50636
التربية الإسلامية – مدارج السالكين - الدرس (015-100) : السكينة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-05-27
بسم الله الرحمن الرحيم

منزلة السكينة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ منزلة اليوم منزلة السكينة , قال بعضهم :
 هذه المنزلة من منازل المواهب لا من منازل المكاسب .
 يعني المؤمن يعمل , والله سبحانه وتعالى يُكافئ , فالذي يأتي من الله , هذه منازل المواهب ، والذي يأتي من كسب العبد هذه منازل المكاسب .
 فالسكينةُ من منازل المواهب لا من منازل المكاسب .
 الاستقامة من المكاسب ، تحرّي الحلال من المكاسب ، مجاهدة النفس والهوى من المكاسب .
 السكينةُ من المواهب ، فأنتَ تتحرك نحو الله عزّ وجل , والله يتجلى على قلبك ، أنتَ تستقيم والله يُكرّم , التكريم مواهب والاستقامة مكاسب ، أنتَ تغضُ بصركَ عن محارم الله , والله يوهبكَ حلاوةً في قلبكَ إلى يوم تلقاه , هذه الحلاوة من المواهب وهذا الغضُ من المكاسب ، المكاسب شيء والمواهب شيءٌ  آخر , بل إنَّ المواهبَ من ثمرات المكاسب .
 أول فكرةٍ في هذه المنزلة وهي : أنَّ منزلة السكينة من منازل المواهب لا من منازل المكاسب .
 الحقيقة :
 هذه الدروس دروس تفسير , ولكن نختار من القرآن الكريم الآيات المتعلقة بموضوع واحد , لأنَّ القرآنَ هو كلُّ شيء , ماذا نعمل ؟
 نأخذ آيات السكينة ونفسرها .
 نأخذ آيات الحب ونفسرها .
 نأخذ آيات الإخلاص ونفسرها .
 فكأنَّ هذا الدرس درسٌ من نوعٍ آخر ، تفسيرٌ موضوعي متمحورٌ حول موضوعٍ واحد , والآيات التي تدعم هذا الموضوع تأتي تِباعاً .

الآية الأولى :

 قال تعالى :

﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾

[سورة التوبة الآية: 26 ]

﴿على رسوله وعلى المؤمنين﴾

 ويجب أن نعلمَ الشيء الذي يَخصُ النبي عليه الصلاة والسلام , للمؤمن منه نصيبٌ بقدرِ إيمانه ، بقدرِ إخلاصه ، بقدر إقباله ، إذا فهمتَ قوله تعالى :

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾

[سورة الطور الآية: 48]

 هذا الخطاب موجهُ إلى النبي عليه الصلاة والسلام , ولكن يجب أن تعلم أنكَ إذا استقمتَ على أمره , وأقبلتَ عليه , وأخلصتَ له , فلكَ من هذه الآية نصيب .
 كما أنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين , كذلك الله عزّ وجل يعطي المؤمنين بعضَ ما يعطي المرسلين ، الرؤيا الصادقة كما قال عليه الصلاة والسلام : جزءٌ من ستٍ وأربعينَ جزءاً من النبوة ، للنبي معجزة وللوليِّ كرامة ؛ المعجزة خرقٌ للعادات , والكرامة خرقٌ للعادات .
 باب البطولة مفتوحٌ على مصراعيه ، باب التفوق مفتوح , الله هو الله في كلِّ زمانٍ وفي كلِّ مكان , لا يتبدل ولا يتغير ولا يتحول ، بل إنَّ بعضَ الأزمنة : أجرُ المستقيم فيها أعظم بكثير من أجر المستقيم في زمان آخر , كما قال عليه الصلاة والسلام :

((اشتقت لأحبابي , قالوا: أو لسنا أحبابك؟ قال: أنتم أصحابي، أحبابي أُناسٌ يأتون في آخر الزمان, القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر, أجرهم كأجر سبعين, قالوا: مِنا أم منهم؟ قالَ: بل منكم, قالوا: ولِم؟ قال: لأنكم تجدونَ على الخير معواناً ولا يجدون))

﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 هذه أول آية .

الآية الثانية :

﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

[سورة التوبة الآية: 40]

الآية الثالثة :

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾

[سورة الفتح الآية: 4]

الآية الرابعة :

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾

[سورة الفتح الآية: 18]

الآية الخامسة :

﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾

[سورة الفتح الآية: 26]

القاسم المشترك بين هذه الآيات : السكينة .

 هل بإمكانكم أن تستنبطوا قاسماً مشتركاً في كلِّ هذه الآيات ؟ قاسم مشترك :

﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾

﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ﴾

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾

 في سورة الفتح .

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾

 في بيعة الرضوان .

أسباب نزول هذه الآيات :

 أذكر لكم مناسبات هذه الآيات كلها : أخبرَ سبحانه وتعالى عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين, في مواضع القلق والاضطراب، في مواضع الشِدة، كلُّ هذه الآيات فيها قاسم مشترك واحد, وهو أنَّ المؤمنين في مواضع الشِدة، في مواضع الاضطراب، في مواضع الخوف، في مواضع المِحن، تأتي السكينة، قد تأتي مصيبة يَفرَقُ لها الإنسان، ينهارُ لها، تخورُ قِواه، ينسحق، أما المؤمن تأتي سكينة الله على قلبه, فتجعل وقعَ هذه المصيبة عليه برداً وسلاماً، حتى لو نزلَ بلاءٌ عام، حتى لو اشتدت المِحن، حتى لو ضاقت الأمور، فإنَّ الله سبحانه وتعالى يُنزل سكينته على المؤمنين كمكافأةٍ لهم على استقامتهم .
 يوم الهِجرة :

﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ﴾

 وهو في الغار .

﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾

 ويوم حُنين ، ويوم الحديبية ، كلها مواطن قلق واضطراب وخوف وشِدة ، وأنتَ أيها المؤمن, لا سمحَ الله ولا قَدّر, ولكن إذا جاءَ بأسُ شديد، أو جاءت شِدةٌ، أو جاءَ قلقٌ، أو جاءَ خوفٌ أو اضطراب، فالله سبحانه وتعالى يَخُصّكَ بسكينةٍ, تجعلُ قلبكَ في بردٍ وسلام، وفي أمنٍ وأمان، وفي طمأنينةٍ وراحة، وهذا بعضُ ما يُعامل الله به المؤمنين الذين عرفوه في الرخاء، فإذا جاءت الشِدة عرفهم الله عزّ وجل .
 أحد العلماء كان يقول : إذا اشتدت عليه الأمور أقرئ آيات السكينة .
 وقال مؤلف الكتاب : ولقد جربت أنا أيضاً قراءة هذه الآيات عندَ اضطراب القلب بما يردُ عليه , فرأيتُ لها تأثيراً عظيماً ، وهذه نصيحة ، وهذه وصفة ، وهذا توجيه ، إذا اشتدت الأمور، إذا اضطرب القلب، إذا نزلت المِحن, فاقرؤوا آيات السكينة, لأنَ السكينة مما يخص به الله تعالى المؤمنين.

تعريف السكينة :

 أصلُ السكينة : الطمأنينة والوقار .
 فلان في سكينة قلبه مطمئن ، من الداخل طمأنينة من الخارج وقار ، الحركة السريعة ، الاضطراب ، الفزع ، الصياح ، العويل ، البكاء ، هذا كله انهيار عصبي .
 فالسكينة في أدقِّ تعاريفها : طمأنينةٌ في القلب , وسكونٌ في الجوارح .
 من الداخل ومن الخارج ، هناك أشخاص يتقنون التمثيل ، يكون قلبهم في جناحِ طائر , ومع ذلك يضبطون أعصابهم الخارجية ، ولكنَّ السكينة في حقيقتها ؛ سكونٌ داخلي وسكون خارجي ، راحةٌ قلبية وهدوءٌ في الأعضاء والأعصاب .
 قَالَ :

((سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يُحَدِّثُ, قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأحْزَابِ, وَخَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ, حَتَّى وَارَى عَنِّي الْغُبَارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ, وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعَرِ, فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ, وَهُوَ يَنْقُلُ مِنَ التُّرَابِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا, فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا, وَثَبِّتِ الأقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا, إِنَّ الألَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا, وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا, قَالَ: ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا))

 النبي في غزوة الخندق ، في وقت الشِدة ، في وقت المِحن , في وقت الاضطراب ، في وقت الخوف ، في وقت أصبحَ الإسلامُ في خطر ، أصبحَ وجود الإسلام في خطر ، بقي للإسلام بحسبِ نظرِ الناظر ساعات , في هذا الوقت الشديد , كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يحفر الخندقَ مع أصحابه , وقد وصلَ الترابُ إلى جلدة بطنه , وهو يرتجز بأبيات عبد الله بن رواحة .
 من صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة : إني باعِثٌ نبيّاً أُميّاً، ليسَ بفظٍ ولا غليظ، ولا صخّابٍ في الأسواق، ولا متزينٍ بالفُحش، ولا قوالٍ للخنى، أُسدده لكلِّ جميل، وأهَبُ له كُلَّ خُلقٍ كريم، ثمَّ أجعلُ السكينةَ لِباسه، والبِرَّ شعاره، والتقوى ضميره، والحِكمة مقولته، والصِدقَ والوفاءَ طبيعته، والعفوَ والمعروف خُلُقه، والعدلَ سيرته، والحقَّ شريعته، والهُدى إِمامه، والإسلامَ مِلته، وأحمدَ اسمه, هكذا ورد في بعض الكتب المتقدمة عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم .
 يعنينا من هذا القول وذاكَ الوصف :
 ثمَّ أجعلُ السكينةَ لِباسه .
 المؤمن في سكينة، المؤمن كالجبل الراسخ، المؤمن لا يفزع، لا ينهار، لا يخرج عن أطواره، لا يُحطّم الأواني إذا غضب، لا يدفع الأبواب، لا ينطلق لسانه بالسُباب، المؤمن في سكينة، في حلم، وكادَ الحليمُ أن يكونَ نبيّاً، والحلم سيد الأخلاق .
 في شيء مهم جداً: السكينة إذا نزلت على القلب اطمأن بها, وسكنت إليها الجوارح, وخشعت, واكتسبت الوقار, وأنطقت اللسان بالصواب والحِكمة، وحالت بينه وبين قول الفُحشِ والخنى، واللهوِّ والهجر, وكلِّ باطل .
 قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : كُنّا نتحدّثُ أنَّ السكينة تنطقُ على لِسانِ عمر وقلبه .
 لا أدري ما السكينة ؟ أعرفُ نتائجها ؛ الطمأنينة ، الشعور بالرِضا ، الشعور بالتفوق ، الشعور بالأمن ، في قلب المؤمن من الأمن ما لو وُزِعَ على أهلِ بلدٍ مذعورين لكفاهم ، لأسكنَ خوفهم ، هذه السكينة ، نتائجها باهرة ، هي تجلّي الله عزّ وجل ، هي نورٌ يقذفه الله في قلب المؤمن ، طمأنينةٌ يزرعها في قلبه .
 قال : هذه السكينةُ إذا سكنت في القلب أنطقت اللسان ، أنطقت اللسان بالحِكمة ، أنطقت اللسان بالموعظة ، أنطقت اللسان بالحقيقة .
 سيدنا ابن عباس قال : كُنا نتحدثُ أنَّ السكينة تنطقُ على لسان عمر وقلبه .
 من كرامات صاحب السكينة :
 ينطقُ بكلامٍ دون تحضير ، دون إعداد ، دون تخطيط ، دون مطالعة ، دون مراجعة ، دون مدارسة .
 القلب الذي أنزلَ الله عليه السكينة , ينطِقُ بكلامٍ عن غير فكرةٍ منه ، ولا رواية ، ولا هِبةٍ ، يستغربه هو من نفسه ، يقول : أنا في حيرة ، والله تكلمتُ كلاماً ما أعددته , وليسَ في إمكاني أن أُعيده , كانَ فتحاً من الله عزّ وجل ، هذه من آثار السكينة ، ويستغربهُ هوَ من نفسه كما يستغرب السامِعُ له ، وربما لا يعلم بعد انقضائه بِما صدرَ منه .
 أكثر الأخوة الأكارم أحياناً في ساعات الإشراق، في ساعات الإقبال، في ساعات السكينة، ينطلقُ لسانه مع الناس بكلامٍ عجيب، مِلؤهُ الحق، مِلؤهُ الحقيقة، مُنظم، قوي، مع الدليل, مع الحُجّة، فيه قوة تأثير، لو كلّفتَ هذا المُتكلّم الذي نَطَقَ أن يُعيدَ كلامه لما استطاع .
 لذلك: هنا موطن القصيد، لماذا فُلان يتكلّم فلا يؤثر، وفُلان يتكلّم فيفعل في النفوسِ فِعل السِحر؟ هذا هو الفرق، هذا الذي تكلّمَ عن ثقافةٍ, ودراسةٍ, ومطالعةٍ, وتردادٍ, وروايةٍ, وحِفظٍ, وتذكرٍ, وقراءةٍ, وذكاءٍ, هذا الكلام ما أيّده الله بروحٍ منه، أما الذي تكلّمَ عن سكينةٍ أودعها الله في قلبه, وهي ثمرةٌ من ثمار إيمانه, واستقامته, وإخلاصه, وورعه, وتضحيته, و مؤاثرته، هذا الكلام الذي ينطقُ به الثاني يودعُ الله فيه الروح، يودعُ الله فيه قوة التأثير، وهذا يُستنبط من بعض قول الله تعالى:

﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

[سورة المجادلة الآية: 22]

 قد تعجب، قد تجد الفصاحة، والبيان, والإتقان، والعبارة المُحكمة، والشاهد المؤيد، ولا تجد التأثير، وقد تجد التأثير مع شخصٍ أقلَّ فصاحةً، وأقلَّ عِلماً، وأقلَّ إطلاّعاً، وأقلَّ ثقافةً، هذا التفسير الوحيد للذين يؤثرون في الآخرين, لأنَّ الله سبحانه وتعالى أنزلَ على قلبهم السكينة .
 العلماء قالوا: أكثرُ ما تكون هذه السكينة عِندَ الحاجة, وعِندَ صِدق الرغبة من السائل والمُجالس، إن صار في سؤال لله عزّ وجل بصدقٍ وحرارة, الله سبحانه وتعالى يُنزلُ هذه السكينة, فإذا هيَ كلامٌ سديد، فإذا هيَ روحانية، فإذا هيَ تجلّ، فإذا هيّ قوة تأثير .
 في تعريفاتٍ دقيقةٍ للسكينة : أنَّ السكينةَ نورٌ وقوةٌ وروح، فالنور يكشف الله لكَ بالسكينة, التي هي في بعض أجزائها نور، يكشف لكَ عن دلائل الإيمان وحقائق اليقين، يجعلكَ تُميزُ بينَ الحق والباطل، وبينَ الهدى والضلال، وبينَ الغيِّ والرشاد، وبينَ الشكِ واليقين، يعني صاحبُ السكينة صاحبُ رؤيا، صاحبُ السكينة صاحبُ نور، هكذا قال عليه الصلاة والسلام:
 عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأ الْمِيزَانَ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأانِ أَوْ تَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ, وَالصَّلاةُ نُورٌ, وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ, وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ, وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ, كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا))

[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]

 السكينة في بعض معانيها : نورٌ يقذفه الله في القلب , ترى به الحقَ حقاً والباطلَ باطلاً .
 صاحب السكينة لا ينخدع ، صاحبُ السكينة لا يغتر بظواهر الأشياء عن حقائقها ، صاحب السكينة لا يرى رؤيةً مشوشةً ولا ضبابيةً , بل يرى رؤيةً صحيحةً ودقيقةً .
 قلنا : السكينة نورٌ وقوةٌ وروح .
 الروح توجب كمالَ اليقظة ، توجب الحضور، توجب البعدَ عن الغفلة ، توجب التأهبَ للقاء الله عزّ وجل ، عنده روحانية ، عنده حياة ، قلبه يقظ ، سريع التأثر ، سريع الاستجابة ، سريع التحسس بالخطأ، في حياة .
 فمن معاني السكينة :
 المعنى الأول : النور الذي يٌقذف في قلب المؤمن , فيُريه الخيرَ خيراً والشرَ شراً .
 من معاني السكينة : الروحانية التي يملكها .
 يقظة النفس ، لا غفلة ، لا بُعد ، لا انغماس بالشهوات ، في صحوة ، في محاسبة دقيقة ، في شعور بالرِضا ، والقوة توجب له الصِدقَ , وصحة المعرفة , ويقهر بهذه القوة داعي الغيّ .

من لوازم السكينة :

1-أنها تعطيك قوة تقهر بها دواعي الشهوات :

 أحياناً : داعي الشهوة يغلب الإنسان , يقول لك : غُلبت ، وقد نُسمي العاصي الذي يبكي بعد معصيته مغلوباً, هناك من يعصي ويتبجّح، هناك من يعصي ويفتخر، هناك من يعصي ويتباهى بهذه المعصية، هذا هو الفاجر، أما هناكَ من يعصي ويبكي، الذي يعصي ويبكي مغلوب، معنى مغلوب: قوة الشهوةُ فيه غلبت عقلهُ .
 من لوازم السكينة : أنها تُعطيكَ قوةً، بهذه القوة تقهر دواعي الشهوات، الإنسان دائماً في صراعٍ بين عقله وشهوته، بينَ إلهامات الملائكة ووسوسة الشياطين، بينَ دواعي الجسد الأرضية ودواعي الروح السماوية، فكلما كانت السكينة في قلب المؤمن, اكتسبَ قوةً يقهر بها دواعي الشهوة .
 السكينة في جانب منها جانب نوراني، وجانب منها جانب روحاني، وجانب منها جانب قوة, تقهر بها الشيطان, تقهر بها نوازع الجسد, تقهر بها وسوسة إبليس، تقهر بها قِوى الأرض، نورُ وحياةٌ وقوة، بالنور ترى، وبالحياة تسعد، وبالقوة تقهر، رؤيةٌ صحيحة، ونفسٌ سعيدة، وسلاحٌ ماضٍ، هذا معنى: أنزلَ سكينته على رسوله وعلى المؤمنين, هذه هيَ السكينة.
 حتى الإنسان أحياناً: العاصي لو أنه تابَ إلى الله توبةً نصوح, يمنحه الله بهذه السكينة قوةً, يغلب بها شهوتهُ، كانَ مغلوباً فصارَ غالباً، كانَ مقهوراً فصارَ قاهراً، كان ضعيفاً فصارَ قوياً، كانَ تبعاً لأهوائه, فصارَ يقودها وفق الحق .

2-محاسبة النفس :

 من معاني السكينةِ أيضاً, وهذا شيءٌ مهمٌ جداً: محاسبة النفسِ, ومُلاطفةُ الخلقِ, ومراقبة الحق، من ثمراتها: نور يُريكَ الحقَّ حقاً والباطلَ باطلاً، روحانيةٌ تُبعدُ عنكَ كلَّ الأحزان، قوةٌ تقهرُ بها الشيطان، من معانيها: محاسبة النفسِ, ومُلاطفةُ الخلقِ, ومراقبة الحق.
 محاسبة النفس: حاسِبوا أنفسكم قبلَ أن تُحاسَبوا, وزِنوا أعمالكم قبلَ أن توزنَ عليكم.
 والله سبحانه وتعالى أثنى على النفسِ اللوامة, هناكَ نفسٌ مطمئنة, ونفسٌ لوامةٌ, ونفسٌ أمارةٌ بالسوء، فالنفس اللوامة أثنى الله عليها, فقال:

﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾

[سورة القيامة الآية: 1-2]

 هذه نفسٌ أثنى الله عليها، إذا كُنتَ تُحاسب نفسك, لماذا قلتَ هذا الكلام؟ لماذا وقفتَ هذا الموقف؟ لماذا عبستَ في وجه فُلان؟ لماذا سَخِرتَ منه؟ لماذا دفعتَه بيدك؟ لماذا حرمتَ فُلاناً؟ لماذا أعطيتَ فُلاناً؟ .
 لا يَكمل إيمان المؤمن إلا إذا حاسبَ نفسه حساباً عسيراً، لن يكونَ المؤمن صادقاً إلا إذا كانَ حِسابه لنفسه عسيراً، فأنتَ حاسب لِئلا تُحاسب، إن لم تُحاسب حوسبت .

((من حاسبَ نفسه حِساباً عسيراً, كانَ حِسابه يومَ القيامة يسيراً، ومن حاسبَ نفسه حِساباً يسيراً, كانَ حِسابه يومَ القيامة عسيراً))

 من اطمأنَّ في الدنيا خافَ في الآخرة، من خافَ في الدنيا اطمأنَ في الآخرة.

((لا يجتمعُ خوفانِ وأمنان؛ إن خِفته في الدنيا طمأنكَ يوم القيامة، وإن لم تخفه في الدنيا أخافكَ يوم القيامة))

 قال: إنَّ زكاةَ النفسِ وطهارتها موقوفٌ على مُحاسبتها، لا تطهر ولا تزكو، الطهارة تنظيف والزكاة تعطير، التحليّة والتخليّة، التطهير والاصطباغ، النفسُ لا تطهر ولا تزكو إلا بالمُحاسبة, لا محاسبة في انحراف، في طغيان، في تمادي، في تطاول .
 الحسن رضي الله عنه قال: إنَّ المؤمن واللهِ لا تراه إلا قائماً على نفسه.
 يعني يُحاسبها، يسألها، يُسيء الظنَّ بها، ما أردتُ بكلمة كذا, ما أردتُ بهذا، مالي ولهذا؟ واللهِ لا أعود إليه .
 الإنسان إذا حاسبَ نفسه, رأى عيوبها ونقائصها، من الحُمق الشديد: أن ترى في الآخرين عيوبهم ولا ترى في نفسك العيوب، أن ترى أدقَّ العيوب في الآخرين ولا ترى أكبرَ العيوب في نفسك، وإذا ظننتَ نفسكَ كاملاً فهذا من أكبر العيوب، أكبرُ عيبٍ أنتَ فيه: أن تُحسنَ الظنَّ في نفسك وأن تسيء الظنَّ في الآخرين، والكمال أن تفعلَ العكس, أن تُسيء الظنَّ بنفسك وأن تُحسنَ الظنَّ بالآخرين، الكمال إذا فعلتَ معروفاً مع إنسان أن تنساه، والكمال إذا فعلَ معكَ أحدٌ معروفاً ألا تنساه أبداً, هذا هو الكمال, هذه محاسبة النفس، من لوازم السكينة: محاسبة النفس, صار في حياة في يقظة .

3-ملاطفة الخلق :

 ومن لوازم السكينة: ملاطفة الخلق، معاملتهم بما يُحبُّ أن يعاملوه به, هذا المقياس من أروع المقاييس, هذا القول للنبي عليه الصلاة والسلام لو طبّقه الناس, لأغلقت المحاكم أبوابها .

((عامل الناس كما تُحبُ أن يُعاملوك))

 عامل هذا الموظف كما تحب أن تعامل، عامل زوجة ابنكَ كما تُحب أن يُعاملَ ابنتكَ زوجها، هذا مقياس دقيق في كلِّ حركات الناس وفي كلِّ سكناتهم .
 يعني هذا الذي فعله النبي: جاء رجل إلى النبي, وقال: يا محمد ائذن لي بالزِنا, في حضرة أصحاب النبي، فغضبَ أصحاب النبي, وهمّوا أن ينهروه، منعهم النبي من أن يفعلوا قال: تعال يا عبد الله, تعال اقترب مني -آنسهُ- قال: أَتُحبه لأمك؟ فكاد يغلي الدم في رأسه قال: لا، قال: ولا الناسُ يحبونه لأُمهاتهم، أتُحبه لأختك؟ أتُحبه لابنتك؟ أتُحبه لزوجتك؟ قال: دخلتُ على النبي صلى الله عليه وسلم, وما شيءٌ أحبَّ إليَّ من الزنا, وخرجتُ من عِنده, وما شيء أبغضَ إليَّ من الزنا, طبّق القاعدة .
 أنت وراء الطاولة موظف أمامك مُراجع، لو كنتَ مكان هذا المُراجع, أتُحبُ أن يُماطلكَ؟ أتُحبُ أن يؤجلكَ؟ أتُحبُ أن لا ينظرَ إليك؟ أتُحبُ أن يُهملكَ؟ أنت الآن زوج, لو أنكَ مكان هذه الزوجة, أتُحبُ أن تكونَ مظلوماً؟ أتُحبُ أن تكون معذّباً؟ لا, يعني هذا مقياس لا أجمل منه, ولا أدقَّ، ولا أوضح، مقياسٌ دقيق، عامل الناس كما تُحبُ أن يُعامِلوك، عاملهم بالإنصاف.
 قال: ملاطفة الخلق: أن تعاملهم بما يُحبُّ أن يعاملوه به من اللطفِ، لا ينبغي أن تعاملهم بالعنفِ والشدّةِ والغِلظة, قال تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 159]

 علّموا ولا تُعنِفوا, فإنَّ المُعلمَ خيرٌ من المُعنّف، فإنَّ ذلك يُنفّرهم, ويغريهم بالبُعدِ عنه, ويُفسدُ حبهُ في قلوبهم .
 أنتَ يجب أن تربحَ الناس لا أن تخسرهم، بذكاءٍ شديد، وحِكمةٍ بالغة، وبذلٍ كبير، وصبرٍ عظيم، وحِلمٍ وافر, يمكن أن تربحَ الناس، وبتصرفٍ واحدٍ أحمقٍ، تصرف أرعن، كلمة قاسية، كلمة نابية، تخسر الناس، جهودٌ كبيرة تبذلها كي تربحهم، تصرّف واحد أحمق تخسرهم ، فمن لوازم السكينة محاسبة النفس ومُلاطفة الخلق .
 هذه الآية رائعة جداً:

﴿ولو كنتً فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾

 يخاطب الله من؟ يخاطب النبي، يخاطب الذي معه القرآن المؤيد من الله عزّ وجل، يخاطب المعصوم، حتى المعصوم, حتى المؤيد بالوحي, لو كانَ فظاً, لَنَفَرَ الناسُ من حوله .
 أنا أُلاحظ ملاحظة: تجد الأب قاسياً مع أولاده, يظن نفسه مع قسوته, يجب أن يُحبه أولاده, لأنه والدهم، لا, لا يكفي أن تكونَ أباً حتى تُحب, لا بُدَّ من أن تكونَ كاملاً حتى تُحب ، يحترمونك ولكن لا يُحبونك, الحُب ليسَ بيدهم، إذا كنتَ قاسياً، قاسياً في كلماتك مع أولادك ، توبخهم أمام الآخرين، تستعلي عليهم، تُسكتهم، تُخزيهم أمامَ زوجاتهم مثلاً، وإذا كُنتَ أباً لهم, لا يُحبونك .
 يجوز إذا كان ابنك مؤمناً, يخاف من غضب الله, لذلك يُرضيكَ في ظاهره، أما أنتَ لا تستطيع أن تملكَ قلوبهم إلا بكمالك .
 خذوا هذه القاعدة: الإنسان له قلبٌ وله قالب, مهما كنتَ قوياً, مهما كنتَ مسيطراً, لا تستطيع أن تمتلكَ إلا القالب، لكن كمالُكَ يجعلُكَ تمتلك القلوب، القلب لا يُمتلك إلا بالكمال, أما الجوارح ......
 الآن الطُغاة في العالم, الناسُ يخافونهم، يخضعون لهم، يُنفذون أمرهم بأدقِّ حذافيره, خوفاً من بطشهم، فالطغاة ماذا مَلكوا؟ مَلكوا القوالب، لكنَّ الأنبياء مَلكوا القلوب.
 الفرق بين العالم داعية مثلاً: مدير مؤسسة, مدير مدرسة, مدير ثانوية, مدير مستشفى, هذا معه سُلطة, بإمكانه أن يوبّخ, وأن يقطع الراتب, وأن يكون كلامه قاسياً, والناس يخافونه، موظف يعني رزقه مُعلّق بالمدير العام حسب الظاهر، فإذا عاقبه وخضع ليست هذه بطولة، البطولة أن تمتلكَ القلوب، البطولة أن تمتلكَ قلوب الناس بكمالك .
 لو فرضنا إنساناً من أتفه الناس، من أقلّهم عِلماً, أقلّهم شأناً، أقلّهم فهماً، أقلّهم حِكمة، لو معه سِلاح واجه أعظم إنسان, وشَهَرَ عليه السلاح فخضع, هذه قوة لا قيمة لها إطلاقاً، هذه قاعدة: لن تستطيع أن تمتلكَ القلوب إلا بكمالك، لكنَّ بقوتك تمتلك القوالب, بإمكانكَ وأنتَ الأبُ القوي وابنكَ الضعيف أن تُخضعه، أن تعطيه أمراً قاسياً، ولكنكَ لا تكونُ أباً بطلاً إلا إذا جعلتَ ابنكَ يهواك لكمالك .
 يعني: واحد له ابن عاق وشرس ومنحرف، وكان الأب من حين لآخر, يقول لابنه: يا بني, أنت لا تصبح رجلاً، وهذا الابن في غفلة من الزمن, صار بمركز قوي جداً، فأحضرَ أباه مقيداً, وقال له: تفضل وانظر لي, ألا ترى منصبي؟ فقال له والده: تصبح بهذه المكانة, لكن لا تصبح رجلاً .
يعني حينما جاء بأبيه بهذه الطريقة, معناها أنه غير رجل, فالقوة ليسَ لها قيمة, الله جعل الله الأنبياء ضعفاء .
 سؤال دقيق جداً: أليسَ الله قادراً على أن يجعلَ النبي إنسان قوي جداً؟ حِكمة الله أنَّ النبي قوته بكماله، فقد يكون النبي أضعفَ الناس:

﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾

[سورة هود الآية: 38]

 كانوا يسخرون منه، النبي يمكن أن تُكذّبهُ، ويمكن أن تسخرَ منه، ويمكن أن تُعارضه، ويمكن أن تصفه بالجنون, قال تعالى:

﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾

[سورة الدخان الآية: 14]

 أليسَ كذلك؟ وُصف بأنه كاهن، وبأنه ساحر، وبأنه مجنون، لأنه ضعيف, عظمةُ النبي أنَّ الذي آمنَ به, ما آمن به خوفاً, ولا آمن به طمعاً، لا دنيا عنده، لا أملكُ لكم نفعاً ولا ضرّاً، لا دنيا يُعطيك إياها, ولا قوة تخاف منه، لماذا آمنتَ به؟ لما ضحيتَ في سبيل أن تؤمن به بالغالي والرخيص, والنفسِ والنفيس, لأنَّ كماله أسركَ .
 يعني: حِكمة الله عزّ وجل في جعل الأنبياء ضعفاء في بادئ الأمر، لو كانوا أقوياء لآمنَ الناس بهم جميعاً إيماناً شكليّاً ظاهريّاً، إيماناً فارغاً لا قيمة له أبداً، كما لو كلّفنا أُناساً ضِعافاً أن يقولوا هذه الكلمات, يقولونها .
 قال له: ولوعادوا عُد إلى ما قُلت, ولا شيءَ عليك، هذا إكراه .
 حِكمةُ أنَّ الله عزّ وجل جعلَ النبي ضعيفاً, كي يؤمنَ به المؤمنون لا عن خوفٍ يُضعفَ قيمة إيمانهم, ولا عن طمعٍ يُضعفُ قيمةَ إيمانهم، آمنوا به بمحضِ اختيارهم, دونِ إغراءٍ أو ضغطٍ .
 قال: ليسَ للقلبِ أنفع في معاملته للناس من اللطف، يعني الإنسان باللطف يملك القلوب, هذا التوجيه الإلهي:

﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾

[سورة فُصّلت الآية: 34]

 قال: أنتَ باللطفِ تُعامل إما صاحباً أو حبيباً أو عدوّاً، الصاحب تستديم مودته، والغريب تكسب مودته، والعدو تُليّنُ غضبه، شخص لا يعرفك إذا لاطفته كسبته، وشخصٌ يعرفكَ إذا لاطفته دامت مودته لك، وشخصٌ عدوٌّ لكَ إذا لاطفته خفّت عداوته أو تلاشت .
 أنت مع إنسان غريب أو قريب أو عدو، الغريب حيادي؛ لا يعرفُكَ, لا يُحبُكَ, لا يُبغِضُكَ, إذا لاطفته ملكتَ قلبه، والذي يعرفُكَ إذا لاطفته استمرت مودته، والعدو خفّت عداوته.
 الحِكمةُ كلُّ الحِكمةِ أن تكونَ ودوداً مع الناس, ورأسُ العقلِ بعدَ الإيمان بالله التوددُ إلى الناس .

((بُعثتُ بمداراة الناس))

 أيضاً: يعني لو استعرضنا الأحاديث الشريفة التي تدعو إلى أن تكونَ مع الناسِ رحيماً.
 عَنْ عبد الله بْنِ الزُّبَيْرِ (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا فِي أَخْلاقِ النَّاسِ, وَقَالَ عبد الله بْنُ بَرَّادٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عبد الله بْنِ الزُّبَيْرِ, قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلاقِ النَّاسِ, أَوْ كَمَا قَالَ.

4-مراقبة الحق سبحانه وتعالى :

 الآن: من لوازم السكينة: مراقبة الحق سبحانه وتعالى، في ثلاثة بثلاثة: النور والروح والقوة, بالنور ترى, وبالروح تأنس, وبالقوة تقهر عدوكَ الشيطان, والسكينة: محاسبة النفس وملاطفة الخلق ومراقبة الحق، هي ثلاثة: أنت والناس والله عزّ وجل, مع نفسك بالمحاسبة, ومع الناس بالمدارة, ومع الله بالمراقبة .
لذلك: اعبد الله كأنكَ تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
 والإنسان يجب أن يستحي من الله حقَّ الحياء، قيلَ: وما حقَّ الحياء؟ قال: أن تحفظَ الرأسَ وما وعى, والبطنَ وما حوى, وأن تذكر الموتَ والبِلى.
 هذا الرأس حوى العينين, حوى الأذنين, حوى اللسان, حوى الدماغ, أن تحفظَ الرأسَ وما وعى من المعاصي والآثام، وأن تحفظَ البطنَ وما حوى من أكلِ المال الحرام، وأن تذكرَ الموتَ والبِلى .
 الحقيقة: السكينة كما قلنا في مطلع هذا الدرس من ثمرات الإيمان، السكينة من المواهب لا من المكاسب، السكينة وردت في مواطن الاضطراب والشِدّة, يعني في الأزمات, في اضطراب القلب, في المِحن, في النوازل, تأتي السكينة, لتكونَ برداً وسلاماً على المؤمن, بلسماً للمصاب .
 الحقيقة: أحد أسرار أنكَ إذا التقيتَ بمؤمن تأنسُ به وترتاحُ لهذه الجلسة، اسأل الناس إذا التقوا بمؤمن إيمانه كبير يسعدونَ بهذا اللقاء, ما سِرُّ هذه السعادة؟ أنَّ الله سبحانه وتعالى تجلّى على قلبه بالسكينة, فإذا اتصلوا به, أو تعاملوا معه, أو جلسوا إليه, أو صاحبوه, سَرت إليهم هذه السكينة التي في قلبه، لذلك قالوا: الصاحب ساحب, لذلك قالوا: لا تُصاحب إلاّ من ينهضُ بك إلى الله حالك أو يَدُلّكَ على الله مقاله، اجعل صاحبكَ إنساناً ذا عقلٍ راجح, وذا قلبٍ مُفعمٍ بالسكينة, لذلك تسعدُ به، وهذا سِر السعادة بينَ المؤمنين، هذا سِر السرور الذي ينجم عن لِقاء المؤمن بأخيه المؤمن .
 عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ:

((دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقِ الشَّامِ, فَإِذَا أَنَا بِفَتًى بَرَّاقِ الثَّنَايَا, حَتَّى إِذَا قَضَى صَلاتَهُ, جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ, فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ, فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأحِبُّكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, فَقَالَ: أَاللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَاللَّهِ, فَقَالَ: أَاللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَاللَّهِ, فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ, وَقَالَ: أَبْشِرْ, فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ, وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ, وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ, وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ))

 نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُنزلَ على قلوبنا السكينة فهيَّ من ثمرات الإيمان .
 اسأل واحد مؤمن, مؤمن حديثاً, تجد في قلبه سعادة عجيبة، يكاد يقول لكَ: ليسَ في الأرض من هو أسعدُ مني، ما السر؟ السِر لمّا تاب توبة نصوح, أنزلَ الله على قلبه السكينة .
 قد تجد إنساناً فقيراً, مرتبته الاجتماعية في الدرجة السفلى، قد يكون حاجباً, قد يكون إنساناً ضعيفاً فقيراً لا شأنَ له، مغموراً لا أحد يعرفه، بيته صغير، زوجته من الدرجة الخامسة مثلاً، دخله قليل، فإذا تجلّى الله على قلبه بالسكينة, كانَ أسعدَ من ملوك الأرض، هذا الذي قالَ عنه البسطامي أبو يزيد: واللهِ لو يعلمُ الملوك ما نحن عليه, لقاتلونا عليها بالسيوف, هذه السكينة .
 هذا الذي قاله بعض علماء النفس: إنَّ الله يُعطي الصِحةَ والذكاءَ والمالَ والجمالَ للكثيرينَ من خلقه, ولكنه يُعطي السكينة بِقَدرٍ لأصفيائه المؤمنين "
 قد يكون الإنسان جميلاً لكنه شقيّ، قد يكون ذكياً لكنه مُنحط، قد يكون قوياً لكنه لئيم، قد يكون صحيح الجسم لكنه مريض النفس، يعطي الصحة والمالَ والذكاءَ والجمال للكثيرينَ من خلقه، ولكنه يُعطي السكينةَ بِقَدرٍ لأصفيائه المؤمنين, تكادُ تكون السكينةُ هي أكبر ثمرات الإيمان هي السعادة .
 وردني سؤال يقول: هل يجوز إغماض العينين في الصلاة عِلماً إما لخشوعٍ أو لتمعّنٍ في كلمات الله؟.
 الحقيقة: المُصلي كما في السُنّة, ينظر إلى موضع سجوده، وحِكمةُ أن يكونَ عيناه مفتوحتان, يعني في عهد النبي عليه الصلاة والسلام, في كان البلاد صحراء, وفيها عقارب وأفاع, فالإنسان لِئلا يكونَ مضطرباً أو قلقاً, إذا فتحَ عينه يطمئنُّ أكثر، أما إذا أعانه إغماضُ عينيه على الخشوع فالإغماضُ أولى .
 لو دخل مسجد كهذا المسجد, وتأمل في هذه الزخارف في أثناء الصلاة, ربما كانت صلاته في هذا المسجد مع إغماض العينين أولى، فإغماض العينين إذا أعانَ على الخشوع مشروع, أما إذا أغمضت عينيك فأصحبتَ مضطرباً, مكان لستَ مطمئناً له، مكان خطر مثلاً في بريّة تصلي, لعل تمر أفعى أو عقرب أو شيء, لا, افتح عينيك لِئلا تقلق، أما إذا أغمضتَ عينيك, وأعانكَ إغماضُ عينيك على الخشوع, فالإغماض مشروع، العِبرةُ:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآية: 1-2]

 والخشوع في الصلاة من فرائض الصلاة لا من فضائلها، فأيُّ شيء أعانكَ على الخشوع ينبغي أن تفعله، لو أنت أمام شيء غريب, تتأمله في أثناء الصلاة, بَعُدتَ عن الصلاة, إذاً: أغمض عينيك .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS