26969
التربية الإسلامية – مدارج السالكين - الدرس (029-100) : الكفر
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-12-23
بسم الله الرحمن الرحيم

الكفر .

 مع الدرس التاسع والعشرين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبُد وإيّاكَ نستعين ، ومنذ أسابيعَ عِدة , بدأنا بعضَ الموضوعات المتعلقة بأنواع المعاصي ، تحدثنا عن أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم ، وعن الفحشاءِ والمُنكر ، وعن أنواعِ الفِسق ، وعن أنواعِ النِفاق ، وعن بقية المعاصي ، واليوم : الحديثُ عن الكُفر .

تمهيد .

 الحقيقة : من الأمراضِ الخطيرة الوبيلة التي ابتلي بها المسلمون :
 أنَّ بعضهم يُكفّرُ بعضاً ، والتكفير شيء خطير وشيء كبير ، ومن كفّرَ أخاهُ فقد كفر .
 أن تقول : فُلان مؤمن وفُلان كافر ، أن توزعَ الألقاب , هذا ليسَ من شأنِ الإنسان , هذا من شأنِ الواحد الديّان .
 ومعَ ذلك : فالذي أتمناهُ من كُلِ قلبي , أن تتضحَ لكم الصورة الدقيقةُ حولَ معنى الكُفر .
 مرةً ثانية وثالثة أقول : من السذاجةِ , وضيقِ الأُفقِ , والجهلِ الفاضحِ ، أن تظنَ أنَّ للكلمة في القرآنِ معنىً واحداً , وأوضحُ مثلٍ على ذلك :
 كلمة الوحي ....
 فالله سبحانهُ وتعالى أوحى إلى الأرض ؛ أي أمرها .
 وأوحى إلى النحل ؛ أي أعطاها الغريزة .
 وأوحى إلى أُمِّ موسى ؛ أي ألهمها .
 وأوحى إلى النبي عليه الصلاة والسلام ؛ أي أرسلهُ رسولاً , وأنزلَ عليه القرآنَ عن طريقِ سيدنا جبريل .
 وكذلكَ الشِرك ...
 هذا المُصطلح يضيق , حتى يكونَ الشِركَ الأكبر الذي يعبدُ بوذا ، ويتسع حتى يشملَ المؤمن إذا اعتمدَ على زيدٍ أو عُبيد ونسيَ الله عزّ وجل , فهُناكَ شِركٌ أكبر وهُناكَ شِركٌ أصغر .
 الشِركُ الأكبر لا يُغفر , والشِركُ الأصغر يُغفر .
 كلمة شِرك تتسع وتضيق .
 وكلمة فِسق ...
 كما تحدثنا في درسٍ سابق ، هُناكَ فِسقٌ يُخرِجُ من المِلّة ، يُخرِجُ من دينِ الإسلام , وهُناكَ فِسقٌ يوجِبُ التوبة .
 والنِفاقُ نِفاقٌ أكبر ونِفاقٌ أصغر .
 وكذلكَ الكُفر.
 هذه المصطلحات الدقيقة في القرآن تتسع معانيها وتضيق , وسياقُ الآيات وسياقُ الأحاديث الشريفة هو الذي يُحدد اتساعَ المعنى أو ضيقهُ .
 استخدمُ أحياناً بعض الأمثلة :
 كلمة سيّارة ...
 مفهوم السيّارة يتسع إلى أن يشمل الدابة ، أليست تسير ؟ كلُ شيء يسير , والدليل :

﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾

[سورة يوسف الآية: 19]

 ويضيقُ مفهوم السيّارة , حتى ينحصرَ في مركبةٍ , تتحركُ بمُحركٍ انفجاريٍ , يعملُ على الوقود السائل .
 من السذاجة , من ضيقِ الأُفق , من الجهل الفاضح : أن تفهمَ الكُفرَ على حدٍ واحد .
 من تركَ الصلاةَ فقد كفر .
 فلان لا يُصلي كافر .
 من تركَ الصلاةَ إنكاراً –لحِقها- إنكاراً لفرضيّتها فقد كَفر ، ومن تركها تهاوُناً فقد فَسق ، وفرقٌ كبير بينهما ، لأنَّ الذي يموتُ كافراَ مُخلّدٌ في النار , أكبرُ تُهمةٍ توجهُها إلى الإنسان على الإطلاق , أن تقول : فُلان كافر, كأنكَ تقولُ لهُ : أنتَ خالدٌ مُخلّدٌ في النار، فالإنسان قبلَ أن يتفوّه بكلمة كُفر ، وقبلَ أن يُكفّر ، وقبلَ أن يُنصّبَ نفسهُ وصيّاً على الناس ، وقبلَ أن يُقيّمَ الناس ، عليه أن يعرف أن هذا شيء فوقَ مكانتهِ , لقولِ اللهِ عزّ وجل :

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾

[سورة الإسراء الآية: 17]

 هذه مُقدّمة .
 ودائماً وأبداً : ضِعاف التفكير محدودوا الأُفق عِندهم لونانِ فقط : أبيضٌ وأسود ، إمّا أنهُ كما قُلتُ في الدرس السابق : إمّا أنهُ قُطبُ زمانهِ ، وحيدُ دهرهِ ، فلتةُ عصرهِ ، نجمٌ متألق ، علّمٌ كبير رضي اللهُ عنهُ وأرضاه , وإمّا الشيخُ الأكفر كما يقولون , يعني لا تبتعدوا كثيراً : عالِمٌ جليل , نعتهُ بعضُهم بأنهُ سُلطانُ العارفين الشيخ مُحيِ الدين , ونعتهُ بعضُهم بأنهُ الشيخُ الأكفر , هذه الميوعة في المقاييس ، وهذه الحركة الواسعة جداً في التقييم ، هذا من علامات التخلّف , دائماً الرجل لهُ ميزات ، كلُ إنسانٍ يؤخذُ منهُ ويُردُ عليه ، وأنتَ قيمتكَ كمؤمن أنكَ مُنصف , ومعنى أنكَ مُنصف , أنكَ كما قالَ عليه الصلاة والسلام :

(( لا يُخرِجُكَ الرِضا عن العدل , ولا تُوقِعُكَ الكراهيةُ في الظُلم ))

 يعني كما قالَ عليه الصلاة والسلام :

((أُمِرتُ أن يكونَ صمتي فِكراً، ونُطقي ذِكراً، ونظري عِبرةً، أن أصِلَ من قطعني، أن أعفوَ عمّن ظلمني، أن أُعطيَ من حرمني، أُمرتُ بالقصدِ في الفقرِ والغِنى، وكلمة العدلِ في الغضبِ والرِضا))

 ألم يرد في الأحاديث الشريفة :

(( الشِرك أخفى من دبيب النملةِ السوداء , على الصخرةِ الصمّاء , في الليلة الظلماء ، وأدناهُ أن تُحِبَ على جَور ))

 يعني : لكَ صديق جائر ، منحرف , لكنكَ تُحبهُ ، لكَ معهُ مصالح ، تأتيكَ منهُ مكاسب ، تحبهُ , وتعلم أنهُ يجورُ على بعض الناس , فهذا شِرك .

(( وأن تُبغِضَ على نصيحة ))

 إنسان نصحكَ , وهوَ صادق ومخلص, لكنهُ جرحك فكرهتهُ وحقدتَ عليه, هذا شِرك.
 قبلَ أن ندخل في تعريف الكُفر , الذي أتمناهُ على كُلِ أخٍ كريم : أن يُنحي نفسهُ جانباً عن تقييم الناس , وعن تنصيب نفسهِ وصيّاً عليهم , وعن توزيعِ الألقابِ والتُهم على الناس , وكأنهُ لا يُخطئ , وكأنهُ معصوم , وكأنهُ هوَ الأصل , وهوَ المقياس , وكأنما عليهِ هوَ الدين , وما سِوى ذلك لا شأنَ لهُ بِهم , ليسَ معنى كلامي هذا : أن ترى إنساناً يشربُ الخمر , لعلّهُ وليٌّ كبير , لا , هذا جنون ، أن ترى إنساناً غارقاً في المعصية , تقول : لا نعرف يا أخي , الله جعل سِرّهُ في أضعف خلقه , لا , هذا اضطراب في المفاهيم ، المعصية معصية ، والخمر خمر ، والزِنا زِنا ، فلان لا يُصلي , لا نعرف , لعله رُفِعَ عنهُ التكليف , ما هذه السحبة ؟ لا يُصلّي , هذا تارك الصلاة ، شارب خمر ، زانٍ ، أمّا أن تُعطي لإنسان عاصٍ هالة ومكانة , وتقول : قد يكون وليّاً !! هذا انحراف ، أن تُكفّرَ إنساناً بصغيرة هذا انحراف ، وأن تُصبِغَ على إنسان الوِلاية وهوَ مُقيم على معصية هذا انحراف ، هذا انحراف وذاكَ انحراف ، نحنُ مقياسُنا الشرع , لكن لو رأيتَ عاصيّاً تقول : الآن فُلان يعصي , لكن غداً لا أعلم , لعلّهُ يتوب , ولعلّهُ يسبِقُني ، هذا الموقف الأديب ، الموقف المُنصف ، الموقف المعتدل ، والذي يدمى لهُ القلب : أنَّ المسلمين على ضعفهم , وعلى تفرقّهم , متعادون ، يتقاذفون التُهم ، يتقاذفون التكفير لأتفه الأسباب .
 حسبُكَ ببعض البلاد الإسلامية التي تتهمُ الإنسان بالشِرك , إذا هوَ زارَ النبي عليه الصلاة والسلام , كلمة شِرك أهونُ عِندهم من شربةِ ماء , مباشرةَ مُشرك ، إذا قال : يا رسول الله مُشرك ، إذا قالَ : يا ربي بجاهِ حبيبكَ محمد , مُشرك لقد أشركت , إذا صلّى وقال : اللهمَ ربَ هذه الدعوة التامة , قرأ الدعاء , دعهُ ، إذا كان في مسجد قبر , ونحنُ لا نصلي إلى هذا القبر , في زاوية ميتة من المسجد , وبُنيَ قبلَ أربعمئة عام , هذا الجامع لا يجوز الصلاة فيه ، نحنُ أخطر شيء في الدين التطرّف يميناً أو يسارا ، هذا الغلو في الدين , في غلو سلبي وفي غلو إيجابي ، فبينما أنتَ معَ أُناس كُل شيء لهُ فتوى , مثلُهم كمثلِ أفسقِ البُلدان , يكفي أن تتصلَ , امرأة تشعرُ بحاجةٍ إلى رجل , بأي رجل , هذا الاتصال الهاتفي عقد زواج ، غلوّ ؛ فإمّا أن ترى أُناساً تحللوا من أحكام الدين , وأصبحَ دينُهم يُسايرُ أيَّ انحلالٍ , وإمّا أن ترى أُناساً يُكفرّونَ على صغيرة .
 يعني إن أعطيتهُ عِطراً فيه كحول , قفزَ وكادَ يخرجُ من جِلدِهِ , لأنَّ هذا نجس , هذه نجاسة حُكمية كما قالَ عنها العُلماء , بل هيَ نجاسةٌ معفوٌ عنها , هذا الكحول لو شربهُ الإنسان لَسَكِر , فهذه النجاسة ليست حقيقية يُطهّرُ بهِ ، فنحنُ آفةُ المُسلمين في الغلو سلباً أو إيجاباً ، إمّا أن نُذيبَ أوامرَ الدين , حتى يُصبحَ الدينُ سائلاً يمكن أن يوضع في أي وِعاء .
 في بعض البُلدان : يأتي الشيخ إلى العُرس , لِيُبارِكَ الزوجين , والزوجةُ في أبهى زينة , كاسيةٌ عارية , كما يفعل بعضُ رجال الدين الآخرين , لا أُريد أن نُذيب أُمور الدين , الدين دين , الدين مقاييس صُلبة ، مقاييس جامدة , صِراط مستقيم ، أو أن نُكفّرَ الإنسانَ , إذا قالَ : يا رسول الله ، أو أن نُكفّرهُ إذا انحرفَ انحرافاً طفيفاً , فالتكفير يُسبب الأحقاد . هذه المُقدّمة لا بُدَ منها لبحثٍ موضوع الكُفر .

أنواع الكفر :

 الكُفرُ عِندَ العلماءِ نوعان :
 كُفرٌ أكبر ، وكُفرٌ أصغر .
 فالأصغر موجِبٌ لاستحقاق الوعيد دونَ الخلودِ في النار .
 كُلُكم يعلم : أنهُ يخرجُ من النار من كانَ في قلبهِ مثقالُ من خير .
 فالكُفرُ الأصغر هوَ الذي يُوجبُ الوعيد , وعيدَ اللهِ عزّ وجل , ولكنهُ لا يخلدُ صاحبهُ في النار , يخرجُ منها .
 يقولُ عليه الصلاة والسلام فيما رواهُ الإمامُ مُسلم والإمامُ أحمد, عن أبي هُريرة رضيَ اللهُ عنه:
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ, وَالنيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ))

[أخرجه الإمام مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]

 الآن النياحة على الميت : ضرب الوجه ، تمزيق الشعر ، شق الصدر ، الولولة , هذه كُفر , كما قالَ عليه الصلاة والسلام .
 يقولون عن الميت : الجسر تحطّم , أين الله عزّ وجل ؟ تسمع كلمات في مناسبات الحزن كُلُها كُفر , جهل , كأنَّ هذا الذي توفي هوَ الرزّاق , وهوَ القيّوم ، وهوَ الحي الذي لا يموت ، كُل إنسان يموت , فلذلك الاعتدال في الحزن من علامة الإيمان , والمبالغة في الحزنِ من علامة الجهل .
 سيدنا إبراهيم توفي , كل أب يعرف ذلك , لا يوجد أجمل من طفل صغير وديع كالوردة , إذا ارتفعت حرارته , الأب لا ينام الليل , فنزلت دمعةٌ من عينِ رسول الله على خدهِ , قال له أحد أصحابهِ :

(( أتبكي يا رسول الله ؟ قالَ : نعم , إنَّ العينَ لتدمع , وإن القلبَ ليحزن , ولا نقولُ ما يُسخط الربّ , وإن عليكَ يا إبراهيم لمحزونون ))

 هذا عمل طبيعي ، من قال لكَ : أنَّ المؤمن لا يتألم لمصيبة ؟ هذا كلام فارغ ، كلام خيالي ، كلام حالِم ، المصيبة مصيبة , لكن المؤمن يتلقّاها بصدرٍ جميل , يراها من عِندِ الله عزّ وجل , وما عِندَ اللهِ كُلهُ خير ، أمَا النياحة , والضرب , والتمزيق ، فاعتراض على القضاء والقدر .
 قبل شهر تقريباً , إنسان توفي فجأةً , فذهبنا إلى أهلهِ لنواسيه , جاء أخوه وسب الدين , وقال : لماذا يموت أخي ؟ قيمة هذا الرجل صفر مُكعّب , كُل إنسان يموت , ومن قال لكَ : أنَّ الأجل على هوى الإنسان .
 ففي عنّدنا كُفر أصغر يوجب استحقاقَ الوعيد , لكن لا يخلدُ صاحبهُ في النار .

الفرق بين الكفر الأكبر والأصغر :

 اثنتانِ من أُمتي بهما كُفرٌ .
 سأُوضح لكم الفكرة :
 أنتَ إذا كفرت بالخالق , والرب , والمُسيّر , والحكيم , والعليم , والرحمن الرحيم , وكفرتَ برسول الله , وبهذا القرآن , هذا كُفر أكبر .
 أمّا هذا الأمر لم تُطبقهُ ؟ لماذا ؟ لأنكَ لا تعرفُ قيمتهُ , فأنتَ كافر بهذا الأمر .
 يعني الكُفر : عدم تطبيق أمرٍ فرعيٍ من أُمور الدين , كُفرٌ أصغر .
 مثلاً إذا قالَ لكَ اللهُ عزّ وجل :

﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 221]

 الآن : أحضر لي واحداً مُسلماً , عِندهُ بنت بسن الزواج , جاءهُ خاطب شاب , مؤمن مستقيم , له مجلس عِلم , يخشى الله , يخاف الله , في قلبهِ رحمة , عِندهُ إنصاف , لكن منزلهُ صغير , في أحد أطراف دمشق , وعملهُ متواضع , ودخلهُ محدود ، ثمَ يأتي خاطب , لهُ معمل , ولهُ سيارة فخمة , ولهُ بيت واسع , وشاب وسيم , لكن لا يُصلي , يُصلي الجمعة فقط , وإذا أحرج بالمناسبات فيشرب , إذا كانت أسرة مسلمة , قالت : هذه الموافقة على زواج هذا الشاب الموسِر , الغني الوسيم , رقيق الدين , هذا كُفرٌ بهذه الآية , معناها : أنتَ هذه الآية غير مؤمن بها , لكن كُفر أصغر وليسَ أكبر .
الأكبر : كفرَ بالله , كفرَ بوجودهِ , وبرحمتهِ , وبعلمهِ , وبغناه , وبقدرتهِ , وبكتابهِ , وبرسولهِ , كل الدين يُشاهدهُ على أنهُ خُرافة , أفيون الشعوب , حالات الضعف الإنساني تتمثل بالدين ، الإنسان ضعيف , يحتاج إلى قوة يلتجئ إليها , فهوَ توهّمَ هذا الدين , هذا كُفر أكبر , أمّا المال أغراه , وغَلبتهُ نفسهُ , ورأى السيارة الفخمة , والبيت الواسع , والمعمل , والشكل , لكن ليسَ فيه دين , يقول لكَ : سيهدى , نحنُ إن شاء الله ! نأخذهُ إلى الجامع ، يفضلونه , ويطمعون بهدايته , والخوف أن يغويهم , فلمّا الإنسان يختار زوجاً لابنتهِ على غير مقياس الله عزّ وجل , أليسَ هذا كُفر بهذه الآية ؟ بهذا التوجيه ؟ بهذا الحُكم ؟ بهذا المقياس ؟ .
 فنُفرّق بين الكُفر الأكبر , الكُفر الشمولي الكُلي , والكُفر الأصغر الذي فيه مخالفة لأمر إلهي , والمخالفة هذه أساسها : الإنسان غير قانع بحكمة هذا الأمر , يقول لكَ : سبحان الله ! أجد صعوبة في تطبيقه , هذا أحد أنواع الكُفر .

الكفر بشكل مطلق :

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ : الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ , وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ ))

[أخرجه مسلم في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

(( من أتى كاهِناً أو عرّافاً , فصدّقهُ بما يقول , فقد كفرَ بما أنزلَ اللهُ على محمد ))

 عندما ربنا قال :

﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾

[سورة النمل الآية: 65]

 باللهِ انظر لي بالفنجان , ويتنبأ لكَ قبضة ، لكَ عدو ، شخص يريد أن ينفعكَ ، أنتَ حينما تسألهُ عن المستقبل , فأنتَ كفرت بهذه الآية , كلمة لا يعلم الغيب , فأنتَ لستَ مؤمناً بها , هذا كُفر , لكن نستطيع أن نقول : خرجَ من المِلّة ، بجهنم خالداً مُخلّداً , غير معقول هذا الكلام .
 عَنْ جَرِيرٍ قال , قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ :

(( اسْتَنْصِتِ لي النَّاسَ , فَقَالَ : لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا , يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]

 يعني هذه الحروب , وهذه المنازعات , وهذه التفرقة , وهذا التشتت , والتشرذم , والتبعثر كما يقولون ، وكُلٌ يدّعي وصلاً بليلى , وكُلٌ يتهم الآخر ، هذا الوضع المتمزق , هذا سمّاهُ النبي كُفر , لكن كُفر بقولهِ تعالى :

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 103]

 كُفر:

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[سورة الأنفال الآية: 46]

 كُفر بما دعا إليه النبي للمسلمين :
 كالبنيان المرصوص ، لا تحسسوا ، لا تجسسوا ، لا تنابزوا ، لا تدابروا ، لا تحاسدوا ، لا تنافسوا , وكونوا عِبادَ الله أخواناً .
 أنتَ هذه الأحاديث لم تعبأ بها , فأنت كافرٌ بها ، قال تعالى :

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾

[سورة المائدة الآية: 44]

 إذا لم تحكم بما أنزلَ الله , فهذا كُفرٌ بما أنزلَ الله ، إن لم تحكم في موضوع واحد , بحُكمٍ أنزلَ اللهُ فيه حُكماً , فقد كفرتَ بهذا الحُكم , وإن رفضتَ القرآنَ كُلَهُ , فقد كفرت بالقرآن , كما قلتُ في أول الدرس :
 بين الأبيض والأسود آلاف الألوان الرمادية , آلاف الألوان الرمادية , الإيمان إيمان ، والكُفر كُفر ، وبينمُها درجاتٌ شتى .
 ابن عباس قال : ومن لم يحكم بما أنزلَ اللهُ فأؤلئكَ هم الكافرون , ليسَ بِكُفرٍ ينقلُ عن المِلّة , بل إذا فعلهُ فهوَ بهِ كُفرٌ ، بهِ بعضُ الكُفر هذا كلام ابن عباس ، وليسَ كمن كفرَ باللهِ واليوم الآخر.
 قالَ عطاء : هوَ كُفرٌ دونَ كُفرٍ , وظُلمٌ دونَ ظُلمٍ , وفِسقٌ دونَ فِسقٍ .
 هذا الكلام ليسَ معناهُ أن يطمئنَ الإنسان ، أنا أخافُ من التطرف إن نحوَ اليمين وإن نحوَ الشِمال ، هؤلاءِ الخوارج الذين كفروا لأصغر الذنوب انحرفوا ، وهؤلاء الذين تسامحوا فقالوا : لا يضرُ مع الإيمان معصية أيضاً انحرفوا .
 في فِرقة تقول : لا يضرُ مع الإيمان معصية .
 ما دُمتَ قد آمنتَ بالله , فهذا الذي يفعلهُ أن نصل , إذا آمنتَ بالمسيح , فإنه يُخلّصُك , انتهى الأمر , افعل إذاً ما تشاء .

أنواع الكفر الأكبر :

 أمّا الكُفر الأكبر , فهوَ ستة أنواع :
 كُفرُ تكذيب ، وكُفرُ استكبار , وكُفرُ إباءٍ مع التصديق ، وكُفرُ إعراض ، كُفرُ شك ، وكُفرُ نِفاق , وكُل نوع له آيات خاصة بهِ .

1-كفر تكذيب :

 أمّا كُفرُ التكذيب : هوَ اعتقادُ كَذِبِ الرُسل .
 يعني إذا اعتقدَ الإنسانُ أنَّ الأنبياء أُناسٌ أذكياء, جمعوا الناسَ حولهم, وابتدعوا هذه الكُتب من بناتِ أفكارهم, وهدفُهم الزعامة ونيلُ المكاسب في الدُنيا, من اعتقدَ هذا الاعتقاد, فقد كفرَ كُفرَ تكذيب, لذلك أخطر شيء في العقيدة: أن تعتقد أنَّ النبي يقرأ ويكتب, إذا اعتقدتَ أنَّ النبي يقرأ ويكتب, ماذا فعلت؟ مهّدتَ الطريق لزعمٍ خطير, وهوَ أنَّ هذا القرآنَ من عِندهِ، قضية عبقرية وذكاء، قضية تألُق ذُهن، قضية بطولة, كُفرُ التكذيب: أن تعتقدَ كَذِبَ الرُسل, وهذا القِسمُ قليلٌ في الكُفار, لماذا؟ لأنَّ اللهَ أيدَ رُسلَهُ, وأعطاهم من البراهين والآيات على صِدقهم, ما أقامَ بهِ الحُجة, وأزالَ بهِ المعذرة.
 قالَ تعالى عن فِرعونَ وقومهِ :

﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾

[سورة النمل الآية: 14]

﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 33]

 معناها: لمّا النبي يُمسك العصاة, فإذا هيَ ثُعبانٌ مُبين, السحرة خرّوا ساجدين, هذا ليسَ سِحر، حينما يضربُ البحرَ بعصاه, فإذا هوَ طريقٌ عظيم, هذا ليسَ بسحر، فالله سبحانهُ وتعالى أيّدَ أنبياءهُ بمعجزات خارقة, وأيّدَ النبي عليه الصلاة والسلام بهذا القرآن, تلكَ المعجزة الخالدة على مدى الدهور.
 كُنتُ أقرأُ هذه الآية الكريمة :

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾

[سورة الرعد الآية: 2]

 كانت تستوقفني كلمة ترونها :

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾

 ترونها: قيد معنى هذه السموات التي رُفِعت بغيرِ عَمدٍ مرئية, لكنها مرفوعةٌ بأعمدةٍ غير مرئية, هذا هو المعنى الدقيق.
 وكُنتُ في هذا الأسبوع, أُطالعُ كتاباً في الفيزياء عن الجاذبية, لفتَ نظري في هذا الكتاب, أنَّ المؤلّف قال: هذه الشمس تجذِبُ الأرض بِقوى هائلة, ولو أنَّ الأرض تفلتت من جاذبية الشمس, أو أنَّ الشمس انعدمت فيها الجاذبية فجأةً, ماذا يحصل؟ هذه الأرض تنطلق في الفضاء الخارجي, في متاهات الفضاء الخارجي, حيثُ الظلام الدامس, والحرارةُ التي كما قالَ عنها العُلماء: هيَ الصِفرُ المُطلق, الصِفر المُطلق مئتان وسبعون درجة تحت الصفر, هذا فرضيّة علمية.
 لو أردنا أن نربِطَ الأرض بالشمس بحِبال من الفولاذ المضفور, حتى تبقى الشمسُ مع الأرض تدور، تصورنا فجأةً أنَّ الشمس فجأةً انعدمت فيها قِوى الجذب, فالأرض إذاً لا ترتبط بالشمس بفِعل قانون العطالة, هذا القانون لطيف جداً, الأجسام المتحركة ترفض الوقوف, والدليل: إذا كُنت راكباً سيارة, ومر طِفل صغير, واضطر السائق أن يستعمل المِكبح فجأةً, أنتَ تقفز من مقعدكَ, لماذا؟ لأنكَ جسم مُتحرّك, فلّما وقفت السيارة بِفعل المكبح, أنتَ رفضتَ أن تقف, ودليل رفضك تابعتَ المسير, لذلك لا بدَ من أحزمة الأمان, لماذا نستخدم حِزام الأمان؟ لكي يبقى وجودكَ مُرتبطاً بالسيارة, حتى إذا توقفت فجأةً, أنتَ بحسب قانون العطالة تتابع المسير، والأجسام الساكنة ترفض الحركة, فإذا ركبتَ مركبةً وانطلقت, تشعر أنَّ المقعدَ الخلفي يدفعُ ظهركَ نحوَ الأمام, لماذا؟ لأنكَ ترفضُ الحركة.
 لو أنَّ الأرض تفلتت من جاذبية الشمس, وانطلقت في الفضاء الخارجي, حيثُ الظلام الدامس, وحيثُ انعدام الحركة, والبرودة الشديدة, والموت المُحقق, لو أردنا أن نُبقي الأرضَ مع الشمس, قال: لاحتجنا إلى مليون مليون كبل فولاذي, قُطرُ كُلِ كبلٍ خمسة أمتار, وهذا العدد مليون مليون, لو بُرزت على سطح الأرض, ووصلت إلى الشمس, بطول قدره مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر, لغطّت هذه الحبال فضاءَ الأرض, ولرأيتَ بينَ الحبلِ والحبلِ مقدارُ حبلِ بالضبط، لو زرعنا هذه الحِبال على سطح الكرة الأرضية برها وبحرِها, لكانَ بينَ الحبلين حبلٌ فقط, ولحجبت هذه الغابة من الحِبال أشعة الشمس.
 بالمناسبة: الميليمتر مربع من الفولاذ, يُقاوم مئتي كيلو شد, والكبل الواحد من الفولاذ, الذي قطرهُ خمسة أمتار, يُقاوم مليوني طن، فإذا احتجنا مليون مليون طن, وكُل طن يُقاوم قِوى شد مليونين، مليونين ضرب مليون مليون، هل تصدقون: أنَّ كُلَ هذه الحِبال من أجلِ أن تحرفَ الأرض عن مسارها المستقيم ثلاثة ميليمتر كل ثانية, حتى ينشأ للأرض مساراً إهليلجي مُغلق حولَ الشمس؟ .
 هذا معنى قولهِ تعالى :

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾

 لو أنها بأعمدة, مُشكلة كبيرة جداً, كُل خمسة أمتار يوجد كبل, أينَ الأبنية؟ وأينَ الشوارع؟ وأينَ الحقول؟ وأين المزارع؟ .
 إذاً: الكُفرُ الأكبر: أن تعتقدَ كَذِبَ الرُسل:

﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾

2-كفر الإباء والاستكبار :

 الآن: كُفرُ الإباءِ والاستكبار.
 يعني أحياناً مثلٌ مُصغّر: يكون أب فاسق, مُنحرف, شهواني, دخلهُ حرام، يأتيه من صُلبهِ ابنٌ طاهر مستقيم, يعني هذا الأب يستكبر عن أن يُصغي لنصائح ابنهِ, لو أنَّ ابنهُ تكلّم, لَسَمِعَ منهُ الحق, ولكنَ مكانة الأب أحياناً, واستعلاءه, وقوَتهُ المالية, وشأنهُ الاجتماعي, هوَ الذي يمنعهُ من أن يُصدّق, أو من أن يستسلم, أو من أن يؤمن، كُفر الإباءِ والاستكبار كَكُفرِ إبليس, إنهُ لم يجحد أمرَ الله, ولا قابله بالأبكار, ولعله تلقّاهُ بالإباءِ والاستكبار, يعني هذا يُشابههُ من عَرَفَ صِدقَ النبي, وأبى أن يؤمنَ بهِ:

﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآية: 47]

 كلام فِرعون.
 طبعاً لمّا فِرعون رأى أنَّ العصاة أصبحت ثُعباناً مُبيناً, ونزعَ يدهُ فإذا هيَ بيضاء للناظرين, قالَ:

﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾

 هذا إذا كُفر استكبار وإباء:

﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾

[سورة إبراهيم الآية: 10]

 اليهود يعرفونهُ أنهُ رسول الله كما يعرفون أبناءهم, ومعَ ذلك كفروا بهِ، والحقيقة: الإنسان السعيد الموّفق لا يمنعهُ أن يأخُذَ الحِكمة من صغير.
 ألم أقل لكم في درسٍ سابق: سيدنا أبو حنيفة النعمان رضيَ الله عنه, مرَّ بغلامٍ صغير, أمامهُ حُفرة, قال لهُ: يا غلام, إيّاكَ أن تسقط, قالَ: بل أنتَ يا إمام إيّاكَ أن تسقط, إنّي إن سقطتُ سقطتُ وحدي, وإنكَ إن سقطتَ سقطَ العالمُ معك؟.
 ألم يقُل عبد الله بن الزُبير لسيدنا عُمر رضي الله عنه: أيها الأمير, لستَ ظالماً فأخشى ظُلمك, ولستُ مُذنباً فأخشى عِقابك, والطريقُ يَسَعُني ويَسَعُك؟.
 الكُفر الثاني والعياذُ بالله: كُفر الإباءِ والاستكبار.
 أحياناً موظفون في دائرة, أو مُدرّسون في مدرسة, أو تُجّار في سوق, أحدُ هؤلاء يطلبُ العِلم بإلحاحٍ شديد, ويصدق معَ الله, ويبذل ويُقدّم ويفعل ويترك حتى يوفقهُ الله, وحتى يُلقي اللهُ في قلبهِ نوراً, وحتى يُطلقَ لِسانهُ, من هؤلاء الذين يستكبرونَ عن دعوتهِ؟ زملاؤه, هذا كان البارحة معنا.
 كُنت في أحد ضواحي دمشق, يوجد قصّاب, أُحدثهُ, فقالَ لي: أبو الحسن كردي كُنّا سويةً لحامين, فقُلت: أين الثرى من الثريا؟ هوَ قارئ كبير.
 يعني أرادَ هذا القصّاب أن يرتفعَ إلى مستوى هذا القارئ الكبير, أقول هذا الكلام: لمّا الإنسان يطلب العِلم, فيصبح لهُ شأن آخر, قد ينسى الناسُ أنهُ نجار أو أنهُ قصّاب, صار لهُ مكانة عليّة.
 أنا أقول لكم هذا الكلام, وإن شاءَ الله واثق من كلامي, هذه كلمة:

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

[سورة الشرح الآية: 4]

 هذه للنبي عليه الصلاة والسلام, ولكُلِ مؤمنٍ منها نصيب, يعني أنتَ تخطُبُ وُدَّ الله، تجهدُ لطاعتهِ، تُمضي وقتاً طويلاً في طلب العِلم الشريف, في خدمة الخلق, في نُصح الخلق, وتبقى مغموراً وراء الصفوف, وراءَ الركب, لا, اللهُ عزّ وجل يُعلي قدركَ بينَ الناس.
 ألم أقل لكم في درسٍ سابق: إذا أحببتَ الله, ألقى حُبكَ في قلوبهم, في قلوب الناس؟ إذا خِفتَ من الله, ألقى الخوفَ مِنكَ في الناس، إذا هِبتَ الله, ألقى عليكَ هيبةً عظيمة، إذا اشتغلتَ بالله, أصبحتَ شُغلَ الناس الشاغل. هذه:

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

3-كفر الإعراض :

 يوجد عندنا كُفر ثالث: هوَ كفُر الإعراض.
 مرة التقيت مع رجل أجنبي, من بلد أجنبي, مندوب شركة, وحدثتهُ عن اللهِ قليلاً, فقالَ كلمةً لا أنساها، قالَ هذه الكلمة, وعلى أثرِ كلمتهِ تذوقتُ قولهُ تعالى:

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾

[سورة الأنفال الآية: 23]

 بعدَ أن حدّثتهُ قليلاً عن الكون, وعن خالِق الكون, وعن ماذا بعدَ الموت؟ قالَ: كُلُ هذه الموضوعات لا تعنيني, ولا أهتمُ بها, ولا أُفكرُ فيها, ولا أبحثُ عنها, إنما يعنيني امرأة جميلة, وسيارةٌ فخمة, ومنزلٌ كبير, قلتُ: صدقَ اللهُ العظيم:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ﴾

 وليسَ فيهم الخير .

﴿ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾

 هذا كُفر الإعراض.
 يمثلهُ رجلٌ عاشَ مع النبي عليه الصلاة والسلام, لا صدّقهُ ولا كذّبهُ، لا والاهُ ولا عاداهُ ، ولا أصغى إليه أبداً, قالَ هذا الرجل للنبي.
 أقول لكَ كلمةً: إن كُنتَ صادقاً فأنتَ أجلُّ في عيني من أن أرُدَ عليك, وإن كُنتَ كاذباً فأنتَ أحقرُ من أن أُكلّمكَ, لا أُصغي إليك, ولا أستمع إلى دعوتك, ولا أُصدقُك ولا أُكذّبُك, ولا أُواليك, ليس لي علاقة, هذا الوضع موجود عِندَ بعض الناس, لا يهزّهُ شيء أبداً.
 أحدهم هجا شخصاً, قال: لا يُبالي أبداً, وإذا بالَ, فمن بالَ يبولُ, لا بالَ يُبالي لا يُبالي, غير مهتم, لا بهذه الدعوة, ولا بفهم كتاب الله, ولا بالوعد والوعيد، يعيش لِذاتهِ, يعيش للحظتهِ ، يعيش لحظوظ نفسهِ، فهذا كُفر إعراضي, ونعوذ بالله منه؛ هوَ في واد والدين في واد، هوَ في تجارته, في تنمية ثروته, في حاجات نفسه الأساسية, في تزيين بيتهُ, في تبديل سيارتهُ, في حظوظ جسمه, في سياحة حول العالم, فنادق خمس نجوم, وحفلات, ومجتمع مخملي ناعم كما يقولون, هُنا همُهم، كُلُّ الدين لا شيء, وإذا احتال الذكي يُجامل: ما شاء الله! الله يُبارك فيك يا سيدي, وما فيه من الدين شيء، في كلمات يتكلمها الناس, لا معنى لها أبداً، الله عزّ وجل يُحاسب على العمل والاتزان.

4-كفر الشك :

 بقيَ علينا كُفرُ الشك، كُفرُ الشك قال: فإنهُ لا يجزِمُ بصدقهِ ولا بكذبهِ, لستُ أدري, ولماذا لستُ أدري؟ لستُ أدري.
 يقول لكَ: شيء لا أُصدقُ أحداً, داخل في حالة الشك, والحقيقة: لو اشترى بيتاً, يا ترى هذا البيت عليه رهن؟ بأمورهُ المادية ليسَ عِندهُ شك, كُلهُ باليقين, كلهُ بالسندات, وكشف القيد العِقاري, ويأخذ براءة ذمة, وهذه عليك وهذه علي.
 لماذا الإنسان بأمور دنياه دقيق جداً, وعلى اليقين يسير؟ يعمل لهُ عقد عِند محام, يُقيّدهُ كُل ضريبة, قبلَ هذا التاريخ على البائع, طلب القيد العقاري, وطلب الكشف المالي, ولم يُبق شيئاً, لماذا أنتَ في الدنيا باليقينيات دائماً وفي الآخرة في الشك؟ لا نعرف, يجوز ألا يكون في آخرة، والله شيء يُحير, كُل هؤلاء الناس يتكلمون على أهوائهم, ليسَ عِندُه تبني موقف, هذا كُفر الشك.
 الحقيقة: كُفر الشك, الإنسان مُحاسب عن شيء واحد, لو أردتَ الأدلة القطعية لوجدتها:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾

[سورة العنكبوت الآية: 69]

 لو أردتَ الأدلة القطعيّةَ لوصلتَ إليها، دُللتَ عليها، لمستها بيدك، ولكنكَ تُريد أن تعيشَ في شك، في قصيدة لأحد الشعراء المهجريين, يعني مئات الأبيات كُلها: لستُ أدري, بعدَ هذا يقول: ولماذا لستُ أدري؟ قال: لستُ أردي.
 أحياناً تجلس في مجلس هذا الشخص, لا يوجد عِندهُ إلا التشكيك, لا أعتقد, لا لا، أحدهم ذهبَ للأزهر, فلم يدرس, انغمسَ في اللهو في القاهرة, لمّا عاد إلى بلده, فأمام أهله وأهل قريته, أصبحَ عالِماً جليلاً, ووالدهُ ينتظرهُ, فلَبِسَ زيّ العلماء, وجلسَ بمجلس, ولا يفهم شيئاً إطلاقاً, فعلّموه, كل سؤال مُحرج, قل في المسألة قولان, فجاءه واحد خبيث, فقال لهُ: أفي اللهِ شكٌ؟ فقالَ لهُ: في المسألة قولان, فضربوه ضرباً مبرحاً.
 فالشخص هذا دائماً يُشكك, إن تكلّمتَ لهُ بآية, يقول: هذه آية بالقرآن؟ طبعاً وافتح القرآن وشاهدها، ليسَ عِندهُ رغبة بالبحث عن آية في القرآن الكريم, هذا كُفرُ الشك.

5-كفر النفاق :

 بقيَ علينا كُفرُ النِفاق, هذا المنافق واحد كافر, من ألد أنواع الكُفّار, لكن مصالِحهُ مع المُسلمين, أو يعيش في بلد إسلامي، أو يعيش في بلد أولو الأمرِ متمسكونَ بالإسلام، فلذلك يفعل كُل ما يرضى عنهُ المُسلمون, أمّا إذا خرجَ من هذا البلد, غَرِقَ في الفِسقِ والفجور, هذا الكُفر هوَ كُفرُ النِفاق, أن يُظهِرَ بلسانهِ الإيمان, وينطوي بقلبهِ على التكذيب, هذا النِفاق الأكبر, الذي قالَ اللهُ في حقهِ:

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾

[سورة النساء الآية: 145]

6-كفر الجحود :

 آخر نوع من أنواع الكُفر: هوَ كُفر الجحود، الجحود الإلحاد، فلان مُلحد قال: لا إله، ما في إله, لكن الله عزّ وجل، هؤلاء الذين قالوا: لا إله, أطلعنا على مصيرهم, وعلى شأنهم في العالم، هؤلاء الذين قالوا: لا إله, هذا كُفرهم كُفرُ جحود، قال: إمّا أن يكونَ جحوداً عامّاً أو جحوداً خاصاً، من نفى عن اللهِ رحمتهُ, هذه الزلازل, والبراكين, والمجاعات, والحروب, والأمراض, ما هذه الرحمة؟ هذا كُفر جحود خاص؛ جحدَ رحمةَ الله، أو جحدَ عِلمهُ، أو جحدَ حكمتهُ، ويكفي أن تقول: الله يعطي الحلاوة للذي ليسَ لهُ أضراس, هذا كُفر جحود, تتهمُ الله بأنهُ ليسَ حكيماً.
 مرة واحد توفيت زوجته, ولها أخت أكبر منها بعشر سنوات, قالَ: كنتَ خُذ تلكَ يا رب, أبقها لي, هذا جحود؛ جحدَ حِكمة الله، جحدَ رحمتهُ، جحدَ عِلمهُ، جحدَ قدرتهُ، الآن: إذا واحد أصابهُ مرض عُضال, وتيقّن أنَّ اللهَ لا يقدر أن يشفيهُ, طيب لماذا؟ هكذا قال الطبيب, هذا مرض مستعصٍ.
 أخ كريم حدثني, والدتهُ مريضة, الأطباء قالوا: مرضُها عُضال, ولن تصل إلى المستشفى، فدعت ربها عزّ وجل, وتصدّقت, ولجأت إليه, وقد عافاها الله.
 يعني من السذاجة أن تظن أنَّ المرض العُضال ليسَ لهُ دواء, لهُ دواء, وهوَ الشفاء الذاتي، أنتَ إذا صدّقتَ الله عزّ وجل:

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾

[سورة الشعراء الآية: 80]

 يشفيك.
 في مُدرّسة في فرنسا, أصابها مرض عُضال, ورم خبيث في صدرها, وقالَ الطبيب: إنَّ حياتها لا تزيد عن عشرين يوماً تقريباً, ذهبت إلى مكة المُكرّمة, لتُنهي حياتها هُناك, وطافت ثمانية عشرة طوافاً حولَ الكعبة, وهيَ غارقةٌ في البُكاء, وفي الالتجاء, وفي إعلان التوبة, وفجأةً وبعدَ هذا الطواف الشديد, بدأت الآلام تنحسر إلى أن شُفيت شِفاءً تاماً, ولها قِصةٌ مُبكيةٌ, ألّفت كتاباً, واسمهُ: لا تنس الله. آلاف القِصص.
 لي صديق, خمسة أطباء أجمعوا على أنَّ بهِ سرطاناً بالرئة من الدرجة الخامسة، بالتصوير الشعاعي، وبالخزعات، وبالفحص المخبري في دمشق, وفي لندن، والعمر لا يزيد عن عُشر, وانحسر هذا المرض, والرجل لا يزال حيّ يُرزق, وصديقي انحسرَ انحساراً كاملاً, ولهُ في شِفائهِ التام ما يزيدُ عن عشر سنوات.
 فإذا اعتقدتَ أن الله لا يستطيعُ أن يشفيكَ, أو واقع في ورطة مالية مثلاً مُفلس, فالله عزّ وجل يخلُقُ من الضعف قوة، هُنا عظمةُ الإيمان, لا يأسَ معَ الإيمان، يا ربي لا كربَ وأنتَ الرب, لا كربَ وأنتَ الرب, ما دامَ هُناكَ رب, كُل شيء بيده, وقادر على كُلِ شيء, وهوَ أرحمُ بِنا من أنفِسنا, لا كربَ يا رب وأنتَ الرب.
 كُفرُ الجحود الخاص: أن ترى أنَّ الصلاة لا معنى لها في هذا الزمن, أخي عصرنا عصر دوام, وعمل كثيف, وارتباطات, ومواصلات, وما في وقت لنصلي, ولا في وقت لنتوضأ, هذه أنا عِشاء أُصلي, وأطلب من الله المغفرة مساءً, هذا الذي يُنكر فرضية الصلاة أو الصوم, ببعض البلاد الإسلامية اعتبروه أنهُ يُضعِف الإنتاج فألغوا الصوم, طيب: إذا جحدتَ الصوم, أو جحدتَ الصلاة, أو جحدتَ الزكاة, أو رأيتَ أن تحريمَ الرِبا شيء مُربك, لماذا المسلمون متأخرون؟ لأنَّ دينهم صعب يقيدهم, أمّا الأجانب طليقون, هذا كُفرُ جحود, لكنه خاصاً وليسَ عاماً.

الخلاصة :

 على كُلٍ الكُفرُ كما قُلنا قبلَ قليل :
 كُفرٌ أكبر وهو الذي يوجب الخلودَ في النار .
 وكُفرٌ أصغر وهو الذي يوجب التوبة , ويوجب تحققَ الوعيد إذا لم يتب صاحبه .
 وتكفير الناس هذا ليسَ من شأن الناس , هذا من شأنِ ربِّ الناس , وأنتَ في أعلى درجات , ورعكَ إن رأيتَ عاصيّاً ادع لهُ أن يتوب , واذكر اللهَ عزّ وجل على أن نجّاكَ من هذه المعصية ، أمّا أن تُنصّبَ نفسكَ وصيّاً على الناس , توزع ألقاب الكُفر والإيمان على الناس , أو تضيقُ نظرتُكَ فتعتقدُ بصلاحِ جماعتكَ فقط , وتُكفّرُ بقية الجماعات , فهذا من ضيق الأفق , ومن أمراض المسلمين الوبيلة , وهذا الذي فرّقهم وشرذمهم وفتتهم , وجعلهم ضِعافاً في العالم .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS