38634
العقيدة الإسلامية - الدرس (3-63) : أهمية العقيدة ودورها الخطير في حياة الإنسان
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1986-09-28
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

أسرار الله في مخلوقاته:

1- هداية الله للحيوان إلى طعامه وشرابه من دون تفكير منه:

الجوع دافع للحيوان نحو الطعام
بادئ ذي بدء نتحدث عن الحيوان:فالحيوان تحكمه مجموعة من الدوافع والغرائز، أي أن الله عز وجل خلق في الحيوان دافعاً نحو الطعام ألا وهو الجوع، وخلق في الحيوان دافعاً نحو التناسل ألا وهو الجنس، فالحيوان تحكمه مجموعة غرائز ومجموعة دوافع، لكن الله سبحانه وتعالى لأنه لم يكلفه ولم يقبل الأمانة ولم يتصدَّ لها، جعل هذه الدوافع وتلك الغرائز منضبطة لمصلحته، فالحيوان قلّما يمرض لأنه لا يأكل فوق حاجته أبداً، والحيوان يشرب الماء مصاً ولا يعبه عباً، فغريزته تأمره بهذه الطريقة، قال الله تعالى:

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾

(سورة طه الآية:49- 50)

وقد سماها الأجانب غريزة وسماها الله سبحانه وتعالى هداية، فالحيوان يقوم بأعمال بالغة التعقيد بشكل غريزي عفوي فطري من دون تعلم، لأن الله زوده بدوافع وزوده بغرائز واسمها الإسلامي هداية الله, فالدافع نحو الأنثى في أكثر الحيوانات ليس دائماً إلا في مواسم معينة لكي لا يضر نفسه، طعام من نوع واحد وكمية الطعام ثابتة.

ذكر بعض الأمثلة على غريزة الحيوان:

أحدهم كان مدعواً في أحد أحياء دمشق، وكانت الدعوة على طعام اليقطين فأكل وشبع فدعَوْه وقالوا:تطييبًا لخاطرنا كُلْ هذه, وترجُّوه لكي يأكل أكثر فأكلها حتى كاد ينفجر وبعدها ركب الدابة، وهو يمشي على الطريق كان هناك مكان ماء، فوقفت دابتُه وشربت، فقال لها:تطييبًا خاطري اشربي فلم تشرب، فقال:هذه الدابة أعقلُ مني, فالحيوان غريزته لها حدود في الجنس و الطعام و الشراب فهي منضبطة لمصلحته، نرى الحيوان إذا مرض يدع الطعام والشراب من تلقاء نفسه، فهو يعالج نفسه بحشائش يهديه الله إليها.
أحدهم راقب قطة مريضة، فإذا هي تنطلق إلى حشيشة على طرف النهر فأكلتها وكان فيها الشفاء، فالحيوان فيه مجموعة دوافع، ومجموعة غرائز منضبطة فطرياً لمصلحته.

2- تكريم الله للإنسان بأن جعله صاحب إرادة وفكر:

الإنسان نوع آخر مكرم:هو عبارة عن مجموعة دوافع سماها علماء النفس:حاجات, الحاجة إلى الطعام والشراب والجنس و التكاثر والحركة والحاجة للشعور بالأهمية, لا يعرف حاجة الحركة إلا من قيّدت حركته، لكن هذه الحاجات و الدوافع عند الإنسان ليست منضبطة فطرياً، لأن الله عز وجل أكرمه، وأعطاه إرادة حرة و فكراً، لحكمة بالغة فهذه الدوافع أو الغرائز والميول جعلها الله مفتوحة وليست محدودة فالإنسان يستطيع أن يأكل متى شاء، وأن يتصل بالجنس الآخر في كل أشهر السنة لا كبعض الحيوانات، والانضباط هنا يجب أن ينبع من قناعته ومن اختياره، فالآن تبدأ خطورة الإنسان.

ابتلاء الله للإنسان بالشهوات وأعطاه الوسيلة على ضبطها:

الحيوان يمضي حياته في طمأنينة وفي دعة وفي سلامة، لأن عملية غرائزه منضبطة فطرياً أما الإنسان فشهواته، وغرائزه، وميوله ليس لها حدود, فالوحش في الغابة إذا كان جائعاً يأكل فريسة وحينما يشعر بالشبع يكف عن افتراس الحيوانات الأخرى، أما حب الإنسان للمال فليس له حدود، فإذا غرق في الجنس قد ينتحر وانغماسه في الشهوات، وحبه لجمع المال، وحبه للاستعلاء يدفعه أن يستعلي على حياة الناس أو على حساب فقرهم، ذلك لأن شهوات الإنسان غير منضبطة فطرياً، فقد أوكل الله له ضبط هذه الشهوات وأعطاه وسائل الضبط، فوسائل هذا الضبط:فكر سليم، وحرية اختيار، وقد عبر عنها بعض العلماء بالإرادة الحرة، من هنا تأتي خطورة العقيدة من أن القناعة، أو الفهم، أو العقيدة هي التي تحرك هذه الطاقات و الشهوات و السلوك، فإذا كانت المفاهيم صحيحة كان السلوك صحيحاً، وإذا كانت مغلوطة كان السلوك مغلوطاً، وهذا الذي أحب أن أوضحه، إذاً من أنت ؟ أنت مجموعة مفاهيم فإن كانت صحيحة عشت في حياة سعيدة وانتقلت إلى حياة أبدية.

نشأة المفاهيم عند الإنسان:

1- انتقال الطفل من المحسوسات إلى المجردات:

أحياناً الطفل الصغير يتعامل مع أمه فأي امرأة يراها في صغره يقول:هذه أمي وهذه أول مرحلة، فكل أنثى هي أمه، وكل رجل هو أبوه، وعندئذ ينتقل إلى مرحلة ثانية كل رجل عمه وكل أنثى خالته، وبعد مرحلة يتكون عنده مفهوم أن المرأة كائن حي لها خصائص معينة غير أمه وخالته وعمته و جارته، فالمرأة لها مفهوم عنده فيقول:هذه امرأة، وهذا رجل، وهذه شجرة، وهذه المرحلة اسمها انتقال الطفل من المحسوسات إلى المجردات ومن المجسدات إلى المفاهيم.

2- تكوين المفهوم لديه:

يتعلم الطفل من التجربة أن النار تحرق
أول علامات النضوج يتعامل الطفل بالمفاهيم، ثم يتكون لدى الطفل مفاهيم مركبة، مثلاً إن النار تحرق, هذا المفهوم من خلال إحساسه بالنار إذا لمست يده المدفأة فاحترقت عرف أن النار تحرق, ومرة رأى النار لهيباً وأخرى رآها جمراً وأخرى مدفأة ترسل الحرارة فيتكون عنده مفهوم النار تحرق, هذا المفهوم يتوضح بخبراته العميقة، إذا شاهد ناراً فإنه يبتعد عنها، لماذا ابتعد عنها ؟ لأنه يملك مفهوماً مركباً أن النار تحرق، وإذا قيل له:إن هذا الطعام النفيس سم فلا يأكله مع أنه جائع، لأنه يكون لديه مفهوم أن السم قاتل، وكل واحد منا عنده ملايين المفاهيم، فالحديد قاسٍ، والنار تحرق، والعقرب يلدغ، وهذا الحيوان وديع, في النهاية فمجموعة المفاهيم أساسها حسي، ثم إدراك، ثم مفهوم, والإدراك هنا إن صح التعبير هو العقل، قال الله تعالى:

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾

(سورة الحج الآية:46)

الاستشهاد بأمثلة على مرحلة تكوين المفهوم عند الإنسان:

فلو جئت بطفل رضيع عمره سنة ونصف ومر أمامه ثعبان كبير فإنه يراه وتنطبع صورته على شبكيته لكنه لا يخاف منه، لأنه لا يعرف ماذا يعني الثعبان ؟ ومفهوم الثعبان لم يتكون لديه، وفي مرحلة لاحقة يتعلم أو يعرف عن الثعبان من المدرسة، ويعلم أنه من الزواحف فيتعلمها تعليماً، وقد يراها في حديقة حيوان أو في زجاجة، فيتكون لديه مفهوم عن الثعبان بأنه من الزواحف ولَدْغتُه قاتلة، إذا شاهد ثعباناً فوراً يصيح ويركض لأنه صار عنده مفهوم, هذا المفهوم هو الذي يحدد سلوكه، هل هناك إنسان له فكر يرى ثعباناً ويبقى واقفاً ؟ فهذا مستحيل لأن المفهوم عنده أصبح واضحاً بأن هذا الحيوان مؤذٍ و لدْغتُه قاتلة، فإما أن يقتله أو يهرب ولكنه في جميع الأحوال يضطرب، وأحد أسباب اضطرابه وجود مفهوم عنده.

الفرق بين المؤمن وغيره هو تملكه العقائد الصحيحة الناتجة عن رؤية صحيحة:

يأتي المرابي فيقول لك:أنا لا أجمد المال، فهذا المال يجب أن ينمو، فإذا أقرضتُه يجب أن آخذ على هذا المال فائدة، هو ينطلق من مفهوم الربا، ويأتي المؤمن فيقول:إن المال مال الله، وهناك موت وبعد الموت حساب، وهناك سعادة أبدية أو شقاء أبدي فيطيع الله عز وجل، ولهذا أؤكد لكم أنه ما من إنسان على وجه الأرض يتحرك أي حركة صالحة أو طالحة، لمصلحته أو خلاف مصلحته إلا وينطلق من مفهوم، وإذا استطعنا أن نصحح المفاهيم دخلنا الجنة.
أيها الإنسان إنما يحركك مفهوم فهذا المفهوم نسميه عقيدة، ترسخ المفهوم والتعمق وانطلق إلى درجة تشبه الرؤية فإنه ينقلب إلى عقيدة، فإذا صحت العقيدة صح العمل، وإذا صح العمل سعد الإنسان في الدنيا والآخرة, فأخطر شيء في الحياة هو العقيدة، الذي يأكل الربا أو هذا الذي يتيح لنفسه أن يعمل ما يشاء و يعتدي على أعراض الناس، إنه ينطلق من مفهوم خاطئ تسرب إليه عن طريق إنسان مضل، أما هذا الذي يرى أن هناك إلهاً عظيماً بيده كل شيء، خَلَقَه في الدنيا ليسعد لحياة أبدية يدوم نعيمها تراه ينضبط، إذاً الفرق الوحيد بين المؤمن وغير المؤمن هي هذه العقائد الصحيحة التي لا يملكها إلا المؤمن، وتلك المفاهيم الخاطئة التي يملكها الكافر.

العقائد الإسلامية أساس نجاحها أنها درست واقع الإنسان التي فقدته الديانات الأخرى:

فإذا درسنا العقيدة الدينية فقد درسنا المحرك الذي يحركنا، فالإنسان الذي يغش ينطلق من مفهوم أن عنده أولاداً، والناس كلها تغش، والغش مسموح به لأن الغش عامٌّ وأصبح عدم الغش صعباً ويقولون:إنه حلال على الشاطر، فهذا الإنسان ينطلق من مجموع مفاهيم كلها خاطئة، وعبارة عن ظنون وخرافات, وأما المؤمن يرى أن هناك إلهاً عظيماً يطلّع على كل شيء، فإذا استقام على أمره في معاملة الخلق بارك الله له في صحته، وفي أهله، وفي حاله، وفي دنياه، وفي شيخوخته، وفي موته، وفي الجنة، فعندما ترى رجلاً منحرفاً فتأكدْ أنه يحمل مفاهيم خاطئة، وإذا وجدت إنساناً مستقيماً فإن عقيدته صحيحة، إذاً فأساس الاستقامة أنْ تملك عقيدة صحيحة, وهناك إنسان فَهِمَ الآية الكريمة:

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾

(سورة الأحزاب الآية:33)

حركة الإنسان تسير وفق معتقده:

" وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ " أنه من الوقار، أن المرأة وقور لذلك أمر بناته ألا يخرجن من البيت، من هنا تبدو أهمية العقيدة، فالعقيدة هي التي تحرك سلوكنا في حياتنا اليومية، ففي حياتك الصحيحة إذا كان عندك قناعة معينة فبذل الجهد ضروري, وهناك شخص يظن أنه كلما استراح كان أحسن، لا يتحرك بحركة ويتفاجأ بمرضٍ في القلب أو في الشرايين، ولكن متى يفاجأ ؟ بعْد فوات الأوان، أما الذي يملك مفاهيم صحيحة أن القلب سلامته في بذل الجهد، وفي الحركة، وفي المشي، وفي الرياضة، وفي بذل الطاقة، فهذا الذي يصون قلبه يملك مفهوماً صحيحاً, " أعدى أعداء الإنسان هو الجهل " أو أن تمتلك مفاهيم خاطئة, إنْ في شأن الصحة أو بشأن العلاقات الاجتماعية، يكون الخضري قد أخطأ معه بـ 25 ليرة فيبقى المشتري ساكتاً ويظن نفسه ذكياً بهذه العملية، أما المؤمن فقد يكون قاطعاً عنه مسافة 30 كم بالسيارة فيرجع ويعطيه حقه، فهناك ديَّان لا يغفل ولا ينام عن كل حركاتك وحساباتك وتصرفاتك وأعمالك.
من عرف فضل صلاة الفجر لم ينم عنها
مثلاً:أن أنام حتى الساعة التاسعة، فهذا يرى أن النوم شيء ثمين، أما المؤمن فلديه مفهوم أن الحياة محدودة كلها أيام معدودة، فمثلاً ساعة الصبح لا تعدلها أيَّة ساعة, فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا))

(أخرجه البخاري عن أبي هريرة)

فرغم أنه قام متأخراً ينزع عنه اللحاف وينطلق من فراشه، وحينئذٍ ينطبق عليه قوله تعالى:

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

(سورة السجدة الآية:16)

لو أن إنساناً يحب النوم، ويرى إنساناً يستيقظ باكراً لاتَّهمه بالجنون، وهذا الذي يحب أن يلقى الله عز وجل في صلاة الصبح أن يتصل به وأن يقف بين يديه يناجيه في هذا الوقت المبارك، يرى الناسَ النيام في هذا الوقت مجانين، فالذي ينام ولا يصلي لماذا ينام ؟ لأنه ينطلق من مفهوم خاطئ، وهذا الذي استيقظ لماذا استيقظ ؟ لأنه ينطلق من مفهوم صحيح.

سر سعادة الإنسان وشقائه هو المفهوم أو المعتقد الذي يتملكه:

إذاً لو استطعنا ألاّ نُدخل إلى عقولنا إلا المفاهيم الصحيحة لانتهت كل مشاكلنا وأمورنا، فهذا الذي يكاد ينفجر حقداً أو غيظاً مَن الذي قهره ؟ مفاهيم مغلوطة، المؤمن الموحد لا يرى مع الله أحداً يرى يد الله فوق أيديهم، فهذا الذي ضربه يرى يد الله فوق هذه اليد هي التي أذنت والله عادل فالذنب ذنبي، فترى المؤمن ليس عنده حقد لأحد، لأنه يعلم علم اليقين أن كل شيء وقع لابد أن يقع، ووقع وَفق العدالة الإلهية المطلقة والرحمة المطلقة، واللطف، والخبرة، والعلم، وهذا التقديم أردت منه أن أنبئكم أن الذي يملك العقيدة الصحيحة هو الذي يحقق السعادة الأبدية، والذي ينطلق من عقائد زائغة أو مغلوطة يعيش حياة ضنكًا.

الاستشهاد بأمثلة على فساد الرؤية عند الإنسان نتيجة المفاهيم المغلوطة:

رجل يقول: الله عز وجل لما يهدني وحتى يهديني أصلي فهذه عقيدة خطيرة جداً، الله تعالى قد هداك ولم يبق لك إلا الإجابة.
يقولون: يذهب المطيع بين أرجل العاصي وهذه عقيدة فاسدة، فهناك آية قرآنية تقول:

﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾

(سورة الإسراء الآية:15)

يقولون: نظر الولي الفلاني إلى فلان من الناس فهداه بتلك النظرة فهذه القصة غير صحيحة بل كاذبة، لأن الله تعالى قال:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾

(سورة القصص الآية:56)

رجل يقول لك: إنه سوف يأتيك دفعة أموال ولك عدو يترصدك، وهذا كلام فارغ لأن الله تعالى قال:

﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾

(سورة الأنعام الآية:50)

لا يعلم الغيب إلا الله، فإذا قرأ الإنسان القرآن صحَّتْ مفاهيمه.
ويقال: هذا الرجل شاهد الجن، فذلك كاذب، لأن الله عز وجل قال:

﴿يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

(سورة الأعراف الآية:27)

قضيَ الأمر فهم يروننا من حيث لا نراهم فكل إنسان يدعي أنه رأى الجن فهو كاذب، وعلى كل إنسان أن يبحث عن العقيدة الصحيحة، وإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم, وفي الأثر:

((ابن عمر، دينَك دينَكَ، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا))

الحال الذي يعيشه الغرب نتيجة فقدهم للعقائد الصحيحة:

ولذلك بعض المجتمعات الغربية يشعرون أن هناك حاجة ماسة إلى العقائد، فالإنسان الغربي إنسان بلا عقيدة، فليس عنده حلال وحرام ولا عنده قيم، يفعل ما بدا له ويحقق لذَّاته كلَّها دون أيِّ قيدٍ، فعندما انعدمت القيود ضاع الإنسان، ومبدأ اللذة نفسه انقلب إلى مبدأ الألم، فالحقيقة عندما يطلق الإنسان لشهواته العنان أيْ من دون قيد ينتهي به الأمر إلى الشقاء ويشعر بتفاهته، فالعالم الغربي أدرك أنهم يفتقرون إلى عقيدة فتجد فيهم الوحشة، لأنه لا يوجد عنده هدف، فالمرأة هناك تلد مثلاً خمسة أولاد وتنتظر من سنة إلى سنة لتتلقى من أحدهم بطاقة تهنئة بعيدِ ميلادها، إنه مجتمع بلا عقيدة و نهايته الدمار.

مصادر العقيدة:

1- الحس المادي:

أكدنا أننا أمام عالَم حسي ندركه بحواسنا، فبالعين نرى الشمس، وبالآذان نسمع الأصوات، وبالأنف نشم رائحة الأزهار, فالحواس تنقل إليك ما في العالم الخارجي وهذا النقل المستمر, هذا الإدراك ينقلب إلى مفهوم والمفهوم إذا ترسخ ينقلب إلى عقيدة، وأول مصدر للعقيدة هو الأحاسيس المادية، فنحن نعتقد أن النار تحرق، وأن الماء سائل، ومن خلال حواس الإنسان اليومية ترتكز مجموعة عقائد، ولكن هذه العقائد مادية.

2- الدليل الاستدلالي:

كل ما في الكون يدل على الخالق
الطريق الاستدلالي:وهو عن طريق الأثر تعرف المؤثِّر، ومن خلال " الأقدام تعرف المسير، ومن خلال الماء تعرف الغدير، ومن خلال البعر تعرف البعير، أفسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألاَ تَدُلاَّن على الحكيم الخبير " ؟
تسأل: أيهما أكبر، أهذه الآلة أم هذه ؟ يقول لك:هذه الآلة لأنه شيء بدهي، وقيل:إن المُسَلَّمات لا تحتاج إلى برهان لشدة وضوحها، أما الطريق الثاني وهو طريق الإيمان بالغيب فقال تعالى:

﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾

( سورة البقرة الآية:1-3)

من خلال دوران المروحة عندك علم يقيني بأنه في أسلاك الكهرباء لهذه المروحة طاقة كهربائية والدليل حركة المروحة، وعندك دليل يقيني يبلغ درجة يقينية 100% أن في هذه الأسلاك الأخرى طاقة كهربائية والدليل تألق المصابيح، وأنه في هذه المسجلة بطارية والدليل حركتها من دون مأخذ كهربائي فاليقين قطعي، فهناك كثير من الأشياء في حياتنا اليومية تبلغ درجة اليقين عن طريق الاستدلال، لذلك هناك أشياء ندركها بفكرنا عن طريق الآثار المادية لها.

3- الأمور التي تتعلق بالغيب طريقها الخبر الصادق:

أما إذا كان الشيء مغيباً عن حواسنا بذاته وآثاره فليس لمعرفته إلا طريق واحد وهو طريق الخبر الصادق، إذاً للعقيدة ثلاث قنوات تغذيها:
1. قناة الحواس الخمس، وما يتبعها من إدراك ومفهوم ثم عقيدة.
2. قناة الاستدلال الفكري، وهذا الطريق لا يقلُّ في قوته وصحته عن الطريق الحسي
3. أما إذا كان الشيء الذي تبحث عنه غائباً عنك وكانت آثاره أيضاً غائبة ولا سبيل إلى معرفته إلا عن طريق الخبر الصادق.
من الاستدلال العقلي والإدراك الحسي وتصديق الأخبار الصادقة يتكون مجموعة مفاهيم، وهذه المفاهيم مع التكرار والممارسة ومع الامتحان تنقلب إلى عقائد وبمعنى آخر إلى معقولات، قال تعالى:

﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾

(سورة الحج الآية:46)

صورة عملية التفكير في ذهن الإنسان:

أنت تحس صور الأشياء بالعين أما الإدراك فيعطى بالفكر، إذ ندرك صورة الأفعى فإذا لُدِغتَ بالأفعى مرة تكون عندك تجربة مرة وعندئذ تعقل خطرها، فالإحساس صورة والإدراك فكرة، أما العقل فتجربة أو رؤية، وهو نوع من المعرفة لا يرقى إليها الشك إن صح التعبير، وإذا بقي الشيء في الإحساس فيعني ذلك أن العين رأته، أما إذا بقي ووصل إلى الدماغ فأدركَهُ, أحست العين به وأدركه الدماغ وعَقَلَهُ القلب، وإذا وصل شيء إلى القلب فهذا أعلى درجات المعرفة، عندنا أحياناً مجموعة الأفكار.

مراتب العلم:

ومجموعة المعتقدات يمكن أن تصنف ثلاث درجات:
1. مرتبة اليقين.
2. مرتبة الظن.
3. مرتبة الشك.
وهناك أشياء مشكوك بها، وأشياء يغلب الظن أنها صحيحة، وأشياء يقطع بأنها يقينية، فإذا كان ربنا عز وجل قال مثلاً:

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

(سورة المائدة الآية:3)

يوجد نص صريح واضح محكَم لا سبيل إلى إنكاره هذا يقين, هناك موضوعات في الفقه، هل يجوز تحديد النسل أو لا يجوز، فهناك علماء استنبطوا هذا من آية معينة، وهناك علماء رفضوا ذلك، وهذا موضوع لما يُقطع به، أما إذا حكى أحدهم لك عن الجن، وقال لك:اكتب هذه الكلمة وضعها في كأس ماء واشربها تفهم الكتاب فوراً وتأخذ العلامة التامة فهذه خرافة، وأحدهم يأخذ حجاباً ويحمله ليفهم كتاب الفيزياء وحده، وهناك أشياء في مستوى الخرافات، و أشياء في مستوى الأفكار القابلة للتصديق، وأشياء في مستوى اليقينيات.
إن شاء الله في درس قادم نتابع موضوع العقيدة على مستوى أن هذا الخبر كيف يكون صادقاً ؟ وما مقياس صدقه ؟ وربما نبني مجموعة كبيرة من عقائدنا على الأفكار الصادقة التي أخبرنا بها كتاب الله عزّ وجل وأخبرنا بها النبي عليه الصلاة والسلام، ففي العقيدة قسم تحقيقي، وقسم تصديقي، التحقيقي نفي الأخبار الكاذبة عن التحقق الذاتي:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾

( سورة البقرة الآية:164)

فالتفكُر هو التحقق والإيمان.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS