45013
أحاديث رمضان 1426هـ - الفوائد - الدرس (26-36) : انواع النعم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-11-13
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، مع فائدة جديدة من فوائد ابن القيم رحمه الله تعالى.

أنواع النعم

 يقول في فصل عنوانه أنواع النعم:
" النعم ثلاثة، نعمة حاصلة يعلم بها العبد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هو فيها لا يشعر بها ".
إنها نعمة حاصلة تعرفها، ونعمة تنتظرها، ونعمة أنت فيها لا تعرفها، ولأن أية نعمة إذا شكرتها قيّدتها، فإن كفرتها خسرتها، وبالشكر تدوم النعم.
 أيها الإخوة الكرام، لأنك في الأصل قد أنعم الله عز وجل عليك بنعمة الإيجاد، فوجودك نعمة، اسمك فلان الفلاني، هناك إنسان في الأرض اسمه فلان الفلاني هو أنت، من منحك نعمة الإيجاد ؟ الله عز وجل، ثم نعمة الإمداد، جعلك شاباً، منحك القوة، منحك الخبرة، منحك حرفة، منحك بيتاً، منحك زوجة، أمدك بما تتمنى، ثم منحك نعمة الهدى والرشاد، وخلقك لجنة عرضها السماوات والأرض.
 أيها الإخوة الكرام، حالة المؤمن مع الله حالة الشكر دائماً، لأنه مغمور بفضل الله، لكن الإنسان الشارد الغافل لا يبحث إلا عن شيء فَقَده، كل النعم التي بحوزتك لا تنتبه إليها، أما النعمة التي يفقدها تكبر عندك، وترى نفسك محروماً، وتظن أن حظك سيئ، لذلك:

1. نعمة حاصلة يعلم بها العبد

 كان عليه الصلاة والسلام تعظم عنده النعمة مهما دقت، فإذا كان الإنسان يتمتع بحركته لا يحتاج إلى من يحمله فهذه نعمة القوة، يتمتع بسمعه وبصره، له سمعة طيبة، ليس عليه بطاقة بحث، ليس مطالباً للعدالة، عنده بيت يأوي إليه، فهذه النعم إذا شكرتها قيدتها، أما إذا تجاهلتها، وندبت حظك للذي لم تحصل عليها فقد كفرت، لذلك إذا أراد الله عز وجل إتمام نعمته على عبده عرفه نعمته الحاضرة، لو أنك أحصيت النعم التي أنت فيها فهي نعم لا تعد ولا تحصى، فأي خلل في جسمك تصبح الحياة جحيماً لا تطاق.
 والله إن رجلاً في هذه البلدة أصابه مرض عضال، وزوج ابنه، وفي عقد الزواج ألقى كلمة، هو في بحبوحة كبيرة، ويسكن في بيت في أرقى أحياء دمشق، وله مركبة فارهة جداً، ومال، وأناقة، وثياب، قال: والله أتمنى أن أخسر بيتي ومركبتي، وكل شيء أملكه حتى ثيابي التي على جسمي وألا يبقى لي من ثياب إلا ما يستر عورتي، وأن أعافى من هذا المرض.
 جاء رجل من فرنسا، وهو يحمل دكتوراه، وعُيِّن في منصب رفيع جداً في إحدى الوزارات، ثم فَقَدَ بصره، وخلال شهر جامله من هم أعلى منه، وأرسلوا البريد إلى بيته، بعد ذلك سرِّح، وهو يسكن في أرقى أحياء دمشق، وله زوجة جاء بها من مكان دراسته، يقول لصديقه وهو صديقي: والله أتمنى أن أجلس على الرصيف أتكفف الناس، وليس على كتفي إلا هذا المعطف، وأن يُردَّ لي بصري.
  إن الإنسان إذا متّعه الله عز وجل بنعمة البصر، ونعمة السمع، ونعمة النطق، ونعمة الحركة، أجهزته سليمة، ليس عنده أورام خبيثة، ولا أزمات قلبية، سمعته طيبة، له بيت، له مأوى، له طعام وشراب، كلما شكرت الله على نعمه قيّدها لك، وثبتها لك، وزادك منها، لذلك:

2. ونعمة منتظرة يرجوها

 قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾

[ سورة النور: 55]

 هذه نعمة ننتظرها جميعاً إن شاء الله، قال تعالى:

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ﴾

[ سورة القصص: 5]

 هذه نعمة ننتظرها إن شاء الله كمجموع، أما كأفراد فقال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾

[ سورة الكهف ]

 الآية الثانية:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾

[ سورة مريم ]

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97]

 كل شاب يسير في طريق الإيمان، يضبط جوارحه، يضبط أعضاءه، يضبط دخله وإنفاقه، كلامه، نطقه، بيته، من حوله، من فوقه، من تحته وفق منهج الله فهذا ماذا ينتظر من الله ؟ ينتظر العطاء، ينتظر أن يكرمه الله بما أعطى عباده الصالحين.

3. ونعمة هو فيها لا يشعر بها

 كيف ؟ إنسان عنده زوجة شريفة طاهرة، له معها سنوات طويلة، إذا خرج من البيت لا يأتيه أي خاطر، لا يتوقع أن تتساهل مع إنسان غريب ولا بكلمة، ولا بابتسامة، هذه نعمة ـ والفضل لله عز وجل ـ متوافرة في معظم الأزواج، إذْ تسعة وتسعون بالمئة من أزواج المسلمين عندهم هذه نعمة، زوجته شريفة طاهرة، لكن لا تعرف هذه النعمة إلا إذا فقدتها، لا تعرف هذه النعمة إلا إذا شككت في زوجتك، لا تعرف هذه النعمة إذا توهمت أن أحداً يدخل إلى بيتك في غيبتك كأنك بركان، كأنك مرجل، فنعمة الزوجة الشريفة الطاهرة العفيفة لا تقدر بثمن، لكن الناس لا ينتبهون إليها، ولا يشكرونها، بل يبحثون عن نقاط الضعف في زوجاتهم، وعن بعض السلبيات، ويندب أحدهم حظه من أجلها، لكن هل غلب على ظنك أن نعمة الزوجة الشريفة لا تقدر بثمن ؟ هذه نعمة أنت فيها ولا تعرفها، وآلاف النعم في صحتك لا تعرفها، وأن عقل الإنسان سليم، فلو فقَدَ عقله أين يكون مصيره ؟
حدثني أخ قال: كنا نضطر أن نربط الوالدة من يديها ورجليها على السرير، قلت له: لماذا ؟ قال: لأنها إذا كانت يديها طليقتين نزعت عنها كل الثياب، وأكلت من غائطها.
الإنسان نظيف، يعرف الطهارة، عقله سليم، حديثه منطقي، محبوب، محترم، هذه نعمة، فأنت لو بحثت عن النعم الإيجابية لوجدتها أكثر من أن تحصى، فإذا اشتغلت بشكرها زادك الله من نعمه.
لكن ثمة إنسان سوداوي المزاج، دائماً يندب حظه، دائماً يشكو، يشكو من لا شيء أحياناً، يشكو أشياء طبيعية جداً، وهي موجودة في كل إنسان.

سبب بقاء و زوال النعم

 فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده ألهمه شكْرها، لأن من تمام النعمة أن تشكرها، فقد تكون عندك، لكنك إن لم تشكرها فقد ضيعتها، أما إن شكرتها فقد قيدتها، فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده عرفه نعمته الحاضرة، وأعطاه من شكره لها قيداً يقيدها حتى لا تشرد عنه، يا رب، كيف أشكرك ؟ وشكري لك هو نعمة جديدة أضيفها على نعمك، أحدهم: قال كيف شكرك ابن آدم ؟ قال: علم أن شكرها مني، فكان هذا شكره.
إن النعم تشرد بالمعصية، وتقيد بالشكر، فالشكر قيد، فإذا كنت في بحبوحة، في صحة، في وفاق أسري، عندك أولاد أبرار، عندك زوجة صالحة، لك دخل جيد، إذا كنت شاكراً لهذه النعمة فاطمأن، فأنت في ازدياد، أما إذا تجاهلت نعم الله عليك، تجاهلت نعمة الأمن، تجاهلت نعمة  الصحة، نعمة الفراغ، نعمة الأمن التي لا تعدلها نعمة أطعمهم من:

﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾

[ سورة قريش ]

 ونعمة الفراغ، عندك وقت فراغ، فتأتي إلى درس علم، أما الذين أودعوا في السجن انتهت حريتهم، اصبروا أو لا تصبروا، وأنت حر طليق، عندك نعمة الأمن، وعندك وقت فراغ، عندك ما يسد حاجتك، الآن الناس مشكلاتهم ليست في الأساسيات، بل في الثانويات، أما الأساسي كله  فموجود، وما مِن بيت ليس فيه طعام ولو كان طعامًا خشنًا، ولو كان أقلَّ الطعام، أما النبي صلى الله عليه وسلم فكان يدخل بيته، ويقول:

(( أَعِنْدَكُم شَيْءٌ ؟ يَقُولُونَ: لاَ، فَيقُولُ: إني صائم ))

[مسلم عن عائشة]

 كل إنسان يأوي إلى بيت، صغيرًا كان أو كبيرًا، لكنه مأوى، ولا تعرف قيمة المأوى إلا إذا سافرت، ولم تجد مكاناً تنام فيه، لا تعرف قيمة المأوى إلا إذا بحثت عن مأوى فلم تجد.
النعم تقيد بالشكر، و تشرد بالمعصية.
يحكى أن أعرابياً دخل على الرشيد فقال: " يا أمير المؤمنين، ثبت الله عليك النعم التي أنت فيها بإدامة شكرها، وحقق لك النعم التي ترجوها بحسن الظن به ودوام طاعته، وعرفك النعم التي أنت فيها، ولا تعرفها كي تشكرها ".
 لو جعلنا من هذا الدرس نشاطًا نمارسه الليلة، أن نعدد النعم التي نحن فيها، وقد ننسى أنها نعم، لو عددنا النعم التي نحن فيها، ثم غفلنا عن أن هذه نعم، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( أَحِبُّوا اللهَ لِمَا يَغذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهٍ ))

[الترمذي عن ابن عباس]

 لو زرت المستشفيات لكنت في حالة شكر مع الله لا توصف، فلمجرد أن تعرف أن هذه نعمة من الله فهذا نوع من الشكر، ولمجرد أن يمتلئ قلبك امتناناً لله عز وجل فهذا مستوى أعلى من الأول، ولمجرد أن تجندك نفسك لخدمة عباده فهذا أعلى درجات الشكر، قال تعالى:

﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾

[ سورة سبأ ]

سبب السعادة و الشقاء

 حينما تحسن للفقراء والمساكين تشعر بنعمة الغنى، فقد ينغمس إنسان في ملذات محرمة أو مباحة، لكنه شارد، وهناك إنسان آخر يبحث عن الفقراء والمساكين يرأب الصدع، يجمع الشمل، يطمئن، يعطي، يطعم، يعالج، يداوي، يتفقد، وإذا أردت أن تكون أسعد الناس فأسعدهم.
قرأت مرة في مجلة: " إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين "، إن أسعدت الآخرين فأنت أسعدهم، وأنا أتمنى على إخوتنا أن تخرج من ذاتك إلى خدمة الخلق، إذاً أنت أسعد الخلق، لأن الله شكور، همك نفسك، همك بيتك، همك دخلك، همك راحتك، همك أن تستلقي على الفراش إلى أمد طويل، همك أن تأكل ما تشتهي لا تعبأ بأحد، لا تعبأ بقريب، ولا صديق، ولا بجار، ولا بأخ، ولا بإنسان محتاج، ولا بإنسان مريض، لا تحمل هم المسلمين، إن كنت كذلك وأنت مستقيم فأنا لا أشك باستقامتك، لكن إن كنت كذلك لا بد من أن تصل إلى المكانة التي هيأك الله لها عن طريق المصائب، أما إذا خرجت عن ذاتك، وخدمت الخلق فإن الله عز وجل يحفظك، ويعلي قدرك، لأن لك عند الله مكانة، فإما أن تنالها بالصبر، وإما أن تنالها بالشكر، وأرقى أنواع الشكر خدمة الخلق، لذلك قال بعضهم: يا رب، لا يحلو الليل إلا بمناجاتك، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك
راقب نفسك حينما تخدم إنسانًا، أو تنفس كربة عن إنسان، أو تيسر مشكلة لإنسان، أو تخفف الهم عن إنسان، ألا تشعر أنك تتقرب من الواحد الديان ؟ لما ترى طفلاً مع أبيه، وتعطي هذه الطفل قطعة حلوى، في الحقيقة هذه الحلوى لمن ؟ للأب، لكن عن طريق الابن، فلا تستطيع أن تقدم لله شيئاً، هو غني عن العالمين، لكنك إذا خدمت عباده، ونصحتهم، ويسرت أمورهم، وخففت عنهم فأنت في نعمة كبيرة.

كيف تعرف مكانك عند الله؟

 لأن الخير بيد الله، والشر بيده، فطوبى لمن قدر على يده الخير، والويل لمن قدر على يده الشر ، وإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، يا ترى عملك، حرفتك، مهنتك فيها خدمة للخلق، أم فيها تعذيب لهم ؟ أم فيها ابتزاز لأموالهم ؟ أم فيها إلقاء الرعب في قلوبهم ؟
 والله أيها الإخوة الكرام، إن أشقى إنسان على وجه الأرض من يعيش على آلام الآخرين، وعلى قلقهم، وعلى خوفهم، وعلى فقرهم، وعلى ابتزاز أموالهم، هذا أشقى إنسان، لذلك قال تعالى:

﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾

[ سورة الدخان ]

 المعنى المخالف: المؤمن تبكي عليه السماء والأرض، المكان الذي يمشي فيه المؤمن هذا المكان يقدَّس، لأن المؤمن همه العطاء، وهو مصدر سعادة ومصدر أمن، وهناك شخص تخاف منه، تنتظر أن ينتقم منك، تنتظر أن يوشي بك، لا يطمئنك، أما المؤمن فهو مصدر أمن، مصدر سعادة.
لذلك أيها الإخوة الكرام، أول نقطة: إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، هناك وظائف ـ والعياذ بالله ـ مخيفة يسبب صاحبها كل يوم لمئات الأسر أزمات قلبية، وانفصام شخصية، وشقاق أسري، وطلاق من شدة الفقر.
أنا أتمنى على كل إنسان إن كان له حرفة تُبنَى على إلقاء الخوف في قلوب الناس، أو تُبنى على ابتزاز أموالهم، أو تُبنى على إفقارهم أن يركلها بقدمه،
 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَسَلَّمَ:

(( أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ ))

[ابن ماجه بسند صحيح]

 حدثني أخ أن مركبته جديدة جداً، وعليها لوحة مؤقتة، استوقفه شرطي، يبدو أن اللوحة المؤقتة ممنوع أن يركب أحد معه إلا من يقود السيارة، فقال له: هذه مخالفة، يبدو أنه أعطاه مبلغاً، فرفضه، وضاعفه، كان أشد رفضاً له، ثم قال له الشرطي: أنا تائب إلى الله، انظر إلى يدي، أنا أعمل بعد الدوام في حمل المواد البنائية، أنا من أربع سنوات تبت إلى الله، لأني كنت أمد يدي إلى الحرام، وكانت المصائب تنزل علي كالمطر، فانتبهت، وتبت إلى الله، وانظر إلى الله هذا الأخ جزاه الله خيراً أخذه إلى معمله، وكساه، ومَن حوله أعلى كسوة في العيد، التائب شيء كبير، قال له: أنا تائب، فلما تتوب إلى الله الله عز وجل لا ينساك من فضله.

يجب أن نشعر بنعم الله علينا

 أيها الإخوة الكرام، نعمة الأمن، نعمة الفراغ، نعمة الصحة، نعمة الزوجة، نعمة الأولاد، نعمة المأوى، نعمة السمعة الطيبة، نعمة أن لك دخلاً تعيش به، نعمة أن لك أصحاباً يحبونك، كل هذه النعم إذا ذكرتها أحببت الله عز وجل، وإن غفلت عن هذه النعم، وكنت سوداوياً متشائماً صعب المزاج تشكو دائماً، تسخط دائماً، تبحث عن الخلل دائماً، تبحث عن النقص دائماً، هذه مشكلة.
 والله أيها الإخوة الكرام، حدثني أخ قال لي: كنت عند إنسان، وأنا أعلم علم اليقين أن حجمه المالي أكثر خمسة آلاف مليون، قال لي: شكا من تجارته، من برودة الأسواق، من أهله، من أولاده، قال: والله بعد أن انتهى حديثه لم أستطيع أن أقف على قدمي، قال لي: ذهبت إلى محلي التجاري، فإذا امرأة محجبة قد دخلت إلى المحل، قالت له: دُلِلت عليك، نحن بحاجة إلى مساعدة شهرية، فالرجل يعمل في الخير، قال لها: مِن أين أنتِ ؟ ذكرت له اسم بلدة في ظاهر دمشق، قال: والله أنا اليوم عندي ذهاب إلى هذه البلدة، وإلى جمعيتها الخيرية، أعطني العنوان، قال: فأعطتني العنوان، فلما كنت عندهم في المساء ذكرت لهم هذا الطلب، فقال: اذهب كي نحقق مع صاحبة الطلب، قال: فذهبنا إلى بيت أقسم لي بالله أن هذا البيت لا يمكن أن يسكنه إنسان، مساحته ضيقة جداً تحت درج، أمامه فسحة، فالمنطقة المرتفعة من تحت الدرج غرفة، والمنطقة الأقل ارتفاعاً مطبخ، والأقل هو حمام تحت درج، قال: دخلنا إلى البيت، وهو نظيف، والأطفال في أعلى نظافة، والزوج مستلقٍ على سرير وهو مريض، والزوجة محجبة، قال لي: شعرت بشعور عجيب، قال: كأن هذا البيت جنة، مع أنه قال: والله يستحيل أن يسكنه بنو آدم، لكن البيت فيه روحانية، فأعطوها ألفين في الشهر، قالت لهم: لا، يكفينا ألف، نحن نحتاج إلى أجرة هذا البيت فقط، أما دخل زوجي فيكفي، قال لي: وازنت الذي عنده خمسة آلاف مليون، ومن كثرة الشكوى كدت أبرك، وهذه المرأة المحجبة على هذا البيت الذي هو تحت درج فقط، فعرضنا عليها ألفين فأبت أن تأخذ إلا ألفًا فقط، انظر لما تعرف أن هذه النعم كبيرة.
والله أيها الإخوة الكرام، نحن جميعاً، ولا أستثني واحداً منا في نعم لا تعد ولا تحصى، فإذا اشتغلت بشكر النعمة قيدها الله لك، وثبتها لك، وزادك من نعمه،
 قال تعالى:

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾

[ سورة إبراهيم: 7 ]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS