31356
التفسير المطول - سورة الكهف 018 - الدرس (5-8): تفسير الآيات 32 – 49 ، الأخذ بالأسباب والاعتماد على رب الأرباب
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1987-11-13
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الخامس من سورة الكهف ، وقد أنهينا في الدرس الماضي قصة أصحاب الكهف ، وقد استُنبط من هذه القصة أن الإنسان يجب أن يؤثر الحق على الباطل ، والآخرة على الدنيا، ورضاء الله عز وجل على إرضاء الناس .
 فهؤلاء الذين آثروا ما عند الله أكرمهم الله عز وجل ، وأثابهم في الدنيا وفي الآخرة ، وننتقل اليوم إلى قصة صاحبيّ الجنة .

قصة صاحب الجنتين :

 يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً ﴾

 قد يكون هذان الرجلان حقيقيين أو مفترضين ، ليست العبرة في وقوع القصة ، بل في مغزاها ، يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ ﴾

 أي اضرب لأصحابك المؤمنين ، وللناس غير المؤمنين :

﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ ﴾

منزلقات انفتاح الدنيا من أوسع أبوابها :

 تأتي الدنيا لبعض الناس من أوسع أبوابها ، هذا يتفوق في عمله ، وهذا يجمع ثروة طائلة ، وهذا يعلو في مراتب القوة ، إلى أن يصبح من الرجال القلة الذين يشار إليهم بالبنان ، وهذا يمتلك أملاكاً عريضة ، فمجال التفوق في الحياة متنوع ، هناك تفوق مادي ، وتفوق مالي ، وتفوق علمي ، وتفوق من حيث القوة .
 فما الذي يحصل حينما تأتي الدنيا للإنسان من أوسع أبوابها ؟ هناك منزلق خطير ، وهو ، أن يظن الإنسان أنه استطاع أن يصل إلى ما وصل إليه بذكائه وخبرته ، ودهائه ، وحكمته ، وعلمه ، وبراعته ، وكياسته ، وحذلقته .
 المنزلق الخطير ، عندما تأخذ شهادات عالية ، أو تملك أموالاً طائلةً ، أو ترقى في نظر الناس ، إلى رتب جيدة ، ثُمَّ يتوهم أن ما حصلته إنما كان بسبب من الذكاء ، والخبرة ، والحكمة ، والعلم ، تنزلق إلى الهاوية حين يغيب عنك أن الله سبحانه وتعالى هو الذي سخر لك ذلك ، وسمح لك به ، وأنه لا يقوم شيء على وجه الأرض إلا بإذنه ، وعندما تتوهم أن ما حصلته كان من عملك ينطبق وهمُك على ما قال قارون :

﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾

(سورة القصص : 78)

 وهكذا قال فرعون :

﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

(سورة الزخرف : 51)

 ولِذا يُعطينا ربنا عز وجل درساً بليغاً ، ربما تكون قصة أصحاب الكهف نادرة الوقوع ، فهي كرامة لأصحاب الكهف ، ولكن هذه القصة التي نحن بصددها تتكرر في اليوم آلاف المرات ، إنها قصة الإنسان حينما ينجح ، ويعلو ، ويتفوق ، إنها قصة أصحاب الحظوظ ، قصة الأغنياء قصة الأقوياء ، قصة الأصحاء ، قصة الذين يشار إليهم بالبنان ، هؤلاء الذين حصّلوا الدنيا من أبوابها العريضة ، أمامهم منزلق خطير ، وهو أن يعتقدوا أنه أتيح لهم ذلك بذكائهم وعلمهم وخبرتهم .

﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً ﴾

جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ

 لنُدقق في كلمة ( جعلنا )، الله هو الذي جعل لهم ذلك ، فالله هو الفعّال ، وليس المقصود فقط أن يكون الإنسان صاحب بستانٍ نضير ، ولكن المقصود حينما يتاح له أي شيء من الدنيا ، فهذه القصة تنطبق على أصحاب البساتين ، والعمارات ، والأراضي ، والمكانة ، وعلى أصحاب الرتب في الدنيا ، وعلى كل من يتوهم بيده أمر بعض الناس .

﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ ﴾

 الأعناب فاكهة محببة .

وحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ

 ومعنى( حفّه )؛ أي أحاط به .
 جعل الله لهذه الجنة سوراً من أشجار النخيل ، تجملها ، وتحسنها ، وتدر على صاحبها خيرات حِساناً .

﴿ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً ﴾

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا

 أي أنَّ في هاتين الجنتين ما لذَّ ، وطاب من الزروع ، والخضار ، والفواكه ، والثمار ، والأعناب ، والنخيل .

﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾

كِلْتَا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظِْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا

 كان المحصول جيداً ، وفي حده الأقصى ، فحملت الثمار اليانعة ، بمواصفات عالية ، وكان ثمنها أموالاً طائلة ، قد يقول لك : أنا اعتنيت ، واستعملت الدواء الفلاني ، واستعنت بمهندس زراعي خبير ، واستخدمت البذور الهجين ، فعلت كذا ، وكذا يثني في الحديث على خبرته ، وذكائه ، وماله الذي أنفقه على هذا البستان حتى أصبح جنة نضرة .

﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً ﴾

وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَرًا

 وفوق هذا وذاك يسيل الماء ، نهراً بين هاتين الجنتين بمياهه العذبة ، فيُحيي الأرض بعد موتها ، إنهما بستانان عظيمان ، فيهما من أشجار الفاكهة ، ومن النخيل والأعناب ، والرمان ، ومن الخضار ، والفواكه ، والمحاصيل ، وفيهما مياه غزيرة .

﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾

وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ

 في بعض التفاسير ، أنه كان لصاحب هاتين الجنتين أموال أودعها في جهات أخرى ، تدر عليه أرباحاً طائلة ، هذا الإنسان ذكي نجح في أعمال أخرى ، بالإضافة إلى أنه نجح في هذه الجنة ، ولكن هذا الرجل كان مُشركاً ليس بالمعنى الذي يعرفه الناس ، حين يدعي أن هناك إلهاً آخر ، ولكنه الإشراك العملي ، الشرك الخفي ، شرك الأسباب .

﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ ﴾

إنها فتنة عظيمة : التكبُّرُ على  الناس : أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا

 حين يعتني الإنسان ببيته ، وبستانه ، ويركب مركبة فخمة ، تتشكل عنده رغبة ظالمة ، جانحة ، أو آثمة ، أن يطلع على هذا أصدقاؤه ، ولا سيما المحرومين ، ليزيدهم شعوراً بالحرمان ، فقال لصاحبه بصراحة وبوقاحة :

﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾

 هذا الذي يذهب إلى بلد أجنبي ، ويعود ليقول لك : لقد أنفقت في هذه الرحلة ثلاثمئة ألف ليرة ، كأنه يقول : أنا أكثر منك مالاً ، وإذا جلس إلى مهنئيه بسلامة العودة ، وكلهم من أصحاب الدخل المحدود ، وبدأ يقص عليهم أين نزل ، وكيف أكل ، وأين تنزه ، وكم كلفته هذه الرحلة ، كأنه يقول لهم بصراحة وبوقاحة :

﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾

 يا أيها الأخ الكريم ، لا ينبغي لك أن تتباهى في الدنيا ، لأنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، ولو أنها تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء .

﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾

 قال : عندي أموال طائلة ، لا تأكلها النيران ، وعندي أولاد أشداء ، دخل في وهمه هنا أن هذا بسبب من ذكائه ، وخبرته ، واحتياطه ، وأنه أعد لكل شيء عدته ، وأنه واجه الصعاب بخبرة عميقة ، وحصل على هذا النجاح بفضل ما أوتي من قوة .

﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾

من هيئات المتكبرين : وَدَخَلَ جَنَّتَه وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِه :

 ظلم نفسه ، وظلم عقله ، وأي ظلم أشد من أن توهم نفسك بشيء أنت بعيد عنه ، هذا ظلم شديد ، ظلم نفسه حينما أشرك الأسباب مع الله عز وجل ، فجعل الأخذ بالأسباب استغناءً عن رب الأرباب ، يدخل في هذه الآية من يقول : استغنينا عن رحمة السماء ، لقد ظلم نفسه ، كما أنه يظلمها من يقول : أنا أنهيت الفقر دائماً ، كلما وقعت في حال من أحوال أهل الشرك ، فقد ظلمت نفسك ظلماً كبيراً .

﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً ﴾

الشعور بالتفوق وطول الأمل :

 أحياناً يخالج الناجحين في الحياة شعور أنهم تفوقوا دائماً ، وأن الحياة لن تزيدهم إلا غنىً ، وأن مرور الأيام لن يزيدهم إلا علواً في الأرض ، وأن هذه سنة الحياة ، هم من أصحاب الحظوظ ، وسواهم قد حرم هذا الحظ .
 سيطر عليهم الشعور بالتفوق المستمر ، حتى لو أنني مت لسوف أبقى في تفوق مستمر ، ولسوف ألقى في الآخرة حياة رغيدة كهذه الحياة ، هذا من نوع الجهل ، هذا تفاؤل أبله ، ومن أدراك أنك بعد الموت ستلقى حياة رغيدة كهذه الحياة ، " سَمِعَ النبي عليه الصلاة والسلام أحد أصحابه الكرام وقد رأى جنازة ، سمعه يقول استراح ، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام وقال ما معناه : ومن أدراك أنه استراح ؟ إنما يستريح من غفر له " ، ربما بدأت متاعبه بعد الموت .

﴿ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً ﴾

 ظنَّ أنه نجح نجاحاً دائماً ، في الدنيا وفي الآخرة ، وكأن الآخرة امتداد للدنيا ، وكأنَ الذين نجحوا في الحياة الدنيا ضَمِنوا نجاحهم يوم القيامة ، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾

(سورة الواقعة : 1 - 3)

النجاح الحقيقي : إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ

 قد يرتفع من كان في أدنى السلم الاجتماعي ، إلى أوج المكانة العلية ، ومن كان في أوج المكانة الاجتماعية قد يهوى إلى أسفل سافلين.
 كان صاحبه من المؤمنين ، الذين يعرفون حجمهم الحقيقي ، والحقيقة أن المؤمن في الحياة من عرف حده فوقف عنده .

﴿ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾

يا أيها الإنسان لو عرفت أصلَك ما تكبَّرتَ !!!

 كيف تغافلت عن خالقك ، الذي ساق هذه النعم إليك ؟ إنه هو الذي سمح لك أن يكون لك جنتان ، هو الذي منحك هذا الفضل ، هو الذي ملكك هذه الجنة ، بيده الأمر ، إنك حينما تقول أنا أكثر منك مالاً ، وأعز نفرا ، حينما تعتز بذكائك ، تكون قد تغافلت عن رب الأرباب ، الإله الواحد القّهار ، القهار الذي بيد ملكوت كل شيء .
 كنت مرة في مكان عام ، وجدت طفلاً صغيراً يتحرك ، ويركض بين الناس ، وقد وضعت له فوط ، فأصبح وسطه كالكرة ، قلت : سبحان الله !!! إذا كبر هذا ، وصار شخصية مهمة ينسى أنه كان في هذه الحال ، لو عرف الإنسان أصله ما تكبر ، هذا الذي يعطيه الله مالاً ، أو قوة ، أو جمالاً ، أو غِنىً ، ينبغي ألاّ ينسى الماضي ، يوم كان ضعيفاً فقيراً ، مقتراً عليه في الرزق ، محروماً ، لقد خلقك من تراب .

﴿ خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾

أنت من نطفة قذرة فلِم التكبر ؟!!

 يخرج في اللقاء الزوجي ثلاثمائة أو أربعمائة مليون حيوان منوي ، وأحد هذه الحيوانات يلقح البويضة التي تنقسم ثم تنتقل إلى الرحم وعندها يبدأ تخلقها من مضغة إلى علقة ، ثم إلى عظامٍ ، ثم تُكسى العظام لحماً ، وهكذا إلى أن يحين وقت الولادة .

﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ﴾

(سورة عبس : 17 -23)

 لذلك : بئس العبد عبد سها ولها ، ونسي المبتدى والمنتهى ، بئس العبد عبد تجبر واعتدى ، ونسي الجبار الأعلى ، بئس العبد عبد طغى ولها ، ونسي المقابر والبلى .

﴿ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾

 ذكرت اليوم في الخطبة أن انفجاراً تم في بعض المجرات ، وكان طول لهيب الغاز المنتشر بسببه مئة وأربعين ألف مليون مَليون كيلو متر ، وأن هذا الانفجار تعدل قوته واحداً وأمامه عشرون أو ثلاثون صفراً من قوة القنبلة الهدروجينية ، إن الله هو القوي .

تعصي الإله وأنت تـظهر حبه  هذا لعمري في المقال بديعُ
لو كان حـبك صادقاً لأطـعته  إن المحب لمن يحب مطيعُ

﴿ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾

 يجب أن يكون الإيمان في قلبك دائماً ، فلا تنسَ الذي خلقك من تراب ، يجب أن تطيعه ، وترجوه ، وتدعوه .

﴿ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدا ً﴾

 يقول عليه الصلاة والسلام :

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي ، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ولكن شهوة خفية وأعمالاً لغير الله ))

[ ابن ماجه عن شداد بن أوس بسند فيه ضعف ]

﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ

 إذا دخلت الجنة ، يجب أن توحد ، وأن تقول : ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، يفقد الإنسان في ثانية واحدة كل شيء ، فلو فقد ذاكرته أودع في مستشفى الأمراض العقلية ، ولو تجمدت نقطة من الدم في بعض شرايين الدماغ فإنه يفقد ذاكرته ، ويفقد المحاكمة ، وينسى ، ويودع في المستشفى ، أين بيته ، ومركبته ، وزوجته ، وأولاده ، ومتجره ، أين نزهاته ؟ وسهراته ، وحفلاته أين هذه ؟ طويت كلها ، يُصبح الإنسان في لحظة من أهل القبور ، أو يصبح مشلولاً إثر إصابته بحادث ما ، يجب أن لا ينسى الإنسان فقره إلى الله .

﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾

 إذا كان للإنسان بيت فخم ، فيه غرف عديدة ، غرفة نوم ، وجلوس ، وضيوف ، ومطبخ ، وحمام ، وله زوجة ، وأولاد ، يجب ألاّ يأخذه التيه ، والعجب أنه حصّلَ هذا البيت بذكائه ، وشهاداته العليا ، ودراساته العالية ، واهتمامه بالتجارة .

﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾

 قُل ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، إياك أن تغفل عن مشيئة الله ، فهي كل شيء ، كما ورد في الحديث القدسي أن الله قال لداود عليه السلام :

<< أنت تريد وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد ، كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد >>

[نوادر الأصول للحكيم الترمذي(2/107)]

 إذا كان الإنسان يركب طائرة ، وشعر أن لهيباً قد خرج منها ، وأنها تحترق تتلاشى كُل آماله العريضة ، وتجارته الواسعة ، وحظوظه الكبيرة ، فالإنسان ضعيف ، قد يموت بأتفه سبب ، فإنسان في أوج نجاحه المادي ، لسبب تافه صار من أهل القبور بعد أسبوعين .

﴿ شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً ﴾

توزيع الحظوظ الدنيوية ليس نهائيًا : إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا

 إن توزيع الحظوظ ليس نهائياً ، فالناس فيهم القوي ، والضعيف ، وفيهم الصحيح ، والمريض ، وفيهم الغني ، والفقير ، وفيهم صاحب الشأن ، ومغمور الشأن ، فتفاوت الحظوظ هذا في الدنيا ، هو تفاوت ابتلاء ، وتوزيع ابتلاء ، وبعدئذٍ يكون توزيع الجزاء ، فالغني يصبح فقيراً ، والفقير قد يصبح غنياً ، والقوي ضعيفاً ، والضعيف قوياً ، والعزيز ذليلاً ، والذليل عزيزاً ، وصاحب المكانة العلية يغدو ذا مكانة منخفضة .

﴿ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾

 لا يكون الأمر مستمراً هكذا دائماً ، بل ربما كان هذا الوضع موقتاً إلى أمد قصير ، إنَّ توزيع الحظوظ في الدنيا ليس أبدياً ولا سرمديّاً ، بل ربما تغيّر في الدنيا قبل الآخرة ، وسيتغير في الآخرة قطعاً ، لأنَّ الآخرة دار الجزاء .
 حينما يعتدي الإنسان ، ويطغى ، ويعلو على الناس ، لا يدري أنَّ البساط سوف يُسحب من تحته ، ويشد له الحبل فيقع بين عشية أو ضحاها في شر عمله .
 إنسان في أعلى مرتبة اجتماعية خلال أيام أو ساعات دخل ليحاكم ، والقيد بيده ، أمام الناس عامة ، وبعدئذ مات قهراً .

﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ﴾

احذرْ ـ أيها الإنسان ـ أن تدور عليك الدائرة :

 توفي أب ، وترك ولدين ، فاعتدى الكبير على الصغير ، وأخذ نصيبه من الإرث ، ربما قوّى سبحانه وتعالى الصغير بحكمة بالغة ، وأعطاه مالاً ، وأفقر الكبير ، واضطره أن يبيع كل أمواله للصغير ، ثُمَّ عَمِلَ عنده أجيراً ، وربنا عز وجل على كل شيءٍ قدير .
 قالت امرأة لضرتها العاقر لِتُغيظها : هذا ابن على يدي ، وفي بطني ولد ، وعلى الأرض ولد ، ومُوتي قهراً ، مات الأولاد الثلاثة خلال سنوات عِدة ، وأكرم الله سبحانه وتعالى هذه الضرة فأنجبت ثمانية أولاد ذكور .
 طَرَقَ فقير باب إنسان ، فقامت زوجته لتعطي الفقير شيئاً من اللحم الذي يأكلانه ، فنهرها ، ووبخها ، فطردت السائل ، ثم نشب خلاف بين الزوجين إلى أن وقع الطلاق ، ثُمَّ خطبها إنسان آخر غني ، وعاشا في بحبوحة ، ويوماً طُرق الباب ، فذهبت الزوجة لتفتح الباب فإذا هي تعود مضطربة ، قال لها زوجها : ما القصة ؟ قالت سائل يسأل ، قال : لماذا اضطربت ؟ قالت : أتدري من السائل ؟ إنه زوجي الأول ، قال : أتدرين من أنا ؟ إنني السائل الأول .
 فالله عز وجل قادر على قلب الميزان ، فقد يُصبح من هو في أعلى مكان بين عشية وضحاها في أسفل مكان ، الغني يفتقر ، والفقير يغتني .

﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً﴾

 يُكتب على بعض الأبنية " ما شاء الله " ، ولهذا أصل في كتاب الله ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فإذا دخل أحدنا إلى بيته أو متجره ، أو ركب مركبته ، أو شاهد أولاده ، أو زوجته ، فلا يتوهم أنه حصّلَ هذا بذكائه ، فليوحد ، وليشكر الله عز وجل على أنه أولاه هذه النعم .
 عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ :

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا ، وَكَفَانَا وَآوَانَا ، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ ))

[مسلم]

 وكان إذا خرج من الخلاء يقول :

(( الحمد لله الذي أذاقني لذته ، وأبقى فيّ قوته ، وأذهب عني أذاه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر بسند ضعيف]

 هناك إنسان يتغذى بالمصل لمرض أصاب جهازه الهضمي مثلاً ، فهو يتألم ألماً شديداً ، وكان إذا ارتدى ثوباً جديداً يشكر الله عز وجل ، وكم ممن لا يستطيع أن يشتري ثوباً جديداً .

﴿ فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾

 أصابت الزلازل كثيراً من البلاد ، فأصبحت أثراً بَعد عين ، بناء ضخم ، فندق شهير جداً في مدينة على شاطئ الأطلسي أصابها زلزال ، وخلال ثلاث ثوان نزلَ ثمانية عشر طابقاً ، ولم يبقَ من الفندق الضخم إلا اسمه الذي كان في الطابق الأخير ، فأصبح على مستوى الأرض .

﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ﴾

مِن يأتيك بالماء إذا غار في الأرض ؟‍‍‍‍‍!!!

 يحفر أحدهم بئراً فيقول : عندنا حفرنا خمسة أمتار فوجدنا المياه ، هي حفارة ممتازة ، لكن هذا فضل الله عز وجل ، وأحياناً تشح مياه الآبار ، فيقول : بقي لدينا نصف متر فقط ، ثُمَّ تأتي الأمطار الغزيرة فتملأ الآبار ، فهذا من فضل الله عز وجل .

﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ﴾

 أصابت موجة جفاف بعض بلدان إفريقيا منذ عدة سنوات تبيّن الصور التي التقطت أنَّ الحياة توقفت فالغابات يبست ، والأبقار والأغنام ماتت جوعاً .

﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾

(سورة الذاريات : 58)

 تجد فيما يحيط بنا من بلاد بلداً كان في أوجه ، ثُمَّ أذاقه الله الخوف والجوع بما كانوا يصنعون .

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

(سورة النحل : 112)

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

(سورة الأنعام : 65)

 وفعلاً :

﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾

هذا ما جدث لصاحب الجنتين حين كفر فاعتبروا يا أولي الأبصار :

 بستان لا يقبل صاحبه أن يُضمّنه ولا بخمسمائة ألف جاءت موجة صقيع فأتلف كل الثمر ، هذا هو المشرك .

﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ ﴾

 يقول لك المزارع : كلفني الدواء ثلاثين ألفاً ، والتسميد عشرة آلاف ، واليد العاملة كذا ، والفوارغ ثمنها كذا ، وكل هذه الأموال الطائلة ، دفعها ولم يجن منها شيئاً .

﴿ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾

هذا هو منظر الحزين ونتيجة الدمار : يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ

 منظر الدمار مخيف ، فبستان محترق ، وأشجار يابسة ، وعين جافة ، فمنظر الجفاف ، أو القحط يبعث في النفس الأسى .

﴿ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ﴾

 جاء هنا أن صاحب الجنتين قد أشرك بالله ، وهو ليس الشرك الأكبر ، لأنه لم يقل : هناك إله مع الله ، ولكن كان شِركهُ حينما اعتمد على الأسباب وحدها ، ونسي رب الأرباب ، اعتمد على الأسباب ، جعل لِكل شيء حساباً وسبباً ، في غفلة عن رب الأرباب ، وعن أن مشيئته هي القاهرة ، وهي الحاكمة ، هذا هو الشِرك .

﴿ وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

ولات ساعة مندَم !!!

 إذا أراد الله عز وجل أن يؤدب مخلوقاً صرف عنه الناس جميعاً ، ولو أنه كان مستقيماً على أمر الله لنصره الله عز وجل ، أو لخفف عنه ، لكنه كان بعيداً عن الله عز وجل في أيام الرخاء .
 ولذلك ابن آدم ، اعرفني في الرخاء أعرفك في الشدة ، أكثر الناس ينسون الله عز وجل في الرخاء ، ويتيهون في الأرض ، ويمرحون ، ويلعبون ، وكأنهم خلقوا ، ولن يموتوا .

﴿ هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ﴾

الولاية لله الحق فهو خير ثوابا وعقبا :

 هو الولي إن تخلى عنك فمن يبقى لك ، إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك ، ليس معك أحد .

﴿ هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾

 حينما يكون الإنسان مع الله عز وجل ، تكون حياته في رقي دائم ، وخطه البياني في صعود دائم ، ولن يصيبه إلا ما كتب الله له ، ولن يكتب الله له إلا الخير .

﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ﴾

علاقة هذه الآية بالقصة قبلها :

 ما علاقة هذه الآية بهذه القصة ؟ إنها علاقة متينة ، فهؤلاء الذين اعتمدوا على الأسباب ، ونالوا الدنيا من أوسع أبوابها ، وتاهوا بها ، وفرحوا بها ، لابد من أن تزول عنهم هذه الدنيا لأنها ليست دائمة .

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

(سورة الأنعام : 44)

﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ﴾

وَاضْرِبْ لأَهُمْ مَثَلَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاه مِنَ السَّمَاءِ

 هطلت أمطار غزيرة ، فأنبتت مزروعات كثيفة ، ومعطاءة ، وخيّرة ، بعد أن نضجت هذه النباتات يبست ، فأصبحت تذروها الرياح ، وهكذا الدنيا ، فلا بد من بداية مشرقة ، لكن نهايتها محرقة .

﴿ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ﴾

هذه قدرة الله : فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ

 يكون الإنسان في الشباب في أوج نشاطه وقوته ، ولكنه بعد الأربعين يميل إلى الراحة والجلوس ، فلا يحب الإسراع في المشي ، إذ يشعر بآلام في أنحاء مختلف من جسده ، فالخط البياني بدأ بالهبوط .

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾

نصيحةٌ ربَّانية : المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاة الدُّنيَا :

 هذه نصيحة من الله عز وجل ، الأولاد من دون مال مصدر ألم ، فهم يحتاجون إلى غذاء ، ودواء ، وكساء ، ومصروف ، والمال غير موجود ، والمال بلا أولاد أيضاً مشكلة كبيرة ، ويتقطّع قلب أبيهم فرقاً لعدم وجود من يستفيد منه ، ويرثه فيما بعد ، قال ربنا عز وجل :

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾

ما هي الباقيات الصالحات ؟

 ليس القصد أن تقول : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، بل القصد أن تسبح ، وتكبر ، وتوحد ، وتحمد ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، أي إذا سبحت في ملكوت السماوات والأرض ، سبحت نفسك في عظمة الله ، ونزهّت الله عمّا لا يليق به ، وكبرته كلما ذكرت شيئاً من كماله قلت : الله أكبر ، الله أكبر مما أرى ، ومما أعرف عن الله عز وجل ، كلما خطر في بالك ، فالله بخلاف ذلك وهو أكبر من ذلك ، وهو العلي القدير ، فهذا هو التسبيح و التحميد والتهليل والتكبير .
 إذا عرفت الله عرفت عظمته ، ونزهته عما سواه ، وعرفت وحدانيته ، وعرفت فضله ، وحمدته ، وسبحته ، ونفيت عنه كل نقص ، وكبرته فعرفت أنه لا نهائي ، ووحدته فعرفت أن لا إله إلا الله ، أي يجب أن توحد الله ، ويجب أن تحمده ويجب أن تنزهه ، ويجب أن تكبره ، فهذا معنى :

﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾

﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ﴾

مِن مَشاهِد يوم القيامة :

1 - تسيير الجبال وبروز الأرض والحشر :

 حينما تنتهي الحياة ، وتسير الجبال ، ويأتي الحشر والحساب .

﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا ﴾

2 – عرضُ العباد على الله صفوفا :

 صفاً أي نسقاً ، لا رتلاً ، صفاً ، ما من أحد يختبئ خلف الآخر .

﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾

3- حشر العباد عراة كما خلقهم الله :

 يمكن أن يكون حول الإنسان في الحياة أشخاص مهمون ، له أهل ، وأولاد نجباء أي له جماعة قوية ، أو هو قد ينتمي إلى جماعات قوية وغنية ، ولكن هذه الانتماءات كلها لا تقدم ولا تؤخر شيئاً يوم القيامة .

﴿ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾

 يُمكن أن يكون للإنسان في بلده أقارب ، ومعارف ، وأصحاب ذوو نفوذ يتصل بهم بالهاتف فينجدونه إذا وقع في مشكلة ما ، فيخرج من السجن بسند كفالة مثلاً ، أمّا في الآخرة فلا شيء من هذا القبيل .

﴿ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾

 زعمتم أن هذه الدنيا هي كل شيء ، ولا شيء بعد الحياة .

﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ ﴾

4 – نشرُ الكتب والدواوين :

 أي يفتح كتاب الأعمال ، مثلاً إذا كان لمؤسسة مدير عام ، صارم ، وطلب إضبارة موظف ليُحاسبه ، وفيها احتيال ، وكتب توبيخ ، وعقوبات ، وتقرير ، ومشكلات ، وهناك في حقه تهمة ، فسيكون حساب هذا الموظف عسيراً .

﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾

احذَرْ ـ أيها العبد ـ فإن كتابك لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها :

 كل أعمال الإنسان مسجلّة ، كسبه للحرام ، ومخاتلته للناس ، وظلمه لهم ، غرر بامرأة في شبابه ، فجعلها تسقط ، وجعلها امرأة بغياً طوال حياتها ، واحتال على شريك له ، وأخرجه من المحل ، فجعله فقيراً ، وحين قسم الإرث مع إخوته ، سيطر على الضِعاف منهم ، وأعطاهم أقل الأشياء ، كُل ذلك مُسجّل ، فنظرته مُسجّلة ، وعندما كان الشباك مفتوحاً ، ورأى جارته ، حركاته ، سكناته ، استماعه لما لا يرضي الله عز وجل ، غيبته ، نميمته ، فحشه ، بذاءته ، مزاحه الرخيص ، ضربه لغلامه أكثر مما يستحق ، شراسته مع زوجته ، تلصصه على بيوت الجيران ، كذبه في اليمين ، غشه في البيع ، كل ذلك مسجل ويا لها من مصيبة .
 فيجب أن يتأكد كل إنسان أنَّ له عند الله عز وجل كتاباً يحوي كل أعماله الصغيرة والكبيرة ، بنص هذه الآية .

﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾

مغزى  هذه القصة :

 وفي خاتمة هذا الدرس ، أذكركم بمغزى القصة :

1 - إن الله هو الرزاق :

 إذا نال الإنسان حظاً من الدنيا ، وتوّهمَ أنه حصّل هذا بذكائه ، وخبرته ، وعلمه وحنكته ، فقد أشرك بالله ونسي أن الله سبحانه وتعالى هو الذي تفضل به عليه ، وأنه لولا أن الله شاء له ذلك لما كان ما كان .

2- إياكم وشرك الأسباب :

 المزلق الخطير الذي ينزلق به أصحاب الحظوظ في الدنيا هو ظنهم أن الأسباب التي اتخذوها هي وحدها أوصلتهم إلى ما هم فيه ، عندئذ يستحقون التأديب من الله عز وجل ، والتأديب أن يتلف الله ما عندهم لكي يعرفوا أن الله عز وجل هو الرزاق ذو القوة المتين ، فالشرك هنا شرك الأسباب يجب أن تتخذ الأسباب ، وتعتقد أن الله هو الذي شاء لك ذلك ولو لم يشأ لم يكن ، فلا يمنع إيمانك أن مشيئة الله عزّ وجل هي وحدها النافذة ، ومشيئة الله عزّ وجل من الأخذ بالأسباب ، ولكنك إذا اعتمدت على الأسباب وحدها فقد أشركت هذه الأسباب مع رب الأرباب ، فلذلك إذا كان الإنسان على شيء من الصحة ، وإذا كانت أعضاؤه كلها سليمة فهذا ليس بعنايته بصحته فقط بل هذا بفضل الله عز وجل ، بدأً من صحته وأجهزته ، وزواجه وأولاده ، وبيته ، وعمله ، كل شيء تتمتع فيه هو من فضل الله عز وجل ، فإذا كنت كذلك فالنعم تدوم ، وبالشكر تدوم النعم .

﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد : 11 ]

 وفي اللحظة التي تنسى أن هناك إلهاً عظيماً شاء لك هذا الخير ، وأنتَ تعزو هذا الخير إليك ، فعندئذ يأتي التأديب ، وتأديب الله سبحانه وتعالى ، تأديب قاسٍ لأنَّ الله عز وجل يقول :

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

[ سورة البروج : 12 ]

 فهذا الذي قال : هذه جنتي .

﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾

3- ليس من صفات المؤمن الافتخار والتكبر على الآخرين :

 أيضاً ليس من صفات المؤمن أن يفتخر ويتبجّح ويطلع الآخرين المحرومين على ما عنده كي يزيد الشعور بالحرمان ، ، لا ينبغي أن تعرض على الناس ما عندك ، ولا ينبغي أن تعرض عليهم دنياك العريضة ، ينبغي أن تقتصد في ذلك ، وأن تطيب قلب الناس ، وأن تلفتهم إلى الله والدار الآخرة ، لا أن تحببهم في الدنيا .
 هذه قصة تُكرر كل يوم آلاف المرات ، فهذا الذي يتبجح بمصروفه ، وبرحلاته ، وبأرباحه السنوية ، هذا ليس من أهل الإيمان المؤمن يفخر بعلمه ويفخر بخلقه ، ويفخر بما له من مكانة عند الله عز وجل ، فهذه قصة فيها موعظة بالغة .
 شيء آخر :

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾

4 – وجوب شكر الله وحمده على نعمه وتنزيهه عما لا يليق به :

 الإنسان يتعلّق بالألفاظ ، فيجب أن تكون مكبراً لله حامداً لله ، موحداً لله ، منزهاً لله ، إذا نزهته وحمدته ، وكبرته ، ووحدته فقد عرفته ، " ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ".
 ومن أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله ولم يؤتهِ من الدنيا إلا ما قدر له ، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS