20589
العقيدة الإسلامية - الدرس (10-63) : مصطلحات القرآن : عقيدة سليمة عكسها عقيدة خاطئة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1986-11-16
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

مصطلحات القرآن الكريم:

1- الإسلام:

  اليوم ننتقل إلى بعض المصطلحات التي يكثر ورودها في القرآن الكريم،لأن معرفة حدود المصطلحات جزء من العقيدة،فما تعريف الإسلام ؟ وما الإيمان ؟ وما التقوى ؟ وما الإحسان ؟ والفقه ؟ والفجور ؟ والنفاق ؟ والكفر ؟ والعمى " عمى القلب " ؟ والإساءة ؟ والذنب ؟ والخطيئة ؟ والمعصية ؟ والسيئة ؟ وما غفران الذنب ؟ وما تكفير السيئة ؟ وما تصحيح الخطيئة ؟ هذه المصطلحات لابد أن يعرفها المسلم بشكل واضح.
 الإسلام: هناك انتماء صوريٌّ إلى الإسلام وهناك انتماء حقيقي،كل المسلمين في شتى بقاع الأرض يقولون عن أنفسهم: إنهم مسلمون وهذا انتماء صوري،كمن يرتدي ثوباً أبيض ويضع على عينه نظارة،ويضع على أذنيه سمّاعة وهو لا يقرأ ولا يكتب،فهل هذا طبيب أم هذا انتماء صوري إلى الطب ؟ الطبيب رجل أمضى عشرين أو ثلاثين عاماً في دراسة الطب.

وكل يدعي وصلاً بليلى   وليلى لا تقرُّ لهم بذاكا

  فبين أن تدّعي أنك مسلم شيء،وبين أن تكون مسلماً حقيقة شيء آخر.
  أيها الأخوة, المسلم بحسب ما ورد في القرآن ينقاد إلى أوامر الله بالتمام والكمال جملةً وتفصيلاً،ومعنى أنه مسلم أي استسلم لهذا الأمر وانقاد له،فهذا المسلم كيف يستسلم ؟ إذ لابد أن يسبق الاستسلام قناعة فكرية،وقد تحدثنا عنها في الأسابيع الماضية،الفكرة انتقلت من الأذن إلى الدماغ،فأخذت مكانها في البحث العلمي،وصنفت مع اليقينيات أو مع غلبة الظن،ثم انقلبت إلى إرادة،والإرادة إلى السلوك،هذا هو الإسلام،والإسلام انقياد تام لأوامر الله،وهذا الانقياد التام لابد أن تسبقه قناعة،مثلاً لمّا يبلغ الطبيب المريض بأن سكنى الطابق الرابع يضرُّ صحته،وبما أن كلام الطبيب مقنع و المريض يخشى على نفسه تفاقم المرض،مع أنه بيت جميل أمضى في كسوته سنوات طويلة،تراه في اليوم التالي يعرضه للبيع،ليشتري طابقاً أرضياً يتوافق مع صحته،إذَا حصلت القناعة انقلبت إلى سلوك،وما لم يكن الإنسان منقاداً لأوامر الله فأغلب الظن أنه لن يقتنع بها،فهذا الذي يأكل المال الحرام لم يقتنع أن الله عز وجل لابد أن يقصِمه،وأن يفجعه بماله،وأن يذهب المال وصاحبه،لم تصل هذه الفكرة إلى مركز اليقين.
 الإسلام انقياد كامل و شامل لأوامر الدين جملةً وتفصيلاً،ظاهراً وباطناً،في الرخاء و الشدة،وفي الصحة والمرض،وفي القوة والضعف،وقبل الزواج وبعده،وقبل الاستقرار وبعده،و قبل أن يكون في هذا العمل وبعد أن يكون هذا هو الإسلام،إنه انقياد لأوامر الدين،إذ يسبق الإسلام قناعة فكرية صحيحة وعقيدة صحيحة،وماذا بعد الإسلام ؟.

﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

( سورة الحجرات الآية: 14)

2- الإيمان:

 فبَعْد الإسلام الإيمان،والإسلام سلوك أما الإيمان فوجهة إلى الله عزّ وجل،ومَن استسلم لأوامر الله وانقاد إلى تشريعه لابد أن يحصل له اتصال بالله عز وجل،وهذا الاتصال هو الإيمان،يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً يعني أمسى متصلاً ووقع في شهوة فانقطع عن الله عز وجل فصار كافراً،الإسلام انقياد وأما الإيمان فوجهة.

3- الفسق:

 يقابل الإسلام الفسق،أيّ الخروج عن أوامر الشرع أو الانحراف عما أمر الله وانتهاك لِما نهى الله عنه،وبالمناسبة أردد هذه الفكرة كثيراً: بين أن تظن أن أوامر الله ضمانات لسلامتك وبين أن تظنها حداً لحريتك،وشتان بين الفكرتين وما أبعد الثرى عن الثريا،فإن رأيت على عمود الكهرباء لوحة كتب عليها: (خطر الموت) فهذه اللوحة تعني ضمان سلامتك،وإن رأيتها حداً لحريتك فهذا هو الضلال المبين إنها ضمان لسلامتك،وكذلك فأوامر الشرع ضمان لسلامتك.
  إن الوقت لا يتسع لضرب الأمثلة التي لا تعد ولا تحصى،إنسان قال لي: إن زوجتي تخونني وأنا لا أدري،له جار زاره مرة،فارتأى هذا الجاهل أن يجلس هو وجاره وزوجته معاً،الفصل شتاء والغرفة دافئة،فتعاليْ يا أم فلان اجلسي معنا فهذه مثل أختك،فهذا الجاهل دفع الثمن وله أولاد منها وقد خانته مع هذا الجار, المشّرع هو الله عز وجل, أنا متأكد أنه ما من مأساة تقع على وجه الأرض في أي مكان في بلاد العالم إلا ووراء المأساة معصية،وما من معصية إلا وراءها جهل،يقول لك رجل المباحث الجنائية: في أية جريمة ابحث عن المرأة،ولابد من امرأة وراء هذه الجريمة،ولابد من علاقة خارج العلاقة التي سمح الله بها،فالإسلام انقياد تام لأوامر الشرع, أما الفسق فخروج عن هذا الأمر،سواء بكسب المال،أو بإنفاقه،أو بهلاكه وهلاك صاحبه معه،إنها نتيجة حتمية لهذا الكسب الحرام،وإن كانت المخالفة في العلاقات مع النساء فلابد أن تنتهي بكارثة, وهذا الأمر ليس عشوائياً بل هو أمر ينطلق من العلم،والخبر،والواقع،والحقيقة،أما أن تكون مع أوامر الدين فأنت في سلام،أو أن تصد عنه فتتحمل الثمن الباهظ:

((يا رسول الله عظني،وأوجز،فقال النبي الكريم: قل آمنت بالله ثم استقم فقال أريد أخف من ذلك هذه ثقيلة فقال إذاً فاستعد للبلاء))

( ورد في الأثر )

 الذي خلق المنطق هو الله،والذي خلق هذا الكون الذي تحكمه قوانين بالغة الدقة هو الله, وهذا الدين مِن عند الله والله واحد, فالذي جعل لهذا الكون قوانين بالغة الدقة لابد أن يكون في دينه علاقات بالغة الدقة،وأتمنى أن تكون هذه الفكرة واضحة عندكم،العلاقة بين الطاعة وبين نتائجها علاقة علمية،والعلاقة بين المعصية وبين نتائجها علاقة علمية،فإذا وضع إنسان إصبعه على مدفأة مشتعلة تحترق الإصبع،وهل احتراق الإصبع جزاء أم نتيجة ؟ إنه نتيجة, نتيجة حتمية لمقدمة هي وضع الإصبع على المدفأة وليس عقاباً،وأي مشكلة في حياة الإنسان الحقيقية هي ليست عقاباً إنما هي نتيجة حتمية لمقدمة من صنع يديك،قال تعالى:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾

(سورة النحل الآية: 112)

العلاقة المترابطة بين مصطلحي  الإسلام و الفسق:

 موضوع الإسلام موضوع مصيري،إما أن تصدقه فتسلم والله يدعو إلى دار السلام وإما أن تخرج عنه فتدفع الثمن،حينما يغفل سائق السيارة عن الطريق ماذا يحدث ؟ هل تستطيع أن تلوم الشركة الصانعة للسيارة ؟ فتقول: هل يجوز أن يفعلوا هكذا بالناس ؟ ماذا أصنع لك حينما يغفل الإنسان عن الطريق يتدهور ؟ وحينما يغفل الإنسان عن الله عز وجل فلابد أن يسقط،فالإسلام انصياع لأوامر الله وهذه الأوامر واقعية،والذي خلق النفس الإنسانية أدرى بها،قال لك: غضَّ بصرك, فإذا أردت أن تهتدي بهدي آخر،وبتشريع آخر،وبنصيحة إنسان فاسق انظر إلى الجمال وسبّح الخالق هذا كلام شيطان, أما الرحمن فيقول:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾

(سورة النور الآية: 30)

 ادفع الثمن،افعل ما شئت،قال الله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

(سورة فُصلّت الآية: 40)

 من باب التهديد،افعل ما شئت،الإسلام انقياد،الفسق خروج،والإسلام تسبقه قناعة فكرية واعتقاد صحيح،والفسق يسبقه اعتقاد فاسد،ولماذا كان درس العقيدة ؟ لأن الاعتقاد الصحيح يؤدي إلى الإسلام،والاعتقاد الفاسد يؤدي إلى الفسق،وإن الإنسان إذا اعتقد أنّه لا حساب ولا تدقيقَ يوم القيامة،وإذا اعتقدت بسذاجة أن الحسنة بعشرة أمثالها،فإذا فعل تسع سيئات وحسنة تتعادل فكأنه فهم القضية،وهل هي قضية أرقام وتعادل ؟ الاعتقاد الفاسد يسبب فسقاً،والاعتقاد الصحيح يسبب الإسلام،بالمناسبة الاعتقاد الفاسد يعني كل شيء, يأتيك عن طريق السماع،وأنت ما كلفت نفسك أن تبحث فيه،فلا دققت ولا تحققت،ولا صدقت ولا كذبت،إنما جاءتك هذه العقائد من إنسان،أو من صديق،أو من أخ،أو من مدّرس،أو من خطيب،أحياناً تراكمت عندك اعتقادات بعضها صحيح،وبعضها غير صحيح،فلمّا عطلت تفكيرك وما بحثت فيها, فما قيمتها ؟ حملتك على الفسق والابتعاد عن الله, يقول: نحن أمة مرحومة عندي أولاد،وهذه العقيدة تحملك على الفسق، وعلى النظر إلى النساء،وعلى انتهاك الحرمات،ظناً منك أن القضية في النهاية محسومة،ما دام لي انتماء لهذه الأمة ولهذا النبي فأنا سوف يشفع لي النبي عليه الصلاة والسلام،وتأخذ الحديث على ظاهره دون أن تفهم حقيقته، وبراعته، ومؤداه، وتكون عندئذ الطامة الكبرى،فالذي يأتي إليك من دون دراسة، وبحث،وتفكير،وتدقيق،بل تسمعه من الناس،وتعطل فكرك بمقابله هذه العقيدة الفاسدة، وقد يكون فيها متناقضات،وقد سمعت مرة أن شخصاً يعلِّم تلاميذه، قال له: سيدي أنا اشتريت حليباً وأبيع وما استفتحت, فلما خلطته بالماء استفتحت وبعت، قال له: صحيح يا ولدي، هؤلاء الناس كل مالهم حرام هذا جاهل،لما بعت شيئاً مغشوشاً كسبت مالاً حراماً،فكيف عللت أن الناس مالهم حرام ؟ فإذا لم تغش لا يشترون منك ما هذا الكلام؟ هذا كلام فاسد وهو خلاف الدين , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلا فَقَالَ يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ مَا هَذَا قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ ثُمَّ قَالَ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا ))

(أخرجه مسلم عن أبي هريرة في صحيحه)

 الحديث: مَنْ غَشَّ وليس من غشنا،لو غششت مجوسياً،أو ملحداً،أو كافراً،أو مشركاً،فليس منا،من غش حيواناً ليس منا.

4- الكفر:

 وبعد الفسق يوجد إعراض عن الله عز وجل وهو الكفر, كافر يصلي معناها له انحرافات وهو مقطوع عن الله عز وجل،وما دام فاسقاً فمقطوع،وما دام مقطوعاً فمعرض،معرض فاسق،أبداً هذا هو مفهوم الكفر،والإعراض عن الله عز وجل بسبب المعصية،معصية،انقطاع،وإعراض،وكفر،فالفسق مظهر سلوكي للكفر،والكفر مظهر نفسي للفسق،فشيئان مثل العملة لها وجهان: الوجه الأول فسق والثاني كفر،والمعصية تسبب الكفر والطاعة تسبب الإيمان،و الإيمان إقبال والكفر إعراض،والإسلام انقياد والفسق معصية،والإسلام يحتاج إلى عقيدة صحيحة والفسق يبنى على عقيدة فاسدة،والآن الإيمان يزيد وينقص:

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾

(سورة الكهف الآية: 13)

 وهناك:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾

(سورة النساء الآية: 137)

 هذه الوجهة إلى الله ما دام هناك التزام قائم فقد يحصل انقطاع وتقصير, فالإيمان ينقص ويزيد بقدر استقامتك وإخلاصك وصدقك وحبك تكون وجهتك والكفر كذلك, الله عز وجل قال عن الشيطان:

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾

(سورة الكهف الآية: 50)

 ومعنى ذلك أن الشيطان فسق عن أمر ربه وقال عنه كافر،وقال الله في كتابه:

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾

(سورة ص الآية: 81)

 هذا الشيطان آمن بوجود الله وبعزته ومع ذلك فهو عند الله كافر،بل هو أكْفَرُ الكفار.

كيف يكون الإسلام أمره قطعي والفسق نسبي ؟

 هناك نقطة مهمة جداً وهي أن الفسق نسبي أما الإسلام فقطعي،فكيف يكون الإسلام قطعياً والفسق نسبيًّا ؟ مثلاً: مستودع وقود إذا قلت عنه: محكم فيعني أنه محكم حالة واحدة ومعنى محكم أي تعبئة،فلو تركته شهراً،أو شهرين،أو سنتين لا ينقص, إذا كان هناك خلل في ثقب فالثقب قد يفرغ الوقود في شهر،وهناك ثقب يفرغه في أسبوع،وهناك ثقب يفرغه في ساعة واحدة،وهناك ثقب يفرغه في خمس دقائق،أما إذا كان بلا قعر فلا يمتلئ إطلاقاً،فالاستقامة قعر إذا كانت تامة تمتلئ،وما دام يوجد تهريب فلا يمتلئ شيء أبداً, وقد يقول شخص مضى علي في المجالس ثلاثون سنة،ولم أستفد شيئاً كله خلط بخلط،فهو بالأساس ليس له قعر ومهما مُلِئْتَ تمتلئ لأنك بلا قعر،وما دام هناك تهريب أو ذنوب فمهما سمعت لا يمتلئ شيء،والقضية عند الله ليست بزمن فقد يسبق رجل بسنة واحدة رجل داوم ثلاثين سنة،فالاستقامة قطعية ولها طريق واحد.

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

(سورة الأنعام الآية: 153)

 طريق الفجور والفسوق متعدد أما طريق الإيمان فواحد،و لدينا قاعدة: " إذا وجد شخصان مؤمنان صادقان مخلصان فلابد أن يلتقيا ولابد من أن يحبا بعضهما بعضاً ", لقاء المؤمنين في طريق الإيمان حتمي قطعاً قولاً واحداً ولا يمكن لمؤمن أن يعادي مؤمناً:

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

(سورة الأنفال الآية: 63)

 هذا العداء بين بعض المسلمين هو عداء له تفسير،إما أنهم جميعاً منحرفون فعداء مصالح،ولماذا نسمع فلاناً يعيب فلاناً ؟ لأنه هناك عداوة صنعة،فما عنده وجهة إلى الله عز وجل, فإذا كثر زبائن هذا يغار منه الثاني ويغتابه ويتهمه في عقيدته،إذاً انعدم الإيمان وحل الحسد،والبغضاء،والضغينة،أما إذا كان الإيمان صحيحاً ووجد لقاء، ومحبة، و مودة قال تعالى:

﴿ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 63)

 هذا الشيء الذي أركز عليه في العقيدة مهم جداً, أن العقيدة الصحيحة لابد أن تنتهي بصاحبها إلى أن يكون مسلماً حقاً وإذا كنت مسلماً حقاً فلابد أن تكون في المستقبل مؤمناً حقاً،فإذا كنت مؤمناً حقاً فلابد أن تنتقل إلى التقوى،وإذا كنت تقياً فلابد أن تكون محسناً،وإذا كنت محسناً فلابد أن تدخل الجنة, " عقيدة صحيحة = إسلام صحيح - وإيمان صحيح - وتقوى - وإحسان – النتيجة = جنة عرضها السموات والأرض, عقيدة زائغة = الفسق والفجور ".
 وإن قال أحدهم: إن القضية ليست بالعمل،قلنا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لا وَلا أَنَا إلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ))

(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح)

 حديث عظيم ولكن أحياناً يساء فهمه ويوجه توجيهاً خاطئاً،إلا أن بعض الناس يسيئون فهم هذا الحديث،فيفهمون من هذا أن الجنة ليست بالعمل, إذا وعَد الأب ابنه بدراجة ثمينة إذا نجح،فهذا الابن إذا خرج من المدرسة آخر يوم ومعه جلاء النجاح،فإذا توجه إلى بائع الدراجات وأعطاه الجلاء فهل يعطيه بائع الدراجات دراجة ؟ إذا قال له: هكذا قال لي أبي نجحت أعطني دراجة،فيقول له: اذهب وأعطني ثمن الدراجة إلا أن يدفع الأب ثمنها وإلا أن يتغمدني الله برحمته, الجنة بفضل الله ولكن هذا الفضل مبني على عمل الإنسان،هناك تكامل ولا يوجد تعارض: " ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم ", الأب لا يدفع ثمن هذه الدراجة إذا كان الابن راسباً،وإذا نجح فلا يأخذ هذه الدراجة إلا إذا دفع الأب ثمنها،ليس هناك تناقض بل هناك تكامل.

﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة النحل الآية: 32)

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

(سورة الحِجر الآية: 92- 93)

﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

(سورة الأعراف الآية: 43)

 فالجنة بالعمل وبرحمة الله سبحانه وتعالى،فهما شرطان لازمان لا يغني أحدهما عن الآخر.
 هذا هو التوفيق بين القرآن الكريم والحديث الشريف،ويحتاج هذا التوفيق إلى علم عميق،أما على ظاهر الحديث فقد ألغى العمل فلا تغلب نفسك القضية ليست بالعمل نحن أمة محمد المرحومة فيعمل الفسق،والفجور،ويأكل الحرام،ويسهر مع نساء أجنبيات, أطَّلع اطلاعاً فقط فالقضية عنده ليست بالعمل بل بالأمل:

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾

(سورة النساء الآية: 123)

 آية واضحة كالشمس:

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾

( سورة النساء الآية: 123)

 فهناك سلسلة: عقيدة صحيحة - وإسلام صحيح - وإيمان صحيح،أو عقيدة فاسدة - وفسق – وكفر.
 الإيمان وجهه إلى الله بصحبة رسول الله وبصحبة نائب رسول الله عليه الصلاة والسلام،ومن ينوب عنه في تبليغ الناس الحق.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

(سورة التوبة الآية: 119)

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾

(سورة الكهف الآية: 28)

 لو تكلمت مع إنسان ليس له مجلس علم فإنه يحلل بعض المعاصي و يتهاون في بعض العبادات يتساهل في أشياء لابد من الأخذ منها بعزم ويتشدد بأشياء لا قيمة لها لأنه ضائع.

من لوازم الإيمان:

1- التقوى:

 التقوى: أن تنتقل من مرتبة الذوق إلى مرتبة الرؤية وأن تنظر بنور الله و تنطق بتوفيقه،وفي القرآن الكريم مائتا آية تتحدث عن التقوى،التقوى: نور يقذفه الله في القلب, قال الله:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾

(سورة الأنفال الآية: 29)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة الحديد الآية: 28)

 التقوى بشكل مبسط: أن يقود سيارته في الليل مصابيح متألقة،غاز،الطريق واضح،أما إذا انطفأ هذا الضوء فجأة والظلام دامس والمنعطفات كثيرة،وعلى جوانب الطريق وديان سحيقة فالحادث حتمي،فعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأَنِ أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالصَّلاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ))

( ورد في الأثر)

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾

(سورة الحج الآية: 46)

 وبعد التقوى لا يوجد معصية،حينما ترى حشرة مؤذية تدعو إلى الاشمئزاز فوق صحن الطعام فإنك لا تأكله أبداً،أما إن لم ترَ فإنك تأكل وإذا رأيت لن تعصي الله أبداً،

" ما ضر عثمان ما فعله بعد اليوم "،

" اعملوا أهل بدرٍ فإنه مغفور لكم "

( ورد في الأثر)

 قد بلغوا التقوى أي أصبحوا يرون الحقيقة:

﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾

(سورة الأنعام الآية: 75)

﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾

(سورة النجم الآية: 18)

﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾

(سورة النجم الآية: 17)

 إذا بلغت التقوى, ورأيت الحق حقاً،والباطل باطلاً رأيت كل شيء من ملكوت السموات والأرض،و حقيقة الدنيا،وحقيقة ما قبل الدنيا،وما بعد الدنيا،ورأيت الأبدية عندئذ تعرف أن المؤمن أسعد إنسان على وجه الأرض.
 التقوى: أن ترى الحقيقة وأن تملك رؤية صحيحة،لذلك فمن الصعب على التقي أن يغلط،لا لأنه معصوم الأنبياء وحدهم معصومون كيف ذلك ؟ يتصور الإنسان معنى خاطئاً وهو أن الله عز وجل منعهم من المعصية ويقول: يا رب امنعني من المعصية فما دامت القضية بيدك امنع الناس من المعصية وأَرِحْهُم وأغلق جهنم ليست هذه هي العصمة, العصمة: الأنبياء في إقبال إلى الله مستمر وهذا الاتصال المستمر في استنارة مستمرة،وما دام هناك استنارة مستمرة فلن يقع الإنسان في أية معصية.

2- الإحسان:

 فمرتبة الإحسان تأتي بعد التقوى فهي النتيجة الحتمية للتقوى،رأيت الحق حقا والباطل باطلاً،رأيت حقيقة الدنيا فجعلت الإحسان إلى الخلق دَيْدَنَك, لأنك علمت حقيقة الدنيا, والإحسان مبني على الرؤيا،فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ قَالَ الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ قَالَ مَا الإِسْلامُ قَالَ الإِسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ قَالَ مَا الإِحْسَانُ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ))

(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح)

 فالإحسان أساسه التقوى،والتقوى أساسها الإيمان،والإيمان أساسه الإسلام،وأساس كل شيء العقيدة الصحيحة.

من لوازم الفسق:

1- المعصية:

  المعصية لها معنى دقيق جداً،فأنت بحكم فطرتك لن تقبل الأذى لنفسك مثلاً: رجل يقود سيارة يملكها وهو قد دفع ثمنها،فإذا وجد حفرة فهل ينزل فيها ؟ وإذا نزل فيها يلزمه مال وفير للتصليح،فإنه من المستحيل أن ينزل باختياره, فمن أين جاءت عصمة الأنبياء ؟ مِن اتصالهم الدائم بالله عز وجل،

(( وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمَةٌ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ ))

(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ في الصحيح)

 اتصال دائم،واستنارة دائمة،وصحوة دائمة،ويقظة دائمة،وحفظ،فمن أين تأتي المعصية؟ من ساعة غفلة،فالعوام لهم دعوة أحبُّها يقولون: " الله يجيرنا من ساعة الغفلة".
  فقد يتصور أحدهم أنه فجأة يقع معه حادث ولكن ليس هذا هو القصد،القصد هو ساعة الغفلة عن الله،لأن هذه الساعة التي نحن فيها غافلون لابد لنا أن نخطئ فيها،فقد يطلّق إنسان زوجته في ساعة غفلة،وقد يكذب الإنسان في ساعة غفلة هذه هي الرؤية لذلك:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 278)

2- الفجور:

  مَن هو الفاجر ؟ الفاجر: هو فاسق يتباهى بفسقه،والذي يفطر في رمضان في الطريق هذا ليس فاسقاً ولكنه فاجر،يقول لك: البارحة فعلت كذا وكذا فهو فاجر،فالفاجر هو الذي يعلن معصيته أي يفتخر بمعصيته،ولذلك فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقول:

" لا غيبة للفاجر "

 أنت تغتابه وهو يفضح نفسه والقاعدة:

" إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا "

 أما إذا افتخر بالمعصية وأصبح فاجراً فلا غيبة له،بل العكس اذكره ليعرفه الناس:

" اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس "

( ورد في الأثر)

من لوازم الكفر:

1- العمى:

  يقابل الكفر العمى, فالتقوى بعد الإيمان والعمى بعد الكفر،إذاً فسق ثم كفر ثم أصيب بالعمى،فلما أصيب بالعمى أصبحت شهواتُه يقظة, ويريد أن يأكل،وأن يسكن في البيوت،ويتنعم وحده،فحينما كان أعمى أخذ ما له وما ليس له،فوقع في الإساءة, الإساءة قبْلها عمى،والعمى قبله كفر،والكفر قبله فسق،والفسق قبله عقيدة فاسدة, فالكافر سيئ كيفما تحرك وتكلم،إن لم يكن مسيئاً شعر أن هذا اليوم غير طبيعي وذلك لبُعْدِه عن الله،فيجب أن يؤكد ذاته بالأذى ليثبت أنه موجود, ما نوع عملك ؟ أهذا العمل مبني على خدمة الناس أم إيقاع الأذى بهم ؟ فهذه المصطلحات ضرورية.

2- النفاق:

 ما النفاق ؟ هناك مصطلحات جانبية أما تلك فأساسيات،خطان متوازيان عقيدة صحيحة - فاسدة،إسلام - فسق،إيمان - كفر،تقوى - إحسان،جنة - نار.
 النفاق: باطنه كفر وظاهره إسلام, إنسان كافر وجد في بيئته مسلمة فمن أجل تحقيق مصالحه يتزيَّا بزي المسلمين،يحج معهم ليقال عنه: الحاج فلان،لينصب على الناس أموالهم،يصلي رياء،ويصوم رياءً هذا هو النفاق, وهناك كفر مغلف بغلاف إسلامي،وسببه رجل كافر موجود في بلد مسلم،ففي بعض البلاد الإسلامية الصلاة إجبارية فيقوم ويصلي بالعصا لكي لا يضرب،هو يكره الصلاة و إذا لم يصل يُضرَب بالعصا وهذا هو النفاق،يخرج من هذه البلاد إلى أوروبا فله سهرات حمراء لا يعلمها إلا الله هذا النفاق ازدواجية قال تعالى:

﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ* اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

(سورة البقرة الآية: 14-15)

 فالنفاق حالة كفر مغلفة بغلاف ديني،بسبب وجود كافر في بيئة يطبّق الإسلام فيها بالقهر،لذلك قال الله تعالى:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة البقرة الآية: 256)

 جاء مسلم من الحجاز إلى الشام،وصلّى في مسجد،وجذب نظره ظاهرة لم نلتفت إليها إطلاقاً،قال: الدليل أن كل هؤلاء المصلين يصلون باختيارهم, كان هناك بائع يبيع ويصيح على بضاعته في أثناء الصلاة كل هؤلاء الذين هم في المسجد قد دخلوا باختيار وطواعية وهذه المظاهر نحن ربما لا ننتبه إليها, فالنفاق أن يكون الإنسان كافراً في بلد يطبق فيه الدين قهراً،فإما أن يطبق الدين خوفاً أو طمعاً،وإما تغريه مصالحه فيطبق بعض مظاهر الدين أو تخيفه العقوبات الرادعة فيلتزم خوفاً من أن يقع العقاب به هذا هو المنافق.

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾

(سورة النساء الآية: 145)

3- الإلحاد:

 الإلحاد: هو إنكار وجود الله عز وجل, الكفر إعراض أما الإلحاد فإنكار،وقد يكون الطالب وراء مقعده والأستاذ أمامه ملء سمعه وبصره وهو لا ينتبه إليه،ولا يقبض كلامه, فهذا طالب يكفر بأستاذه مع أن أستاذه أمامه،يراه بعينه،ويسمع صوته،ويرى صورته ورغم ذلك ينكر وجوده, هناك إنكار للذات وإنكار للصفات،وإذا قال لك أحدهم: أين رحمة الله ؟ فهناك مجاعات بإفريقيا فهذا ينكر رحمة الله ومن أنكرها فهو ملحد بأسمائه،ومن أنكر حكمته وقال: الله يعطي الحلاوة للذي ليس له أضراس فهذه كلمة خطيرة،وبهذه الكلمة يشك في حكمة الله عز وجل،فإنكار الحكمة،وإنكار الرحمة،وإنكار العدل،وإنكار العلم،كله إلحاد في الأسماء،كأن تقول: إنه لا يعلم, " علم ما كان،وعلم ما يكون،وعلم ما سوف يكون،وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ؟ ".
( قول مأثور)

  الإلحاد في الأسماء أن تقول: لا يعلم أو لا يرحم،أو ليس هناك حكمة،وليس هناك عدل،قبضته إلى الجنة ولا أبالي،وقبضته إلى النار ولا أبالي لا على التعيين،هذا المعنى الذي يأخذه الناس على ظاهره،ويعدّون أنه لا توجد قاعدة،فالإلحاد بذاته أن تنكر وجوده وصفاته و أن تُنكر أسماءه ورحمته وعدالته وهكذا.

خلاصة الدرس:

  هناك إلحاد،وفجور،ونفاق هذه المصطلحات جانبية،أما الأساسية فهي العقيدة الصحيحة والفاسدة،الإسلام فالفسوق،الإيمان فالكفر،التقوى فالعمى،الإحسان فالإساءة, الجنة فالنار. وكيف أن الإسلام قطعي والفسق نسبي ؟ وكيف أن الكفر إعراض عن الله،وليس إنكاراً لوجود الله ؟ وكيف أن النفاق موقف مزدوج باطنه فيه كفر وظاهره فيه إسلام؟ وكيف أن الإلحاد في الأسماء أو الصفات ؟ هذه المصطلحات جزء أساسي من عقيدة المسلم:

﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة الحجرات الآية: 14)

 أي هذا الذي يدعي أنه مؤمن،ويتوهم أنه مؤمن،كان عليه أن يؤمن إيماناً حقيقياً لأن مراتب التقوى درجات:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

(سورة آل عمران الآية: 102)

 ثم الإحسان ثم الجنة.
 إن شاء الله هذا آخر درس في المقدمات،وفي الدرس القادم ندخل في صلب موضوعات العقيدة وهي الحديث في الإلهيات, والإيمان بوجوده،وأسماء الذات،وأسماء الصفات،وأسماء الأفعال،الأسماء الحسنى اسماً اسْماً،وحالةً حَالةً،نأخذها في الدرس القادم.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS