8797
أحاديث رمضان 1426هـ - الفوائد - الدرس (06-36) : مصائب آلت إليها الأمة من الإعراض عن الله
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-10-13
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

للمؤمن عدو يقاتله ومنافق يبغضه و مؤمن يحسده و نفس ترديه و شيطان يغريه:

 أيها الأخوة، ورد في الأثر أنه لا بدّ للمؤمن من عدو يقاتله، ومن منافق يبغضه، ومن مؤمن يحسده، ومن نفس ترديه، ومن شيطان يغريه.
ابن القيم رحمه الله تعالى وسع هذا النص، وأعطاه تفصيلات عديدة، فقال: " كيف يَسلمُ من له زوجة لا ترحم، وولد لا يعذر، وجار لا يأمنه، وصاحب لا ينصحه، وشريك لا ينصفه، وعدو لا ينام عن معاداته، ونفس أمارة بالسوء، ودنيا متزينة، وهوىً مُرْدٍ، وشهوة غالبة، وغضب قاهر، وشيطان مزين، وضعف مستول عليه، فإن تولاه الله وجذبه إليه انقهرت له هذه كلها، وإن تخلى الله عنه، ووكله إلى نفسه اجتمعت عليه، فكان الهلاك ".
هذا الموضوع ينقلنا إلى ما هو أكبر منه، الذي هو أكبر منه أن الله عز وجل يقول:

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) ﴾

( سورة إبراهيم )

 إله عظيم يصف أن مكر الكفار يزيح الجبال عن أماكنها، وهذا شيء مستحيل ، لكن لبيان عظم مكرهم،

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

 ، ثم في آية أخرى:

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا (120)﴾

( سورة أل عمران الآية: 120 )

 فلابد للمؤمن من عدو يقاتله، ومن منافق يبغضه، ومن مؤمن يحسده، ومن شيطان يغويه، ومن نفس ترديه، فإذا اتجه إلى الله عز وجل أُبطلت هذه كلها.

من أعرض عن الله عز وجل وقع في مشكلات لا تعد و لا تحصى منها:

1 ـ زوجة لا ترحمه و ولد لا يعذره:

 كيف يسلم من له زوجة لا ترحم ؟ الآية الكريمة:

﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ (14) ﴾

( سورة التغابن الآية: 14 )

 تضغط عليه، وتضغط عليه، وتجعل حياته جحيماً إلى أن يستجيب لها، ويمد يده إلى المال الحرام كي يرضيها، ثم يهلك وتهلك معه، كيف يسلم من له زوجة لا ترحم ؟
بالمقابل أيها الأخوة، إنصافاً للحقيقة، واللهِ عدد كبير من أخوتنا الكرام سبب هدايتهم زوجاتهم، عدد كبير، الزوجة جنة أو نار، إما أن تعينك على طاعة الله وتحصنك، وإما أن تكون سبب هلاكك.
كيف يسلم من له زوجة لا ترحمه وولد لا يعذره ؟ الزواج كما ورد مجبنة مبخلة مشغلة، أحيانا تكون الأسرة سبب سعادة الإنسان، والزواج يضاعف سيره إلى الله، وأحياناً يتزوج الإنسان فينتهي عند الله.

2 ـ جار لا يأمنه:

 وولد لا يعذره، وجار لا يأمنه، الإنسان أحياناً يتلقى الأذى من جيرانه دون أن ينتفعوا إطلاقاً، والله أعرف أخاً ابنه في سن الزواج، وتاقت نفسه للزواج، وعنده بيت في وجيبة داخلية، بيته أرضي، وإلى جانب هذا البيت دكان له، أغلق الدكان، وجعل هذه الدكان غرفة نوم، وبنى لابنه بمساحة تقدر مترين بمتر حماماً ومطبخاً، الجار الذي في الطابق الأعلى اشتكى عليه، وهُدم هذا الحمام، مع أنه لم يحجب الشمس عن أحد، داره أرضي، فهذا الجار لا يأمنه، والمشكلة الآن الجار يتفنن في إيذاء جاره، يتفنن في إزعاجه، وجار لا يأمنه.

3 ـ صاحب لا ينصحه:

 وصاحب لا ينصحه، يراه ضالاً فيزيده ضلالاً، يراه تاركاً صلاة فلا يذكر له الصلاة إطلاقاً.

4 ـ شريك لا ينصفه:

 وشريك لا ينصفه.
صدقوا أيها الأخوة أن كل هذه المشكلات هي أعراض لمرض واحد، هو الإعراض عن الله.

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) ﴾

( سورة مريم )

 يؤذي دون أن ينتفع، يوقع الأذى بالآخرين، ويتلذذ بذلك، وشريك لا ينصفه.

5 ـ عدو لا ينام عن معاداته و نفس أمارة بالسوء و دنيا متزينة:

 وعدو لا ينام عن معاداته، ونفس أمارة بالسوء، يضعف أمامها، ودنيا متزينة، ودققوا في هذه الآية:

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ (24) ﴾

( سورة يونس الآية: 24 )

 ذكرت لكم من قبل أن في الخليج فندقاً أجرة الليلة الواحدة من اثني عشر ألف دولار إلى خمسة و ثلاثين ألفاً الليلة الواحدة.

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا (24) ﴾

( سورة يونس الآية: 24 )

 هذا عصر تألّه الإنسان، الإنسان القوي اليوم متألّه.

(( الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني منهما شيئاً أذقته عذابي ولا أبالي ))

[ رواه أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة ابن ماجة عن ابن عباس ]

6 ـ هوى مردٍ و شهوة غالبة و مادية مقيتة:

 وهوىً مردٍ، وشهوة غالبة.

(( إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً، وَهَوًى مُتّبَعاً، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه ابن ماجه ]

 مادية مقيتة، يبيع دينه وآخرته بعرض من الدنيا قليل، اليوم

(( إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً، وَهَوًى مُتّبَعاً ))

  الجنس:
 حضرت مؤتمراً في دمشق، وقال أحد الإعلاميين الكبار في المؤتمر: إن المسلمين استبدلوا كلمة اقرأ بكلمة ارقص، بدلاً أن يقرؤوا الآن يرقصون،

(( وَهَوًى مُتّبَعاً، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ))

   عندئذٍ:

(( الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك ))

[ أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عمر بن عمرو بن العاص ]

 أي أقرباؤك، جيرانك، زملاؤك الذين تثق بهم:

(( وعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة ))

7 ـ غضب قاهر وشيطان مزين وضعف مستولٍ عليه:

 وغضب قاهر، وشيطان مزين، وضعف مستولٍ عليه، فإن تولاه الله، وجذبه إليه انقهرت له هذه كلها، وإن تخلَّ الله عنه ووكله إلى نفسه اجتمعت عليه حتى تهلكه.

من أعرض عن تحكيم كتاب الله و سنة رسوله عُرّض لفساد في فطرته و ظلمة في قلبه:

 أيها الأخوة، من وفاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( اشتقت لأحبابي، قالوا: أو لسنا أحبابك ؟ قال: لا أنتم أصحابي، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان، القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر، أجرهم كأجر سبعين، قالوا: منا أم منهم ؟ قال: بل منكم، لأنكم تجدون على الخير معواناً، ولا يجدون ))

[ورد في الأثر]

 أينما تلفت المعصية في رابعة النهار، وفي الطريق، والتحدي لدين الله في كل مكان.
 أيها الأخوة: النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنة نبيه ))

[ رواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ]

 فلما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة، والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما ـ الحياة معقدة، هذا عصر العلم، عصر الانفتاح، عصر التقدم، المرأة نصف المجتمع ـ وعدلوا إلى الآراء، والقياس، والاستحسان، وأقوال الشيوخ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم، هذا الكلام قاله ابن القيم في عصره، فكيف لو عاش معنا، ورأى ما رأى، هذا الكلام قيل في عصر ابن القيم، لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة، والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراء، والقياس، والاستحسان، وأقوال الشيوخ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم.
اتصلت بي أخت وسألتني، عندهم ولد متبنًّى، عمره خمسة عشر عاماً، فلئلا يكون هناك حرج في سكناه مع زوجة الذي تبناه، هل يجوز أن ترضعه في هذا السن كي يكون ابنها من الرضاعة ؟ هكذا جاء السؤال والله.
سؤال آخر: إن ابنتي عندها زجاجة خمر غالية جداً، هل لها أن تهديها إلى غير مسلم ؟ وهي صاحبة دين ؟! فتاة صاحبة دين عندها زجاجة خمر غالية جداً، هل لها أن تهديها إلى غير مسلم ؟!.
وأنا كنت أقول: قيم روحية، ومشروبات روحية، وروحية بروحية، هذا عصر الاختلاط، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور، وغلبت عليهم، حتى ربى فيها الصغير، وهرم عليها الكبير، فلم يروها منكراً.

(( كيف بكم إن لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر ؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: وأشد منه سيكون، قال: وما أشد منه ؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه ؟ ـ هنا المشكلة ـ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً، والمنكر معروفاً ؟ ))

[علل ابن أبي حاتم ]

 أجر القابض على دينه في هذه الأيام مضاعف لكثرة الفتن المنتشرة:

 إذا خدمك إنسان تشك فيه الآن، ما مقصده ؟ إذا تقرب إنسان إلى الله لخدمتك تفكر تفكيراً آخر، تظن أنه يدبر لك مؤامرة، ليوقعك في فخ،

(( كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ؟ ))

 قال:عندئذٍ قام المجتمع، وقامت فيه البدع مقام السنن، والنفس مقام العقل ، والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف، والجهل مقام العلم ، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل، فصار هذا المجتمع مجتمعاً شارداً عن الله، عندئذٍ بطن الأرض خير للمسلم من ظهرها.
والله أحياناً أقول: ما من أُمنية للمؤمن المستقيم إلا أن يموت على الإيمان، وانتهى الأمر، ليس هناك خبر سار للمسلمين، عندئذٍ بطن الأرض خير من ظهرها، وقمم الجبال خير من السهول، ومخالطة الوحوش أسلم من مخالطة البشر، أن تخالط الوحش في الغابة أسلم من أن تخالط البشر.
 أيها الأخوة:

(( وإذا كانت أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

(( إذا كانت أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

 لكن الأجر في هذه الأيام مضاعف.

سلامة الرجل من الفتن أن يلجأ إلى بيته و إلى مسجده:

 لذلك:

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ (16) ﴾

( سورة الكهف الآية: 16 )

 ما الكهف ؟ بيتك ومسجدك، الآن سلامة الرجل من الفتن أن يلجأ إلى بيته، وأن يلجأ إلى مسجده، والحياة يا أخوان كالمسرحية، فيها خشبة مسرح، وفيها أماكن للمشاهدين، فالإنسان المستقيم له مكان مع المشاهدين، يرى ويسمع، وعش رجباً ترى عجباً، وإن لم يكن مستقيماً جُر إلى خشبة  المسرح، وأصبح قصة للآخرين، وقد قال الله تعالى:

﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ (44) ﴾

( سورة المؤمنون الآية: 44 )

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS