قالوا :
لك آباء ثلاثة ؛ أبٌ أنجبك ، و أب زوّجك ، وأب دلّك على الله .
الأب الذي أنجبك هو الأب النسبي ، والأب الذي زوّجك عمّك .
كثير من الأشخاص يتطاولون على عمه ، عمك والد زوجتك ، ربَّاها لك ثمانية عشر سنة ، عشرين سنة ، كم ليلة أخذها على الطبيب ؟ وكم ليلة اعتنى بتربيتها ، و بأخلاقها و بذهابها و حضورها ، حتى أصبحت مكتملة ، جسما و عقلا و نفسا ، ثم زوّجك إياها ، و أنت الآن ندٌّ له ، تحاسبه حسابا عسيرا ، هذا من سوء معرفة الله عز وجل ، و من ضعف المعرفة ، و من ضعف الإيمان .
هناك أب أنجبك ، و هناك أب زوّجك ، و هناك أب دلّك على الله .

الحديث الثالث : ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه ....

عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
))

ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ - أي المسترجلة - وَالدَّيُّوثُ وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى ))

[رواه النسائي]

طبعا الديوث لها معنيان ؛ الذي لا يغار على عرضه ، هذا المستوى الشائع ، والمستوى الضيق هو الذي يرضى الفاحشة في أهله ، هذا لا يريح رائحة الجنة ، الذي لا يغار على أهله ، أي زوجته تنشر الغسيل في الشُّرفة بقميص النوم ، أمام الناس ، تحت سمعه و بصره ، ليست مشكلة ، وضع طبيعي ، روح رياضية ، هذا الذي لا يغار على عرضه أو يرضى الفاحشة في أهله ، هذا سمّاه النبي عليه الصلاة و السلام ديُّوثا ، هذا لا يريح رائحة الجنة ، هو مع العاق لوالديه .

الخلاصة :

فنحن الدرس اليوم من أجل أن يكون كلُّ يوم عيدَ أمٍّ ، كل يوم، الإنسان لا يظن بزيارة والديه كل يوم ، لم يتمكن كل يوم ، فيوم نعم و يوم لا ، لم يتمكن بالأسبوع فيومين ، لم يتمكن فيوم الجمعة ، لأنه أحيانا الأب قد يكون في غنى عن ابنه ، في غنى عن مال ابنه ، لكن لا يوجد أب على وجه الأرض في غنى عن أولاده .
أحد إخواننا الكرام سافر إلى ألمانيا بحكم العمل ، فهناك الفنادق مكتظة ممتلئة ، قال لي : سكنَّا في بيت ، سكن في بيت ، البيت فيه امرأة متقدمة في السن تسكن وحدها ، و عندها حديقة من أجمل الحدائق التي رآها في البيوت ، معتنى فيها عناية تفوق الخيال ، هذه المرأة المتقدمة في السن لا شغل لها في الحياة ، و لا همَّ له إلا أن تعتني بهذه النباتات المنسقة والجميلة ، اي في البيت حديقة من الحدائق النادرة في المنازل ، فلما سأل هذه المرأة المتقدمة في السن عن هذه العناية الفائقة بالحديقة ، قالت : من أجل أن أقنع أولادي أن يأتوا إليّ في العام مرة واحدة ، يروا هذه الحديقة ، قال لي : بعد أيام يبدو ، ولا أذكر أنه عيد خاص بالأم ، أو عيد الميلاد ، العيد الأساسي في المجتمع هناك ، هيَّأت نفسها بالأكلات الطيِّبة ، الحلويات ، شيء خلاف المعقول، وهي تنتظر أن يأتي أولادها ، وهم في نفس المدينة ، في نفس المدينة ، ثم فوجئت أن الأولاد كلهم لم يأتوا ، واحد اتصل بها هاتفيا واعتذر لها ، واحد بعث لها بطاقة ، ولم يأت أحد ، فانكمشت على نفسها و أصابها غمٌّ و همٌّ ، في مثل هذه المجتمعات فعلاً هم بحاجة ماسة إلى عيد الأم ، إذا كان الابنُ في نفس المدينة ، والدته تعتني بالحديقة طوال السنة ، و تهيِّئ كل الأكلات الطيِّبة ، حتى يتنازل ابنُها و يزورها ، ومع ذلك واحد اتصل بالهاتف واعتذر ، و الثاني بعث بطاقة ، وما أحد زارها في النهاية ، فنحن نقول لمثل هذه المجتمعات المتدابرة التي تحطّمت فيها الأسرة ، التي تفكَّكت فيها العلاقات الإنسانية المجتمعات المتفككة هم بأمس الحاجة للأعياد
لمثل هذه المجتمعات هم بحاجة ماسّة إلى عيد الأم ، ونحن هذا شيء طيِّب ، هذا من الأعمال الطيبة ، لكن لا يمنع أن يكون كلُّ يوم من أيام العام عيد طالب العلم الشرعي ، و عند المسلم الحقيقي، و عند المؤمن الذي يغار على دينه ، أن يكون كل يوم عنده عيد أم ، ومن عادتي أنا كذلك ، كذلك هناك إخوان يأخذون عليّ : أنت يا أخي لم تكلِّمنا و لو مرة عن عيد الميلاد في رأس السنة على ما يجري في الفنادق ؟ أنا لي رأي خاص ، هؤلاء الذين أمامي لا يرتادون هذه الأماكن ، فما معنى أن أحدِّثهم عن هذا الموضوع ؟ و الذين يرتادون هذه الأماكن لا يرتادون إليَّ ، فالشيء الطبيعي ، لما نقول لواحد راق جدا : حذارِ أن تسرق ، هذه إهانة له ، حينما أنهى إنسانا في أعلى درجات الأمانة عن السرقة ، هذه في الحقيقة إهانة ، و في البلاغة يقولون : أن يكون الكلام مطابقا لمقتضى الحال ، قال لك واحد : كم الساعة معك ؟ تقول له : واللهِ العظيم ، واللهِ العظيم والله العظيم الساعة السابعة ، هذا إنسان غير بليغ ، لم ينكر عليك كم الساعة ، ولا طلب منك أن تحلف باليمين ، فإذا لم يأت الكلام مطابقا لمقتضى لحال ، فالكلام غير بليغ ، لو أنك أرسلت طفلا صغيرا لوضع رسالة في البريد ، ماذا تقول له ؟ تقول له خمسين كلمة ، اذهب للمكان الفلاني و اشترِ الطابع بهذا المبلغ بالذات أنت وانتبه ، و بلِّله و ضعه على الظرف بشكل محكم ، وادعكه بيديك ، وأمسك الرسالة و اذهب إلى الصندوق الأحمر الفلاني فيه شقٌّ عرضي ، ضع الرسالة هناك ، هذا كله من لوازم مخاطبة الطفل الصغير ، أما لو كان صديقا من سِنّك ، تقول له : هذه من فضلك في طريقك ضعها في البريد، التفصيل مع صديقك عيبٌ ، و الإيجاز مع الطفل الصغير ، فتعريف البلاغة : أن يأتي الكلام مطابقا لمقتضى الحال ، إذًا نحن إذا تحدّثنا عن الأم فكي يكون كل يوم من أيامنا عيد أم، و أحد أسباب التوفيق في الحياة ، أحد أسباب التفوّق أن يكون الإنسانٌ بارًّا بأمّه و أبيه .

الحديث الرابع : العاق لوالديه لا يجد ريح الجنة ....

وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال عليه الصلاة و السلام :

(( يراح ريح من مسيرة خمسمائة عام ، العاق لوالديه لا يجد ريح الجنة ، و إن ريح الجنة ليجده الإنسان من مسيرة خمسمائة عام ))

أحيانا الإنسان يسبِّب لوالديه الشتم .
فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ ))

[ رواه البخاري ]

و الحديث يتوسّع معكم أكثر لو وسَّعته ، أيُّ إساءة لأيّ إنسان تسبب أن يسبَّ هذا الإنسان والديه ، فأنت الذي سبّبت ذلك بنفسك ، إذا أهملت عملك ، أو أخلفت موعدا ، و هناك شخص سفيه ، رأسا يسب أباك مباشرة ، هذا على ألسنة الناس ، مسبة الأب شيء أصبح من لوازم السباب ، فكل إنسان يسيء في عمله ، في مهنته و اختصاصه و حرفته ، يخلف موعدا ، يأكل مالا حراما ، يسيء و يعتدي ، فالسفهاء ماذا يفعلون ، ؟ أول شيء يقابلك به يسبُّ الأب، من الذي سب الأب ؟ هو أنت بإساءتك ، هذا معنى الحديث .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(( إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ ))

[رواه البخاري ]

الحديث الخامس : يا معشر المسلمين اتقوا الله ....

ليس من ثواب أسرع من صلة الرحم
حديث دقيق جدا ، عن جابر بن عبد لله رضي الله عنهما قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم نحن مجتمعون ، فقال :

(( يا معشر المسلمين اتقوا الله ، وصلوا أرحامكم - دققوا في الكلام الآن - فإنه ليس من ثواب أسرع من صلة الرحم ، و إياكم و البغي ، فإنه ليس من عقوبة أسرع من عقوبة البغي ، و إياكم و عقوق الوالدين ، فإن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام ، والله لا يلجها عاق و لا قاطع رحم و لا شيخ زان ، و لا جارٌّ إزاره خيلاء ، إنما الكبرياء لله رب العالمين ))

مفاد هذا الحديث الطويل يعنينا منه فقرات متعلقة بالدرس ، أنه لا يوجد شيء أسرع ثوابا في الدنيا من بر الوالدين ، و لا شيء أسرع عقوبة في الدنيا من عقوق الوالدين ، بالمناسبة ذنوب كثيرة كثيرة ربما أرجئ عقابها إلى يوم القيامة ، إلا عقوق الوالدين فإن الله عز وجل يعجِّل للعاق العقوبة في الدنيا قبل الآخرة .

الحديث السادس : كل الذنوب يؤخرها الله إلا عقوق الوالدين ....

وفي الحديث الواضح عن أبو بكرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( كل الذنوب يؤخر الله ما شاء منها إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإن الله تعالى يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات ))

[أخرجه الحاكم في مستدركه ]

تلاحظ أحيانا ينزل بالإنسان أشياء مدمِّرة بسبب عقوقه لولديه ، هذا هو الترهيب من عقوق الوالدين ، أنا بدأت به كي أنهي الدرسَ بالترغيب في بر الوالدين ، آخر انطباع يكون الترغيب لا الترهيب .

الحديث السابع : أي العمل أحب إلى الله الصلاة على وقتها ثم بر الوالدين ....

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ :

(( الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ))

[ رواه البخاري ]

أي أعلى الأعمال الصلاة على وقتها ، و بر الوالدين ، و الجهاد في سبيل الله .

الحديث الثامن : لا يجزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(( لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ ))

[رواه مسلم]

الإنسان عبد لشهواته وعليه أن يسعى ليتحرر منها
أيضا هذا الحديث يمكن أن يتوسّع ، أي مهما فعلت لن تستطيع أن توفي حقهما إلا في حالة واحدة ، أن يهتديا على يديك ، الإنسان الله عز وجل قال :

﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾

[سورة البلد الآيات : 11-13]

أي أيضا المعنى الواسع لهذه الآية ، الإنسان عبد لشهواته ، فما لم يتحرر من هذه العبودية من شهواته فلن يصل إلى الله عز وجل ، فإذا اقتحم العقبة :

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾

[سورة البلد الآيات : 11-13]

أي فكَّ رقبته من العبودية لشهواته ، و النبي عليه الصلاة و السلام يقول عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ ))

[رواه البخاري]

فالإنسان عبد لشهواته ، فإذا لم يتحرر من هذه العبودية لن يصل إلى الله عز وجل ، يضاف إلى هذا المعنى كما قال عليه الصلاة و السلام :

(( لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ ))

[رواه مسلم]

أي إذا واحد الله عز وجل هكذا قدَّر ، أو جعله إنسانا بعيدا عن الله ، لا يصلي ، و أحيانا يشرب ، إذا كان الله قدّر لإنسان ، لشاب مؤمن أن يكون من نسل أبٍ منحرف أو مقصِّر أو جاهل أو مرتكب لبعض الذنوب و المعاصي ، والابن بحكمة بالغة بالغة ، و بنفَس طويل ، و بصبر كثير ، و بدعوة لطيفة ، بخدمة فائقة ، إذا استطاع الابنُ أن يحمل أباه على التوبة و على أن يسلك طريق الإيمان ، يكون هذا الابن قد وفّى لوالده حقَّه عليه ، لا تستطيع أن توفِّي لوالدك حقَّه عليك ولا لوالدتك إلا أن يجعل الله هداهما على يديك ، لكن هذا يحتاج إلى وقت .
أعظم مكافئة لوالدك أن تكون سبباً في هدايته
سهل كثيرا أن تهدي صديقك ، الأب صعب كثيرا ، لأنك كنت بضعا منه ، يقول : الآن ابننا يريد أن يعلمنا ، لذلك الذي يحاول أن يعين أباه على دينه يحتاج إلى صبر كبير وإلى حكمة كبيرة و إلى نفَس طويل ، و إلى خدمة فائقة ، لذلك الإنسان بالإحسان يمكن أن ينتقل إلى الهدى ، و قد قلت لكم في أصول الدعوة :
الإحسان قبل البيان ، و الآمر قبل الأمر ، القدوة قبل الدعوة ، فأنت لا تستطيع أن تقول كلمة لوالدك إلا إذا كنت غارقا في خدمته ، و تلبية حاجاته ، فإذا تكلمت يصغي لك ، وإذا أصغى لك ، واستطعت أن تدعوه إلى بيت الله ، و قدرت أن تحمله على طاعة الله و ترك بعض المعاصي ، هذا عمل لا يُقدّر بثمن ، هو أنجبك ، وسبب وجودك ، أنت تقدر على أن تكافئه ، ليس هناك من مكافئة أعظم من أن تكون سببا في هدايته ، لذلك يقول عليه الصلاة و السلام :

(( لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ ))

[رواه مسلم]

بر الوالدين يعدل الجهاد في سبيل الله .

الآن عندنا عدة أحاديث مفادها أن بر الوالدين يعدل الجهاد في سبيل الله ، عدة أحاديث مضمونها بر الوالدين يعدل الجهاد في سبيل الله .
كما أن حسن تبعُّل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ، إذًا جاهد .
تفضّل ، لك أب و أم ، فيهما فجاهد .
أيتها المرأة ألكِ زوج ؟ نعم ، حسن تبعلك له هو جهاد في سبيل الله .
أبواب الخير مفتّحة ، و الإنسان من تعنته أحيانا يقول : لا يوجد أعمال صالحة في هذا الزمن ، الأعمال الصالح لا يوجد أكثر منها دائما .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ :

(( أَحَيٌّ وَالِدَاكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ))

[ رواه البخاري ]

هذا أول حديث ، و في رواية لمسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ قَالَ :

(( فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ قَالَ نَعَمْ بَلْ كِلَاهُمَا قَالَ فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا ))

[رواه مسلم]

هذا الثاني ، الثالث ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ قَالَ :

(( ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا ))

[رواه النسائي]

هذا الجهاد ، صاروا ثلاثة .
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْيَمَنِ فَقَالَ :

(( هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ ))

قَالَ : أَبَوَايَ .
قَالَ :

(( أَذِنَا لَكَ ))

قَالَ : لَا .
قَالَ :

(( ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا ))

[رواه أبو داود]

أي برك لهما جهاد ، هذا الرابع ، الخامس :
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ :

(( أَحَيٌّ وَالِدَاكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ))

[رواه مسلم]

و حديث سادس :
عن أنس رضي الله عنه قال : أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : إني أشتهي الجهاد و لا أقدر عليه : فقال :

(( هل بقي من والديك أحد ؟ قال : أمي ، قال : قابل اللهَ في برها ، فإذا فعلت ذلك فأنت حاجٌّ و معتمر و مجاهد .....))

[ رواه أبو يعلى والطبراني في الصغير والأوسط ، وإسنادهما جيد ]

برك لوالديك يعدل الجهاد في سبيل الله
كم حديث ؟ ستة أحاديث صحيحة تؤكد أنك إذا كنت بارا بأمك و أبيك فأنت كالمجاهد في سبيل الله ، هذا كلام رسول ، و ليس كلام شخص ، كلام من لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، و كلما سمعتم حديث رسول الله تذكّروا قول سيدنا سعد : ثلاثة أنا فيهن رجل ، و ما في سوى ذلك فأنا واحد من الناس ؛ من هذه الثلاثة : ما سمعت حديثا من رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى ، الذي خلق هذا الكون أوحى إلى هذا النبي الذي هو رسوله و قد عصمه ، و قد أمرنا أن نأخذ منه ، الذي خلق هذا الكون أوحى إلى هذا النبي هذه التعليمات ، فهذه تعليمات الصانع ، و التعرف قيمة الحديث إلا إذا عرفت المتكلِّم ، المتكلم رسول الله ، والمتكلم الذي يوحَى إليه ، و العلماء قالوا : الوحي وحيان ، وحي متلو وهو القرآن ، ووحي غير متلو وهو السنة ، فكلام النبي كالوحي تماما ، إلا أن الصياغة من رسول الله.
هذا واحد سابع ، و أنا عددت ستة .
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ قَالَ

(( وَيْحَكَ أَحَيَّةٌ أُمُّكَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ ارْجِعْ فَبَرَّهَا ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ قَالَ وَيْحَكَ أَحَيَّةٌ أُمُّكَ قُلْتُ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَارْجِعْ إِلَيْهَا فَبَرَّهَا ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنْ أَمَامِهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ قَالَ وَيْحَكَ أَحَيَّةٌ أُمُّكَ قُلْتُ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَيْحَكَ الْزَمْ رِجْلَهَا فَثَمَّ الْجَنَّةُ ))

[رواه ابن ماجه]

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا قَالَ :

(( هُمَا جَنَّتُكَ وَنَارُكَ ))

[رواه ابن ماجه]

أي برُّهما جنة ، وعقوقهما نار ، هما جنتك و نارك .
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ ))

[رواه ابن ماجه]

معنى ذلك أن أحد أسباب الرزق الوفير طاعة الله عز وجل ، والدليل ، قال تعالى :

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾

[سورة الجن الآية : 16]

عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ ))

[رواه ابن ماجه]

أي بر الوالدين .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))

[رواه البخاري]

image

هما جنتك ونارك

لكن أنا أخشى من قراءة هذه الأحاديث أن تفهموا شيئا ما أراده النبي ، النبي ما أراد أن تطيعا أباك و أمك في معصية الله ، و أكثر الناس " هكذا تريد أمي " هناك أمهات يأمرن أولادهن بتطليق نسائهن ، هذا كلام مرفوض ، و هذا كلام خلاف السنة ، أعط كل ذي حق حقه ، تسأل سؤالا : أبي ليس مستقيما ، أنت عليك أن تحسن إليه ، لا أن تطيعه في معصية الله ، لا تنسوا أن سيدنا سعد بن أبي وقاص لما أسلم قالت له أمه : لن آكل شيئا حتى تكفر بمحمد ، فقال : يا أمي لو أن لك مائة نفس ، فخرجت واحدة واحدة ما كفرت بمحمد فكلي إن شئت أو لا تأكلي .

معنى الإحسان والطاعة :

تلوت عليكم هذه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ، لكنني و أنا أتلوها أخشى أن تفهموا أنه عليك أن تطيع الأب طاعة مطلقة ، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، الأمر ليس في الطاعة ، لو قرأت الآيات كلها ، الأمر بالإحسان للوالدين ، الله قال :

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 23]

الإحسان شيء ، و الطاعة شيء آخر ، الطاعة لله وحده ، و الإحسان للوالدين ، فأحيانا لا تفرِّق العائلة يا ابني ، أغضب عليك ، خمس نساء في أبهى زينة ، زوجات الأولاد ، على صفرة واحدة ، هذا ينظر إلى امرأة أخية و يتمتع بها ، و هذا يمزح معهن ، هكذا تريد أمي ، هذا كلام مرفوض ، أقول لكم : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، و أقول لكم أيضا : لو قالت لك : أغضب عليك ، الله عز وجل لا يأبه لغضبها إذا أمرتك بمعصية ، ولو كانت كلمة كبيرة ، أغضب عليك ، يثقل قلبي عليك ، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، أنت بقدر الإمكان كن لطيفا ، و صاحبهما في الدنيا معروفا ، لا تتحدّاها ، إن شاء بصير خير ، أطيلي بالك علينا ، الله يصلح الأمور ، تكلم كلاما ، لطيفا ، و لو أردت أن تخالف أمرها ، تكلم كلاما لطيفا ، و لكن أن تطيعها ، فإن الله عز وجل لا يرضى عنك ، هناك نموذج آخر أعرفه شائع جدا بين الناس ، يقولون : يا رضى الوالدين ، ينسى رضا الله عز وجل ، فعلا يرضي أمه إرضاء كاملا ، أمه و أباه ، و يتفلت على حسب هواه ، قد أمّن كل شيء ، أرضى أمه و أباه ، واللهِ ما أمّنت شيئا ، الأصل إرضاء الله عز وجل ، فكل إنسان يتوهم أن أطاع والديه ، برّ والديه ، و أعطى لنفسه شهواتها و حظوظها ، و ترك الأصدقاء ، و سكر و ملاهي ، و يقول لك : الحمد لله أنا بارٌّ بوالدي ، هذا البر لا يقدِّم و لا يؤخر ، الله عز وجل يؤدِّب الإنسان ، أريد أن لا تكون المفهومات غلطا ، الآن في المجتمع هناك مفهومات غلط ، أن البار بوالديه موفّق ، هذا موفَّق إذا كان مستقيما على أمر الله ، يأتي بر الوالدين تاجا يتوِّج عمله ، أما إذا ترك أمر الله عز وجل ، و خالف منهج الله عز وجل ، ماذا يفعل هذا البر ؟ الله يؤدِّبه .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال :

(( عفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم ، وبروا آباءكم تبركو أبناءكم .......))

كما تدين تدان ، البر لا يبلى ، و الذنب لا يُنسى ، و الديان لا يموت ، اعمل ما شئت كما تدين تدان .
هناك قصص أعتقد أنكم كلكم تعرفونها ، أشخاص كثيرون أبناؤهم تطاولوا عليهم ، و ضربوهم في مكان معين ، و يقسم هذا المضروب أنه في هذا المكان قبل أربعين سنة ضرب والده فيه ، من هذا النوع أحفظ حوالي عشرين قصة ، لكن لا داعي للحديث عن التفاصيل ، بالمكان نفسه ، لذلك كما تدين تدان .

(( عفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم ، وبروا آباءكم تبركو أبناءكم ، و من أتاه أخوه متنصلا ، فلقبل ذلك ، محقا كان أو مبطلا .......))

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ قِيلَ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ ))

[ رواه مسلم ]

أي بر الوالدين يكفي لدخول الجنة .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

(( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أَبُوكَ ))

[ رواه البخاري]

لذلك لما سئل النبي :
من أعظم الرجال حقا على المرأة ؟ قال : زوجها ،
فلما سئل :
من أعظم النساء حقا على الرجل ؟ لم يقل زوجها ، قال : أمه ..."
أعظم النساء حقا على الرجال أمه ، و أعظم الرجال حقا على المرأة زوجها .
الآن هناك موضوع دقيق ، والدتك مثلا ليس فيها دين ، ولا تصلي ، سافرة ، تحب بعض المخالفات ، إياك أن تظن أن وضعها الذي لا يرضي الله يعفيك من برها ، اسمعوا الحديث
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ :

(( قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ وَهِيَ رَاغِبَةٌ - أي أن تزورني - أَفَأَصِلُ أُمِّي قَالَ نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ ))

[ رواه البخاري]

ألك عذر بعد هذا ؟ أدِّ الذي عليك ، واطلب من الله الذي لك ، أنت عليك أن تبر أمك و أباك ، وضعه جيد يصلي ، أو لا يصلي ، مؤمن ، إيمانه قوي ، إيمانه ضعيف ، له مخالفات، والدتك سافرة ، أبوك مثلا يمضي أوقاته وراء أجهزة اللهو ، هذا شيء لا علاقة لك به ، هذا أبوك ، هذا قدرك ، جعلك الله من نسله ، عليك أن تؤدي الذي عليك ، وأن تطلب من الله الذي لك ، دون أن تطيعه في معصية الله .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَى الْوَالِدِ وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ ))

[رواه الترمذي]

أي الإنسان إذا أرضى والديه فقد أدرك جزءا من رضاء الله ، دقق معنا ، إذا أرضى والديه ، هل أدرك بهذا الإرضاء كل إرضاء الله عز وجل ؟ لا ، هناك واجبات نحو أولادك ، و نحو زوجتك ، ونحو مجتمعك ، و نحو زبائنك ، نحو المرضى إذا كنت طبيبا ، نحو الموكل إذا كنت محاميا ، و نحو الطلاب إذا كنت مدرِّسا ، عليك واجبات كثيرة ، فإذا أرضيت والديك ، أو بررت بوالديك فقد أدركت جزءا من إرضاء الله عز وجل ، لكن إرضاء الله لا ينال إلا بطاعته كله .
عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي تَوْبَةٌ قَالَ :

(( هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ قَالَ لَا قَالَ هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَبِرَّهَا ))

[رواه الترمذي]

معنى ذلك أن الخالة في منزلة الأم ، والذي له خالة أيضا لا بد أن يصلها .
الآن ، من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده ، أبوك ليس له أصحاب ، ليس له إخوان ، فالابن الذي يريد أن يبر والده بعد وفاته ، فالباب مفتوح ، فليصل إخوان أبيه بعده .
من القصص التي تفيدنا جميعا ؛ أب له مجلس علم ، توفي ، صدقوني لو أن ابنه لزم هذا المجلس فكأنما برّه في حياته ، من في المجلس ؟ إخوان أبيك كلهم ، فإذا انخرط فيهم و انضم إليهم و لزم هذا المجلس ، فإن الأب يرضى في قبره ، فهذا من بر الأب ، أعرف أشخاص الأب له بيت ، كل ثلاثاء مجلس علم ، في لك البيت ، فلما توفي الأب تعهد ابنه أن يستمر هذا المجلس ما دام الابن حيًّا ، يأتي عالم جليل و يتكلم كلمتين ، و يقرؤون القرآن ، و يقرءون الحديث الشريف ، عشرون أو ثلاثون شخصا ، هذا البيت من ثلاثين سنة ، في كل ثلاثاء مجلس علم ، فلما توفي الأب تعهد الابن الأكبر على أن يستمر هذا المجلس مادمت حيا، شيء جميل جدا ، أبوك له إخوان طيبون ، أن تصلهم بعد موته ، فكأنما بررته في حياته، دققوا في الحديث .
عن أبي بردة قال : قدمت المدينة قال :

(( فأتاني عبد الله بن عمر فقال : أتدري لِم أتيت ؟ قال : قلت : لا ، قال : سمعت رسول الله صلى لله عليه و سلم يقول : من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده ، وإنه كان بين أبي عمر و بين أبيك إخاء وود فأحببت أن أصل ذلك ))

في العيد القادم ، الذي له والد توفاه الله و انتقل إلى رحمته ، من هم إخوان أبيه ، طبعا المؤمنون ، و ليس المقصود أي أخ ، إذا كان لأبيه رفقاء سوء - أعوذ بالله - يعني إذا أبوك له إخوان طيبون ، إخوان في مسجد ، طلبة علم ، له شيخ ، فزر شيخ أبيك ، هذا من بر أبيك ، قال : و إنه كان بين أبي عمر و بين أبيك إخاء وود ، فأحببت أن أصل ذلك .
آخر حديث .

(( عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ قَالَ بَيْنَا - أي بينما ، في اللغة بينما كبين - نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا قَالَ نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا ))

[رواه أبوداود]

بعضهم قال : الصلاة هي الدعاء ، أن تدعو لهما في كل صلاة ، من دعا لوالديه في أعقاب كل صلاة فقد نفذ هذا الحديث ، نعم الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما من بعدهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، وإكرام صديقهما ، فهذا الذي بقي لك من برهما بعد موتهما .
إخواننا الكرام ؛ بر الوالدين جزء أساسي من أوامر الله ، ونحن في بر الوالدين ندعم الأسرة ، كثير من الأسر يتوفى الأب ، وتتوفى الأم ، فيقول الناس : ما غاب إلا عين الأب و عين الأم ، الأولاد على وفاق ، على تواصل وعلى محبة و على تسامح ، أحيانا يتوفى الأب، بيت الأب كما هو في حياته ، مقر و مستقر و ملتقى ، فهناك أسر التواصل بينها شديد جدا ، وهذا من فضل الله عز وجل ، فأنتم تسمعون و أنا ألتزم الكتاب و السنة ، حتى لا أغلط ، وأي كلام آخر فيه مزلق ، فالكتاب و السنة ، القرآن و الحديث الصحيح ، هذا من عند الله عز وجل ، ليس فيه خطأ ، وليس فيه زلل، و ليس فيه مبالغة ، وليس فيه تقصير ، و ليس فيه طمس ، وليس فيه انحراف ، وليس فيه تناقض ، أنت مع كتاب الله و مع سنة رسول الله ، وهذه توجيهات و تعليمات الصانع .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS