28805
أحاديث رمضان 1426هـ - الفوائد - الدرس (11-36) : إذا قسا القلب قحطت العين
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-10-18
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

موت القلب العقاب الأكبر

القلب الموصول بالله قلب رحيم
أيها الإخوة الكرام، ما من عطاء إلهي يفوق أن يكون قلبك سليماً، وما من عقاب إلهي يزيد على أن يكون قلبك محجوباً عن الله، فالقلب الموصول قلب رحيم، والقلب المقطوع عن الله قلب قاس، وما ضُرِب العبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله، أكبر عقاب المرض العضال الذي ينتهي عند الموت، وقد يكون صاحبه من أهل الجنة، لكن أمراض القلب تبدأ عند الموت، وتهلك صاحبها إلى أبد الآبدين، أمراض الجسم تنتهي بالموت، فلان معه ورم خبيث، مات وانتهى المرض، يوجد جنة، يوجد آخرة، يوجد أبد، أما الذي معه أمراض في القلب فهذه مادام في الدنيا فهو مخدّر، الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا، أما حينما يلقى الله عز وجل تبدأ هذه الأمراض، الكِبْر، الاستعلاء، القسوة، اللؤم، هذه تهلك صاحبها.

مظاهر موت القلب

لذلك أيها الإخوة الكرام، حينما تذكر الله فلا تشعر بشيء، وحينما تصلي فلا تشعر بشيء، وحينما تقرأ القرآن فلا تشعر بشيء، فهذا مؤشر خطير جداً، أحياناً يؤخذ الضغط من قِبَل الطبيب، أنت تلاحظ علامات الدهشة على وجه الطبيب، ماذا ؟ اثنتان وعشرون درجة، ست عشرة، تجحظ عيناه، لأن الضغط هو القاتل الصامت، فلما لا يشعر الإنسان بشيء الإنسان لا تنهمر من عينه دمعة، ولا يتحرك قلبه، وهو يقرأ القرآن، ويصلي، ويذكر فهذا مؤشر خطير جداً:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾

[ سورة المطففين: الآية 15]

من علامات الوصل السكينة
الله عز وجل يعطي الإنسان الدنيا، تجارة رابحة، صحة جيدة، بيتًا رائعًا، مركبة فارهة، زوجة جميلة، لكنه محجوب عن الله، وقد يكون الوصل في أصعب الأمكنة في المنفردة، وقد يكون الوصل مع الفقر، وقد يكون الوصل مع المرض، وقد يكون الوصل مع متاعب الدنيا.
لذلك من علامات الوصل السكينة التي تسعد بها، و لو فقدت كل شيء، و تشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، وإن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خَلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين.
فما ضُرب العبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، والبعد عن الله، وقد خُلِقت النار لإذابة القلوب القاسية، قد يبني مجده على أنقاض شعوب، قد يبني حياته على موتهم، قد يبني أمنه على خوفهم، قد يبني عزه على ذلهم، قد يبني غناه على فقرهم، أما إذا جاء الموت بدأ العقاب لذلك، وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله، أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه.

الذي يتمتع بقلب سليم هو الفائز الوحيد

هل تصدقون أيها الإخوة الكرام، أن الذي يتمتع بقلب سليم هو الفائز الوحيد من بين بني البشر ؟

﴿ َوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾

[ سورة الشعراء ]

مظاهر حياة القلب

والقلب السليم هو القلب الذي سلم من شهوة لا ترضي الله، وسلم من تصديق خبر يتناقض مع وحي الله، وسلم من تحكيم غير شرع الله، وسلم من عبادة غير الله، أبعد القلوب عن الله القلب القاسي، فإذا قسا القلب قحطت العين، قلب كالصخر لا يبكي إطلاقاً، أنى له أن يبكي ؟ لذلك قالوا: لو كان ثمة ابتهال إلى الله، أو مديح لرسول الله صلى الله عليه و سلم، أو مناجاة مع الله، فهذه الأناشيد، أو وتلك الابتهالات، أو وهذه المناجاة هي مصباح كمصباح علاء الدين، أو يكشف لك عن كنوزك المخبوءة في أعماق نفسك، أو ولكنها لست بالكيس المملوء الذي يفرغ في الخزائن الخاوية، إنسان يجلس في مجلس فيه مديح للنبي الكريم، أو فيه ابتهال إلى الله، أو فيه مناجاة، ترى الحاضرين بعضهم قلبه قاس كالصخر، يتململ، لا يتأثر، لا تدمع عينه، وإنسان آخر يكاد يذوب من البكاء، لأن هذه المناجاة، وهذا الابتهال، وهذا المديح حرك كنوزه التي في قلبه، أما الذي ليس عنده كنوز فلا يتحرك به شيء.
الذي له علاقة مع الله يبكي لمجرد سماع الأذان
سأضرب مثلا: لو أن امرأة عاقراً قرأت قصة عن امرأة عاقر، والقصة طويلة، وأحاسيس المرأة العاقر وآلامها وقلقها وخوفها من أن تطلق، وافتقارها إلى ولد يملأ حياتها بهجة وسعادة، هذه المرأة العاقر حينما تقرأ قصة عن المرأة العاقر يمكن أن تبكي مئات المرات، لأن هذه القصة عزفت على أوتار قلبها، أما التي عندها عدد من الأولاد العاقين تقرأ هذه القصة فلا يمكن أن تدمع لها عين، لذلك الذي يملك مع الله تجربة كما يقال، له علاقة مع الله، له اتصال بالله، له أعمال طيبة، له تضحية، هذا حينما يسمع الابتهالات يبكي، والله أحياناً حينما يسمع الأذان فقط يكاد قلبه يذوب، وإذا سمع القرآن وجل قلبه، واقشعر جلده، فأنا أتمنى أن تكتشف الحجاب قبل فوات الأوان، قد يكون القلب محجوباً، إن اكتشفت الحجاب قبل فوات الأوان عالجته، أما إذا اكتشفت الحجاب عند لقاء الله عز وجل فالمشكلة كبيرة جداً، قال تعالى:

﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾

[ سورة المدثر ]

إذا قسا القلب قحطت العين،

أسباب موت القلب

وقسوة القلب من أربعة أشياء، إذا جاوزت قدر الحاجة، الأكل والنوم والكلام والمخالطة.

كثرة الأكل

(( مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ ))

[الترمذي عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ]

كثرة النوم

والنوم، هناك أوصاف قاسية جداً، كأنه دابة، ينام فلا يستيقظ.

كثرة الكلام

ومن كثر كلامه كثر خطؤه، دخل في الغيبة، والنميمة، والازدراء، والاستعلاء، والاستكبار، والقطيعة، والتباهي، عدّ بعض العلماء أكثر من عشرين مرضاً من أمراض الكلام.

المخالطة

والمخالطة، يلتقي مع من يشاء، يحدق فيمن يشاء، ولا سيما في النساء، ما عنده شيء ممنوع، هذا الذي يختلط مع من يشاء، ما عنده شيء محرم، يتكلم كيف يشاء، ينام إلى أن يمل الفراش، يأكل حتى التخمة، هذه الأشياء الأربعة تورث قسوة القلب.
كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب، فالقلب إذا مرض بالشهوات لم تنفع معه المواعظ.

ونار لو نفخت بها أضاءت و لكنك تنفخ في رمـاد
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حيـاة لمن تنادي
***

من مات قلبه عن ماذا يُحجب؟

القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها

أيها الإخوة الكرام، بمنطلقي الدائم، الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، احذر قسوة القلب، القلب القاسي بعيد عن الله، لا يتأثر، لا يتأثر بمصاب الناس، مستعد أن يملأ بطنه من أنفس الطعام، ويرى حوله الجائعين يتشوقون إلى لقمة ولا يتأثر أبداً، من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته.
الطاعات تحيي القلب
الذي يميت القلب الشهوات، والذي يحييه الطاعات، القلب يكبر، ويكبر، ويكبر، ولا نرى كبره، فيتضاءل أمامه كل كبير، ويصغر، ويصغر، ويصغر، ولا نرى صغره، فيتعاظم عليه كل حقير، من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته، القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها، وأحبُّ القلوب إلى الله أرقها وأصفاها، والقلب منظر الرب.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ))

[مسلم]

قد يهبك الله شكلاً جميلاً، ولك ذوق رفيع في اللباس، وترتدي أجمل الثياب، بألوان متناسقة، وبنوع من أعلى مستوى، وعطورات من أغلى الأنواع، والقلب ميت متفسخ، وقد تكون فقيراً، ترتدي ثياباً متواضعة، ولك بيت متواضع، والقلب متأجج بمعرفة الله والشوق إليه، هؤلاء الذين حُجِبوا عن الله شغلوا قلوبهم في الدنيا، فأيّ حديث في الدنيا يطرب له ساعتين أو ثلاثًا، الحديث عن الرياضة، عن كرة القدم، عن أسعار العملات، عن الأبنية، عن الاستثمارات القادمة، عن، عن... تراه يصغي أمّا في قضية الاستقامة وقضية محبة الله يقول: خير، هذا إنسان مسكين، ما عنده إلا هذه الموضوعات، يملّ.
قال: " ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة، ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وأطراف الفوائد، إذا عزي القلب بالتذكر وسقي بالتفكر، ونقي من الفساد رأى العجائب وألهم الحكمة ".

القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن القرآن

أيها الإخوة الكرام، أنا مضطر أن أبيّن هذا البيان، أحياناً ـ بلا مواربة ـ تملّ من القرآن الكريم، تفتح، لا تجد رغبة، ولا انشراحًا، تريد أن تقرأ جزءًا، تقرأ صفحتين، ثم تختم بـ: صدق الله العظيم، هناك مشكلة كبيرة، لأن ثمة بعدًا عن الله، وتعلقًا بالشهوات، لذلك قال تعالى:

﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾

[ سورة فصلت: الآية 44]

إذا تكلم أحدهم باللغة الفارسية الآن، والله لا يمكن أن تفهموا حرفاً واحداً، أنا سافرت إلى بلاد فارس، لا تفهم حرفًا واحد:

﴿ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾

[ سورة الشعراء ]

عربي ابن عربي، عربيته عالية جداً، معه دكتوراه في الآداب، فصيح متكلم، بليغ، أستاذ المادة الفلانية في كلية الآداب، يقرأ القرآن الكريم فلا يرى فيه شيئاً، فالقضية متعلقة بالقرب من الله، هذا القرآن الكريم يفهم بالقرب من الله،

﴿ لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ﴾

، لم يقل: لا يمسسه، لو أنه لا يمسسه لكانت ( لا ) ناهية، ( لا ) هنا نافية، ( لا ) الناهية من أمر الله التكليفي، أما ( لا ) النافية من أمر الله التكويني، يعني أن هذا القلب مقفل،

﴿ لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ ﴾

، فمن غذي قلبه بالذكر، وسقي بالتفكر، ونقي من الفساد رأى العجائب، وألهم الحكمة.

القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن المعرفة و الحكمة

وقال: " ليس من تحلى بالمعرفة والحكمة، وانتحلها كان من أهلها ".
يمكن لإنسان بذكاء أن يطلع على بعض أقوال السلف الصالح، ويحفظها، وينقلها، لكنه بعيد عن مضمونها.
قال: " إن أهل المعرفة والحكمة أحيوا قلوبهم بقتل الهوى، وأما من قتل قلبه بالهوى فالمعرفة بعيدة عن قلبه ولسانه، وخراب القلب من الأمن والغفلة ".
هناك أمن ساذج، مطمئن، لا يخاف الموت، لا يخاف الدار الآخرة، لا يخاف عذاب الله، لا يخاف المسؤولية، الإنسان أحياناً سوف يسأله إنسان مثله، لا ينام الليل إنسان، لا تنام الليل من مساءلة إنسان، فكيف بمساءلة الواحد الديان ؟

كيف يجب أن تكون لتذق حلاة الإيمان؟

إذا زهدت القلوب قعدت على موائد الآخرة
إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا قعدت على موائد الآخرة، وفي الحديث الصحيح عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ))

حلاوة الإيمان تعني أن القلب حي، فما هي هذه الثلاث ؟

(( مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

[ متفق عليه عن أنس ]

أن يكون الله في قرآنه، والرسول صلى الله عليه وسلم في سنته أحب إليه مما سواهما عند التعارض،

(( وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

هذه تحيي القلب.
" إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا قعدت على موائد الآخرة، وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها موائد الآخرة ".
" من أحب دنياه أضر بآخرته ".
" الشوق إلى الله ولقائه نسيم يهب على القلب ".
" إن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها ".
" من وطن قلبه عند ربه سكن واستراح، ومن أرسله في الناس اضطرب واشتد به القلق، ولا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا لا يوجد محل ".
" ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ".
" إذا أحب الله عبداً اصطنعه لنفسه "، قال تعالى:

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾

[ سورة طه ]

لذلك سئل أحد علماء القلوب: كم الزكاة يا سيدي ؟ فقال: عندنا أم عندكم ؟ السائل تعجب، قال: ما عندنا وما عندكم ؟ أليس هناك دين واحد ؟ قال: عندكم اثنان ونصف بالمئة، أما عندنا فالعبد وماله لسيده، ووقته وخبرته، وطلاقة لسانه وعلاقاته، وثروته لله عز وجل، والدليل: يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال: الله ورسوله، أعطى كل ماله لرسول الله، " فإذا أحب الله عبداً اصطنعه لنفسه، واجتباه لمحبته، واستخلصه لعبادته، فشغل همه به، ولسانه بذكره، وجوارحه بخدمته.

القلب يمرض و يعرى و يجوع و علاجه

" القلب يمرض كما يمرض البدن، وشفاؤه في التوبة والحمية، ويصدأ كما يصدأ الحديد وشفاؤه بالذكر، قال تعالى:

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

[ سورة الرعد: الآية 28]

ويعرى كما يعرى الجسم، وزينته التقوى ":

﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر﴾

[ سورة الأعراف: الآية 26]

إنسان جميل الصورة، وأنيق الثياب، و زان، وشارب خمر، وإنسان آخر الله ما أعطاه شكلا جميلًا، ما أعطاه مالا عريضًا، لكن أعطاه قربًا، لذلك لباس التقوى خير.
" ويجوع كما يجوع البدن، وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة، والتوكل والإنابة، والخدمة ".
لذلك هناك قلب كالجوهر، وقلب كالفحم أسود، قاسي كالصخر.
يا أيها الإخوة الكرام، لسيدنا عمر كلمة رائعة، يقول " تعاهد قلبك "، والعوام تقول أيضاً كلمة رائعة: الإنسان حكيم نفسه، يجب أن تعلم مستوى قلبك أهو موصول أم مقطوع ؟ هناك خط مع الله، ومناجاة، واستغفار، وإنابة، وبكاء، وشعور بالقرب من الله، ورحمة على من حولك، لمَّا يكون همُّ الإنسان المعاصر أن يعيش وحده، وأن يأكل وحده، وأن يستمتع وحده، فعلى الناس السلام.
أيها الإخوة الكرام، القلب قلب النفس، القلب المقصود فيه في هذا الدرس ليس العضلة الصنوبرية التي تضخ الدم إلى أنحاء الجسم، هذا موضوع آخر، قال تعالى:

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾

[ سورة الحج: الآية 46]

ألا بذكر الله تطمئن القلوب
القلب مركز النفس، كيف أن الدماغ ملك الجهاز العصبي، والقلب مركز النفس، قال تعالى:

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

[ سورة الرعد: الآية 28]

فالقلب يمتلئ محبة أحياناً، ويمتلئ ثقة بالله، ويمتلئ رضا عن الله، ويمتلئ محبة للخلق، وقد يكون بالعكس، لذلك الصلاة من أجل القلب، والصيام من أجل القلب، والحج من أجل القلب، والعمرة من أجل القلب، والزكاة من أجل القلب، كل أحكام الدين من أجل أن تلقى الله بقلب سليم، بقلب ليس فيه شائبة، ليس فيه غل، ولا حسد، ولا قلق، ولا خوف، ولا وجل، في قلوب المؤمنين من الأمن والراحة والسعادة ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم، قال تعالى:

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

[ سورة الرعد: الآية 28]

ما قال: تطمئن القلوب بذكر الله، لو قال كذلك لفُهِم بمعنى آخر، وتطمئن بغيره أيضاً، لكن:

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

أي أن القلوب لا تطمئن إلا بذكر الله، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَلِكَ﴾

[ سورة طه ]

أي كنت في الدنيا أعمى، لذلك إذا كان هناك إنسان من آدم إلى يوم القيامة في القارات الخمس يسعد سعادة حقيقة وهو بعيد عن الله فهذا الدين باطل، مستحيل، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

[ سورة طه: الآية 124]

كل السعادة، وكل التوفيق، وكل التفوق، وكل الفلاح، وكل النجاح في طاعة الله، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS