12090
أحاديث رمضان 1426هـ - الفوائد - الدرس (35-36) : إن الله جميل يحب الجمال -1
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-01-01
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

إن الله جميل يحب الجمال

 مع فائدة جديدة من فوائد ابن القيم رحمه الله تعالى، لكن هذه الفائدة متعلقة بموضوع قلما يطرقه الدعاة إلى الله، مع أنه موضوع أساسي جداً، ألا وهو موضوع الجمال، ففي كل إنسان منا حاجة إلى الجمال، شئت أم أبيت، أدركت أم لم تدرك، عرفت أم لم تعرف، هناك حاجة أساسية للجمال، وما لم تلبَّ هذه الحاجة وفق منهج الله ففي الأعم الأغلب تلبى بخلاف منهج الله، والطرف الآخر أدركوا هذه الحاجة فجعلوا بلادهم جنة، دعك من فسقهم وفجورهم وإباحيتهم، وعدوانهم المظهر الجمالي جداً، كل شيء جميل، كل شيء أنيق، كل شيء نظيف، فهذه الحاجة أدركها أعداء المسلمين فجذبوا إليهم شباب المسلمين فإذا أهمل المسلم هذه الناحية الجمالية يخالف  منهج الله عز وجل، لكن حينما نجعل محور هذا الدرس:

(( إن الله جميل يحب الجمال ))

 نقف وقفة متأنية عند

(( إن الله جميل ))

 ، كيف يكون الله جميلاً ؟

كسف يكون الجمال ؟

 أيها الإخوة الكرام، قال بعض العلماء: هذا فصل من أعز أنواع المعرفة، معرفة الرب سبحانه وتعالى بالجمال، هو يعرف بالجلال، ويعرف بالكمال، لكنه يعرف بالجمال، هذه معرفة خواص الخلق، وقلة قليلة من خواص الخلق تعرف الله بالجمال، لأن معظم الناس عرفوه بصفة من صفاته، وأتمهم معرفة من عرفه بكماله وجلاله وجماله، حاجتك إلى الجمال حاجة أساسية، والجمال أنواع، لكن أي إنسان من أي صنف، من أي طبقة، من أي ثقافة، من أي طائفة عنده حاجة إلى الجمال، وهذه الحاجة تلبى في أعلى مستوياتها، وأنت في أعلى درجات القرب من الله.
 كنت أقول قديماً: إن كلمة مؤمن تعني أنها مرتبة علمية، ومرتبة أخلاقية، ومرتبة جمالية، لمجرد أن تقول: مؤمن، بالمعنى الدقيق الصحيح على حد جيد جداً من المعرفة، لأنك إذا عرفت أصل الكون، وأصل الوجود، فهذه أعلى درجات المعرفة، فالذي عرف الله عز وجل هو في أعلى درجات المعرفة.
 كنت مرة في بلد بعيد ودعيت إلى زيارة معبد من المعابد الوثنية، المعبد كلفته تزيد على ستة ملايين دولار، والآلهة في المعبد من البرونز، وأصدر الإله على زعمهم من الماس البرلنت، وهذا أغلى أنواع الألماس، التمثال بالملايين وهناك كسّارة حبة جوز في مدخل المعبد، سألتهم: لمّ هذه الكسارة ؟ فقال: الآلهة يحبون جوز الهند، فنكسرها لهم، وقد يأتي العباد إلى هذا المعبد، وهم يحملون الدكتوراه .
فأنت حينما تعرف الله فأنت في أعلى درجات العلم، فكلمة ( مؤمن ) مرتبة علمية، وكلمة ( مؤمن ) مرتبة أخلاقية، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن يكون المؤمن كاذباً، أو مخادعاً، أو لئيماً، أو سارقاً، أو منحط الأخلاق، أو إباحياً، أو متعجرفاً، كلمة ( مؤمن ) تعني أنه اتصل بأصل الكمال، فاشتق منه الكمال، مكارم الأخلاق مخزونة عند الله عز وجل، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً، وكلمة مؤمن مرتبة جمالية له أذواق خاصة.
 أحياناً هؤلاء الشاردون يذهبون إلى المقاهي العامة حيث السخط والضجيج والنساء الكاسيات العاريات، والأغاني تصدح، وتصم الآذان، وكل إنسان عينه على زوجة الآخر، ويعودون إلى البيت، وقد نشب الخلاف بين الزوج وزوجته، لماذا ابتسمتِ لفلان ؟ ولماذا نظرت إلى فلانة ؟ تكون نزهتهم قطعة من الجحيم، دعك من الحلال والحرام، إن مستوى الذوق متدنٍ جداً، فأنا أرى أن المؤمن له حد جيد من العلم، ومن الخلق، ومن الذوق، إذاً الله عز وجل يعرف بكماله، وجلاله، وجماله.
 قال بعض العلماء: لو كان كل الخلق من دون استثناء ذكوراً وإناثاً في أعلى درجات الجمال، فإذا كان للجمال وحدات تقييم أحياناً فإنسان يفوق المئة درجة مئة وخمسين درجة، يقول لك: جمال أخاذ، لو أن الناس جميعاً من آدم إلى يوم القيامة ذكوراً وإناثاً كانوا على أعلى مستويات الجمال الصارخ الأخاذ لا يساوون شمعة أمام أشعة الشمس، أمام جمال الله عز وجل، لكن هناك جمال الظاهر، و هناك جمال الباطن في الدنيا والآخرة.

جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء

 أيها الإخوة الكرام، بعضهم قال: الله جل جلاله يعرف بجمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، والنبي عليه الصلاة والسلام في الطائف قال:

(( أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، و صلح عليه أمر الدنيا و الآخرة ))

[الجامع الصغير عن عبد الله بن جعفر]

 وقال بعض الصحابة، وهو عبد الله بن مسعود: << ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات و الأرض من نور وجهه >>، فهو سبحانه نور السماوات والأرض:

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[ سورة النور: الآية 35]

 ويوم القيامة إذا جاء لفصل القضاء تشرق الأرض بنور ربها، وأسماؤه كلها حسنى.
 أحياناً تمشي في طريق فتجد النوادي، والمقاهي، والمطاعم، وإعلانات كثيرة لراقصة ومغنية، وطعام وخمور، التحليل الدقيق: هذا الذي جاء إلى هذا المكان لماذا جاء ؟ الصراحة جاء ليستمتع بطعام طيب، ويتوهم أن الخمر ينسيه المشاكل، ويستمع إلى مغنٍّ، وينظر إلى جمال راقصة.
 إذاً هو يبحث عن المتعة، أليس كذلك ؟ لكن هؤلاء الذين يملؤون المقاهي والملاهي الليلية، والأماكن التي لا ترضي الله هم يبحثون عن متعة بحسب تصورهم، ولكنهم لو عرفوا أنهم إذا اتصلوا بالله عز وجل وصلوا  إلى الجمال المطلق، لذلك يروى في بعض الأحاديث الشريفة أن المؤمن يوم القيامة و هو في الجنة إذا نظر إلى وجه الله الكريم يغيب خمسين ألف عام من نشوة النظرة:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾

[ سورة القيامة ]

 القصة كلها أن الإنسان حينما يعلم أن القوة لله جميعاً ـ كلمة دقيقة جداً و شمولية ـ القوة المادية من الله، وقوة الكمال من الله، وقوة الجمال من الله، هو انصرف إلى سواه، انصرف إلى امرأة، أو إلى بيت فخم، أو إلى مركبة، أو إلى إطلالة في مكان جميل، لكن لو يعلم أن القوة لله جميعاً إذاً يُعرف الله جل جلاله بجمال الذات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، أسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها فضلى، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة  وعدل ورحمة، أما جمال الذات فهذه منطقة محاطة بخطوط حمراء، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))

[الجامع الصغير عن ابن عباس]

 لا يمكن لمخلوق كائنًا من كان أن يطلع على جمال الذات، الله عز وجل علّم النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول:

(( سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ))

[أبو داود عن أبي هريرة]

 فجمال الذات لا نستطيع أن نحصيه إطلاقاً، لأن هذا يفوق قدرات الإنسان، فلا يعرف جمال الذات إلا الله، لا يدركه سواه، ولا يعلمها غيره، وليس عند المخلوقين إلا تعريفات يعرفون بها جمال الذات بطريقة منطقية أو استنباطية، وهذا الجمال، جمال الذات مصون عن الأغيار، محجوب بستر الرداء والإزار.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))

[أبو داود عن أبي هريرة]

 جمال الذات محجوب عن الخلق.
 فما قولك بجمال حجب بجمال الصفات ؟ وما قولك بجمال الصفات الذي حجب بجمال الأفعال ؟ وستر في النهاية بنعوت العظمة والجلال ؟ فمن معرفة الأفعال، إلى معرفة الصفات، ومن معرفة الصفات، إلى معرفة الذات، فإذا شاهد الإنسان شيئاً من جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات.
 أيها الإخوة الكرام، الإله العظيم يحمد لذاته، هذه فكرة دقيقة، فأنت أحياناً لك ابن عم، وليس بينك وبينه أية صلة، لكن تستمع إلى قصة عنه تعجب به، مع أن العلاقة بينك وبينه مقطوعة، فإذا قدرته، وأكبرته، ووقرته مع أن العلاقة بينك وبينه مقطوعة نقول: إنك قدرته لذاته، لأنه عمل عملاً بطولياً.
 جاءتني رسالة من صاحب مطعم بتركيا، مطعم متوسط، نسي عنده سائح ألماني مئتي ألف يورو، وهذا صاحب المطعم التركي قدم هذا المبلغ للشرطة، وهذا السائح بقي يومين في كآبة ما بعدها كآبة، لأنه نسي أين نسي المبلغ، فجاء ليتسلم المبلغ، أعطى صاحب المطعم خمسمئة يورو، فرفض أن يأخذها، قال له: أنا أعمل عشر ساعات عملاً شاقاً من أجل أن أطعم أولادي رزقاً حلالاً، لا نعرفه، ولا نعرف اسمه، ولم نره، لكننا تأثرنا إلى بهذه القصة.
 إذاً أنت أحياناً تقدر الجمال لذاته، هذا جمال الأفعال، نحن بالمناسبة نقول: ( جمال ) فلا يقفز إلى ذهنك إلا جمال الصورة، فلان طويل القامة، لونه مشرق، مثلاً، جسمه متناسق، فقط، مع أنه بعد قليل ترون أن هناك للأفعال جمالا يفوق حد الخيال.
 بعض التابعين كان قصير القامة، أحنف الرجل، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، أسمر اللون ليس شيء من قبح المنظر إلا هو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه، إذا غضبَ غضب لغضبته مئة ألف سيف، لا يسألونه فيما غضب، وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه، وكان مرة في مجلس معاوية، وكان المجلس من أجل أخذ البيعة ليزيد، وكل من حضر المجلس أثنى ثناءً على يزيد، وبقي الأحنف صامتاً، فأحرج معاوية، قال له: يا أحنف، قل، لمْ تقل شيئاً، فقال كلمة، قال: أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت، فكان تلميحاً أبلغ من تصريح.
 هذا الإنسان بطل، لكن جماله جمال أفعال، وجمال صفات، فإذا كنت خاطبًا، ولم تعثر على بيت، وبقيت سنة وزيادة، وكادت الخطبة أن تنفسخ لعدم العثور على بيت، وجاء إنسان فقدم لك بيتًا هدية، جيد جداً، بحي جيد، من دون مقابل، لكن هو ليس جميلاً من حيث الشكل، أنا أعتقد لا تغيب صورته الرائعة عن ذهنك ولا دقيقة، لأنها قضية جمال الأفعال.
 إن الإله الحق يجب أن يُحَب لذاته، وأن يُحمد لذاته، فكيف إذا انضاف إلى ذلك إحسانه وإنعامه، وحلمه وتجاوزه وعفوه، وبره ورحمته، الإله يحب لذاته، يحمد لذاته، فكيف إذا أضيف لهذه المحبة الذاتية إحسانه لك، وإنعامه عليك، وحلمه وتجاوزه، وعفوه وبره، و رحمته، فعلى العبد أن يعلم أنه لا إله إلا الله، فيحبه، ويحمد لذاته وكماله، وأن يعلم أنه لا محسن على الحقيقة إلا الله، أحسن إلينا بأصناف النعم الظاهرة والباطنة، لذلك ورد  في بعض الأحاديث:

(( أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه، و أحبوني بحب الله، و أحبوا آل بيتي بحبي ))

[الترمذي عن ابن عباس]

 غاية الحب ينبغي أن تكون لله، وغاية الذل ينبغي أن تكون لله.

أصول محبة الله: الإخبار عنه بالمحامد، والمحبة له

 الآن محبة الله عز وجل تنطوي على أصلين كبيرين:

الأصل الأول: الإخبار بمحامده و صفاته و كماله

 أي إنسان يحب لا يبقى ساكتاً، إن كنت تحبه حقاً يجب أن تتكلم عن محبتك له، أن تتكلم عن كماله، أن تتكلم عن جماله، أن تتكلم عن جلاله، فمن أركان المحبة أن يكثر ذكر الله على لسانك، وقد برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله.
إنك إن ذكرتني شكرتني، وإذا ما نسيتني كفرتني، يا موسى أتحب أن أكون جليسك ؟ قال: كيف ذلك يا رب، وأنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني.
فالأصل الأول: الإخبار بمحامده وصفاته وكماله، والمحبة له، تخبر وتحب، فمن أخبر بمحاسن غيره من غير محبة له لم يكن حامداً، أخبر بكمال الله وبجلاله وبجماله، لكنه لا يحب، ما معنى لا يحب ؟

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾

[ سورة آل عمران: الآية 31]

يوجد تعريف للمحبة دقيق جداً وقطعي:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾

[ سورة آل عمران: الآية 31]

 فمحبته تقتضي أصلين، الأصل الأول: الإخبار بمحامده و صفاته و كماله.

الأصل الثاني: المحبة له

 فمن أخبر بمحاسن غيره من غير محبة له لم يكن حامداً، ومن أحبه من غير إخبار بمحاسنه لم يكن حامداً.
نحن في حياتنا يوجد أشخاص لا ينطق بكلمة، ولو قدمت له روحك، تقدم له كل شيء يبقى ساكتاً، ويوجد إنسان يثني عليك بما ليس فيك أي منافق، علامة محبتك لله أن تذكره بجلاله وكماله وجماله، وأن تحبه.
أيها الإخوة الكرام، هذا عن كلمة واحدة: إن الله جميل.
 وفي فائدة أخرى إن شاء الله تعالى نتحدث عن قوله:

(( يحب الجمال ))

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS