17416
أحاديث رمضان 1427هـ - صلاح الأمة في علو الهمة - الدرس (04-60) : الإخلاص
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-09-25
بسم الله الرحمن الرحيم

لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فلاح الأمة في علو الهمة.

العاقل يواجه المشكلة ولا يقفز عليها:

مثال مِن واقع الناس: ظاهرة التعرق بين الصحة والمرض:

الإنسان أحياناً يتعرق كثيراً، ويعزو هذا التعرق إلى الحر الشديد، لكن أحياناً يفاجأ أنه كثير التعرق في جو بارد، ثم يقرأ مقالة عن أن هذا التعرق في جو بارد دليل آفة قلبية، بعد أن قرأ هذه المقالة بدأت متاعبه، وبدأت همومه، وحاول أن يتصل بأطباء، وأن يجري التحليلات، وبعض الفحوصات، بعد أن قرأ هذه الكلمات في هذه المقالة دخل في متاعب كثيرة جداً.
هذا المثل ينطبق على درس اليوم، والإنسان البطل الذي لا يحابي نفسه، والإنسان البطل الذي لا يقفز على المشكلة، بل يواجهها.

الإخلاص:

الدرس اليوم عن الإخلاص، ونحن جميعاً معنيون في هذا الموضوع، لذلك قال بعض العلماء: " أدركنا الناس وهم يراؤون بما يعملون ".

1 ـ الرياء محبِط للعمل:

إنه يعمل، ويُري الناس عمله كي يستجدي مديحهم، يراؤون بما لا يعملون، حينما راءى الناس بما لا يعلمون سقط عملهم، ومعنى إحباط العمل أن تسقط نيته، أو أن يسقط شكله، فهناك عمل سيئ، وعمل محبط، وعمل جيد، لكن نيته سيئة، هذا العمل المحبط، لذلك:

(( يؤتى برجال يوم القيامة، لهم أعمال كجبال تهامة، يجعلها الله هباءاً منثورا قيل: يا رسول الله جلهم لنا، قال: إنهم يصلون كما تصلون، ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ))

[ الطبراني في الأوسط عن ثوبان ]

مرة رجل ما فاتته تكبيرة الإحرام في الصف الأول أربعين عاماً، فغلبه النوم مرة، فاستيقظ مذعوراً، وقال: ماذا يقول الناس عني اليوم ؟ معنى ذلك هذا العمل العظيم أن تصلي صلاة الفجر في المسجد في الصف الأول أربعين عاماً كنت بهذا العمل تنتزع إعجاب الناس.

2 – صعوبة معالجة النية:

فهذا موضوع خطير جداً، والإنسان من أصعب الأشياء عليه أن يتابع نيته ، ويتابع عمله، أما النية فهي التي تقيّم العمل، لذلك: " أدركنا الناس يراؤون بما يعملون "، فصاروا الآن يراؤون بما لا يعملون.
وقال بعض العلماء: " تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل ".
مع الإخلاص ينفع قليل العمل وكثيره، ومن دون إخلاص لا ينفعك قليله ولا كثيره.
وقال بعض العلماء: " أعربنا في القول " ـ قول فصيح، معاني دقيقة، أدلة قوية، تحليل عميق صوت رخيم، إلقاء رائع، العبرة بنية هذا العمل ـ.

(( من تعلم العلم ليماري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو يصرف وجوه الناس إليه أدخله الله النار ))

[ أخرجه الترمذي عن كعب بن مالك ]

والأحاديث الصحيحة التي تؤكد هذه المعاني كثيرة جداً.

(( يا رب، علمت العلم، يقول الله له: كذبت، تعلمت العلم ليقال عنك: عالم، وقد قيل، خذوه إلى النار ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

انتبه إلى نيتك.

من علامات عدم الإخلاص :

هناك بعض المؤشرات:
1ـ إذا اختلف العمل بين أن تكون بين المؤمنين، وبين أن تكون وحدك فهذا دليل عدم الإخلاص، العمل إذا اختلف.
2ـ إذا اختلفت العبادة، بين أن تكون في خلوتك، وبين أن تكون في جلوتك، فالإخلاص ضُعف في هذا العمل إذا اختلف.
3ـ إذا أثنى الناس عليك أو ذموك، اختلف بالذم، وتألق بالمديح، هذا دليل ضعف الإخلاص.

من علامات الإخلاص

1ـ من علامات الإخلاص: أنك لا يختلف عملك، وأنت في ملأ، أو أنت وحدك .
2ـ من علامات الإخلاص: أن العمل لا يزيد بالمديح، ولا ينقص بالذم.
3ـ من علامات الإخلاص: أن تقبض ثمن عملك مباشرة من الله.
وهذا هو الثواب، أنت رفعت عملاً إلى الله مخلصاً، فعاد عليك من الله سكينة ، وجدت حلاوتها في قلبك، ثلاثة مؤشرات مهمة جداً في تقييم العمل، وكان بعض العلماء إذا قرأ قوله تعالى:

﴿ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾

( سورة محمد )

يقول: " اللهم إنك إن بلوت أخبارنا فضحتنا، ونتكت أستارنا، وأنت أرحم الراحمين ".
إذا كان سيدنا الصديق، وهو المؤمن الأول الذي قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام :

(( ما طلعت شمس، ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر ))

[ رواه ابن النجار عن أبي الدرداء ]

إذا كان الصديق حينما مُدح قال: " اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون "، هذا دعاء الصديق.
إذاً: لا تحاب نفسك، لا تقل: أنا مخلص.
قال بعض العلماء: " هناك إخلاص يحتاج إلى إخلاص "، الدليل القوي على الإخلاص قول الله عز وجل:

﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ﴾

( سورة البينة )

الجوارح تنصاع لمنهج الله، لكن القلب عبادته الإخلاص

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾

( سورة الإنسان )

لا يعلم النية إلا الله:

بالمناسبة، الإخلاص ليس في بني البشر واحد يتطلع على إخلاصه هذا بينك وبين الله، والله عز وجل ستِّير، ماذا ينطوي قلبك هذا بعلم الله، فلذلك كما علمنا النبي الأدب قال:

احذروا الحُكم على بواطن الناس:

(( إنما نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر ))

[ رواه مالك عن ابن شهاب بن عدي بن الخِيار ]

لو شاهدت إنسانا قدم أرضا كبيرة جداً لبناء مسجد، أنت لا تملك إلا أن تكبّر هذا العمل، لو جاء من يهمس في أذن هذا الملاك الكبير أن أراضيه ليست منظمة، أسعارها قليلة، فإذا قدمت أرضاً لبناء مسجد اضطرت البلدية أن تنظم أرضك، وأن تجعلها مقاسم، وبهذا يتضاعف ثمنها، وهو لا يصلي أصلاً، فقدم أرضاً لبناء مسجد، هو عند كل البشر محسن كبير، أما عند الله فلا وزن لهذا العمل إطلاقاً، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾

( سورة الفرقان )


عباادة الجوارح وعبادة القلب:
لذلك:

﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ﴾

، هذه عبادة الجوارح،

﴿ مُخْلِصِينَ ﴾

هذه عبادة القلب.
القلب : عبادته الإخلاص.
العين : عبادتها غض البصر.
الأذن : عبادتها ألا تصغي إلى باطل.
اللسان p: عبادته أن ينضبط بالخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
اليد p: عبادتها الإحسان والعطاء، وليس البطش.
الرِّجل p: عبادتها السير إلى المساجد، لا إلى الملاهي، فكل عضو من أعضائك له عباده، والقلب عبادته الإخلاص.

أقوال العلماء في طلب الإخلاص:

القول الأول:

قال بعض العلماء: " الإخلاص نسيان رؤية الخَلق بدوام النظر إلى الخالق ".
المخلص ينظر إلى الله، هل أنا في مرضاته ؟ هل هو راضٍ عني ؟ هل هذا العمل يرضيه، هل هذا الموقف يرضيه ؟ والبشر غير المخلصين ينظرون إلى البشر، لعلي أخطأت، لعل مكانتي تضعضعت، لعل شعبيتي ـ إن صح التعبير ـ فقدتها، والآن الأخبار كلها عن شعبية الإنسان فقط، موضوع الإخلاص لم يدخل إطلاقاً بالحسابات، يجرى استفتاء يقول لك: هبطت شعبيته من 60 إلى 35، أو إلى واحد.

القول الثاني:

وقال بعض العلماء: " الإخلاص أن تكون الحركة والسكون في السر والعلانية لله تعالى ".
أنت بين حاليين، متحرك أو ساكن، في بيتك أو أمام الناس، الإخلاص أن تكون الحركة والسكون في السر والعلانية لله تعالى.

أحاديث عظيمة في الإخلاص والرياء ؛

والنبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى الإخلاص بأحاديث كثيرة جداً، من هذه الأحاديث:

(( نَضّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مِنّا حَدِيثاً فَحَفِظَهُ حَتّى يُبَلّغَهُ، فَرُبّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ ))

[ رواه الترمذي، وأبو داود عن زيد بن ثابت ]

إنسان معه معلومات كثيفة جداً، وإلقاءه جيد، لكن إخلاصه ضعيف، إذاً ليس بفقيه، إنسان معلوماته محدودة، أما إخلاصه فشديد، هذا أفقه منه.

(( وَرُبّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ ))

خطورات طلب الدين للدنيا:

لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

(( بشِّر هذه الأمةَ بأنه مَن عمِل منهم عمَلَ الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب ))

[ أحمد عن أبيّ بن كعب ]

أيها الإخوة، أرجو ألا أبالغ: لو معك سند بمليار دولار، مثل افتراضي، موضوع على وجهه الآخر ورقة بيضاء، السند على الوجه الأول، أما خلفه فأبيض، وهذا الإنسان توهم أنها ورقة عادية، وأجرى عليها بعض الحسابات، ثم مزقها، ثم اكتشف أنه مزق هذا السند، يكاد يموت من الألم، هذا الذي يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، هذا الذي يستخدم الدين للدنيا هذا الذي يكسب بالدين، هذا الذي يرتزق بالدين.
وقال الإمام الشافعي: " لأن أرتزق بالرقص أفضل من أن أرتزق بالدين ".
هذا الذي يرتزق بالدين اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً.
قيل لبعض العلماء: " ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا ؟ قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفس، وطلب الدنيا، وإرضاء الخلق ".
سمعت عن إنسان في بلد من العالم الإسلامي، أنه ما أوتي واحد بهذا البلد فصاحة كفصاحته، وإتقانَ إلقاء كإتقانه، وتحليل الموضوع كتحليله، وتشقيقه كتشقيقه، والتعليل كتعليله، والإطلالة الرائعة كإطلالته، ومع كل ذلك كل هذا النشاط لمصلحته فقط ، ولا يعبأ بهمِّ المسلمين العام، مصلحته فوق كل مصلحة، هذا من ضعف الإخلاص.
وقال بعضهم: " أقبل على تعلُّمِ الإخلاص، فوالله إن عِلمه خير العلم، وفقهه الفقه كل الفقه ".
مِن هنا قال سيدنا عمر رضي الله عنه: << تعاهد قلبك >>.

خلاصة مؤشرات الإخلاص:

أيها الإخوة، مرة ثانية: الشيء العملي هناك ثلاث مؤشرات على إخلاصك:

1 – عدم اختلاف العبادة بين الخلوة والجلوة:

أن عبادتك، واستقامتك، وورعك لا تختلف أنت في بيتك، أو مع المؤمنين، ولا تختلف وأنت في بلدك أو في بلد آخر، الإنسان ببلده معروف، يسعى دون أن يشعر إلى أن يلمع صورته أمام مَن حوله، لكن إذا سافر فلا أحد يراقبه، وليس معروفاً إطلاقاً، وقد يفعل كل الانحرافات، علامة الإخلاص أن استقامتك وورعك لا تختلف بين أن تكون مع المؤمنين في ملأ، وبين أن تكون وحدك في البيت، ولا تختلف بين أن تكون في بلدك، وأنت في هذا البلد معروف، وبين أن تذهب إلى بلد بعيد لا أحد يعرفك، ولا أحد يراقبك، هذا مؤشر.

2 – عدم اختلاف العمل بالمدح والذم:

المؤشر الثاني: العمل لا يختلف بالثناء والمديح، أو بالذم والتجريح، أنت تبتغي وجه الله.

2 – عدم قبض ثمن العمل مؤشِّر على خلل في الإخلاص:

والمؤشر الثالث: ما لم تقبض ثمن عملك الصالح الخالص فهناك خلل في هذا العمل، قبض الثمن أنك إذا رفعت إلى الله عملاً خالصاً يأتيك من الله سكينة تسعد بها ، فالسكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.

شروط قبول العمل:

آخر شيء بالإخلاص: العمل الصالح لا يقبل إلا بشرطين، وكل شرط لازم غير كافٍ:

الشرط الأول:

أن يكون صواباً، أي وفق منهج الله.

الشرط الثاني:

وأن يبتغى به وجه الله، أن يكون خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، فإن لم يوافق السنة العمل مرفوض ولو كان مخلصاً.
حفلة غنائية يرصد ريعها للأيتام، خير إن شاء الله، النية طيبة بحسب الظاهر، أما الشكل فغير مقبول، يانصيب خيري، لذلك العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

( سورة النمل الآية: 19 )

العمل الصالح مقيد برضاء الله عز وجل، لا أن ترضي الناس به، وهناك مليون عمل صالح يرضي الناس، لكن هناك أعمال لا ترضي الله عز وجل، فالبطولة أن يكون العمل خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.

قاعدة جليلة في إخلاص النية:إنما الأعمال بالنيلت:

هذا الدرس مقلق، ومتعب، ومزعج، لماذا ؟ لأن الأعمال الصالحة واضحة، لكن قيمتها بنيتها، والحديث المتواتر الذي يعد أصلاً في هذا الدين:

(( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ))

[ متفق عليه عن عمر ]

مثلا: لو أنك أيقنت أن شراب الليمون يؤذي هذا المريض، وقد يفعل به فعلاً في معدته كبيراً جداً، معه قرحة بدرجة عالية من الخطورة، والشراب الحامض قد يفاقم هذا المرض، وأنت قدمت له كأس شراب بكل أدب، هذا العمل يمكن أن يكون جريمة، وقد تضرب إنسانًا، وتتمنى أن يتأدب بأدب الله، قد يكون ابنك، أخطأ خطأ كبيرا، ولا بد من إحداث خبرة مؤلمة كي يبتعد عن هذا الخطأ، فالمظهر ضرب، وأنت بهذا الضرب ترقى عند الله، والمظهر الأول تقديم ضيافة، وأنت بهذه الضيافة تسقط عند الله، فالعبرة بنية العمل، وسيدنا عمر يقول: << تعاهد قلبك
لا بد أن تقيمَ تحليلا ذاتيا، تأملا ذاتيا، تقييما لعملك، وعندنا مؤشرات، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه الحقائق إلى سلوك
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS