16421
التفسير المطول - سورة يس 036 - الدرس (3-7): تفسير الآيات 20-35 ، إن لم يتبع الإنسان رسالة الأنبياء تعمى بصيرته و يدخل النار
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-07-24
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس الثالث من سورة يس.

القصص في القرآن الكريم مقصودة لاستنباط قواعد للوصول إلى الله عز وجل:

في الدرس الماضي وصلنا إلى قوله تعالى:

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ (33) ﴾

لكنا شرحنا الآيات الأخيرة شرحاً سريعاً، فوجدت من المناسب أن نأتي عليها مرة ثانية فلعل الله سبحانه وتعالى ينفعنا ببعض المعاني الدقيقة التي يمكن أن نستنبط منها قواعد في حياتنا.
قصص القرآن تنير الطريق إلى الله وليست مجرد قصص
مرة ثانية وثالثة القصص التي وردت في القرآن الكريم ليست مقصودة لذاتها، إنما هي مقصودة لاستنباط قواعد تلقي لك ضوءاً في الطريق إلى الله عز وجل، فمر بنا في الدرس الماضي أصحاب القرية إذ أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) ﴾

﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) ﴾

هؤلاء الذين كذبوا رسالة الرسل.

قيمة العلم والعمل القيم الوحيدة للترجيح بين العباد:

النموذج الآخر نموذج المؤمنين، ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ (20) ﴾

العلم والعمل هي قيم الترجيح بين العباد عند الله
أقصى المدينة أي من أطراف المدينة، ماذا نستفيد من هذه الكلمة ؟ العادة أن الأغنياء يسكنون في أوجه الأحياء، والفقراء يضطرون إلى أن يسكنوا في أطراف المدينة، هذا الذي سكن في طرف المدينة، رفعه الله عز وجل إلى مرتبة الصديقية، انظروا أيها الأخوة كيف أن الله سبحانه وتعالى لم يعتمد من كل القيم التي تعارف الناس على أنها قيم للترجيح بين العباد، إلا قيمة واحدة، هي قيمة العلم والعمل، وما سوى ذلك من الفقر والغنى، الذكاء وعدم الذكاء، الوسامة والدمامة، الصحة والمرض النسب والحسب، وأن يكون الإنسان مغموراً، هذه كلها لا شأن لها عند الله، فهذا الرجل الذي ارتفع إلى مرتبة الصديقية في بعض الأحاديث الشريفة، أين كان يسكن ؟ في أقصى المدينة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام دققوا في هذا الكلام قال:

(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً ))

[ ورد في الأثر ]

الرزق المطغي قد يكون طريق الإنسان إلى النار:

هناك رزق لا يكفي، وهناك رزق يكفي، وهناك رزق يطغي، فالمطغي بلاء كبير، لأن هذا الرزق المطغي ربما كان الطريق إلى النار، والنبي عليه الصلاة والسلام استعاذ من الرزق المطغي قال:

(( بَادِرُوا بِالأعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[الترمذي والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ]

الرزق المطغي ربما كان الطريق إلى النار
عدَّ النبي عليه الصلاة والسلام الرزق المطغي بلاء كبيراً، أما أن يكون الرزق لا يكفي، فهذا حالة قد تكون مزعجة، ولكن هناك من يصبر، وهناك حكم لا تنتهي أن يكون رزق الإنسان لا يكفي، قد يدفعه الله إلى بابه، قد يلين نفسه، قد يجعله متواضعاً، قد يطهره من ذنوب كثيرة.
لأن النبي كما تعلمون عليه الصلاة والسلام لما قال: يا رب ارحمه... دخل على أحد أصحابه فقال: ادع الله أن يرحمني، فوقع في قلب النبي يا عبدي كيف أرحمه مما أنا به ارحمه.

(( وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه، إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء، شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه))

[ورد في الأثر ]

أي هناك رزق لا يكفي، لو كشف الغطاء لاخترتم الواقع، لو كشف لك الله عن السر الدفين وراء هذا الرزق الذي لا يكفي، لذابت نفسك كالشمعة حباً لله عز وجل، وهناك رزق يكفي، وهناك رزق يطغي، فإذا سألت أحد الأخوة الأكارم عن حاله وعن معاشه، عن عمله، عن رزقه، وقال لي: والله يا أستاذ لا يوجد شيء زيادة، الحمد لله مستورين، أقول له: لقد أصابتك دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً.

راحة البال نعمة لا تقدر بثمن:

من عنده نعمة الصحة وراحة البال فهو ملك
الإنسان إذا كان الله عز وجل أنعم عليه براحة البال، قال تعالى:

﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) ﴾

(سورة محمد: الآية 5)

أنعم عليه بجسم لا يشكو مرضا عضالاً، أنعم عليه برزق يكفيه، فهو ملك من ملوك الدنيا، مرة قلت لكم: ملك سأل وزيره، من الملك ؟ قال: أنت، قال: لا، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا، عاش مستور الحال. هذه راحة البال لذلك:

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ (20) ﴾

من أطراف المدينة، لعله من الطبقة الفقيرة، لعله من الطبقة المستضعفة، لعله ممن لا شأن له، لعله من الضعاف الذين ليسوا من أهل الحل والعقد، لعله من هؤلاء، ومع ذلك رفعه الله عز وجل إلى مرتبة الصديقية.

من خرج من بيته يبتغي وجه الله هذا السعي يرضي الله عز وجل:

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ (20) ﴾

الرجل له صفات تميزه عن الذكور
كلمة رجل أيها الأخوة في القرآن الكريم لا تعني دائماً أنه ذكر، لا، تعني شيئاً أعظم من ذلك تعني أنه بطل، يعني اكتملت فيه صفات الرجولة، من صدق، من أمانة، من نجدة، من مروءة، من سخاء، من وفاء، من حمية، من شهامة.

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى (20) ﴾

السعي لربك، تخرج من بيتك إلى أين ؟ إلى شراء، إلى بيع، إلى عقد صفقة، إلى سهرة، إلى نزهة، هذا الذي يخرج من بيته لا يبتغي إلا وجه الله، لا يبتغي إلا طلب العلم، لا يبتغي إلا نشر العلم، لا يبتغي إلا خدمة الناس، لا يبتغي إلا عملاً صالحاً يرضي الله عز وجل:

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)﴾

(سورة الصافات: الآية 61)

لمثل هذا:

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾

(سورة المطففين )

شتان بين إنسان عرف الله و إنسان ابتعد عن الله عز وجل:

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (58) ﴾

(سورة يونس: الآية 58)

خروجك من بيتك إلى المسجد سعي يرضي الله
حينما تخرج من بيتك إلى المسجد، حينما تخرج من بيتك لتدعو إلى الله عز وجل، حينما تخرج من بيتك لتعمل عملاً صالحاً، لتتعاون مع إخوتك على البر والتقوى، هذا السعي الذي يرضي الله عز وجل، ألم يقل الله عز وجل:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) ﴾

(سورة الليل: الآيات 1-4)

شتان بين إنسان وإنسان، ألقِ نظرة على الناس في شارع مزدحم، كل إنسان في مخيلته هدف، وما أسمى هدف المؤمن:

﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ (114) ﴾

(سورة النساء: الآية 114)

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى (20) ﴾

إذاً السعي، والحركة، والنشاط، وزيارة الناس، وخدمتهم، وإغاثة ملهوفهم، ومعاونة ضعيفهم، وإعطاء فقيرهم، وعيادة مريضهم.

من لم يتفقد شؤون المسلمين ليس منهم:

من لم يتفقد شؤون المسلمين فليس منهم
سيدنا الصديق ـ رضي الله عنه ـ كان في أعلى مرتبة في العالم الإسلامي، كان خليفة المسلمين، وقبل أن يكون خليفة للمسلمين، كان من عادته أن يقدم خدمات لجيرانه، كان يحلب لهن الشياه، فلما أصبح خليفة للمسلمين، دخل إلى بيت جيرانه حُزْنٌ لأن هذه الخدمات لن تستمر أصبح خليفة المسلمين، وفي صبيحة توليه الخلافة، طُرِقَ باب أحد الجيران، فتحت بنت صغيرة الباب، سألتها أمها من الطارق يا بنيتي ؟ قالت يا أماه جاء حالب الشاة، جاء حالب الشاة المعهود ليحلب لنا الشياه، هكذا كان سيدنا الصديق، المؤمن حركته نشيطة جداً، هذا الذي يجلس في بيته يستريح يسترخي لا يعنيه أحد، هذا ليس مؤمناً، من لم يتفقد شؤون المسلمين فليس منهم، المؤمن حركي، عملي، نشيط يزور، يتفقد، يعود مريضاً، يدعو إلى الله، ينصح، يقول، يتعلم، يطلب العلم،

﴿ وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى ﴾

هي صفات المؤمنين.

لا ينفع الإنسان عند الموت إلا العمل الصالح:

الدنيا ساعة اجعلها طاعة والنفس طماعة عودها القناعة، كل شيء يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، لا يبقى لك إلا عملك الصالح، كل شيء يفنى، انظر إلى الدنيا، لو أن الدنيا كلها بيديك وجاء الموت لا تنفعك شيئاً، لا ينفعك إلا عملك الصالح يؤكده قوله تعالى:

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا (100) ﴾

(سورة المؤمنون: الآية 100)

فمادام هذا كلام الإنسان إذا جاءه الموت، لِمَ لا نتعظ نحن بهذا الكلام:

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) ﴾

تروي بعض الأحاديث: أن هذا مؤمن يس، كان صِدِّيقاً، و عندنا مؤمن آخر مؤمن فرعون، مؤمن فرعون كان صديقاً، ومؤمن يس كان صديقاً، وأنعم بهذا المقام:

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا (21) ﴾

ما هذا المقياس ؟ هل هذا مقياس دقيق ؟ الإنسان يكذب لمصلحة دنيوية، يدجل، يُزَوِّر الحقائق، يبالغ، يعظم، يفخم، يتملق، ينافق إذا كان في مصلحة، أما إذا انتفت المصلحة الدنيوية كلية، فالكذب لا معنى له.
إنسان أحياناً من أجل أن يبيع هذه السلعة أحياناً يمدحها، من أجل أن يأتيه خير من هذا الإنسان يثني عليه، يثني عليه كاذباً، فالكذب مرتبط بمصلحة دائماً...

علة الكذب المصالح المرسلة المادية:

قصة تروى (هي قصة عادية لكن لها مغزى كبيراً): إنسان كان يعمل عتالاً وله دابة، فلما ماتت هذه الدابة أصبح بلا دخل، جاءته فكرة شيطانية دفنها وأقام عليها قبة، وسماها باسم ولي من أولياء الله، وتوافد الناس عليه وقدموا له الهدايا والخراف وعاش في بحبوحة كبيرة وهو يثني على هذا الولي المدفون، لماذا يكذب ؟ لمصلحة راجحة عنده، هذا مقياس دقيق حينما تنتفي المصلحة ليس هناك كذب إطلاقاً:

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) ﴾

إنسان ما طلب منك شيئاً مادياً، ولا معنوياً، ولا مديحاً، ولا ثناء، ولا أي شيء إطلاقاً، حينما تنتفي المصلحة ينتفي الكذب معها، لأن علة الكذب المصالح المرسلة المادية هذه علة الكذب، لو ألغيت المصالح ألغيت الكذب إطلاقاً.

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) ﴾


الآن هناك نقطة دقيقة جداً، أحياناً الإنسان يتلقى العلم من مسجد سنوات طويلة، لكنه إذا أراد أن يدعو إلى الله عز وجل يقول لفلان: احضر معنا، لكنك أنت في هذه السنوات العشر ما تعلمت شيئاً تقوله له، لا يكفي أن تدعو الناس إلى المسجد، لابد من أن تنطق بالحق، أنت أيضاً لابد أن تبين الحق لذلك قال:

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) ﴾

ثم نطق بالحق:

﴿ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي (22) ﴾

من هي الجهة التي يمكن أن تعبدها وحدها ؟ إنها الله الخالق المربي المسير الرحيم الغني القدير العليم السميع البصير الرؤوف الرحيم.

ليس في الكون جهة تستحق أن تعطيها شبابك وجهدك وإخلاصك إلا الله:

﴿ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي (22) ﴾

ما من جهة تستحق العبادة غير الله
أي هل هناك جهة تستحق العبادة غير الله عز وجل ؟ هل هناك جهة تستحق أن تعطيها شبابك ؟ والله حينما أرى إنساناً يقدم شبابه لجهة غير الله عز وجل، والله أرى عقله صغيراً، أقول: مسكين فلان ما عرف قيمة نفسه، ليس في الكون جهة تستحق أن تعطيها شبابك وجهدك وإخلاصك وحياتك وعمرك إلا الله، هو أهل التقوى وأهل المغفرة، إما أن تقدم شبابك وعمرك وطاقاتك أو ذكاءك أو علمك لإنسان ؟ ماذا يقدم لك هذا الإنسان ؟

﴿ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) ﴾

ألم يقل الله عز وجل لهذا الميت الذي يبيت في القبر أول ليلة: ( عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت ). من لك غير الله ؟

حينما يموت الإنسان هو في جنة يدوم نعيمها أو في نار لا ينفذ عذابها:

﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) ﴾

(سورة المدثر: الآية 8)

حينما يموت الإنسان ويتوزع أولاده أو أخوته: شخص عند حفار القبور ليشتري له قبراً، شخص لطبع النعوة، و شخص للكراسي، وشخص للتعزية، في هذه الساعة العصيبة حينما يسجى الإنسان على فراشه، ويجلل بالأقمشة، ويقرأ له القرآن، في هذه الساعة العصيبة من له غير الله ؟ من له ؟ ماذا ينفعه ؟ ماله، هل ينفعه ماله ؟ أولاده ؟ زوجته ؟ أقاربه ؟ أنسباؤه ؟ جماعته ؟ عزوته ؟ مكانته منصبه ؟.

﴿ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) ﴾

هو للأبد: إما في جنة يدوم نعيمها، أو في نار لا ينفذ عذابها.

لا أحد في الكون مؤهل أن تطيعه في معصية الله عز وجل:

﴿ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي (22) ﴾

هل ترى أنَّ إنساناً في الكون مؤهل أن تطيعه في معصية الله عز وجل !

﴿ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً (23) ﴾

أي إنسان أُعطيه كل حبي، أعطيه كل ولائي، أعطيه كل شبابي، أعطيه طاقاتي، قلمي إن كنت أديباً، لساني إن كنت خطيباً، ألا يستحي الإنسان أن يقدم طاقاته وقدراته الخاصة لغير الله عز وجل ؟ أحد الأدباء، نقده بعض النقاد، لأنه باع قلمه لجهة ما، فغضب غضباً شديداً، قال: أنا لم أبع هذه القلم، ولكني أجرته ! الإنسان!! أيبيع قلمه ؟ أيبيع لسانه ؟ أيبيع علمه ؟ أيبيع مكانته لمخلوق ضعيف مثله ؟

﴿ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي (22) ﴾

(( عبدي خلقت لك ما في الكون من أجلك فلا تلعب، وخلقتك من أجلي فلا تتعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك ))

[ورد في الأثر ]

خلقك الله عز وجل له، من أجل أن تعرفه، من أجل أن تعبده، من أجل أن تطيعه، من أجل أن يجعلك من سـعداء الدنيا والآخرة.

لا يوجد في الكون جهة تستطيع أن تحمي الإنسان من عذاب الله عز وجل:

كلام دقيق:

﴿ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي (22) ﴾

حين يصيبك مكروه هل من جهة في الأرض تمنعه عنك
إذاً لم يكتف مؤمن يس بأن دعا قومه إلى سماع كلام المرسلين، بل دعاهم أيضاً إلى الهدى مباشرة، قد يقول لك إنسان: بقيت في الدرس عشر سنوات، حدثني من عندك، ماذا سمعت من كلام الله ؟ من تفسير كلام الله ؟ من تفسير حديث رسول الله ؟ من قصص أصحاب رسول الله ؟ حدثني، الإنسان إذا لم يكن طليق اللسان في الحق، مشكلته مشكلة، لكن ماذا استفدت من هذه الدروس كلها ؟ مؤمن يس قال:

﴿ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً (23) ﴾

هنا:

﴿ إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ (23) ﴾

أي أن الله عز وجل إذا أراد بإنسان شيئاً، إذا أراد به سوءاً، إذا أراد به مكروهاً، إذا أراد به مرضاً، إذا أراد به فقراًً، إذا أراد به ذلاًَ، إذا عذبه، هل في الكون كله جهة تستطيع أن تمنع عنه العذاب ؟ أن تحميه من عذاب الله عز وجل !!

﴿ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24)﴾

أفضل نعمة على وجه الأرض أن تعرف الله عز وجل:

أيها الأخوة الأكارم، والله الذي لا إله إلا هو، ما من نعمة على وجه الأرض، ما من نعمة في الدنيا أثمن من أن تعرف الله، من أن تعرف من أنت ؟ لماذا أنت في الدنيا ؟ أين كنت وأين المصير ؟ ما مهمتك الحقيقية ؟ هذه الآلهة لابد من أن يهدمها بالدعوة إلى الله عز وجل، يجب أن تحطم الأصنام التي تعبد من دون الله، شهوة النساء، صنم شهوة المال، صنم شهوة العز والسلطان، صنم هذه الآلهة التي يعبدها الناس من دون الله يجب أن تحطمها لهم، لأنك إذا أقررتهم على ما هم فيه من شهوات وانحرافات، كانت حجاباً بينهم وبين الله عز وجل، مؤمن يس دعا إلى عبادة الله عز وجل:

﴿ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) ﴾

بشكل استفهام استنكاري، ثم تعجب قال:

﴿ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً (23) ﴾

هذه الآلهة ماذا تنفع أو تضر، إن الحكم إلا لله، الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، له الخلق والأمر، لكل شيء حقيقة، وما بلغ الإنسان حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، يعني الدين كله ملخص في كلمة التوحيد.

في دعوة الرسل دليلان على أنهم مهتدون:

(( يَا غُلامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الأمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ))

[الترمذي و أحمد عن ابن عباس ]

أي أن الناس جميعاً لا يقدمون ولا يؤخرون، كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً، علاقتك بالله وحده، هذا هو التوحيد، اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها مطمئن علاقتك مع جهة واحدة، مع الله. إنه سميع بصير عليم عادل محب غني قدير يجيب الدعاء، الحقيقة في دعوة الرسل دليلان على أنهم مهتدون: أول دليل شكلي وثاني دليل عملي أو مضموني.

1 – دليل شكلي:

الشكلي: أنهم لا يسألون الناس أجراً:

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) ﴾

هذا دليل ولكن شكلي.

2 ـ دليل مضموني:

أما إذا سمعت دعوتهم، سمعت منطق التوحيد، سمعت التعريف بالله عز وجل، سمعت منهج الله عز وجل، هذا دليل آخر أقوى من الأول، فأنت إذا أردت أن تبين للناس الحقيقة يجب أن تنوع لهم الأدلة، دليل نقلي، دليل عقلي، دليل واقعي، دليل الفطرة، دليل شكلي خارجي، دليل داخلي وهكذا:

﴿ إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) ﴾

من تخلى الله عنه لن يستطيع أحد أن يحميه:

قلت في الدرس الماضي: دائماً وأبداً إذا جاءك ضغط، أو توجيه، أو أمر من قوي، أو مِنْ مَنْ تحرص على رضائه، أو ممن تخاف على حزنه، إذا جاءك هذا الأمر، دائماً وأبداً قل هذه المقولة: إن فلاناً لا يمنعني من الله ولكن الله يمنعني من فلان، إذا أراد الله أن يحميك منه يحميك وإذا تخلى الله عنك لا يستطيع أحد أن يحميك من الله عز وجل:

﴿ إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) ﴾

من قادته ظروفه السيئة إلى أن يعصي الله عندئذ عليه أن يجهر بمعتقده:

الآن مؤمن يس جهر بالحقيقة وجهر بانتمائه، قال:

﴿ إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) ﴾

عندما تجبر على المعصية فاجهر بمعتقدك
أنا مؤمن، افعلوا ما تريدون، قال فرعون:

﴿ قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ(71)﴾

(سورة طه: الآية 71)

الآيات كثيرة وردت ماذا قالوا ؟ قالوا:

﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا (73) ﴾

(سورة طه: الآية 72)

أحياناً تجامل، تداور، تحاور، تعتذر، أما حينما يضيق عليك إلى درجة لابد من أن تعصي الله، تقول: لا أعصي الله، أنا مؤمن، أنا لا أفعل هذا، افعلوا ما تشاؤون، أي إذا قادتك الظروف الصعبة إلى درجة لا خيار لك إلا أن تعصي الله، عندئذ اجهر بمعتقدك ولا تخشى في الله لومة لائم:

﴿ إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) ﴾

فرز الناس يوم القيامة إلى مؤمن ومجرم، مسلم وكافر:

يبدو أنهم قتلوه:

﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) ﴾

هنا ليس من يقطع طرقاً بطلاً، إنما من يتق الله البطل، اسمعوا هذا الكلام أيها الأخوة، الدنيا يعيش فيها البر والفاجر، والمؤمن والكافر، والمستقيم والمنحرف، والكاذب والصادق، والأمين والخائن،كل الناس يعيشون، ويأكلون، ويشربون، ويلبسون، ويتمتعون، ويتنزهون، الأوراق الآن مختلطة، لكن حينما يأتي ملك الموت تنكشف الأوراق:

﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) ﴾

صار هناك فرز، الآن الناس كلها مع بعضها، هذا مؤمن، الله يعرفه وأقرب الناس إليه، لكن مظهره إنسان عادي، لكن يوم القيامة يفرز الناس إلى مؤمن ومجرم، مسلم وكافر.

بطولة الإنسان أن يعدّ لساعة النزول في القبر:

﴿ إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ (26) ﴾

لو يعلم الإنسان ما هو عليه بعد الموت كما قال عليه الصلاة والسلام ما أكل طعاماً عن شهوة ولا دخل بيتاً يستظل فيه ولا ذهب إلى الصعدات يبكي على نفسه، البطولة أن تعد العدة لهذه الساعة، لساعة الفراق، لساعة النزول في القبر، لساعة أن كل الدنيا لا تنفعك عند هذه الساعة، الأهل، الأموال، المكانة، السمعة، الجاه، السلطان هذا كله لا ينفعك:

﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) ﴾

النبي عليه الصلاة والسلام قال في بعض الأحاديث:

(( رحم الله مؤمن يس نصح أمته في حياته وبعد مماته ))

[ورد في الأثر ]

أي حينما نقل لنا ربنا عز وجل قوله بعد الموت، فكأنما نصح الأمة في حياته وبعد مماته:

﴿ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) ﴾

من ذاق مشاعر الإيمان يتمنى أن يكون كل عمره في سبيل الله:

أحياناً الإنسان المؤمن يتلقى من الله تجليات، يشعر بالطمأنينة، يوفقه الله في عمله، لكنه ملتزم، مطبق، مستقيم، قد يقول له رجل فاسق فاجر: أنت شاب أول حياتك لِمَ هذا التزمت ؟ لِمَ هذا التضييق على نفسك ؟ لأنه لم يذق مشاعر هذا المؤمن، المؤمن حينما يذوق مشاعر الإيمان يتمنى أن يكون كل عمره في سبيل الله:

﴿ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) ﴾

أي إذا الله عز وجل أكرم أكرم، إذا أكرم إنساناً شيء لا يوصف قال تعالى:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) ﴾

(سورة آل عمران: الآية 169)

نظام الحياة شيء ونظام ما بعد الموت شيء آخر، هذا الذي رأيته مقتولاً هو عند الله في سعادة لا توصف، خالق الكون يقول لنا:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) ﴾

(سورة آل عمران: الآية 169)

الهلاك عاقبة قوم يس:

واستحق قومه الهلاك لكنهم لا شأن لهم عند الله عز وجل، قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) ﴾

الإنسان كن فيكون وزل فيزول
أي لا يستحقون الجند من السماء:

﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) ﴾

ما الإنسان ؟ الإنسان كن فيكون زل فيزول، الإنسان يكون بأعلى درجات مكانته الاجتماعية بساعة واحدة يفقد عقله ؛ أقرب الناس إليه يصرفه إلى مستشفى المجانين، أنت لك مكانة في مجتمعك لأنه يوجد عقل في رأسك، فإذا أخذ الله هذا العقل، أصبحت في المستشفى، لك مكانك مادامت أعضاؤك تعمل بانتظام، فإذا تعطلت هذه الأعضاء استثقل الناس حياتك، ولو كنت أعظم الناس ؛ أقرب الناس إليك يتمنى لك الموت، يقول اللهم خفف عنه، فالإنسان على أي شيء يتكبر ؟ مليون مليون مليون باب بجسمك فقط تنقلب حياتك فيه إلى جحيم !!! كل إنسان، هاتان الكليتان إذا توقفتا أصبحت حياة الإنسان جحيماً، الكبد إذا تشمع عاش أياماً معدودة، القلب، الأوعية، الشرايين، الأعصاب، الدماغ، العضلات.

على الإنسان أن يُكثر من ذكر الموت لأنه مفرق الأحباب و مشتت الجماعات:

قال تعالى:

﴿ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي (22) ﴾

﴿ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً (29) ﴾

الإنسان أحياناًً يكون ملء السمع والبصر، فإذا هو خلال ثانية واحدة خبر أو نعوة على الجدران، أنا أقول لكم كل جمعة: واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، أما دخلت بيتاً فخماً، صاحبه أصبح تحت الثرى، انظر إلى الرخام، وإلى التزيينات، وإلى الغرف الواسعة، والثريات، والأثاث الفخم، أين صاحب البيت ؟ تحت التراب، نصف متر بمترين، هذه هي الحياة.
لذلك: عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارق واعمل ما شئت فإنك مجزي به، أكثروا ذكر هاذم اللذات مفرق الأحباب مشتت الجماعات، قال تعالى:

﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ (30) ﴾

من آمن بعد فوات الأوان فلن ينفعه إيمانه شيئاً:

والله أيها الأخوة، قلت لكم سابقاً مشكلة الإنسان ليست في أن يؤمن أو لا يؤمن، لابد من أن يؤمن، ولكن المشكلة القضية متى يؤمن ؟ الإيمان بعد فوات الأوان لا يجدي
إما أن تؤمن وأنت شاب فتنتفع من إيمانك، أو أن تؤمن بعد فوات الأوان لينطبق على الإنسان قول الله عز وجل:

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) ﴾

(سورة ق: الآية 22)

﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) ﴾

(سورة الواقعة: الآيات 83-87)

تفضلوا ارجعوها، يبذلون المئات، الملايين:

﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ (11) ﴾

(سورة الرعد: الآية 11)

فالكلام يجب أن نعمل لهذه الساعة، لساعة اللقاء مع الله عز وجل، يجب أن نعمل لساعة لا ينفع فيها مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

الاستهزاء أشد أنواع الكفر:

﴿ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) ﴾

الله عز وجل خلق الإنسان، سخر له الكون تسخير تعريف وتكريم، أعطاه العقل: قوة إدراكية ليكون هذا العقل أداة التعريف ومناط التكليف، أعطاه حرية الاختيار، فَطَرَهُ فِطْرَةً سليمة، أودع فيه الشهوات، أعطاه قوة فيما يبدو، أعطاه الحواس، أعطاه التشريع، أعطاه من يدعوه إليه ومع ذلك كفر وعصى واستكبر وأدبر:

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) ﴾

(سورة المدثر: الآيات 19-25)

﴿ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) ﴾

والاستهزاء أشد أنواع الكفر، الإنسان قد يقول هذه الفكرة غير قانع بها، هذا كفر، أما الاستهزاء أشد أنواع الكفر، حينما لا تؤمن وتسخر من هذه الأفكار فهذا كفر شديد.

الحياة مرة واحدة إما أن تسعد بعدها إلى الأبد وإما أن تشقى إلى الأبد:

﴿ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ (31) ﴾

الحضارات الغابرة تحت أطباق الثرى وكذلك سنكون نحن
من الأمم، اذهب إلى مصر وانظر إلى آثار الفراعنة، أين هم الفراعنة ؟ انظر إلى آثار التدمريين، انظر إلى الحميريين، انظر إلى الأنباط، انظر إلى عاد وثمود هذه الأقوام التي أشادت حضارات عريقة أين هي الآن ؟ تحت أطباق الثرى وقد خُتِمَ عملها:

﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ (31) ﴾

من الأمم:

﴿ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) ﴾

أي ما عندنا إلا فرصة واحدة للحياة، لا يوجد دورة ثانية إذا غلطنا، بعد الموت لا يوجد دورة ثانية، الحياة مرة واحدة، إما أن تسعد بعدها إلى الأبد وإما أن تشقى إلى الأبد، إما أن تستغل الحياة بمعرفة الله عز وجل وبمعرفة حقيقة الإنسان وسرّ وجوده، وإما أن ينغمس في الشهوات حتى يأتيه ملك الموت وهو غافل.

من أيقن أن الله موجود و سيحاسب لابدّ من أن يستقيم على أمره:

الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا:

﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32) ﴾

كل هؤلاء الأمم والشعوب، كلها سيقت إلى الله عز وجل، المرجع والمآل إليه:

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) ﴾

(سورة الغاشية: الآيات 25-26)

إذا أيقنت أيها الأخ الكريم: أن الله موجود، وأنه يعلم، وأنه سيحاسب، لابد من أن تستقيم على أمره، موجود ويعلم وسيحاسب قضية مصيرية، ليست قضية درس تباركنا فيه، والله درس لطيف، القضية أعظم من ذلك، أخطر من ذلك، قضية مصير أبدي وليس مصير دنيوي سنة سنتين ويمضوا، الإنسان أيام يقول: يمضوا، كم سنة ويمضوا، الإنسان أحياناً يفقد حريته عشر سنوات ومضوا، العشر سنوات ليست قضية عشر سنوات خمسين سنة قضية أبد، إما في جنة يدوم نعيمها أو في نار لا ينفد عذابها.

لن يعرف الإنسان ربه إلا من خلال خلقه سبحانه:

أودع الله في التراب ملايين الكائنات التي تحييها
الآن ربنا عز وجل بعدما بيّن مغبة الكفر برسالات الأنبياء والمرسلين، وأعطانا أمثلة واقعية عن أمة كفرت بدعوة أنبيائها، وكيف أن الله أهلكها الآن، بيّن الطريق إليه، كيف تعرفه ؟ كيف تعرف الله عز وجل ؟ تعرفه من خلال خلقه قال:

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ (33) ﴾

التراب ميت، التراب لا حياة فيه، لكن ربنا عز وجل أودع في التراب ملايين الكائنات، البكتيريا الأحياء الدقيقة، لا نعرف قيمة الحياة في التراب إلا إذا ألقيت قنبلة ذرية على أرض فعقمتها !! الآن في بعض البلاد، في اليابان، أرض معقمة لا تنبت شيئاً لأن القنبلة الذرية أتلفت فيها عناصر الحياة، فالأرض ميتة من أحياها ؟ من جعل فيها هذه الكائنات التي لا تعد ولا تحصى ؟

النفس الميتة يحييها الله عز وجل إذا اتجهت إليه كما يحيي الأرض الميتة:

والله مرة قرأت مقالة عن ديدان الأرض والله شيء لا يصدق ؟ قال: يمكن أن يموت بني البشر جميعاً وتبقى الحياة مستمرة، أما إذا أبيدت ديدان الأرض لا يبقى على وجه الأرض حياة لأن هذه الديدان تحول التراب إلى سماد، لها دور خطير جداً في التربة، نحن لا نعلم ذلك:

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا (33) ﴾

إذا أبيدت ديدان الأرض لايبقى على الأرض حياة
انظر إلى الأرض في الشتاء، وانظر إليها في الربيع، كيف أنبتت العشب الأخضر، والأزهار، والثمار، والمحاصيل، والخضار، والفواكه، هذا الحجم الخضري أين كان ؟ من بذرة صغيرة أصبحت شجيرة كبيرة، قال:

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا (33) ﴾

يوجد بالآية إشارة لطيفة، أي كما أن الأرض الميتة يحييها الله عز وجل بمعجزة منه، كذلك القلب الميت، النفس الميتة إذا اتجهت إلى الله عز وجل يحييها، لذلك قال الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (24) ﴾

(سورة الأنفال: الآية 24)

وصف الكفار بأنهم أموات غير أحياء.

القمح آية من آيات الله الدالة على عظمته:

القمح آية من آيات الله وهو ينبت في وقت واحد
وأخرجنا منها حباً، هذا القمح، أنت حاول اليوم أن تستعرض ما تأكله من أغذية يدخل القمح في صنعها، شيء عجيب، أكثر الأغذية يدخل فيها القمح، الحلويات، المعجنات، الخبز، البرغل، أكثر الأغذية القمح عنصر أساسي فيها، من جعل هذا القمح ينضج في وقت واحد ؟ انظر إلى الفواكه تنضج بالتدريج، وهذا من نعمة الله عز وجل، حقول البطيخ تنضج خلال ثلاثة أشهر، يعني أنت تأكل البطيخ قرابة ثلاثة أشهر، كل يوم تنضج بعض الثمار، في برمجة من الله عز وجل، هذا النبات مبرمج أن يعطي ما عنده خلال أشهر ثلاثة، لكن القمح ولحكمة بالغة أرادها الله عز وجل ينضج في يوم واحد، يحصد في وقت واحد !! من جعل هذه القمحة تنبت سنابل كثيرة في كل سنبلة مئة حبة ؟ أنا والله بأم عيني رأيت قمحة أنبتت خمساً وثلاثين سنبلة من قمحة واحدة، أخذت سنبلة بيدي وفرطت حباتها فإذا هي خمسون حبة، فهذه الحبة أنبتت ألفاً وسبعمائة وخمسين حبة، هذا عطاؤنا، قبل سنوات بلغت محاصيل القمح من سبعين ضعفاً إلى ثمانين ضعفاً.

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا (33) ﴾

القمح هو المادة الغذائية الأولى في العالم:

القمح هو المادة الغذائية الأولى في العالم، أي كان هناك حرب نفط وحرب قمح وحرب ماء، المادة الأساسية في العالم القمح، هذه من آيات الله عز وجل، ثلاثة آلاف و خمسمئة نوع من القمح في العالم، ولأنه غذاء أساسي ينبت في جميع الأماكن، في الأماكن الحارة، والأماكن الرطبة، والأماكن الدافئة، والمنخفضات، والأغوار، والمرتفعات، والجبال، في أي مكان ينبت، وعلى مدى العام ينبت وله أنواع لا يعلمها إلا الله، النوع القاسي والنوع الفلاني والنوع الفلاني هذا من آيات الله، ومن له خبرة في هذا المحصول يعرف آية الله عز وجل، من صمم السنبلة لها ساق هذا الساق غذاء أول للحيوان القمح هو المادة الغذائية الأولى في العالم
كما أن القمح متناسب تناسباً رائعاً مع طبيعة الإنسان وأجهزته وحاجاته، كذلك ساق القمحة متناسب تناسباً كبيراً مع حاجة الحيوان، طبعاً هذه موضوعات للتفكر: موضوع المحاصيل، اسأل نفسك هذا السؤال القمح العدس الشعير الحمص هذه المحاصيل ذات الطاقات العالية في التغذية من صممها ؟ من جعلها بهذه الأنواع المنوعة ؟ من جعلها بهذه الصفات ؟ من جعلها بهذه الطباع ؟ من جعلها بهذا الإنتاج؟ بهذه الغزارة ؟ قال تعالى:

﴿ فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) ﴾

على الإنسان أن يفكر في طعامه ليصل إلى الخالق سبحانه:

يقول أحدنا: شدة القرب حجاب، يقول: أين الخبز ؟ هاتوا خبزاً، يمسك الرغيف ويأكله حسب العادة ؟ فكر !! فكر في طعامك حين تأكله وتفكر بنعم الله
هذا رغيف خبز، أصله دقيق، أصل الدقيق قمح، أصل القمح مزروع، من أنبت القمحة ؟ من صممها بهذه الطريقة ؟ الله عز وجل قال:

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) ﴾

(سورة عبس: الآية 24)

أمر إلهي، فكّر في طعامك، قبل أن تقول هاتوا الخبز، أين الخبز ؟ وسخن الخبز، انظر في هذا الخبز ! من صممه ؟ من خلقه ؟ إن أكلت بسكويت، إن أكلت معكرونة، إن أكلت برغل كله قمح، إن أكلت معجنات، إن أكلت حلويات كله قمح.

الفواكه و الثمار و الطعام مادة أساسية للتفكر في خلق الله عز وجل:

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ (34) ﴾

الفواكه والثمار تدعو الإنسان للتفكر
في بساتين تجد التفاح، والكرز، والأجاص، والكمثرى، والدراق، والأعناب، والنخيل، يقول: جنة، هذا البستان من صممه ؟

﴿ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ (4)﴾

(سورة الرعد: الآية 4)

ممكن تصف لي طعم الأجاص من دون كلمة أجاص ؟ ممكن أن نذوق التفاح والأجاص والدراق والتوت والمشمش ثم نقول لك: اكتب لنا طعوم هذه الفواكه من دون أن تذكر أسماءها، لا تقدر !! هذا تفاح سكري، هذا كولدن، هذا ستارغن، هذا تفاح شتوي، كم نوع تفاح يوجد ؟ كم نوع عنب ؟ كم نوع كمثرى ؟ هذا أبو سطل، وهذا كوشي، اسأل إخواننا المزارعين، والدراق هذا مخملي، وهذا يقشر، وهذا دراق من نوع ثانٍ، أنواع منوعة، ومشمش وزري وبلدي وإلى آخره، انظر الأنواع شيء للعصير، وشيء للصناعة، وشيء للمائدة، وشيء للنقل، وشيء للاستهلاك، أنواع منوعة الطعام والفواكه والثمار مادة للتفكر أساسية جداً، الفكر يجب أن ينطلق، لا تأكل كما يأكل عامة الناس، كُلْ كما يأكل المؤمنون، قل: بسم الله الرحمن الرحيم.

نضج الفواكه تباعاً لحكمة أرادها الله عز وجل:

من صنع هذه الفاكهة ؟ من برّمج الفواكه ؟ لو أن الفواكه كلها تنضج في يوم واحد ! تصبح للتلف كلها، أولاً الكرز ينتهي بعده المشمش بعد المشمش التفاح ثم الدراق، الأمور مبرمجة الكرز على أسبوعين، ثلاثة، شهر، تأكله يعطي الشجر، من برّمج النبات الواحد؟ من برمج النباتات مع بعضها ؟ الله عز وجل، من جعل أنواع منوعة، كم نوع يوجد للكرز ؟ شيء غامق، شيء فاتح، وشيء له حز كبير، صغير، حامض، حلو، كبير، صغير، قاسٍ، أنواع منوعة تصميم مَنْ ؟ كله إكرام لك من أجلك:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ (70) ﴾

(سورة الإسراء: الآية 70)

الأنهار و الينابيع آية من آيات الله الدالة على عظمته:

الأنهار والينابيع آية من آيات الله

﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) ﴾

هذه الينابيع يقال: هذه السنة خمس وثلاثون متراً مكعباً في الثانية نبع الفيجة، ماء عذب فرات زلال، من خَزَّنَهُ ؟ الله جل وعلا، هذه الأنهار، هذه الينابيع، الثمار، الفواكه، المحاصيل:

﴿ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) ﴾




شكر الله عز وجل على نعمه:

وما عملته أيديهم لها معانٍ كثيرة:

﴿ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ (35) ﴾

أحياناً تأكل صناعة غذائية راقية أساسها تفاح، أساسها مشمش، أساسها قمح، أي إما للصناعة، قد تأكل شيئاً مصنعاً لا تنسى أن أساسه قمح، والله أكلنا بسكويت لذيذ جداً، أساسه قمح من صنع الله عز وجل، الإنسان عمل مداخلات طفيفة، أما الأصل القمح، الأصل مثلاً فواكه:

﴿ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36) ﴾

هذه آية دقيقة تتحدث عن نظام الزوجية في الكون إن شاء الله تعالى نشرحها في درس قادم بالتفصيل.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS