12380
الخطبة الإذاعية (27) : خ1 - أحكام الحج ، خ2 - الإعجاز العلمي في قوله تعالى من كل فج عميق.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-04-30
بسم الله الرحمن الرحيم

 استفتاح الخطبة:

 الحمد لله رب العالمين، يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
 يا رب كفانا فخراً أن تكون لنا رباً، وكفانا عزاً أن نكون لك عبيداً.
 يا رب من لم يعتز بطاعتك لم يزل ذليلاً، ومن لم يستشفِ بكتابك بات وأصبح عليلاً، ومن لم يستغن بالافتقار إليك كان طول الدهر فقيراً، ومن لم يتحقق في العبودية لك صار في العبودية لمن دونك أسيراً.
 وأشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، خلقت فسويت، وقدرت وقضيت، وأمتَّ وأحييت، وأمرضت وشفيت، وعافيت وابتليت، وأغنيت وأقنيت، وأضحكت وأبكيت، المرجع والمآل إليك، نحن بك وإليك.
vوأشهد أنك يا سيدنا، ويا قدوتنا، ويا قائدنا، ويا حبيبنا، يا أبا القاسم، أشهد أنك رسول الله، بلّغتَ الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجاهدت في الله حق الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد، دعوت ربك في الطائف، فقلت له:

(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلةَ حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدوٍ ملّكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]

 يا سيدي يا رسول الله، ما أحوج المسلمين اليوم إلى أن يصطلحوا مع ربهم، ويخلصوا له دينهم، ويهتدوا بهديك يا رسول الله، ويتبعوا سنتك، ثم يدعوا بدعائك، فلعل الله يخرجهم من الظلمة، ويكشف عنهم الغمَّة، وينصرهم على عدوهم.
 رب أدخلني مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً، رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي.
 رب هب لي حكماً، وألحقني بالصالحين، واجعل لي لسان صدق في الآخرين.
 عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

الحج:

1 ـ الحج فرض عين:

 إخوة الإيمان في دنيا العروبة والإسلام، يقول الله جل جلاله:

﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ(96)فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

 الحج فرض عين على كل مسلم ومسلمة، بالغ، عاقل، حر مستطيع، مرةً في العمر كله، يُكفَّر جاحده، ويُفسَّق تاركه، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ ))

[ رواه الترمذي، وقال: في إسناده مقال ]

2 ـ الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام:

 وهو الركن الخامس من أركان الإسلام، الذي عُلم من الدين بالضرورة، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:

(( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ))

[ رواه البخاري، ومسلم ]

3 ـ الحج واجب في العمر مرة واحدة:

 والحج عبادة قولية، وقلبية، وبدنية، ومالية، وشعائرية، تؤدى في أمكنة مُخصصة، وفي أزمنة مُخصصة، وبأعمال مُخصصة، وإذا كانت الصلاة تتكرر في اليوم الواحد خمس مرات، وفريضة الجمعة تؤدى كل أسبوع، وفريضة الصوم تؤدى في العام شهراً، فإن فريضة الحج تجب في العمر كله مرة واحدة، لقوله صلى الله عليه وسلم:

(( الْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ ))

[أخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد ]

4 ـ الحج رحلة خالصة إلى الله:

 الحج رحلة إلى الله.. فقد شاءت إرادته، لحكمة مطلقة، مراعاة للنزعة المادية في كيان الإنسان، أن يضع للناس في الأرض بيتاً له يُمكِّن المؤمنين به، من أن يعبروا من خلال إتيانه، من كل فج عميق أن يُعبِّروا عن حبهم لله، وشوقهم إليه، فالمؤمن يؤكد من خلال قصده البيت الحرام، مُلبياً دعوة ربه، أن الله أحب إليه من أهله، وولده، وماله، وعمله، وبلده، والناس أجمعين، فيتحمل نفقات الحج التي ربما كانت باهظة، ويتحمل ترك الأهل، والولد الذي ربما كان صعباً، ويتحمل ترك العمل والكسب الذي ربما كان أثيراً، كل ذلك حُباً لله وطمعاً بالقرب منه.

خصوصية مكان بيت الله الحرام:

 وشاءت حكمة الله، أن يكون بيته الحرام، في المنطقة الحارة من الأرض، وفي وادٍ غير ذي زرع، ليكون واضحاً لدى الحجاج أن الاتصال الحقيقي بالله، يحقق للمرء سعادة، يستغني بها عن كل الشروط المادية، التي يتوهم أنها سبب سعادته، وأن سعادة الإنسان تنبع من داخله، لا مما يحيط به نفسه من ألوان النعيم.
 ولو كان بيت الله الحرام في المنطقة المعتدلة من الأرض حيث الجبال الخضراء، والمياه العذبة، والبحيرات الصافية، والبساتين الغناء، والجو اللطيف، والنسيم العليل، وكان الحج على مدار العام دفعاً للازدحام، لأقبل كل الخلق على أداء الفريضة الممتعة طلباً للاستجمام، لا حُبًّا بخالق الأكوان، قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾

( سورة إبراهيم )

5 ـ أشياء يحرم فعلُها على المُحرِم:

 وفضلاً عن موقع البيت الحرام، وعن طبيعة الجو فيه، فإن الحاج المحرم يُحظر عليه لُبس المخيط من الثياب، ويُحظر عليه التطيب بكل أنواع الطيب، ويُحظر عليه الحلق والتقصير، ويُحظر عليه مقاربة المتع المباحة خارج الحج، كل ذلك ليُحكم اتصاله بالله، وليسعد بقربه وحده بعيداً عن كل مداخلة من مُتع الأرض، ليتحقق الحاج أنه إذا وصل إلى الله وصل إلى كل شيء، وأن الدنيا كلها لا يمكن أن تُسعد الإنسان، ولينطلق لسانه بشكل عفوي قائلاً: يا رب، ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟..

مجمل القول:

 ومجمل القول: إن الحج عبادة قوامها اتصال متميز بالله عز وجل، وثمنه التفرُّغ التام، إذا لا يُؤدى إلا في بيت الله الحرام، إذاً لا بد من مغادرة الأوطان، وترك الأهل والخلاّن، وتحمُّل مشاقِّ السفر، والتعرض لأخطاره، وإنفاق المال ابتغاء مرضاة الله، وإذا صحَّ أن ثمن هذه العبادة باهظ التكاليف، فإنه يصحُّ أيضاً أن ثمارها باهرة النتائج.

ثمار الحج:

1 ـ مغفرة الذنوب:

 قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عَنْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))

 وإن الحج يهدم ما كان قبله، وإن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.

2 ـ الحجاج والعُمَّار وفد الله:

 والحجاج والعُمَّار وفد الله إن دَعَوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ ))

 عن بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ , رَضِيَ الله عَنْهُ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم:

(( النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ، كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ الله سبْعِمِئَة ضعْف ))

[ أحمد ]

ماذا على المسلم فعْلُه قبل الحج حتى يُقبل منه ؟

 ولكي تؤدى هذه العبادة العظيمة على نحو يقبلها الله، ويرضى عنها، ولئلا يُنفق الإنسان المال الكثير، والوقت الثمين، ويتجشم المشاقَّ، ثم لا تُقبل حجته، ويُقال له: لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك، لئلا تضيع حجته سدى:

1 ـ التوبة إلى الله:

 عليه أن يتوب قبل الذهاب إلى الحج، من كل الذنوب والآثام، كبيرها وصغيرها، جليلها وحقيرها.

2 ـ أداء حقوق الناس وردّ المظالم:

 فيجتنب كل كسب حرام، وكل علاقة متلبسة بالآثام، عليه أن يؤدي الحقوق التي عليه بالتمام والكمال، وبخاصة تلك الحقوق المتعلقة بالخلق، لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة، عليه أن يؤدي الحقوق، ويُقلع عن الذنوب.

3 ـ عقدُ العزمِ على ألا يعود إلى الذنوب والمظالم بعد الحج:

 وأهمّ من هذا أن يعقد العزم على ألا يعود إليها بعد الحج، وإلا أصبح الحج من الطقوس لا من العبادات، فمن الخطأ الكبير، والوهم الخطير، أن يظن الحاج أن الحج يهدم كل ما قبله من الذنوب، وفيه تُغفر كل خطيئة، وقد اتُفق على أن الأحاديث الشريفة التي تبين أن الحاج يعود من الحج كيوم ولدته أمه، وقد غُفرت ذنوبه كلها، هذه الذنوب التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم هي الذنوب التي بين العبد وربه حصراً، أما الذنوب التي بينه وبين الخلق، وأما الحقوق التي في ذمته، وأما الواجبات التي قصَّر في أدائها ؛ فهذه لا تسقط، ولا تُغفر إلا بالأداء أو المسامحة، فالذنوب ثلاثة ؛ ذنب لا يُغفر وهو الشرك، وذنب لا يُترك، وهو ما كان بين العبد والخلق، وذنب يُغفر وهو ما كان بين العبد وربه.

مشاعر الحج:

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة البقرة )

1 ـ معنى المشاعر:

 وقد ورد في معاجم اللغة أن الشعائر هي المعالم والمناسك، أي: الأعمال التي يُؤمر بها الحاج في تلك الأماكن، ومفردها ؛ شعيرة وفي قوله تعالى:

﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ ﴾

( سورة البقرة )

 والمَشعر: المَعْلَم الظاهر، وجمعها " مشاعر "، والمشاعر المقدسة هي الأماكن المقدسة.
 والآن ألا ينبغي للحاج، وهو في المشاعر المقدسة، أن يشعر بمشاعر مقدسة ؟

2 ـ مشاعر الحج شعور المحب مع محبوبه:

 ألا ينبغي للحاج وهو في بيت الله الحرام يطوف حول الكعبة، أن يشعر بمشاعر المحب، يطوف حول محبوبه.
 وأن يشعر وهو يسعى بين الصفا والمروة بمشاعر الساعي المشتاق لمطلوبه ؟
 ألا ينبغي للحاج أن يشعر وهو يفاوض الحجر الأسود بمشاعر التوبة والإنابة ؟
 ألا ينبغي للحاج أن يشعر وهو في عرفات أن يشعر بروعة اللقاء ونشوة الاتصال.. ألا ينبغي للحاج أن يشعر وهو ينحر الأضاحي أنه ينحر شهوته التي تحجبه عن ربه ؟
 ألا ينبغي للحاج أن يشعر وهو يرجم الشيطان، أن الرجم تعبير يرمز إلى معاداة الشيطان الأبدية ؟
 ألا ينبغي للحاج أن يشعر وهو في الروضة الشريفة أنه في روضة من رياض الجنة ؟
 مجمل القول: ينبغي للحاج وهو يؤدي نسك الحج في المشاعر المقدسة أن يشعر بمشاعر مقدسة، تتنوع بتنوع الأمكنة وتنوع النسك، فكل منسك له شعوره الخاص، وهذا الشعور هو محصلة إيمانه.

سقوط القيم المادية في الحج:

 في حياة الإنسان الشارد قيم مادية طاغية هي بشكل أو بآخر موازين غير صحيحه، يوزن بها الإنسان في المجتمع المادي، كالمال، والقوة والوسامة، والذكاء.. وهي قيم مضلّلة، تحجب الإنسان عن حقيقته الإنسانية، وعن رسالته الربانية، تحجبه عن سر وجوده، وغاية وجوده، وعن مصيره الأبدي، وحينما يرحلُ الإنسان من حياته الدنيا الفانية إلى حياته الأخرى الباقية، يُصعَق حينما تنهار أمامه القيم المادية، وتتعطل الموازين غير الصحيحة، وتسقط الأقنعة المزيفة، وتنزاح الحجب المضللة، كل هذا بعد فوات الأوان، يُصعق حينما لا يُقيم عمله وفق مدى معرفته بربه، ومعرفته بمنهج ربه، واستقامته على منهج ربه، وبحجم أعماله الصالحة التي نفع بها الخلق، ولئلا يُصعق الإنسان في رحلته الأخيرة، فرض الله الحج على المستطيع، وهو الموسر ليكون رحلة إلى الله قبل الأخيرة، فلعله يستعد من خلال دروسها البليغة للرحلة الأخيرة.
 يأتي الحاج المستطيع إلى بيت الله الحرام، حاسرَ الرأس، بادي القدمين، مشتمل الإزار، مجرداً من الثياب التي يُعبِّر بها الإنسان في أكثر الأحيان عن غناه المادي، أو عن مرتبته الاجتماعية، أو عن منصبه الرفيع، لقد نزع الحاج ثيابه، ونزع معها أقنعة المال، والجاه والسلطان يأتي البيت الحرام ليطوف، ويسعى فلا يجد أمكنة لعلية القوم، وأخرى لسوقتهم، إنه مكان واحد يطوف فيه الغني والفقير، والأمير والخفير، والقوي والضعيف، في بيت الله الحرام تزول الفوارق بين البشر، وتتحقق المساواة بين الخلق، ولا يبقى من المرجحات إلا مرجحٌ واحد، وهو التقوى، لقوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾

( سورة الحجرات )

 التجرد والمساواة سِمَتان بارزتان في الحج، فيهز الحاجَ جلالةُ الموقف، ويغمر قلبَه الخشوعُ، وتفيض بالدمع عيناه، ويتوجه إلى الله داعياً متضرعاً، تائباً مستغفراً، وهو يرى الجموع الحاشدة، وقد لُفَّت أبدانُها بأقمشة بيضاء بشبه الأكفان، يذكِّره هذا الموقف بيوم القيامة حيث يقوم الناس لرب العالمين.
 حقاً إن الحج رحلة قبل الرحلة الأخيرة تُذكِّر الحاج بالرحلة الأخيرة.

الاستطاعة أصلٌ في فرضية الحج:

 والاستطاعة التي وردت في الآية، التي تعد أصلاً في فرضية الحج، وهي قوله تعالى:

﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة آل عمران: الآية 97 )

1 ـ استطاعة الحج عامة:

 هي استطاعة بدنية ومالية وأمنية، فالمسلم الذي لا يقوى جسمه على تحمُّل أداء مناسك الحج بَغَلبة يقينية، أو بإخبار طبيب متخصص مسلم حاذق ورع، يُجزئه أن يُكلِّف من يحج عنه في حياته، أو يوصي بحجة بدل بعد مماته، وفق أحكام هذا النوع من الحج، والمسلم الذي لا يملك المال الكافي الذي يغطي نفقات الركوب بأنواعها، ونفقات السكن في مكة والمدينة، وثمن الطعام والشراب، فضلاً عن نفقات أهله وولده في غيبته ليس مستطيعاً.

2 ـ لا ينبغي للمسلم غير المستطيع اللجوء إلى طرق ملتوية للحج:

 لا ينبغي للمسلم غير المستطيع أن يبذل ماء وجهه من أجل جمع نفقة الحج، ولا أن يسلك المسالك الملتوية من أجل أن يحصل على نفقة الحج، فإنه في الأصل ليس مستطيعاً، ولا حج عليه.
 وحينما يقرر أولوا الأمر في ديار المسلمين أن يعتمدوا نظاماً يُتيح لمن لم يحج أن يحج، ويَمنع من حج حجة الفريضة قبل أقل من خمس سنوات أن يحج، حينما يكون الباعث على هذا التنظيم إفساح المجال للمسلمين الذين لم يحجوا حجة الفريضة أن يؤدُّوها بيسر وطمأنينة، فلا ينبغي للمرء أن يرتكب معصية ليحج حجة نافلة، فالمسلم الذي لم يُسمح له أن يحج لا يُعَدُّ مستطيعاً.

3 ـ لا بد أن يكون مال الحج طيباً حلالاً:

 وما دام الحج من العبادات المالية التي تستوجب إنفاق المال فلا بد في المال الذي سينفقه الحاج في هذه الفريضة من أن يكون مالاً طيباً وحلالاً، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا... ))

[ أخرجه مسلم ]

 وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( إذا خرج الحاج حاجاً بنفقة طيبة ووضع رجله في الَغْرز - ركاب الدابة - فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ في السماء: لبيك وسعديك زادُك حلال، وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام ونفقتك حرام وحجك مأزور غير مأجور ))

[ رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ]

 وبما أن الحج فريضة فرضها الله على المستطيع، والفقيرُ ليس مستطيعاً، فلا ينبغي للفقير أن يقترض ليحج، فعن عبد الله بن أبي أوفى قال:

(( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل لم يحج أوَ يستقرض ؟ قال: لا))

[رواه البيهقي]

 والمدين لا تُقبل حجته إلا بموافقة دائنه.

ينبغي اجتناب الوقوع في محظورات الحج:

 وبما أن عبادة الحج فرضها الله على المستطيع في العمر كله مرة واحدة، فإنْ أخلَّ الحاج في مناسكها، فلم يؤدِ ركناً، أو نسي واجباً، أو ترك سنَّة، أو حرص على سنة أدَّت إلى انتهاك حرمة، أو اقتراف معصية، أو فعل محظوراً فقد أبطل حجه، أو لَزِمه الدمُ، أو أساء، أو قصر، أو ترك الأولى، إنْ فعل هذا فقد ضيّع فرصة فريدة لا تتكرر، فرصة لمغفرة ذنبه، واستحقاقه جنة ربه، كل هذا بسبب الجهل الذي هو أعدى أعداء الإنسان، فالجاهل يفعل بنفسه ما لا يستطيع أن يفعله عدوه به، لذلك نقول: أيها الحجاج ؛ تفقهوا قبل أن تحجوا، فعالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، وقليل من الفقه خير من كثير من العبادة، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، وكما أن انتظار الصلاة يُعَدّ من الصلاة، كذلك الإعداد الفقهي للحج من الحج، فكم من حاجٍّ أهمل التفقُّه قبل الحج، وعاد من الحج، ولم يطف طواف الركن، فبطل حجُّه، وكم من حاج اجتاز الميقات المكاني، غير محرِم فلزمه الدم، وكم من حاج فعل محظورات الإحرام وهو يحسب أنه يُحسن صنعاً.

هل الحاج تكرار الحج ؟

1 ـ يجوز تكرار الحج لمن استوفى الشروط:

 من فقه الرجل أن يتحرك في حياته وفق سُلَّم للأوليات، فإذا أدى حجة الإسلام وهي حجة الفريضة، وتاقت نفسه إلى أن يحج مرة ثانية وثالثة، وكان مستطيعاً بماله وبدنه، وموافقة أولي الأمر له، ولم يسهم من خلال تصريح غير مطابق للواقع في حرمان مسلم من حجة الفريضة، وكان قد أدى كل ما عليه من واجبات تجاه والديه، وأولاده، وإخوته، وأخواته، وأصدقائه، وجيرانه، فلا عليه أن يحج ثانية وثالثة ورابعة، فالحج جهاد لا شوكة فيه، وهو جهاد الكبير والمرأة والضعيف، وقد ورد في الحديث القدسي عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ حَدِيثًا يَرْفَعُهُ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

(( إِنَّ عَبْدًا أَصْحَحْتُ جِسْمَهُ، وَأَوْسَعْتُ عَلَيْهِ فِي الْمَعِيشَةِ تَأْتِى عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لَمْ يَفِدْ إِلَىَّ لَمَحْرُومٌ ))

[ البيهقي في السنن الكبرى، وانظر الجامع الصغير للسيوطي]

2 ـ تزويج الابن الذي يغشى عليه الانحراف أولى من حج النفل:

 لكن حينما يحج المسلم حجة الفريضة، وله ولد في سن الزواج، ويخشى عليه الانحراف فالأولى أن يزوِّجه بدل من أن يحج حجة النفل، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، وأن الله لا يقبل نافلة أدَّت إلى ترك واجب.
ومن يُؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثراً، ومن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم:

(( اللهم حجةً لا سُمعة فيها ولا رياء ))

[ الجامع الصغير عن أنس، وسنده صحيح ]

 ومعنى هذا أن من انحراف الحاج أن يبتغي من حجه السمعة والرياء.

3 ـ إعانة الفقراء وذوي الحاجات أولى من حج النفل:

 قال ابن كثير: خرج عبد الله بن المبارك إلى الحج، فاجتاز ببعض البلاد، فمات طائرٌ معهم، فأمر بإلقائه في قمامة البلدة، وسار أصحابه أمامه، وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالقمامة إذا بجارية قد خرجت من دار قريبة، وأخذت ذلك الطائر الميت، ثم أسرعت به إلى الدار، فجاء ابن المبارك، وسألها عن أمرها، وأخْذها الطائرَ الميت، واستحيت أولاً، ثم قالت: أنا وأمي هنا، وليس لنا شيء إلا هذا الإزار، وليس لنا قوت إلا ما يُلقى على هذه القمامة، وكان لنا والد ذو مال عظيم، أُخذ ماله، وقتل لسبب أو بآخر، ولم يبق عندنا شيء نتبلغ به، أو نقتات منه، سمع ذلك ابن المبارك فدمعت عيناه، وأمر برد الأحمال والمؤونة، وقال لوكيله: كم معك من النفقة، قال: ألف دينار، فقال له: أبقِ لنا عشرين ديناراً تكفينا لإيابنا، وأعط الباقي إلى هذه المرأة المصابة، فوالله لقد أفجعتني بمصيبتها.
 يقول ابن المبارك: وإن هذا أفضل عند الله من حجنا هذا العام، ثم قفل راجعاً، ولم يحج، واعتقد أن هذه الصدقة فوق الحج المبرور، والسعي المشكور.
 وسأل رجل ذا النون المصري قائلاً له: عندي مائة درهم أأحج بها أم أتصدق ؟ قال ذو النون: أحَجَجْتَ الفرض ؟ قال: نعم، قال: إن قسمتها على عشرٍ من العائلات الفقيرة، وأعطيـت كلاً عشرة دراهم كان ذلك خيراً عند الله من حجة النفل، فإن شئت فاسمع مني ما أقول، ففعل الرجل، وتصدَّق بالمال.

من الإعجاز العلمي في آية الحج: مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ

 بقيت إشارة لطيفية إلى نوع من الإعجاز العلمي في آية الحج، وهي قوله تعالى:

﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾

( سورة الحج )

 أي من كل فج بعيد، هذا هو المعنى، والسؤال، لمَ قال الله جل جلاله:

﴿ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾

، ولم يقل: من كل فج بعيد ؟
 إن كلمة عميق تشير إلى خاصة في الأرض لم تكن معروفة يوم نزول القرآن.. ما الخاصة، وما نوع الإعجاز ؟
 أيها الإخوة الأكارم، تأملوا في كلمة:

﴿ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾

 ، لمَ لمْ يقل ربنا: من كل فج بعيد ؟ فإن لم تهتدوا إلى الإجابة الصحيحة فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS