11302
أحاديث رمضان 1426هـ - الفوائد - الدرس (21-36) : القرآن الكريم كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-10-28
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين

القرآن كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته:

 أيها الأخوة الكرام، مع حكمة من حكم ابن القيم ـ رحمه الله عز وجل ـ في كتابه الفوائد، يقول: " القرآن كلام الله، وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته، فتارة يتجلى في جلباب الهيبة والعظمة والجلال.
 قال تعالى:

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78) ﴾

(سورة الرحمن )

 فإذا تجلى بجلباب العظمة والجلال تخضع الأعناق، وتنكسر النفوس، وتخشع الأصوات، ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء، وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال، وهو كمال الأسماء، وجمال الصفات، وجمال الأفعال الدال على كمال الله، فيستنفذ حبه من قلب العبد قوة الحب كلها، فلا يحب إلا الله بحسب ما عرفه من صفات جماله، ونعوت كماله، فيصبح فؤاد عبده فارغاً إلا من محبته، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، فإذا أراد من الغير أن يعلق تلك المحبة به أبى قلبه وأحشاؤه كل الإباء، فتبقى المحبة له طبعاً لا تكلفاً ".
 سيدنا عبد الله بن رواحة عُيّن القائد الثالث في معركة مؤتة، أول قائد استشهد أمامه سيدنا زيد بن ثابت، وثاني قائد استشهد أمامه، فجاء دوره، وكان شاعراً، قال بيتين يستغرقان عشر ثوان:

يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا  حمام الموت قد صليتِ
إن تفعلي فعلهما رضيتِ  وإن توليتِ فقد شقيــتِ
***

 وأخذ الراية، وقاتل بها حتى قتل، النبي عليه الصلاة والسلام أطلعه الله على ما جرى في مؤتة، فقال: أخذ الراية أخوكم زيد، فقاتل بها حتى قتل، وإني أرى مقامه في الجنة، ثم أخذها أخوكم جعفر، فقاتل بها حتى قتل، وإني أراه يطير بجناحين في الجنة، سيدنا جعفر ذو الجناحين، وسكت النبي عشر ثوان بقدر تردد عبد الله بن رواحة، فقالوا: ما فعل عبد الله ؟ قال: ثم أخذ الراية أخوكم عبد الله، فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه، تردد عشر ثوان في بذل أغلى ما تملك، روحك ونفسك، هبط المقام، فكيف حال المسلمين اليوم ؟ إنهم غارقون في المعاصي، والآثام، والاختلاط، والغيبة، والنميمة، والكيد لبعضهم، هذا يفسر لكم كيف أن عشرة آلاف صحابي رفرفت راياتهم في أرجاء الأرض، وحاربوا أقوى دولتين وقتها تماماً كاليوم كيف لو أن جماعة في دولة نامية متخلفة صحراوية، تستطيع أن تهزم القوة الأولى في العالم بأسلحتها الجبارة، النسبة واحدة.

الله عز وجل يريد من الإنسان أن يهابه و يحبه ويخافه ويرجوه:

 وإذا تجلى بصفات الرحمة، والبر، واللطف، والإحسان، انبعثت قوة الرجاء من العبد، وانبسط أمله، وقوي طمعه، وسار إلى ربه، وحادي الرجاء يحدو ركاب سيره، وكلما قوي الرجاء جدّ في العمل، كما أن الباذر كلما قوي طمعه في الغلة أغرق أرضه بالبذر، وإذا ضعف رجاؤه قصر في البذر.
يتجلى تارة باسم الجلال، وتارة باسم الكمال، وتارة باسم الرحمة، بالجلال تهابه، بالكمال تحبه، بالرحمة ترجوه، والله عز وجل يريدك أن تهابه، وأن تحبه، وأن تخافه، وأن ترجوه، قال: يا رب، إنك تعلم أنني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي.
 التعليق: ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني، وإذا تجلى بصفات العدل، والانتقام، والغضب، والسخط، والعقوبة قمعت النفس الأمارة، وبطلت، أو ضعفت قواها من الشهوة، والغضب، واللهو، والحرص على المحرمات، وانقبضت أعنة رعونتها فأحضرت المطية حظها من الخوف والخشية والحذر، صفات العدل.
والله سمعت قصة من قريب لي من ثلاثين عاماً، أن إنساناً نَقَم على هرة، فشنقها، فقال له رجل يعرف الله: تب إلى الله، واستغفر من ذنبك، وادفع صدقة، فازداد سخرية وكبراً، هذا كان ضابطًا في الجيش العثماني، انسحبت قوات الجيش العثماني، وأصبح من أكبر معاوني كمال أتاتورك، وعينه حاكم إزمير العسكري، وبعد عشرين عاماً أمر كمال أتاتورك بأمر معين في الزي، فلم يستجب صديقه هذا الحميم فشنقه، وهو ضابط أمام مركز عمله في إزمير، هذه سمعتها من قريب لي، فلما ذهبت إلى تركيا قرأت كتاباً عن كمال أتاتورك، فإذا فيه هذه القصة، ووجود هذه القصة في الكتاب أكدت لي هذه الحقيقة، الله عز وجل عدل، واللهِ ينبغي أن ينخلع قلبك لو قتلت حشرة، ينبغي ألا تقتل، فكيف بهؤلاء الذين يبنون مجدهم على أنقاض الشعوب ؟ كيف بهؤلاء الذين يبنون غناهم على إفقار الناس ؟ يبنون أمنهم على خوفهم ؟ يبنون غناهم على فقرهم ؟ يبنون عزهم على ذلهم ؟

في الجلال خوف من الله وفي الكمال محبة وفي العدل ضبط وفي السمع والبصر حياء:

 صدقوا أيها الأخوة، هناك دراسة نفسية أن أغبى صنف في المجتمع البشري هم الطغاة، لماذا هم أغبى صنف ؟ لأنهم حينما تحركوا بقوتهم لم يدخلوا الله في حساباتهم، والله عز وجل منتقم، والله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

( سورة البروج )

 إذا أعطى أدهش، وإذا حاسب فتش.
 وإذا تجلى بصفات الأمر والنهي، والعهد والوصية، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وشرع الشرائع انبعثت في النفس قوة الامتثال والتنفيذ لأوامره، والتبليغ لها، والتواصي بها، وذكرها، وتذكرها، والتصديق بالخبر، والامتثال للطلب، والاجتناب للنهي، وإذا تجلى ربنا بصفات السمع والبصر والعلم ـ أي تتكلم يسمعك، تتحرك يراك، تضمر شيئاً في نفسك يعلمه ـ إذا تجلى بصفات السمع والبصر والعلم انبعثت من العبد قوة الحياء فيستحي من ربه أن يراه على ما يكره، أو يسمع منه ما يكره، أو يخفي في سريرته ما يمقته الله، فتبقى حركاته، وأقواله، وخواطره موزونة بميزان الشرع، غير مهملة ولا مرسلة تحت حكم الطبيعة والهوى، وإذا تجلى بصفات الكفاية والحسب، والقيام بمصالح العباد، وسوق أرزاقهم إليهم، ودفع المصائب عنهم، ونصره لأوليائه، وحمايته لهم، و معيته الخاصة لهم انبعثت في العبد قوة التوكل عليه، والتفويض إليه، والرضا به، وبكل ما يجريه على عبده، ويقيمه فيه مما يرضى به هو سبحانه، والتوكل معنىً يلتئم من علم العبد بكفاية الله له، وحسن اختياره لعبده، وثقته به، ورضاه بما يفعله ويختاره له.
 أرأيتم مجموعة هذه الصفات، إذا تجلى الله عز وجل بها على قلب المؤمن انبعثت في قلب المؤمن نشاطات تناسب هذه التجليات، ففي الجلال خوف، وفي الكمال محبة، وفي العدل ضبط، وفي السمع والبصر حياء، وفي الأمر والنهي مبادرة إلى الطاعة، وفي الكفاية: قل: حسبي الله ونعم الوكيل، هو الحسب،

﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾

 ، هذه الصفات تجعل الإنسان مطمئناً لا يخاف.

الفرق بين المؤمن وغير المؤمن:

 أيها الأخوة الكرام، الفرق بين المؤمن وغير المؤمن فرق كبير، ليس فرقاً أن هذا يصلي، وهذا لا يصلي، لا، الفرق أعمق بكثير، إذا خاف الناس جميعاً، وسحقوا، و أحبطوا، هو لا يخاف، لأنه يعلم علم اليقين بأن مصيره بيد الله، وأن الله لا يسلمه لأحد،

﴿ إِلَيْهَ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

 قال: وإذا تجلى بصفات العز والكبرياء أعطت نفسه المطمئنة ما وصلت إليه من الذل لعظمته، والانكسار لعزته، والخضوع لكبريائه، وخشوع القلب، والجوارح، فتعلوه السكينة والوقار في قلبه ولسانه، وجوارحه وسمته، ويذهب طيشه وقوته وحدته.

الله سبحانه وتعالى يتجلى على عبده بصفات ألوهيته تارة وبصفات ربوبيته تارة أخرى:

 هذه المعاني أيها الأخوة الكرام هي ثمرات الاتصال بالله عز وجل، وقضية الصلاة ليست كما يتوهمها الناس، أنه سقط الوجوب وإن لم يحصل المطلوب، مادمت في اتصال مع الله عز وجل، وفي قلبك طمأنينة، وفي قلبك خوف مقدس، وفي قلبك رجاء، وفي قلبك انضباط، وفي قلبك محبة، وفي قلبك هيبة.
قال: وجماع ذلك كله أنه سبحانه وتعالى يتجلى على عبده بصفات ألوهيته تارة، وبصفات ربوبيته تارة أخرى.
الربوبية الإمداد، والألوهية التسيير.
فيوجب له شهود صفاته الألوهية، والمحبة الخاصة، ويورث هذا له الشوق إلى لقائه، والأنس والفرح به، والسرور بخدمته، والمنافسة في قربه، والتودد إليه في طاعته و بذكره، والفرار من الخلق إليه، ويصير هو وحده همه دونما سواه، ويوجب له شهود صفات الربوبية، والتوكل عليه، والافتقار إليه، والاستعانة به، والذل، والخضوع، والانكسار له، وكمال ذلك أن يشهد ربوبيته في ألوهيته، وألوهيته في ربوبيته، وحمده في ملكه، وعزه في عفوه، وحكمته في قضائه، وقدره ونعمته في بلائه، وعطاءه في منعه، ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وبره ولطفه وإحسانه، ورحمته في قيومته، وعدله في انتقامه، وجوده وكرمه في مغفرته، وستره، وتجاوزه، يشهد حكمته ونعمته في أمره ونهيه، وعزه في رضاه وغضبه، وحلمه في إمهاله، وكرمه في إقباله، وغناه في إعراضه.

أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً:

 أيها الأخوة الكرام، هذا الذي ما فكر في أسماء الله الحسنى، ولا سار في طريق معرفة الله المعرفة التفصيلية ما عرفه.
أحياناً الإنسان المقصر يسب الدين، هل تعلم ماذا يعني ذلك ؟ أنه نال صفراً في إيمانه، الذي تردد عشر ثوان في تقديم روحه وحياته في سبيل الله هبط مكانه، فكيف الذي يتفنن في إيذاء خلقه ؟ كيف الذي يبني غناه على إفقار الناس ؟ كيف الذي يتفنن في إيذاء الخلق ؟ شهد الله أن الإنسان حينما يكتشف مصيره في تفلته، وفي تجاوزه، وفي أكله المال الحرام، وفي عدوانه على أعراض الناس، والله كما ورد في بعض الأحاديث حينما يرى مكانه في النار يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا، كلما ازددت عقلاً ينبغي أن تزداد منه خوفاً، وكلما ازددت عقلاً ينبغي أن تزداد له حباً، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً، هو الحقيقة المطلقة، ولا حقيقة سواه، وكل الفلاح والنجاح، والفوز والتفوق، والعقل والذكاء في التقرب منه، وكل الضلال والشقاء، والعماية والغباء، في عمل شيء يبعدك عنه، هذه الحقائق سوف يكشفها أهل الأرض جميعاً عند الموت،

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ ﴾

 الشهوة غطاء

﴿ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

 أنت حينما تعرف الله فقد وصلت إلى كل شيء، وحينما تغفل عنه فاتك كل شيء، إنه عمر قصير، ونحن جميعاً سوف نموت، بعد كم من السنين لا ترى واحداً منا فوق الأرض ؟ كلنا في مقبرة الباب الصغير، قبر المرحوم فلان، لكن ما الذي يبقى ؟ فاعل الخير خير من الخير، الخير مهما كان عظيماً محدوداً، أنشأ مئة مستشفى جيد، أنشأ مئة مدرسة إسلامية جيد، انقضت الحياة الدنيا، هذا الذي تقرب إلى الله بهذا العمل يسعد بعمله إلى أبد الآبدين، لذلك فاعل الخير خير من الخير، وفاعل الشر شر من الشر، الذي ألقى قنبلة على هيروشيما، ومات من جراء هذه القنبلة كما قرأت ثلاثمئة ألف إنسان في عدة ثوان، القصة مضى عليها ما يزيد على سبعين أو ثمانين عاماً، هؤلاء لو لم تلقَ عليهم هذه القنبلة لماتوا، الشر الكبير انتهى بعد مئة عام، أما هذا الذي أراد أن يقتل ثلاثمئة ألف إنسان في عدة ثوان، هذا يشقى بعمله إلى أبد الآبدين.

بطولة الإنسان أن يكون له عمل طيب يستمر بعد موته:

 البطولة أيها الأخوة الكرام، أن يكون لك عمل طيب يمتد بعد موتك، وهذه أعظم الأعمال الصالحة، الأعمال التي تمتد بعد الموت تستمر بعد الموت، الآن إذا تدبرت القرآن، وأجرته من التحريف، وأن تقضي عليه بآراء المتكلمين، وأفكار المتكلفين، ولو أن الله عز وجل كلف نبيه المعصوم المخلوق الأول الذي لا يخطئ أن يفسر القرآن لانتهى القرآن، لأن ثمة إنساناً أعطى كل آية معناها، وانتهى الأمر، القرآن الكريم كلام الله، لا تحدّ معانيه، هناك حكمة بالغة جداً من أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفسره، لأن معانيه متجددة، أحياناً آية تقرأها لألف و ثلاثمئة عام عادية، يأتي حدث كبير تشعر أن هذه الآية اكتسبت معنى آخر، لذلك سيدنا علي قال: " في القرآن آيات لما تفسر بعد "
إذاً أيها الأخوة الكرام، ليلة القدر من معانيها أن الله عز وجل إذا تجلى عليك في هذه الليلة لأهلية معك، ولسبب قدمته لله عز وجل خير لك من ألف شهر، من أن تعبد الله عبادة جوفاء ثلاثة وثمانين عاماً، ليلة القدر خير من ألف شهر، أسأل الله لي ولكم أن يفتح علينا.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS