14410
التفسير المطول - سورة الزمر 039 - الدرس (07-20): تفسير الآيات: 11-15، الإخلاص والطاعة والخوف من الله تعالى. `
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-02-26
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإنسان مخلوقٌ من أجل أن يعبد الله :

 أيها الأخوة الأكارم، مع الدرس السابع من سورة الزُمَر، ومع الآية الحادية عشرة وهي قوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

 الآية التي قبلها:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ* قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ* ﴾

 الذي يبدو أن كل شيءٍ مسخَّرٌ لشيء، فالماء مسخَّرٌ للأرض، والأرض مسخَّرةٌ للنبات، والنبات مسخَّرٌ للحيوان، والحيوان مسخرٌ للإنسان، والإنسان مسخرٌ لمن؟ لله عزَّ وجل، ابن آدم خلقتك لنفسي وخلقت كل شيء لك فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له؛ وفي أثر آخر: خلقتك لنفسي كل شيء لك فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب.
 أنت مخلوقٌ من أجل أن تعبد الله، الله عزَّ وجل قال:

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾

[ سورة البقرة: 30 ]

الإنسان مزوَّدٌ من بين جميع المخلوقات بقدرةٍ إدراكيَّة تميِّزه عن بقيَّة المخلوقات :

 أنت أيها الإنسان خليفة الله في الأرض، آيةٌ دقيقةٌ جداً،

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾

 أنت خليفة الله في الأرض، وخليفة الله في الأرض من لوازمه، أو من أولى خصائصه، أو من أوَّل واجباته أن يتعرَّف إلى الله عزَّ وجل، وهل تصدِّق أن خلق السماوات والأرض من أجل أن تعرف الله، وإليك الدليل النقلي:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ ﴾

[ سورة الطلاق: 12 ]

 علَّة خلق السماوات والأرض أن تعلم:

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق: 12 ]

 أنت أيها الإنسان مزوَّدٌ من بين جميع المخلوقات بقدرةٍ إدراكيَّة، هي التي تميِّزك عن بقيَّة المخلوقات، الطعام والشراب تتساوى فيه مع بقية المخلوقات، النوم، العمل، المُتعة، الملذَّات، كل المخلوقات على نوعٍ أو على شيءٍ من خصائص الإنسان، إلا أن الإنسان يتميَّز على بقية المخلوقات بهذا العقل الذي زوَّده الله به، فالقوة الإدراكيَّة إن لم نستخدمها فقد احتقرناها، والدليل أن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾

[ سورة البقرة: 130 ]

 هذا الذي لا يفكِّر، لا يعقل، لا يطلب العِلم، لا يبحث عن سر وجوده، لا عن مهمَّة وجوده، هو الذي يعيش على هامش الحياة، يأكل ويتمتَّع كما تأكل الأنعام، هذا الإنسان احتقر نفسه، ما عرف قيمتها.

عبادة الله عزَّ وجل لها معنيان معنى الخضوع ومعنى الحُب :

 شيءٌ ثابت أنك المخلوق الأول..

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب:72 ]

 أنت المخلوق المكرَّم:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء الآية: 70]

 فأنت خليفة الله في الأرض، وأنت المخلوق الأول، والمخلوق المكرَّم، وأنت الذي قبلت حمل الأمانة، وأن كل شيءٍ خُلِقَ من أجلك:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾

[ سورة الجاثية: 13 ]

 أنت مخلوقٌ لماذا؟ من أجل أن تعرفه، من أجل أن تصل إليه، من أجل أن تُقبل عليه، من أجل أن تسعد بقربه، من أجل أن تكون نموذجاً للمخلوقات، فلذلك جاء الأمر الإلهي:

﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ ﴾

 مرَّة ثانية: عبادة الله عزَّ وجل لها معنيان، فيها معنى الخضوع وفيها معنى الحُب، فالذي خضع لله عزَّ وجل ولم يحبَّه ما عبده، والذي أحبَّه ولم يخضع له ما عبده..

تعصي الإله وأنت تظهر حبَّه  هذا لعمريِ في المقالِ شنيعُ
لـو كان حبُّك صادقاً لأطعته  إنَّ المحبَّ لمن يحبُّ يـطيعُ
* * *

العبادة طاعةٌ وحُب :

 يا أيها الأخ الكريم، ينبغي أن يبقى في ذهنك أن العبادة هي في الأساس طاعةٌ ومَيْل، طاعةٌ بلا مَيل تسمى طاعة، وميلٌ بلا طاعة يسمَّى نفاق، لأن الإيمان بلا عمل جنون، والعمل بلا إيمان لا يكون، إذاً العبادة طاعةٌ وحُب، والدليل:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾

[ سورة الروم: 30]

 فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ - هذه الطاعة - حَنِيفاً، هو الميل أي مائلاً، أن تقيم وجهك للدين حنيفاً هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها.
 فيا أيها الأخوة الأكارم, بنفوسنا حاجة لا يلبِّيها إلا الإيمان، وبعقولنا فراغ لا يملؤه إلا الإيمان، بنفوسنا خلل لا يقيمه إلا الإيمان، لو تعلَّمت وارتقيت إلى أعلى درجات العلم، إن لم تؤمن ففي هذا العلم نقص صارخ، لو وصلت إلى أقصى الغايات إن لم تؤمن تبقى مضطرباً، فكيف أن الإنسان مفطور فطرة سويَّة، فهذه الفطرة لا ترتاح ولا تطمئن إلا بطاعة الله. الإنسان قبل أن يؤمن في قلق، وخلل، وانهيار، وتعتريه ردود فعل عنيفة وتشاؤم، كما يعتريه جبن وهلع، والنفس لا تستقر ولا تتوازن ولا تسعد ولا تطمئن إلا بمعرفة الله وطاعته، لذلك أنت إذا آمنت بالله، واستقمت على أمره فقد أرحت نفسك وأرحت الناس، استقرَّت نفسُك.

الطاعة من ثمارها الطمأنينة والسكينة :

 كل واحد منكم أنا أسأله هذا السؤال: وازن بين حالتك قبل أن تصطلح مع الله، وبعد أن اصطلحت مع الله؟ قبل أن تصطلح هناك أمراضٌ نفسيَّةٌ كثيرة؛ هناك خلل، هناك قلق عميق، هناك تشاؤم، أما إذا عرفت الله عزَّ وجل تشعر براحةٍ ما بعدها راحة، ما هي هذه الراحة؟ راحة الفطرة، فالفطرة مثلاً مركبة ضع فيها وقوداً غير البنزين، تجد أنها اضطربت، المحرِّك لم يعمل أو ينفجر، أما إذا وضعت لها الوقود الذي صُمِّمَ لها فإنها تعمل بانتظام، الوقود المصمَّم لهذه المركبة يجعلها تعمل بانتظام، تستريح بها وتريح الآخرين، أما استعمالك وقوداً آخر فقد يؤدي إلى انفجار المحرِّك، أو قد تبقى متوقفة، أو قد يعمل ببطء، وقد يعمل ويقصر عمره، أما إذا أردت أن يعمل وفق الخطَّة المرسومة فاستعمل له الوقود المناسب.
 وكما قلت لكم: فأنت كإنسان من أرقى المخلوقات، لك عقلٌ وهو قوَّةٌ إدراكيَّة، يعدُّ الدماغ الذي هو أداة العقل أعقد ما في الكون، ولك نفسٌ حسَّاسةٌ دقيقةٌ، لها قوانين، ولها مبادئ، فإذا حدَّت عن مبادئها عذَّبتك هي قبل أن تُعَذَّب يوم القيامة، أمراض الكآبة التي تعاني منها المجتمعات الغربيَّة، الشقاء الزوجي وأسبابه المعصية، شقاء الشباب، شقاء الفتيات، شقاء الزوجات، شقاء الأزواج، هذا الشقاء أساسه المعصية، فالمعصية ندفع ثمنها باهظاً دون أن نشعر، والطاعة نقبض ثمنها دون أن نشعر، فالطاعة من ثمارها الطمأنينة، هذه السكينة التي وصفها الله عزَّ وجل في القرآن الكريم، من أجل هذا كلِّه قال:

﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً ﴾

 العبادة هي الطاعة، بالمناسبة: لا يمكن للعبد أن يطيع الله عزَّ وجل إلا إذا عرف حقائق ثابتة، أولها وأهمها أن الله موجود، هناك بعض الأشخاص وجود الله ليس داخلاً في حساباته، يتحرَّك ويتصرَّف وقد يغفل عن وجود الله، فحينما يكيدُ للآخرين، حينما يكيد لإنسانٍ مؤمن، هو يتصرَّف ويظن أن الله غير موجود، وكأن الله لا ينتقم منه، ولا يدبِّر له كيداً هذا إن اعتقد بوجوده..

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

أخطر شيء في الحياة التكذيب العملي :

 كل إنسان يؤذي، يتطاول، يعتدي، يطغى، يبغي، يأخذ ما ليس له، يلصق تهمة ببريء، يبتزُّ أموال الناس، فلو قال: لا إله إلا الله، هو يتصرَّف على أساس أن الله غير موجود، أما لو أيقن بوجوده لاختلف كل فعله، وقد قلت في الخطبة اليوم: إن أخطر شيء في الحياة التكذيب العملي، التكذيب القولي قلَّما تجد في العالَم الإسلامي من يكذِّب حقائق الدين، فمستحيل أن يقول لك إنسان: الله غير موجود. لكن عشرات، بل مئات، بل ألوف، بل مئات الألوف، بل ملايين من المسلمين يتصرَّفون وكأن الله غير موجود، نحن نريد أن يشعر المؤمن أن الله موجود، بل وأن يوقن حقاً أنه موجود..

﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾

[ سورة الطارق: 15-16]

 نسي الثانية: وَأَكِيدُ كَيْداً:

﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

[ سورة الأنفال: 30 ]

 معنى ذلك أن الإنسان إذا تصرف على أساس أن الله غير موجود فهو غير مؤمن، ولو قال بلسانه: أنا مؤمن.
 ضربت مثلاً: أنت زرت طبيباً، عالجك، ثم وصف لك وصفة، صافحته وقلت له: شكراً لك يا دكتور، أو يا حكيم، وصفته باسم الطبيب، وصافحته، وضغطت على يده، ونقدَّته أجرته، لكن لمجرَّد أنك لا تشتري الدواء الذي وصفه لك فهو لا يرقى عندك إلى مستوى الطبيب الناجح، عدم شرائك الوصفة تكذيبٌ لعلمه، ولو طبَّقت كل أساليب التعظيم، والتبجيل، والاعتراف بالفضل، والتوقير، هذا كلُّه لا يقدِم ولا يؤخِّر. إذاً أنت لن تعبد الله إلا إذا آمنت بوجوده، وإلا إذا كان إحساسك بوجوده دائماً.

الإيمان الصحيح يكون في الرخاء كما في الشدة :

 في البيع مثلاً، قد تبيع امرأة وقد تستغلُّ جهلها، وقد تبيع طفلاً صغيراً فإن استغللت صِغَرَهُ، وجهالته، وبعته بضاعةً سيئةً بثمن مرتفع، فاعلم علم اليقين أنك تبيع هذه البيعة وكأن الله غير موجود، فالإيمان بالله ليست كلمةً تقولها، إبليس قالها وهو الكافر الأول:

﴿ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

[ سورة ص: 82 ]

 هذا الاعتراف الشكلي لا قيمة له، بل إن الالتجاء إلى الله عزَّ وجل وقت الشدَّة أيضاً لا قيمة له، إن لم تكن مستقيماً على أمره في أيام الرخاء فلن يفيدك، كل مخلوق حينما يُسْقَطُ في يده يرجو الله عزَّ وجل، هذا شيءٌ طبيعي جداً، حتى الكفَّار، حتَّى الملحدون، إذا ركبوا في البحر، أو ركبوا طائرةً وأصبح الخطر قريباً، يقولون: يا الله.
 نحن نريد إيماناً مستقرَّاً في الرخاء، نريد أن تشعر أن الله موجود في حركاتك وسكناتك، في نشاطاتك، فلا بد من أن تؤمن أن الله موجود، وأن الله واحد، ما من إله آخر، ولن تجد إنساناً على وجه الأرض بإمكانه أن يفعل شيئاً لا نفعاً ولا ضُرَّاً أبداً، الأمر كلُّه بيد الله، موجود، وواحد، وكامل؛ وعادل، رحيم، حسيب، بالمرصاد، رقيب، سميع، مجيب، قدير، هذا الإيمان أن تؤمن به موجوداً، أن تؤمن به واحداً، أن تؤمن به كاملاً هذا الإيمان الصارخ، الواضح، الملموس، الذي يتغلغل في كيانك كلِّه، هذا الإيمان الذي يحملك على طاعة الله.
 تراقب الله، لا تقبل درهماً حراماً، ولا مثقالاً من درهم لأن الله يراقب، ولا تبتعد كثيراً، أنت إذا كنت في حضرة إنسانٍ تُجِلَّه لا تستطيع أن تفعل أمامه شيئاً لا يرضيه، هذا مع إنسان، وأحياناً الإنسان يُراقب، ويقال لك: هذه الصالة مراقبة فاحذر. مرَّة دخلت إلى محل تجاري، وجدت جهاز تلفزيون أمام مدير المَحل، وعلى الشاشة صورة مُحاسب، سألته فقال: المحاسب فوق، هذه كاميرا المراقبة، هذا إذاً مراقبٌ دائماً لا يستطيع أن يفعل شيئاً خلاف تعليمات المدير، فإذا إنسان راقب إنساناً تجد أن هناك انضباطاً، فكيف لو شعرت أن الله رقيبٌ عليك؟

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾

[سورة النساء:1]

الإنسان مخلوق لله عزَّ وجل وما أفدح خسارته إن باع نفسه لغير الله عزَّ وجل :

 إذاً: العبادة هي طاعةٌ مع الحُب، لأن الله عزَّ وجل خلقك من عدم فهذه نعمة الإيجاد، وخلقك وأمدَّك بكل ما تحتاجه فهذا مقام الربوبيَّة، وسيَّرك لصالحك هذا مقام الألوهيَّة، فالله عزَّ وجل هو الجهة الوحيدة الذي ينبغي أن تمحضَهُ كل الحب، كل الولاء، فالإنسان مخلوق لله عزَّ وجل، وما أفدح خسارته إن باع نفسه لغير الله عزَّ وجل.

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ ﴾

[ سورة التوبة:111]

 ذكاؤك، طلاقة لسانك، خبرتك، عضلاتك، وقتك، علمك، مالك أن يكون مبذولاً لجهة غير الله؟! فأنت الخاسر الأكبر، حقاً أنت الخاسر الأكبر إذا وظَّفت حظوظك التي منحك الله إيَّاها في سبيل الشيطان، أو في سبيل الدنيا، فالإنسان ينبغي أن يكون لله، هذا أول معنى..

﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ ﴾

 العبادة هي الطاعة مع الحُب، ولتعلم أن لكل عضو فيك عبادة؛ فالقلب له عبادة، الأعضاء لها عبادة، العين تعبد الله بأن تغضَّ عن محارم الله، الأذن تعبد الله، العين تعبد الله بشيئين؛ بشيء إيجابي وشيء سلبي، فالإيجابي أن ترى آيات الله - أُمرتُ أن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرةً - يجب أن ترى آثاراً عظيمة لله عزَّ وجل، وأن تغضَّ عن محارم الله وهذه الناحية السلبية، هذه عبادة العين.
 الأذن هذا الجهاز المعقَّد الذي يَحَار به الأطبَّاء، وحتى هذه الساعة الأطبَّاء لا يعرفون الفرق بين النَغَمِ وبين الضَجيج؟ وكيف أن هذه الأذن تستمتع بالنغم، وتنفر من الضجيج؟ قنوات، واتصالات، وعظيمات، وغشاء طبل، ومرونة بالغة في هذا الغشاء، وقناة ملتوية، وصيوان متعرِّج ليجمع الأصوات، الأذن وحدها تحتاج إلى مجلَّدات من أجل أن تستمتع بالصوت.

الإنسان له ظاهر وله باطن ظاهره خاضعٌ لأمر الله وباطنه مخلصٌ لله :

 هذه الأذن تعبد الله بها بأن تُصغي إلى الحق، وتعبد الله بها بأن تَمْتَنِعَ عن سماع الغناء، فالأذن تعبد الله بها، والعين تعبد الله بها، واليد تعبد الله بها، وهذا اللسان تعبد الله به، وهذا الدماغ تعبد الله به، تعمله في الحق لا بالباطل، وهذه الأجهزة حتى رجلك يمكن أن تعبد الله بها بأن تذهب بها إلى المساجد، وأن تبتعد عن كل مكانٍ لا يرضي الله عزَّ وجل:

﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

 فالجوارح تعبده بأن تأتمر بما أمر، وأن تنتهي عما عنه نهى وزجر، لكن القلب يعبده بالإخلاص، فدائماً الإنسان له ظاهر وله باطن، ظاهره خاضعٌ لأمر الله، باطنه مخلصٌ لله، فقد تجد مؤمنين يطيعان الله عزَّ وجل، أيهما أعلى عند الله؟ أعلاهما الأكثر إخلاصاً، والإخلاص محصِّلة الإيمان، التوحيد ينتهي بك إلى الإخلاص، رؤية ربوبيته تنتهي بك إلى الإخلاص، رؤية مقام الألوهيَّة تنتهي بك إلى الإخلاص، فمحصلة الإيمان بالله خالقاً، ورباً، ومسيِّراً، محصِّلة الإيمان بالله موجوداً، وواحداً، وكاملاً، محصِّلة رؤية يد الله وحدها تعمل في كل شيء، محصِّلة كل هذا الإيمان أن تخلص لله عزَّ وجل:

﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

 الدين يعني الخضوع، فلانٌ دان، الدينونة الخضوع، أنا مدين لفلان، فالدين في الأساس الخضوع، فالدين لله، الخضوع لله، فمن خضع لغير الله عزَّ وجل فقد أخطأ الهدف وضلَّ الطريق، خضوعك لا ينبغي أن يكون إلا لله وحده، لا يليق بك أن تعبد غير الله، ليس في الكون كلِّه جهةٌ تستأهلُ أن تُعْبَد من دون الله..

﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾

[ سورة المدثر:56]

الإنسان لا يخضع إلا لمن هو أعظم منه وأعظم العظماء الله جلَّ جلاله فالله تعالى مطلق:

 الدين هو الخضوع لله، فالإنسان يخضع لمن؟ لو تصوَّرنا إنساناً يحمل شهادة عُليا، وعيِّنَ في مكان المدير فيه يحمل ابتدائيَّة، هل يخضع هذا لهذا؟ مستحيل، يتنافسان، يتطاول عليه لأنه دونه، ولو كلَّفنا رتبة متدنية أن تقود رُتَباً عالية، هل يخضعون له؟ لا يخضعون له، بل يستعلون عليه، ينتقدونه، أما المجنَّد فإنه أمام من أعلى منه رتبة يخضع، مثلاً طالب أمام أعلى شهادة علميَّة يخضع، فالإنسان لا يخضع إلا لعظيم، من طبيعة الإنسان أنه لا يخضع إلا لمن هو أقوى منه، لمن هو أعلم منه، لمن هو أكمل منه.
 فالله عزَّ وجل مُطْلَق، ما معنى مطلق؟ أي نهاية القوَّة، القوَّة غير المحدَّدة، قوة البشر محدودة، أما الله عزَّ وجل قوَّته غير محدودة، عدالته غير محدودة، معنى مطلق أي أنه في كل شيء أعلى شيء، فمن هو الذي ينبغي أن تخضع له؟ هو المطلق؛ علمه مطلق، قدرته مطلقه، رحمته مطلقة، لطفه مطلق، فالإنسان لا يخضع إلا لمن هو أعظم منه، أعظم العظماء الله جلَّ جلاله، ملك الملوك الله جلَّ جلاله، أحكم الحاكمين الله جلَّ جلاله، أحسن الخالقين الله جلَّ جلاله، فله الدين، فالإنسان يكون مغبوناً كثيراً لو خضع لغير الله، لأن غير الله عزَّ وجل عاجز، ضعيف، والله عزَّ وجل يعلم والبشر لا يعلمون..

﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة:19]

 الله عزَّ وجل قوي والبشر ضِعاف، الإنسان تحت رحمة الله عزَّ وجل، فكل شخصيَّته اللامعة تنتهي لو تعطَّلت أعضاؤه، لو تخثَّرت نقطة دمٍ في شرايين دماغه لانتهى، فالإنسان قوي بالله، لكن من دون إمداد الله هو ضعيف، عالِم بالله، إذا حجب الله عنه علمه صار جاهل، حكيم بالله إذا سلب منه لُبَّه أصبح أخرق:

﴿ لَهُ الدِّينَ ﴾

 انظر إلى الآية ما أروعها وما أدق معناها:

﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

علو الهمَّة والطموح والتنافس من الإيمان :

 الإنسان لا ينبغي أن يقبل بالمرتبة الدنيا، علو الهمَّة من الإيمان، لماذا هو في الدنيا يحب الأكمل؟ لو اشتريت حاجة فيها خلل، تقول للبائع: أبدلها إذا سمحت. لماذا؟ لأنك تحب الكمال، لو كانت حاجة سعرها رخيص، لو كانت الأسطر غير متوازية، إذا سمحت بدله لي، أحياناً يكون الغلاف الخارجي الذي سوف ترميه بعد قليل غير مستقيم، فتقول: أرجوك أبدله لي. هذه طبيعة النفس أنها تحب الأكمل، ما دام الإنسان يحب الكمال فعليه أن يحب الله عزَّ وجل لأنه هو الكامل، وهو صاحب الذات الكاملة:

﴿ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

 لماذا أنت في الدنيا تحب الكمال؟ تحب البيت الأوسع، إذا خطبت تختار الأجمل، إذا اشتريت دكَّاناً تختار الأكمل؟ لماذا في كل حاجاتك تختار الأجدر والأغلى والأقوى والأثمن؟ لأن هذا من طبيعة الإنسان، مفطورٌ على حب الأكمل، فلماذا نحن نبتغي الكمال في الدنيا ونقنع بمرتبةٍ وراء باب الجنَّة كما يقول الجهلاء في الآخرة؟ لمَ لا يكون الإنسان عالي الهمَّة؟ ورد عن النبي الكريم أن:

((علو الهمة والمروءة من الإيمان))

[أبو داود عن من العهود المحمَّديَّة]

 وكذلك الطموح من الإيمان، الله عزَّ وجل قال:

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[ سورة المطففين: 26]

 هنا التنافس، أما أهل الدنيا يتنافسون في بيوتهم، في ولائمهم، في ألبستهم، في مركباتهم، في قصورهم، في حدائقهم، في أرصدتهم، في بَذْخِهِم، في لهوهم، في فجورهم؛ لكن أهل الإيمان يتنافسون في طاعتهم لله عزَّ وجل، يتنافسون في طلبهم للعلم.

الأفعال كلها فِعل الله أما الشيء الذي يُحَرِّك الأعمال فهي النوايا الطيِّبة والإخلاص:

 المؤمن غَيُور، لكن هذه الغيرة يحبُّها الله ورسوله، يغار من أخوانه أن يسبقوه، يتنافس مع أخوانه ولكن تنافساً شريفاً، تنافس مع أخيك، كن أنت الأول في حفظ كتاب الله، في فهم كتاب الله، في تعليم كتاب الله، في توظيف طاقاتك في سبيل الله، هذا الذي يطلب الأدنى يخالف الفطرة، فطرة الإنسان تطلُب الأعلى، قال:

﴿ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

 مع هذه الآية نصل إلى نقطة دقيقة جداً وهي: أن الأفعال من الله عزَّ وجل، لماذا ربنا عزَّ وجل قدَّر على يد هذا الإنسان عملاً ما، ولم يقدِّر على يد إنسان آخر؟ لماذا أعطى هذا ومنع ذاك؟ قال: الأفعال كلها فِعل الله، أما الشيء الذي يُحَرِّك الأعمال هي النوايا الطيِّبة، والإخلاص لله عزَّ وجل، فالمؤمنان يرتقيان عند الله بحسب إخلاصهما لا بحسب أفعالهما لأن أفعالهما من الله عزَّ وجل، فكلَّما نويت عملاً صالحاً الله عزَّ وجل قدَّر لك هذا العمل، فكأن الأعمال التي أجراها الله على يديك تعبِّر عن نواياك، تعبر عن طموحك، تعبِّر عن إخلاصك، إذاً:

﴿ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

 ومع هذا الأمر العظيم أن يعبد النبيَّ ربَّه، وأن يكون الأول أيضاً، قال:

﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

 إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يخاف الله ويخشاه كما يُخَبِّرُ الله عنه:

﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

 إذاً هذا مقياس دقيق لا أن يدعي أحدٌ أنه مؤمن، فإن علامة إيمانك خوفُك من الله.

إذا أردت أن تعرف مستوى إيمانك فانظر إلى مستوى خوفك من الله عزَّ وجل :

 انظر فبعض الناس أحياناً يأكلون الأطعمة دون غسلها، لكن الطبيب لكثرة ما يرى من أمراض إنتانيَّة، التهابات أمعاء، من أوبئة تنتقل عبر الجراثيم، من أوبئة تنتقل بسبب القذارة، فهو حريص حرصاً بالغاً على تنظيف يديه، وأوانيه، وحاجاته، هذا الخوف من العدوى وانتقال المرض جاءه من علمه، فكلَّما ارتقى العلم ارتقى معه الخوف أبداً، الخوف مؤشِّرٌ على العلم، إذا ازداد خوفُك فهذا يدل على ازدياد علمك، لأن الجاهل لا يخاف.
 أنا أضرب هذا المثل من باب الطرفة: مرَّة طالب قال لي في الصف: أنا لا أخاف من الله، قلت له: معك الحق ألا تخاف من الله، قال: لماذا؟ قلت له: لأن الطفل الصغير الذي عمره سنتان أحياناً يأخذه أبوه معه إلى حقل الحصاد، وقد يمر أمامه ثعبانٌ كبير لو رآه رجلٌ راشد لخرج من جلده خوفاً، أما هذا الطفل الصغير يضع يده عليه، لماذا لا يخاف؟ لأنه لا يُدرك، فالذي لا يدرك لا يخاف.
 وأنت ترى أن مهندس الكهرباء يعرف ما معنى التيار العالي، فيقول لك: هذا يفحِّم الشخص أي يجعله كالفحم، إذاً قد يحترق إنسان ويتفحَّم بسبب جهله، فكلَّما ازداد العلم ازداد معه الخَوف، فإذا أردت أن تعرف مستوى إيمانك فانظر إلى مستوى خوفك من الله عزَّ وجل، هل تعلم أن الله سيحاسب الخلق أجمعين؟

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 92-93]

 هل عندك يقين أن لكل سيِّئةٍ عقاباً؟ وأن الله عزَّ وجل بالمرصاد؟ وأن الله عزَّ وجل كان عليكم رقيباً؟ وأنه..

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾

[ سورة الزلزلة: 7-8]

 وأنه لا ظُلم اليوم:

﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 47 ]

 هكذا إيمانك؟ إذا كان إيمانك هكذا فلتطمئن.

كلَّما ارتقى إيمان الإنسان يرتقي خوفه :

 الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه وقف مرَّةً مع صديقٍ له في ظل بيت، فإذا بهذا الإمام يجرُّ صديقه إلى الشمس، قال له صديقه: لماذا، فهنا ظل؟ ثم قال أبو حنيفة: " هذا البيت مرهونٌ عندي، وإني أكره أن أنتفع بظلِّه "، فهذا هو الورع.
 النبي عليه الصلاة والسلام - فيما تروي بعض الكتب - انقطع عنه الوحي أسبوعاً أو أكثر، فقلق النبي، قال: يا عائشة لعلَّها تمرةٌ أكلتها من تمر الصدقة، رأى تمرةً على سريره فأكلها، ثم شك لعلَّها من تمر الصدقة؟ قال: يا عائشة لعلَّها تمرةٌ أكلتها من تمر الصدقة، فعلامة الإيمان الخوف، لكن بعضهم يقول متهاوناً: لا تدقِّق، فهذا ضعيف الإيمان، الإبرة دون الخَط الأحمر، لا تدقِّق فالله لن يحاسبنا، سيدي الحال صعب، ماذا نفعل؟ نحن بزمان صعب، الله يعفو عنا، هذه الكلمات معناها أن الإيمان ضعيف جداً، لكن الإنسان لو عرف الله حق المعرفة لحاسب نفسه حساباً عسيراً، إذاً هذا هو الخوف.

﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

 من اصطاد عصفوراً لغير مأكلةٍ فإنه مسؤول عند ربه، هذا العصفور يأتي يوم القيامة وله دويٌ كدوي الرعد، يقول: يا رب سله لمَ قتلني؟ فالذي يقول لك أنه اصطاد عشرة آلاف طير، وعلى الطريق تفسَّخوا فألقى بها جميعاً، ولكن قضى يومين رائعين في متعة الصيد، فهذا لا يعرف الله عزَّ وجل، فهو يستمتع بإيقاع الأذى بالحيوانات والطير، وبإتلاف المال، الحيوان مال أتلفته بلا فائدة، أما لو كان الإنسان على سفر، وأشرف على الموت جوعاً، واصطاد طائراً وأكله، هذا الطائر شعر أنه قدَّم شيئاً ثميناً لهذا المخلوق الأول، أما أن تقتله بلا سبب، طبعاً العلماء حكموا على أن الصيد إذا كان لغير مأكلةٍ فهو حرام، لأن فيه إتلاف مالٍ أولاً، وإيقاع الأذى بلا سبب ثانياً، فكلَّما ارتقى إيمان الإنسان يرتقي خوفه، فالقضية سهلة، في تعاملك اليومي، في البيع والشراء.

المؤمن من شدَّة خوفه من الله يُضَحِّي بما فيه شك :

 كلمة لا تدقِّق هذه كلمة المنافقين، بل كل شيء دقِّق فيه، من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، ألا تكفي هذه الآية:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾

[ سورة الزلزلة: 7-8]

 والمؤمن من شدَّة خوفه من الله يُضَحِّي بما فيه شك:

((إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، من وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه))

[متفق عليه عن النعمان بن البشير]

 شككت بمبلغ بينك وبين صديق لك قل له: أخي أن تقول أنت مسامح لا أريد، فالأسلم لك ألا تقع بالظن دائماً واجعل نفسك تتعامل باليقين، أو سَجِّل ما لك وما عليك، أو خذ إيصالاً، لكن شككت فهذه قد تودي بك وبالمال.

﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

(( دَخَلت امْرَأةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ ربطتها، فلم تُطْعِمها، ولم تَدَعْها تأْكُل مِن خَشاشِ الأرض ))

[ متفق عليه عن عبد الله بن عمر ]

 الله يحاسب من أجل هرة، إنسان ألقى هرَّةً من الطابق السابع، ضاق بها ذَرْعاً، ألقاها إلى الأرض فماتت، فَفَقد توازنه فجأةً، الله كبير وحسابه دقيق، وربنا عزَّ وجل قال:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾

[سورة البروج:12]

البطولة أن تؤدي ما عليك تجاه الحق :

 عندما يؤذي الإنسان المخلوقات فلا بد أنه ملاقٍ جزاءه، إذا كان إيذاء الهرَّة سبباً لدخول النار، فكيف بإيذاء الإنسان المُكَرَّم؟ أن تخيفه، أو أن تأخذ ماله، أو أن تذلَّه، أو أن تغتابه، أو أن تنال منه، أو أن تُحْرِجَهُ، هذا كله محاسبٌ عليه الإنسان:

﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

 إذا كان هذا حال النبي فما حال أمَّته من بعده؟ النبي وما أدراكم ما النبي، المخلوق الأول، الذي عرف الله، الذي أحبَّه، الذي أمضى كل حياته في طاعته، وفي خدمة خلقه، وفي نشر دينه، يخاف إن عصى الله عذاب يومٍ عظيم، فنحن إن لم نخف فنحن مرضى، الذي لا يخاف من الله مريض يحتاج إلى معالجة، لذلك:

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))

[الجامع الصغير عن أنس]

 من المخلِّط؟ هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، " ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعة من مخلِّط، من لم يكن له ورعٌ يصدُّه عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله"، مقياس استقامتك يبدو جلياً وأنت وحدك، مقياس استقامتك فيما بينك وبين الله، أخي والله أنا عليَّ دين وقد أديته والحمد لله، أنا صاحب ذمَّة. فأنت كتبت على نفسك سند، أو إيصالاً، وعليك شهود، وخصمك يقظ وصعب، فلما أديت الدَّين فعملك هذا سلوك مدني، لكن هل تعلم ما هي الأمانة؟ إنسان أعطاك مئة ألف ولم يعلم أحد بذلك، ولم يأخذ منك إيصالاً، وتوفَّاه الله، ولست مُداناً أمام أحد، ولا يستطيع أحدٌ في الأرض أن يسألك سؤالاً واحداً، جئت بالمال وطرقت باب الورثة، وقلت لهم: لوالدكم عندي هذا المبلغ خذوه. هذه الأمانة.
 ألا تكون مداناً أمام الخلق بأية وثيقة، أما حينما يكون الإنسان مداناً للخالق، فإذا دفع فقد دفع خوفاً من الخلق، لكن البطولة أن تؤدي ما عليك تجاه الحق، لذلك فالصيام هو عبادة الإخلاص، الآن الحمد لله الوقت لطيف، لكن تذكَّروا أيام الصيف، الصيام في شهر آب أو تموز، النهار سبع عشرة ساعة، الإنسان دخل إلى الحمَّام وفيه حنفية، ما الذي يمنعه أن يشرب؟ إيمانه أن الله مطلعٌ عليه.

كل أمرٍ موجَّهٌ إلى النبي موجَّهٌ إلينا بالتبعيَّة :

 غض البصر، ليس في الأرض كلِّها أمرٌ وَضْعِيّ ولا قانون يأمر بغضِّ البصر، إنك إن سرت في الطريق ورأيت امرأةً سافرةً فغضضت بصرك عنها، ما الذي حملك على ذلك؟ إيمانك بالله، إخلاصك له، حبُّك له فقط، فشاءت حكمة الله أن ينفرد الدين من بين كل الشرائع بأوامر، فمن أخذ بها فقد أكَّد إخلاصه لله عزَّ وجل، إذاً:

﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ﴾

 النبيَّ قدوةٌ لنا، حقاً هو قدوة لنا، النبي أُمِرْ أن يعبد الله، أُمر أن يخلص له، أُمر أن يكون متفوِّقاً وتفوَّق، يعبِّر عن ذاته، يخاف إن عصى ربَّه عذاب يومٍ عظيم، هو قدوةٌ لنا، كل أمرٍ موجَّهٌ إلى النبي موجَّهٌ إلينا بالتبعيَّة:

﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي* فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ ﴾

 هذا أمر:

﴿ فَاعْبُدُوا ﴾

 فعل أمر، هل هذا أمر فقط؟ قال العلماء: هذا أمر تهديد، أي اعبدوا من شئتم وما شئتم وسوف تدفعون الثمن باهظاً، عندما يربط إنسان مصيره بإنسان آخر فهو يقامر بسعادته الأخرويَّة، هذا الذي عبدته من دون الله لا يملك لك نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، ولا رزقاً ولا حفظاً، ولا تأييداً ولا نصراً، وإن ملك من باب الافتراض قد لا يستجيب لك، وإن استجاب قد لا يسمعُك، فمثلاً شخص مليء يعطيك، لكن وأنت في وضعٍ حرج كأن تكون في مكان منقطع، فكيف تتصل به؟ لو اتصلت به ولم يستجب فماذا تفعل؟ إنك لم تستفد شيئاً، إذاً:

﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾

[سورة فاطر: 14]

كل السعادة في معرفة الله وكل التوفيق في الاستقامة على أمره :

 أما الإله فإذا آمنت أن ما سوى الله لا يملك لا النفع ولا الضرَّ، ولا الموت ولا الحياة، ولا الرزق ولا التوفيق، ما من مشروعٍ على وجه الأرض إلا ويحتاج إلى توفيق، ويؤتى الحذر من مأمنه، ولا ينفع ذا الجَد منه الجَد، أي في التعامل مع الله ليس هناك ذكي أو غير ذكي.. إذا أراد ربُّك إنفاذ أمرٍ أخذ من كلِّ ذي لبٍ لُبَّهُ..

((إن الله تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لبٍ لبَّه))

[الجامع الصغير عن ابن عباس]

 إذاً أنت علاقتك مع الله وحده، حتَّى لو استطعت أن تنتزع من فم النبي حكماً لصالحك، ولم تكن محقَّاً، لا تنجو من عذاب الله..

((.....وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا ))

[ متفق عليه عن أم سلمة]

 علاقتك مع الله فقط، فهو معك في بيتك، في غرفتك، في سفرك، في معاملاتك، في حساباتك، يمكن تضيف صفراً على السند وفلان في غفلة، فيصير المبلغ مئة ألف بدلاً من عشرة آلاف:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

 معكم بعلمه، فإذا كنتم مؤمنين معكم بتوفيقه، مع كل مخلوقٍ بعلمه، أما إذا كنت مؤمناً به مستقيماً على أمره هو معك بالتأييد، والنصر، والتوفيق، والحفظ، وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ كل السعادة في معرفة الله، كل التوفيق في الاستقامة على أمره، وانظر كيف أن الأمور تدور لصالح المؤمن:

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 128 ]

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

آيات كثيرة تؤكد أن الأمور تدور لصالح المؤمن :

 آياتٌ كثيرة فيها:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾

[ سورة فصلت: 30-31 ]

﴿ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ ﴾

 أي اعملوا وكثِّروا، افعلوا ما تشاءون كل شيء بثمنه:

﴿ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

 الإنسان يخسر بيتاً أحياناً لكن قد يعوِّضه، هناك تجَّار فلَّسوا خمس مرَّات، بعد التفليسة ينهض ويشتغل، فكل خسارة من الممكن أن نتلافاها، أو من الممكن أن نربح بعدها فهي ليست خسارة، لكن الخسارة الحقيقيَّة أن يخسر الإنسان ذاته، يقول لك واحد إنه فلَّس، فتقول له: الله كريم أنت خيرك للأمام، ما شي الحال، يرجع ويشتغل، يتدين مبلغاً، يتاجر، يربح، يوفي ديونه يتحسن حاله، أما إذا مات فقد انتهى.

أكبر خسارة أن تخسر ذاتك :

 أكبر خسارة أن تخسر ذاتك، فما معنى خسارة الذات؟ عندما يأتي الإنسان إلى الدنيا ويغادرها دون أن يعرف الله، ودون أن يستقيم على أمره فقد خسر نفسه في الآخرة، أي أنه استحقَّ النار، فالإنسان حينما يخسر مكانه في الجنَّة، وأنت كإنسان خُلقْت للجنَّة، فإذا لم تُؤمن خسرت هذا المقام في الجنَّة وهو أكبر خسارة، أكبر خسارة على وجه الأرض أن تخسر مقامك في الجنَّة، أي خسرت ذاتك، خسرت نفسك:

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ ﴾

 فالله عزَّ وجل جعلك أباً، جعل لك زوجة، لك أولاد، لك بنات، لك أصهار، هؤلاء في الأساس من أجل أن يكونوا زادك إلى الله عزَّ وجل، من أجل أن تهديهم إلى الله، أن تعينهم على دينهم، فالكافر وجد نفسه أنه كان ضالاً مُضِلاً، فاسداً مُفْسِداً، منحرفاً وحمل ابنه على الانحراف، لذلك فوق مصيبته أنه ضال مُضل، تقول ابنته لرب العزَّة: يا رب لا أدخل النار حتى أُدخِل أبي قبلي، لأنه كان سببي.
 فيوم القيامة ليست المشكلة مشكلتك وحدك، مشكلة الإنسان وذريَّته، ابنه علَّمه في مدارس أجنبيَّة، نشأ على الاختلاط، والانحراف، والزنا، لكن نال مرتبة دكتوراه، ولابنته قال كذلك: أنا لا أحب أن أقيِّد حريَّتها، أطلقتها، هي تقرر تتخذ قراراً بشأن مصيرها. أطلق لابنته حريَّتها ففسدت وأفسدت، فيوم القيامة هؤلاء الأولاد الذين كانوا من الممكن أن يهتدوا إلى الله لو كان أبوهم مؤمناً ما زاغوا وما ضلوا، فأبوهم حملهم على الكفر.
 والله حدَّثني شاب كان أبوه يدفعه إلى شُرب الخمر، وإلى ارتياد أماكن اللهو، وإن لم يفعل كان يعنِّفه، هذا أب؟! قال:

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 وأهليهم؛ خسر زوجته، أولاده، بناته، كلُّهم في ضلال، لأنه هو كان ضالاً مُضلاً، فاسداً مفسداً.

أثمن ما في الدنيا معرفة الله وطاعته :

 الإنسان بعدما يتزوَّج تكبر مسؤوليته عن نفسه وعن أسرته، فمن الممكن أن تكون زوجته زاده إلى الآخرة إذا حملها على طاعة الله، إذا علَّم ابنه القرآن، إذا نشَّأهُ على حب النبي العدنان، إذا علَّمَهُ السيرة النبوية، إذا ضبط سلوكه، راقبه، وجَّهه، هذَّبه، نصحه، أكرمه، زوَّجه وهو في ريعان الشباب مبكراً، أما أن يقول: أخي أنا نِشأت عصامياً، وأحب أن يكون ابني عصامياً، فهل كلامه هذا آية أم حديث؟ صعب أن يكون عصامياً وحده، فأنت مقتدر وعليك زواج ابنك، أعرف أشخاصاً عندهم عشرات البيوت، وأولادهم يحتاجون إلى غرفه فلا يعطوهم، أنا نشأت عصامياً، وكل أب مقتدر ولا يزوِّج ابنه فسيُحاسب عند الله عزَّ وجل، وإذا ابنه زلَّت قدمه فهذا في صحيفة الأب، الأبوَّة مسؤوليَّة:

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾

 هذه الخسارة الحقيقيَّة، أما أننا إذا فقدنا بيتاً، أو احترق بيت، احترق محل، تجارة فلَّست، صفقة غرقت في البحر، فهذا الشيء يعوَّض، أما الخسارة الحقيقيَّة هي عندما يكتشف الإنسان أنه ضيَّع أثمن ما في الدنيا، لذلك قال بعض العارفين: " مساكين أهل الدنيا جاءوا إلى الدنيا وخرجوا منها ولم يعرفوا أثمن ما فيها ". أثمن ما فيها معرفة الله وطاعته، فالغنى والفقر بعد العرض على الله:

﴿ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ ﴾

 طبقات من النار:

﴿ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِه عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴾

ربنا يبيِّن لنا مشاهد الآخرة الآن :

 هذه المشاهد ذكرها الله عزَّ وجل في القرآن قبل الأوان لتكون عبرةًً لنا، كما لو سَرَّبنا الأسئلة لصالح الطلاب، انتبهوا لهذا الفصل، ربنا يبيِّن لك مشاهد الآخرة الآن، وهذا وضع الكافر في جهنَّم فاحذر:

﴿ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾

 أدركوا أنفسكم، أنقذوها، وكثيراً ما كنت أضرب هذا المثل: كنت مرَّة في العمرة، لي صديق حدَّثني بقصَّة جرت في بلاد العمرة، أن رجلاً من أطراف جدَّة، عنده أرض باعها لمكتب عقاري، هذا المكتب استغلَّ جهله وأخذها بثمن بخس، عمَّروها بثلاثة وعشرين طابقاً، أول شريك وقع من أعلى طابق فدقَّت رقبته، الشريك الثاني مات بحادث، الثالث فكَّر، أن الاثنين ماتا وانقصفا قصفاً، فبحث عن صاحب الأرض ستة أشهر حتَّى وجده، ونقده الفَرق، وأخبروه أن أرضك ثمنها ثلاثة ملايين ونحن أخذناها بنصف مليون، أنا لي الثلث، هذا الفرق، وسامحني، فقال له هذا البدوي: " ترى أنت لحَّقت حالك".
 فيا أيها الأخوة، أدركوا أنفسكم وأنقذوها قبل فوات الأوان، الذي عليه ذمم سابقة فيها حسابات غير مضبوطة، أو أكل مالاً حراماً، أو وضع يده على محل ليس له، الآن الحياة فيها بحبوحة، ما دام القلب ينبض الأمور تُحَل، لكن بعدما يموت الإنسان انتهى كل شيء، وبالموت يُخْتَم عمله ويحاسب حساباً عسيراً:

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ*لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴾

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS