17011
أحاديث رمضان 1427هـ - صلاح الأمة في علو الهمة - الدرس (20-60) : التدبر في قراءة القرآن
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-10-03
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس صلاح الأمة في علو الهمة .

مع ترهل الإيمان انفصال النصوص عن الواقع عند الناس:

الأمة الإسلامية انفصلت عن واقعها
استوقفني موضوع، وهو أنه مع ترهل الإيمان في أمة ما تنفصل عندها النصوص عن الواقع
القرآن فيه آيات، فيه أمر، فيه نهي، وحياة الناس في وادٍ آخر.
مثلاً: كثيراً من يقول لي: أعاني من كآبة، الله عز وجل يقول:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل الآية: 97 )

لا يحزن قارئ القراّن:

لا يحزن قارئ القرآن
ورد في الأثر: " أنه لا يحزن قارئ القرآن "، لأن القرآن شفاء للنفوس، وعدك الله بحياة طيبة، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، كيف يحزن قارئ القرآن، وهو يتلو قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

( سورة فصلت )

لا تخشى مما هو آت، ولا تندم على ما فات، كيف يحزن قارئ القرآن حينما يتلو قوله تعالى:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾

( سورة القصص )

كيف يحزن قارئ القرآن وهو يتلو قوله تعالى:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾

( سورة التوبة الآية: 51 )

كيف يحزن قارئ القرآن وهو يتلو قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

( سورة الحج الآية: 38 )

كيف يحزن قارئ القرآن وهو يتلو قوله تعالى حينما يبين:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

( سورة الجاثية )

عدم تدبر القراّن سبب الكاّبة والحزن:

البعد عن القرآن سبب الكآبة والحزن
هذا الذي يقرأ القرآن في رمضان ومعه كآبة، ومعه حزن، ومعه إحباط ومعه أمراض نفسية، معنى ذلك أن القرآن في واد وهو في وادٍ آخر، لذلك ما هو التدبر ؟ التدبر أن تسأل نفسك سؤالاً جريئاً: أين أنا من هذه الآية ؟

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾

( سورة الأنفال الآية: 2 )

هل تضطرب إذا تلوت كلام الله ؟ هل يوجل قلبك ؟ هل تدمع عينك ؟ هناك كلام مقلق، وكلام محرج، لا تحابِ نفسك، كلما قرأت القرآن، أو استمعت إليه، أو استمعت إليه وأنت في الصلاة، اسأل نفسك بجرأة: هل أنا مطبق لهذا الآية، حينما قال الله عز وجل:

﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾

( سورة الحجرات الآية: 12 )

﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

( سورة النساء الآية: 29 )

الناس يتفننون في أكل أموال بعضهم بالباطل، لذلك هذه القراءات التي تقرأ في رمضان إذا ما رافقها استقامة فلن نقطف ثمارها إطلاقاً، الله عز وجل قدم للإنسان تفسيرا دقيقا.
قد يذهب إنسان إلى بلاد بعيدة، يرى تقدما، وحضارة، ورقيا، وأبنية شاهقة وحدائق، ونظاما، وغنى، وترفا، يرجع ضعيف النفس متطامنا، ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

( سورة الأنعام )

كيف تتطامن، وتصغر أمام هؤلاء الأقوياء الذين شردوا عن الله عز وجل، و أنت تقرأ القرآن الكريم ؟

﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَد * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

( سورة آل عمران: 196 – 197 )

بالتعبير الآخر، حينما تقرأ القرآن ألا تصدق الله عز وجل ؟ إن صدقته حقاً فيجب أن ينعكس تصديقك راحة نفسية ثقة بنفسك.

سؤالا عظيم عند القراّن أو سماعه: أين أنا من اّيات الأمر والنهي:

أنا أخشى ما أخشاه أن يهزم الإنسان من الداخل، لك أن تقرأ القرآن قراءة تعبدية، ولكنني أعوّل لا على القراءة التعبدية، بل على قراءة التدبر، لو قرأت في رمضان جزءاً واحداً بالتدبر فقد أفلحت.
أيّ آية تقرأها فيها أمر هل أنا مطبق لهذا الأمر ؟ فيها نهي، هل أنا منتهٍ عن هذا الأمر ؟ فيها مشهد من مشاهد الجنة، هل تاقت نفسك للجنة ؟ هل سعيت إليها ؟ فيها مشهد من مشاهد، أهل النار هل اتقيت النار لو بشق تمرة ؟ اجعل نفسك في حوار مع ذاتك، أن تقرأ القرآن
أحياناً يصبح من عادتنا سماع القرآن، لكن البطولة أن تحاسب نفسك حساباً عسيرا.
حينما قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها لا بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))

[ الترمذي ]

هل أنت حريص على ضبط لسانك ؟ أنت حينما تقرأ قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

( سورة الحجرات الآية: 1 )

هل ترى أن هناك أشياء ينبغي تكون في السنة على خلاف ما هي عليه، معنى ذلك أنك قدمت بين يدي الله ورسوله.
أنا أريد في هذا الدرس أنّ أيّ آية تقرأها أن تسأل نفسك السؤال الصعب: أين أنا منها ؟ حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

( سورة النساء الآية: 19 )

هل أنت تعامل الزوجة كما جاء في هذه الآية ؟
والله أيها الإخوة، يتصل بي أناس أو زوجات يشكون من ظلم الأزواج الشيء الذي لا يحتمل، وهم من رواد المساجد، أين قوله تعالى:

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

أنا أريد أنك كلما قرأت آية تتدبرها، التدبر أن تحاسبك نفسك، أين أنا من هذه الآية ؟ مطبق ؟ ضعيف التطبيق ؟ تطبيق جزئي ؟ لا أطبق، إذاً: افتح القرآن الكريم، وأمسك القلم.
بعض الإخوة الكرام جعل على المصحف تعليقات بقلم رصاص، هذا أمر، هذا نهي، هذه حقيقة، هذا قانون.
مثلاً: هناك قانون للعداوة والبغضاء:

﴿فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة المائدة الآية: 14 )

هذا قانون.
قانون الكبرياء والعزة، حينما يؤمن الإنسان، ويستقيم يشعر بعزة، أما الذي يعصي فإنه يصغر بذنب اقترفه.

قراءة التعبد وقراءة التدبر:

أتمنى أن نقرأ القرآن في رمضان قراءتين قراءة تعبد، وقراءة تدبر، التدبر أن يجول فكرك فيما تقرأ، أن تجمع الأوامر، أن تجمع النواهي، ويجب أن تعتقد أن كل أمر في القرآن يقتضي الوجوب، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك.
أنت تفاجئ أنك أمام آلاف الأوامر في القرآن، وآلاف الأوامر في الحديث، فحينما تتعامل مع القرآن بجدية تفلح.
تدبر آيات القرآن بتطبيقها كإقامة العدل
كيف أحياناً يغيِّر قرار الأسعار كلها، أحياناً بتصريح تنخفض الأسعار تنخفض، إذا قال مسؤول: إن دراسة جدية لتخفيض رسوم السيارات، تجد أن الناس أخذوا موقفًا، إنسان يبيع سيارته، إنسان ينتظر، لا يشتري، بناء على هذا التصريح.
خالق السماوات والأرض يقول لك: ليل نهار، افعل ولا تفعل، الذي أتماه أن تستقل بختمة أساسها التدبر، لا أساسها إنهاء القرآن، نقرأ، نقرأ، لا ينبغي أن تتفكر أين أنا من هذه الآية ؟ أحياناً يكون الوصف للمؤمنين، قارئ القرآن يتوهم، وقد يكون صادقاً أنه بعيد عنه بُعد الأرض عن السماء.

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 134 )

هو عصبي، إذا انفجر يخرب ما شيده في شهر، أين الآية ؟

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

أحياناً قسوة بمعاملة الأب والأم، أين قوله تعالى ؟:

﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾

( سورة الإسراء )

وسام الشرف لا في قراءة القرآن فقط، بل في تدبره والسعي لتطبيقه.

الإنسان بين التصديق القولي والتكذيب العملي للقراّن:

لعلي قلت لكم: إن إنسانا مرة سألني عن شاب خطب ابنته، الشاب وسيم، وغني، وعنده معمل خصه به أبوه، وعنده مركبة فخمة، وعنده بيت، وقد خطب ابنته فسألني، إلا أنه دينه رقيق جداً، لا يصلي، سألني، قلت له بالضبط: أنت تقرأ القرآن ؟ قال: نعم، قلت: بعد أن تنتهي من قراءته ماذا تقول ؟ قال لي: أقول: صدق الله العظيم، تمام، أنت حينما تقرأ قوله تعالى:

﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾

( سورة البقرة الآية: 221 )

حينما تزوج ابنتك لشاب وسيم، وغني، ويملك معملا، وبيتا، ومركبة، ولا تعبأ بدينه الرقيق فأنت لم تصدق الله، فإذا قلت بعد نهاية القراءة: صدق الله العظيم فإنك تكذب، أنت ما صدقت الله عز وجل، صدقت هذا الإغراء الذي تقدم به الشاب، فكن صريحا مع نفسك.
حينما تخالف القرآن فإنه:

(( ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ))

[ أخرجه الترمذي عن صهيب ]

(( ورب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه ))

[ ذكره الغزالي في الإحياء من قول أنس بن مالك]

من قوانين القراّن الكريم:

هناك قوانين:

1 – قانون التوفيق:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

( سورة الليل )

هذا قانون التيسير

2 – قانون التعسير:

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

( سورة الليل )

3 – قانون البغضاء والمحبة:

﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 63 )

تأليف القلوب أساسه اجتماعهم على تأليف الله، أما مهما بذلت من جهد كي تقرب القلوب فلا تستطيع:

﴿ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾

حينما تقرأ القرآن، وعندك إحساس كبير أنه من عند خالق الأكوان، من عند الخبير، من عند الخالق، من عند الرب الرحيم، المسير، تتعامل معه تعاملا آخر، فأنا أتمنى أن تكون قراءة رمضان قراءة تدبر، ولا تهتم كثيراً بالكم، اهتم بالكيف.
كان أصحاب النبي يقرؤون عشر آيات، لكن مع التدبر، ومع التطبيق.
لا مانع أبداً مع قراءة القرآن أن يكون معك دفتر صغير، تكتب فيه أول أمر، ثاني أمر، ثالث أمر، أول نهي، ثاني نهي، ثالث نهي، أول قانون، ثاني قانون، ثالث قانون.

4 – قانون السعادة:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

( سورة الرعد الآية: 28 )

5 – قانون الكآبة:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

( سورة طه الآية: 124 )

هناك قانون السعادة، وقانون الكآبة، وقانون العداوة والبغضاء، وقانون التوفيق وقانون العزة، وقانون الذل، كل أحوال النفس في القرآن الكريم.
إذاً: يمكن أن نقرأ القرآن مع التدبر، والتدبر أن تكون صريحاً وجريئاً في محاسبة نفسك، وكلما حاسبت نفسك في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابها يوم القيامة يسيراً، وكلما حاسبت نفسك في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابها يوم القيامة عسيراً.

احذر حجاب القلب: أفلا يتدبرون القراّن أم على قلوب اّقفالها

فلذلك اقرأ القرآن بتدبر، وقد قال الله عز وجل:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾

( سورة محمد )

القلوب مقفلة، لذلك في عندنا مؤشر إذا قرأت القرآن فلم تشعر بشيء، إذا صليت فلم تشعر بشيء، إذا ذكرت الله فلم تشعر بشيء لا تخجل من أن تعلم أنك محجوب عن الله
إخواننا الكرام، أكبر عقاب من الله أن يحجبك عنه.

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

( سورة المطففين )

أكبر عقاب، قد يعطيك المال الوفير، والصحة، والزوجة، والأولاد، ودخل فلكي، ومركبات، لكنك محجوب عنه، هذا أكبر عقاب.

الشدائد دليل خير في المسلم:

الشدائد دليل خير في المسلم
لذلك أنا أقول: حينما يسوق الله للإنسان بعض الشدائد كي يقبل عليه هذا جبر له، هذا تكريم له.
حينما يكون الإنسان في عناية الله المشددة يحاسبه على كل عمل، إذا أحب الله عبده ابتلاه، إذا أحب الله عبده عجل له بالعقوبة، فلا تقلق من شدة الله عز وجل، اقلق من الرخاء، وأنت غافل، هذا الذي يقلق، إذا أحب الله عبده ابتلاه، إذا أحب الله عبده عجل له بالعقوبة، إذا أحب الله عبده استعمله، والمثل الذي أقول كثيراً:
الذي معه التهاب معدة حاد يعطى تعليمات مشددة جداً من الطبيب، يمنعه عن معظم الأكلات، ويتابعه، فإذا شعر الطبيب أنه خالف التعليمات قد ينفجر في وجهه، أما الذي معه مرض خبيث فلا يدقق الطبيب أبداً في طعامه وشرابه، يقول له: كل ما تشتهي، لأنه ميئوس منه، ولا أمل له.
حينما ترى أن الله يتابعك، ويحاسبك، ويشدد عليك، ويضيق عليك فهذا من المعالجة الإلهية.
ورد في بعض الآثار:
: أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي، وتضيقي، وتكدري على أوليائي، حتى يحبوا لقاءي ".
ورُبّ ضارة نافعة، وكثيراً ما أروي هذا الحديث:

(( ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا، جائعة عارية يوم القيامة. ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا، طاعمة ناعمة يوم القيامة. ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مُهين. ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم ))

[ أخرجه ابن سعد البيهقي في شعب الإيمان عن أبي البجير ]

إن ربك لا يضيع من ترك شيئا لوجه الكريم !!!

قصص من الواقع لا من نسج الخيال:

القصة الأولى: مع بائع الدخان

بيع الدخان نشر للضرر بين الناس
أيها الإخوة الكرام، محل صغير يبيع الدخان، أرباحه في الشهر من الدخان 25 ألفا، إنسان أعطاه شريطا عن درس في هذا المسجد عن مضار الدخان، وعن الأحكام الشرعية في موضوع التدخين، هذا صاحب المحل له شريك، اقتنع بهذا الشريط، وأخذ قرارا بإيقاف بيع الدخان، اعترض شريكه، قال له: أنا لا أوافق، عندنا دخل 25 ألفًا من الدخان، فقال له شريكه: أنا لا أوافق على متابعة بيع الدخان، ولكنني أضمن لك بعد أن نمتنع عن بيع الدخان إذا انخفض الدخل 25 ألف لك مني نصفها، لأنه شريك بالنصف، وإذا بقي الدخل على ما هو عليه بعد ترك بيع الدخان ليس عندك لي شيء، فتوافقا، يقول في اليوم الثاني: جاء الموزع الذي معه الدخان، قال له: كم تحتاج ؟ قال له: أحتاج أن تأخذ الذي عندي، أرجعهم له، لمَ ؟ قال له: والله أنا سمعت شريطا، وتبت إلى الله، وألغيت هذه البضاعة، وفي الشريط يقول الشيخ:

(( مَا تَرَكَ عَبْدٌ لِلَّهِ أَمْرَاً لا يَتْرُكُهُ إِلاَّ لِلَّهِ إِلاَّ عَوَّضَهُ اللَّهُ مِنْهُ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْهُ فِي دِيِنهِ وَدُنْيَاه ))

[ أخرجه ابن عساكر عن ابن عمر ]

هذا موزع الدخان دفع خمسة ملايين ليرة لمصادر الدخان كتأمين، ويأخذ ويبيع ويحاسب، يوزع على 250 محلا، عنده سيارتان، فسمع الشريط، قال له: وأنا أتوب مثلك، توقف عن بيع الدخان، واستبدل بيع الدخان ببيع المواد الغذائية.
إنها كلمة، أو شريط سمعه الإنسان فأخذ قرارا، لذلك:

(( الكلمة الطيبة صدقة ))

[ أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ]

القصة الثانية: مع عامل في إنتاج الأفلام الإباحية:

والله اتصل بي مرة إنسان من لوس أنجلوس، قال لي: أنا أعمل في عمل حقير جداً، قلت له: ما العمل ؟ قال لي: أنا أجري ( المونتاج ) على الأفلام الإباحية، أعطاني أخي شريطا لك، أقسم بالله أنه سمعه خمسين مرة، وتاب، وأنا التقيت به في واشنطن في سنة قادمة.

(( الكلمة الطيبة صدقة ))

وكل واحد منكم بإمكانه أن يتكلم كلمة طيبة، بإمكانه أن يهتم بمن حوله، يهتم بموظفيه، يهتم بجيرانه، يهتم بأخواته البنات.

(( الكلمة الطيبة صدقة ))

[ أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ]

(( مَا تَرَكَ عَبْدٌ لِلَّهِ أَمْرَاً لا يَتْرُكُهُ إِلاَّ لِلَّهِ إِلاَّ عَوَّضَهُ اللَّهُ مِنْهُ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْهُ فِي دِيِنهِ وَدُنْيَاه ))

[ أخرجه ابن عساكر عن ابن عمر ]

وكل إنسان حجمه عند الله بحجم عملك الصالح، حجمك عند الله بعد إيمانك بالله بحجم عملك الصالح.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS