24824
التربية الإسلامية - الأخلاق المذمومة - الدرس (02-10) : إطلاق البصر
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-12-10
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

مقدمة موجزة :

أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس الأخلاق المذمومة ، انطلاقاً من أن سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال :

<< كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي ... >> .

[ متفق عليه ]

ونحن في حِقب كثيرة كان الحديث عن مكارم الأخلاق ، ولكن لا بد من وقفة متأنية عند الأخلاق المذمومة كي نتجنب التخلق بها ، ففي درس سابق تحدثنا عن خلق مذموم ، وهو ترك الصلاة ، أو :

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ﴾

تحدثنا عن ترك الصلاة ، وعن إضاعة الصلاة .

مِن الأخلاق المذمومة : إطلاق البصر في الحرام :


1 – إطلاق البصر في الحرام حجاب عن الله عزوجل :

واليوم نتحدث عن خلق مذموم آخر ربما كان حجاباً بين العبد وربه ، ألا وهو إطلاق البصر .
أيها الإخوة ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم ، ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم ))

[ الترغيب والترهيب عن سليمان بن عمرو عن أبيه]

2 – الصغيرة قد تنقلب إلى كبيرة :

الصغائر بالإصرار تنقلب إلى كبائر
في الأعم الأغلب معظم المسلمين لا يقتلون ، ولا يشربون الخمر ، ولا يزنون ، لكن الصغائر منتشرة فيما بينهم ، فإذا أصر الإنسان على صغيرة انقلبت إلى كبيرة ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم :

(( لا صغيرة من الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[ مسند الشهاب عن ابن عباس ]

فخُلق إطلاق البصر ، وأن يملأ الإنسان عينيه من الحرام ، وأن يتأمل في امرأة لا تحل له ، وأن يقلب عينيه في خطوط جسمها ، وفي شكلها ، وفي لونها ، وفي حديثها ، هذا من الخلق المذموم ، وربما كان هذا الخلق يقطعه عن الله عز وجل ، ومن الثابت أن الإنسان إذا أصر على شهوة لا ترضي الله فإنه هذا الإصرار يكون حجاباً بينه وبين الله ، ومن أجمل ما قرأت عن قوله تعالى :

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء ]

قال العلماء : " القلب السليم هو القلب الذي سلم من شهوة لا ترضي الله " .

3 – غض البصر فيه فوائد دينية ودنيوية كثيرة :

ومن غض بصره عن الحرام أورثه الله حلاوة في قلبه إلى يوم يلقاه .
هناك شيء يقابل شيئًا ، ما من عبد يدَع شهوة محببة إليه ابتغاء مرضاة الله إلا ملأ الله قلبه إيماناً ، وملأ قلبه سعادة ، وملأ قلبه رضاً ، ومن غضَّ بصره عن الحرام أورثه الله حلاوة في قلبه إلى يوم يلقاه .
أنت تصلي في اليوم خمس مرات ، لكن حينما تغض بصرك عن امرأة لا تحل لك ، مع كل غض بصر هناك إقبال على الله ، وهناك اتصال به ، وإن الله ليباهي الملائكة بالشاب المؤمن ، يقول : انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي ، وإن الله ليباهي الملائكة بالشاب المؤمن يقول : انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي .

إطلاق البصر :

1 – تعريف إطلاق البصر :

إطلاق البصر يلقي حجابا بينك وبين الله
أيها الإخوة الكرام ، بادئ ذي بدء تعريف إطلاق البصر اصطلاحاً : هو تخليته من قيد الخوف والمراقبة ، ويقع على كل ما يراه فلا يرعوي عن حرام ، و لا يقف عند حدٍّ .
في الطريق يطلق الإنسان بصره ، وأحياناً على الشاشة يطلق بصره ، وأحياناً في الإنترنت يطلق بصره ، وأحياناً في مجلة فاضحة يطلق بصره ، أنت حينما تتجه بهذا الاتجاه قد لا تجد شيئاً مادياً يعاقبك ، ولكنك حجبت عن الله ، وكلما ارتقى مقامك عند الله وجدت أن الحجاب عن الله عز وجل أكبر عقوبة تنزل بك .
قال شاب زلت قدمه فتوهم كما قال له شيخه : إن لكل سيئة عقابًا ، فبعد أن زلت قدمه بدأ ينتظر العقاب ، مضى أسبوع ، أسبوع آخر ، أسبوع ثالث ، لا شيء ، صحته جيدة ، بيته ، مركبته ، زوجته ، أولاده ، ففي أثناء المناجاة قال : يا رب ، لقد عصيتك فلم تعاقبني ؟ قال : فوقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ، و لم تدْرِ ، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟ ألا تكفيك هذه العقوبة ؟ لذلك قال تعالى :

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

[ سورة المطففين : 15]

غض البصر كما جاء في القرآن الكريم :

لأن غض البصر في القرآن الكريم ، وليس هذا التشريع بحديث قد يكون ضعيفاً ، بل هو بنص القرآن الكريم ، قال تعالى :

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

[ سورة النور : 30]

حينما تغض بصرك عن محارم الله ، يلقي الله في قلبك حلاوة تبقى معك إلى يوم تلقاه ، لذلك ما كان الله ليعذب قلباً بشهوة تركها صاحبها في سبيل الله .

أنواع إطلاق البصر :

إطلاق البصر أنواع :

1 ـ إطلاق البصر المحرَّم : معنى : خائنة الأعين :

المعنى الأول : إطلاقه في ما حرّم الله :

نوع منهي عنه ، وهو إطلاقه نحو ما حرم الله النظر إليه ، و يندرج تحت هذا النوع قوله تعالى :

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾

[ سورة غافر : 19]

وفي هذه الآية توجيهات رائعة ، ما معنى خائنة الأعين ؟ هي النظرة بعد النظرة ، الأولى لك ، والثانية عليك ، خائنة الأعين النظرة بعد النظرة .

هذه هي آثار النظرة الحرام في جسم الإنسان :

إتباع النظرة النظرة يحرض أماكن الإثارة في الدماغ
وفي مؤتمر الإعجاز العلمي الثاني الذي انفضّ قبل أسبوعين ، وقد عقد في الكويت تابعت محاضرة تؤكد أن الإنسان حينما يخضع لفحص ( المرنان ) ، هذا الجهاز يفحص ذبذبات الخلية الكهربائية ، وقد وُضع دماغه تحت هذا الجهاز ، وأثير جنسياً بمنظر امرأة فاضحة في ثيابها ، بدت تظهر أماكن الإثارة في الدماغ من مركز إلى مركز ، إلى مركز ، إلى مركز ، إلى مركز ، فهناك خمسة مراكز إثارة جنسية في الدماغ ، فإذا استمر النظر ، وتابع النظر ، وأتبع النظرةَ النظرة تنتقل الإثارة من مركز إلى آخر ، فإذا وصلت هذه الإثارة إلى المركز الأخير لابد من أن يقع بفاحشة .
أجمل ما سمعت في هذه المحاضرة أن المرء حينما يغض بصره تتوقف الإثارة ، وخط الإثارة يقف ، بل ينقطع ، وعندئذ لا يحدث شيء ، لذلك الأولى إن كنتَ تمشي في الطريق وهناك منعطف حاد ، تفاجأ بامرأة متفلتة فتغض البصر ، فلا شيء عليك ، لا تتبع النظرةَ النظرة .

(( يا علي ، لا تتبع النظرة النظرةَ ، فإنّ لك الأولى لك ، وليست لك الآخرة ))

[ الترمذي ، أبو داود ، أحمد عن بريدة ]

ويغلب على ظني أن الأولى لا ينتج عنها شيء يؤذيك إطلاقاً ، ولا تؤثر ، وهذا أكده العلم ، لذلك معنى قول الله عز وجل :

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾

[ سورة غافر : 19]

خيانة العين : النظرة بعد النظرة ، وهذا هو إطلاق البصر .

المعنى الثاني : الغمز بالعين :

الغمز بالعين من خائنة الأعين
وقيل : إنها الغمز بالعين ، وهو نوع من الخيانة ، وهذا لا يليق بالمؤمن ، ما كان لنبي أن يومئ بعينه ، الإيماء بالعين خيانة ، لأن الحق لا يستحيا به ، والحق لا يخشى البحث ، والحق لا يحتاج إلى إيماء ، يحتاج إلى بيان ، والحق لا يحتاج إلى أن تكذب له ، ولا يحتاج إلى أن تكذب عليه ، ولا يحتاج إلى أن تبالغ فيه ، ولا يحتاج إلى أن تقلّل من خصومه ، الحق هو الله ، فالإيماء لا يليق بمؤمن .
إذاً : من معاني خائنة الأعين الإيماء ، أو من معاني خائنة الأعين النظر إلى ما نهينا عنه .

المعنى الثالث : الشهادة بغير رؤية :

ومن معاني يعلم خائنة الأعين أن يقول الإنسان : رأيت ، وما رأى ، أو ما رأيت وقد رأى ، خيانة ، كفى بها خيانة أن تحدث أخاك بحديث هو لك به مصدق ، وأنت له به كاذب ، أن تقول : رأيت ، وما رأيت ، أو ما رأيت ، وقد رأيت ، هذه من خيانة العين .

المعنى الرابع : مسارقة النظر :

وقيل : مسارقة النظر ، أنت طبيب ، و قد سمح لك الشرع أن تنظر إلى مكان الألم في جسم المرأة ، فاختلست نظرة إلى مكان لا تشكو منه شيئًا ، هذا الاختلاس في النظر لا يمكن لجهة في الأرض كائنة من كانت أن تضبطك ، أنت في غرفتك ، والجو مظلم ، ويوجد بناء يقابل غرفة نومك ، خرجت جارتك إلى الشرفة بثياب مبتذلة ، لو أنك تأملت محاسنها فليس هناك جهة في الأرض تستطيع أن تضبطك لكن إيمانك بالله يدفعك إلى أن تغض البصر ، إذاً : إطلاق البصر من دون أن تكون مداناً في الأرض هو من معاني قول الله عز وجل :

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾

[ سورة غافر : 19]

ويقول الإمام الطبري خائنة الأعين يراد بها النظر إلى ما نهى الله عنه .

2 ـ إطلاق البصر غير المحرم : ضروري وكسبي :

الآن مع إطلاق البصر الذي أمرنا به لا الذي نهينا عنه ، إطلاق البصر الذي أمرنا به ، بل ينبغي أن نتخلق به .
إطلاق النظر ضروري في الحراسة في سبيل الله
قال العز بن عبد السلام : هو ضربان ، أي نوعان ، أحدهما ضروري ، وهو النظر الاتفاقي ، والثاني كسبي .
وتتخلق منه بكل نظر أوجبه الله تعالى ، أوجبه وفرضه ، أو أوجبه أو ندبه ، كالحراسة في سبيل الله ، هذا واجب ، كالجندي حينما يكون على الثغر ينبغي أن يطلق بصره ليرى حركات العدو ، والنظر إلى مصنوعات الله الدالة على كماله ، فالمؤمن مشغوف بصنعة الله ، بينما غير المؤمن مشغوف بصنعة الإنسان ، مأخوذ بالسيارات ، بالطائرات ، ببعض الآلات ، ببعض الهواتف النقالة ، مأخوذ يحدثك ساعات عنها ، لكن المؤمن مأخوذ بدلائل عظمة الله ، مأخوذ بالمجرات ، مأخوذ بالسماوات ، مأخوذ بالجبال ، مأخوذ بالبحار ، بالأطيار ، بالأسماك ، صنعة الله تملأ اهتمامه ، صنعة الله الدالة على كمال قدرته ، وتمام حكمته ، وشمول علمه ، ونفوذ إرادته ، فإنك تستدل بالصنعة على القدرة ، بالصنعة على الصانع ، وبالنظام على المنظم ، وبالحكمة على الحكيم ، وبالرحمة على الرحيم ، وبالإرادة على المريد ، وبالعلم على العليم .
إذاً : حينما يقول الله عز وجل :

يطلق المؤمن نظره كي يتأمل في خلق الله وإعجازه

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة يونس : 101]

هذا النظر الواجب ، إطلاق البصر نوعان : إطلاق معصية و خيانة :

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾

[ سورة غافر : 19]

و إطلاق تنفيذ لواجب قرآني :

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة يونس : 101]

﴿ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾

[ سورة الأنعام : 99]

تدخل إلى حقل أو زراعة محمية ، تجد عشرات ألوف الحبات الخضراء من الطماطم ، من بين هذه الحبات الخضراء مئة حبة حمراء ، كأنها تناديك تعال اقطفني ، أنا قد نضجت ، فهذا اللون الأحمر القاني علامة النضج ، قال تعالى :

﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾

[ سورة النحل : 16]

النظر إلى الكعبة المشرفة من النظر الواجب
إذاً : النظر في خلق الله ، في صنعة الله ، في آيات الله ، في آيات الله الكونية ، في آيات الله التكوينية ، في آيات الله القرآنية ، النظر إلى المصحف ، إلى الكعبة المشرفة ، هذا أيضاً من النظر الواجب .
آية ثانية :

﴿ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾

[ سورة الأنعام : 99]

ولك أن تنظر إلى الله نظراً تقديرياً :

﴿ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ﴾

[ سورة البقرة : 260]

أي الإنسان يتفكر في خلق السماوات والأرض ، وكأنه يرى مجازاً صنعة الله ، وقدرة الله ، وعلم الله ، وحكمة الله ، ورحمة الله ، وجمال الله ، والله هناك عصافير تتمتع بألوان تأخذ بالألباب ، والله يوجد أزهار فيها ألوان تأخذ بالألباب ، وفراشات لها ألوان تأخذ بالألباب ، أساساً مهندسو الألوان في الصناعة أساتذتهم الفراشات ، و العصافير ، و النباتات ، و قد وقد ورد في الحديث ، والحديث هنا عن النظر المجازي :

(( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ))

[ البخاري عن عمر ]

هذه هي الخطوات التالية للنظرة :

النظرة ككرة الثلج إن أتبعتها النظرة وصلت إلى العبودية للمحبوب
هناك بحث لطيف لعالم جليل اسمه ابن القيم رحمه الله تعالى ، وهو من أجلِّ العلماء قال : " إن النظر يولد المحبة ، فتبدأ علاقة يتعلق بها القلب بالمنظور إليه ، النظر يفضي إلى المحبة ، ثم تقوى هذه المحبة فتصير صبابة ، ينصب إليه القلب بكليته ، ثم تقوى هذه الصبابة فتصير غراماً يلزم القلب كلزوم الغريم لغريمه ، ثم يقوى هذا الغرام فيصير عشقاً ، وهو الحب المفرط ، ثم يقوى هذا العشق فيصير شغفاً ، وهو الحب الذي قد وصل إلى شغاف القلب وداخله ، ثم يقوى هذا الشغف فيصير تيتماً ، وهو التعبد ، وهذا التيتم يصير القلب عبداً له ، و هذا كله من جناية النظر ، فحينئذ يصير القلب أسيراً بعد أن كان ملكاً .
إذا تأمل الإنسان حديث النبي الكريم :

(( إياكم و فضول النظر ))

[ ورد في الأثر ]

النظر إلى الدنيا كثيرا سبيل إلى التعلق بها :

التأمل في مباهج الدنيا يجعلك أسيرا لها
تأمل في هذه السيارة ، تأمل في السيارة ، شيء جميل والله ، شيء رائع ، أصابه حرقة في قلبه ، وهو لا يملك ثمن دراجة ، تأمل في هذه الإعلانات ، في هذه الدعايات ، كلما أمعن النظر في حطام الحياة الدنيا تعلق بها ، كان ملكاً فصار أسيراً .
والله حدثني إنسان يعمل في إصلاح السيارات سمع من إنسان يقول : والله حينما سمع بماركة معينة ( BM ) ، قال : أتمنى أن تمشي فوقي ، من شدة تعلقه بها ، كان حراً فصار عبداً ، كان مطلقاً فصار أسيراً .
العين تقول : أنا رائدك ورسولك ، وأنت بعثتني فيبتلى بطمس البصيرة ، من عاش على شيء مات عليه ، إطلاق البصر خطير أيها الإخوة ، هو رسول القلب .
هناك تعبير عامي رائع جداً باللغة الدارجة : " لا العين ترى ، ولا القلب يحزن " ، عندما يتأمل الإنسان في جمال المرأة يدخل في الهوس ، حتى يصير مجنون ليلى ، ولو تزوجها لطلقها .

ضرورة التعلق بجمال الله عزوجل :

فمن تعلق بجمال الله عز وجل :

فلو شاهدت عيناك من حــسننـا الذي رأوه لما وليت عنا لـغيرنـا
ولـو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب و جئتنـا
ولـو ذقـت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
ولـو نسمت من قربنا لك نسـمة لمت غريباً واشـتياقاً لقربـــنا
و لو لاح من أنوارنا لك لائــح تركت جميع الكائنات لأجـلــنا
فما حبنا سهل و كل من ادعـى سهولته قلنا له قـــــد جهلتنا
فأيسر ما في الحب للصب قـتله وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا
***

هؤلاء الذين أحبوا ربهم :

فليتك تحلو و الـحيــاة مريرة و ليتك ترضى و الأنام غضاب
و ليـت الذي بيني و بينك عامر و بـيني و بين العالمين خراب
و لـيت شرابي من ودادك سائغ و شربي من ماء الفرات سراب
إذا صحّ منك الوصل فالكل هين وكل الـذي فوق التراب تراب
***

مَتن ذاق عرف ، وليس الخبر كالمعاينة :

أحوال العاشقين المحبين لله ، والله يعيشون بسعادة ، " والله لو يعلم الملوك ـ كما قال إبراهيم بن الأدهم ـ ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف " .
معقول أن تغض بصرك عن محارم الله ، وتبقى متصحراً ؟ يتجلى الله على قلبك بالسكينة ، بالمحبة ، بالتفاؤل ، بالرضا ، باليقين ، ما كان الله ليعذب قلباً بشهوة تركها صاحبها في سبيل الله .
أيها الإخوة ، من ذاق عرف ، والله سمعت إنساناً يقول لما تمر أمامه امرأة ، أكبر رافعة لا يمكن أن تحول وجهه عنها ، لا يستطيع .
إذا كان الشخص يمشي في الطريق وسمع وقع حذاء نسائي يتشنج ، ينتظر ليرى ، أما المؤمن فملَك والله ، هذا الشهوة تحت قدمه ، ويرضى بنصيبه من الله .
في بالجنة حور عين ، أحد الصحابة له زوجة ضغطت عليه على أن يقدم لها شيئًا من الدنيا ، فقال لها ما يلي : << اعلمي أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر ، فلأن أضحي بك من أجلهن أهون من أن أضحي بهن من أجلك >> .

مِن سمات المؤمن غض البصر :

المودة بين الزوجين من ثمار غض البصر
هناك وعد من الله ، أما هذا الشيء في الدنيا فهو شيء طارئ وساقط ، وبصراحة مِن سمات المؤمن غض البصر ، عفيف ، لا تذله امرأة ، راض بما قسم الله له ، وهناك شيء لا يوجد عليه دليل ، لكنه واقع ، أنت حينما تغض بصرك عن ما حرم الله يريك الله التي عندك بأبهى صورة ، كيف ؟ لا أعرف ، لكن هذا واقع ، الله عز وجل يحسّنها في نظرك ، ويحسنك في نظرها ، وتنشأ المودة ، لأن هذه المودة بنيت على طاعة الله ، وما تواد اثنان ففرق بينهما إلا بذنب أصابه أحدهما ، فمادام هناك غض البصر فهناك طاعة ، والقرآن الكريم مدرسة في غض البصر .
من لوازم المؤمن غض البصر ، يقول أحد أصحاب النبي :

(( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة ، فأمرني أن أصرف بصري ))

[ مسلم عن جرير بن عبد الله ]

بالمناسبة ، مِن نعم الله الكبرى على رسول الله أنه قال :

(( الحمد لله الذي رزقني حبّ عائشة ))

[ ورد في الأثر ]

مِن سمات المؤمن حب الزوجة والتلطف بها :

أنا أقول لكم بصراحة : علامة إيمانك أن تحب زوجتك التي أحلها الله لك ، ومن علامات ضعف الإيمان أن تشتهي غير زوجتك ، من علامة الإيمان أن تحب زوجتك لقول النبي صلى الله عليه وسلم :

(( الحمد لله الذي رزقني حبّ عائشة ))

وكل ما يعرض على الشاشة مفاده أن الزوجة مملة ، تجد شيئاً مؤسفاً جداً ، فهو لطيف جداً مع أخت زوجته ، لطيف جداً مع موظفة بالدائرة ، يصبح كالملاك ، ابتسامة ، وسلام ، وخضوع ، ويسألها عن صحتها ، وكأنها مريضة ، هل أخذت الدواء اليوم ؟ يدخل إلى البيت فتجده كالوحش مع زوجته ، هذا واقع اليوم أنا لا أتكلم من فراغ ، بل من واقع ، فالرجل شرس مع زوجته ، لئيم ، لا يتكلم كلمة ، وقد كان في أيام الخطبة يمضي معها ثلاث عشرة ساعة في الاتصال ، وبعد العرس يجر الكلام منه جراً فلا يتكلم ، أما إذا كان هناك ضيفة تجده إنساناً آخر ، ناعماً ، لطيفاً ، بسرعة يحسن وضعه ، يرجل شعره ، يلبس ، يبتسم ، لماذا هذه النعومة البالغة مع مَن لا تحل لك ؟ ولماذا الفظاظة مع من تحب ؟ هذا مرض المسلمين .

أكبرُ مهمةٍ ناجحةٍ للشيطان التفريقُ بين الزوجين :

أكبر مهمة للشيطان التفريق بين الزوجين وتمزيق الأسر
إخواننا الكرام ، الشيطان يرسل إخوانه الشياطين لإفساد البشر ، يأتي الأول فيقول له : هناك شراكَة فَصَمتُها ، كلما جاءه أحد مندوبيه بعمل يظنه عظيماً يقول له : لا شيء ، إلى أن أتى أحدهم ، و قال : فرقت بين الزوجين ، أؤكد لكم أن أكبر مهمة للشيطان أن يفرق بينك و بين زوجتك ، يسودها في عينك ، ويسودك في عينها .
والله أكاد أقول : إن سبعين بالمئة من البيوت فيها خصومات ، ونفور ، وكلام قاس ، وغلظة بين الزوجين ، والأولاد يتمزقون ، من البعد عن الله ،

(( الحمد لله الذي رزقني حبّ عائشة ))

والحب تصنعه بيدك ، من دقتك ، من لطفك ، من رحمتك ، من تغاضيك عن بعض الأخطاء ، من تغاضيك عن بعض العيوب .
والله هناك أزواج يخرب أحدُهم بيته بيده ، مشروعنا كان عاطلاً ، حطمتها ، يبحث عن عيوبها ، ويكبر عيوبها ، هي مسكينة تتحطم ، يذهب جمالها أساساً من كثرة النقد ، هذه زوجتك ، هذه أم أولادك ، هذه شريكتك في الحياة ، هذه هدية من الله ، بالمديح والثناء والطمأنينة تتألق ، غض البصر مدرسة ، غض البصر له علاقة بسعادتك الزوجية ، أنا أعني ما أقول ، غض البصر له علاقة بسعادتك الزوجية ، غص بصرك وانظر إلى النتائج .
مرة كنت عند مدير ثانوية ، فجأة تدخل مُدرّسة للغة الإنكليزية تشتكي على طالب ، المدير تملقاً لها يقول لها : أفصله فوراً ، قالت له : لا ، هذا الأول عندي ، ولكن لا ينظر إلي ، هذا العفة ، الشباب قدوتهم سيدنا يوسف :

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة يوسف : 33]

النظرة سهم مسموم في القلب :

إخواننا الكرام ، النظرة سهم مسموم ، لو كان سهما فقط يجرح مكانه ، أما أنه سهم مسموم فإن السم يسري في كل حياته ، يتأخر في دراسته ، ساءت علاقته مع والديه ، جاء في ساعة متأخرة ، بحث عن متع رخيصة ، عن مجلة ساقطة ، عن فيلم ، عن قرص مدمج ، بحث عن الشهوة ، وقد لا يصل إليها ، وضاع .

نصيحةٌ للشباب : كونوا أشباه سيدنا يوسف عليه السلام :

أنا أنصح الشباب ، ولاسيما في هذا العصر حيث المرأة تبدو بأبهى زينة ، ولو يبق لزوجها شيء ، كل ما يملك الزوج من زوجته معروض للناس جميعاً ، في مثل هذا العصر العبادة الأولى للشباب غض البصر ، وقدوتكم الأولى سيدنا يوسف ، كان عبداً فأصبح عزيز مصر حينما قال :

﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

[ سورة يوسف : 23]

غض البصر عن الحرام باب للزواج الناجح :

وصدقوا أيها الشباب اقبلوا مني هذا المثل : صندوق له فتحة ، كلما غضضت بصرك عن امرأة لا تحل لك كأنك وضعت في هذا الصندوق ليرة ذهب ، هذا الصندوق يفتح يوم الزواج ، عندك مئتا ألف ليرة ذهبًا ، إنسان يغض بصره له زواج خاص ، زواج موفق ، يزوجه الله بامرأة تسره إن نظر إليها ، وتحفظه إن غاب عنها ، وتطيعه إن أمرها ، وهناك زوجة بلاء من الله ، قال له : سيدي إذا أنا مت فما وضعُ زوجتي ؟ قال له : معك في الجنة ، قال له : يا ويلي : قلت سأموت ، وأنتهي منها ، هذه زوجة بلاء من الله .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS