12892
التفسير المطول - سورة الزمر 039 - الدرس (01-20): تفسير الآيتان 1- 2 ، الإخلاص والطاعة لله عز وجل.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-01-15
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الحكمة من تنزّل القرآن منجَّماً على النبي الكريم :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الأول من سورة الزُمَر، ومع الآية الأولى:

﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾

 كلمة تنزيل، قال بعض العلماء: تختلف عن كلمة إنزال، الإنزال يُفْهَمُ من هذه الكلمة أن القرآن أُنزِلَ دفعةً واحدة، وكلمة تنزيل يفهم منها أن القرآن أُنزل مُنَجَّماً، على حسب الحوادث والمناسبات، ولحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل أنزل القرآن دفعةً واحدةً على قلب النبي عليه الصلاة والسلام، ثمَّ أنزله منجَّماً بحسب الحوادث والمناسبات.
 وبعض العلماء يرى أن من رحمة الله في تنزيل القرآن منجَّماً، أن التشريع إذا جاء على إثر حادثةٍ، هذه الحادثة تدعو إلى التساؤل، ويقع الناس في حيرةٍ من أمرهم، ماذا يفعلون؟ يأتي حكم الله عزَّ وجل، هذا أبلغ في نفوس المؤمنين، وأوقع من أن يأتي حكمٌ مجرَّدٌ لا علاقة له بحياتهم، ولا بالأحوال التي يعيشونها، هذه واحدة.
 والشيء الثاني: هو أن النبي عليه الصلاة والسلام سيواجه صعوباتٍ كبيرة، ومعارضاتٍ واسعة، فإذا كان القرآن يتنزَّل على قلبه على مُدَّةٍ طويلةٍ فهذا أعون على تثبيت النبي عليه الصلاة والسلام، فشاءت حكمة الله أن يتنزَّل القرآن منجَّماً على النبي الكريم.
 شيءٌ آخر: هو أن كل الأحداث التي وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، والتي في ضوئها نزل تشريعٌ حكيم، أو نَطَقَ النبي عليه الصلاة والسلام بتوجيهٍ كريم، هذه الأحداث ليست مقصودةً لذاتها، المقصود لذاته هو التشريع الإلهي والسُنَّة النبويَّة، فكلُّ الأحداث التي وقعت إنما يراد منها أن يكون القرآن حُكْمَاً، وسنَّة النبي عليه الصلاة والسلام تشريعاً.

كل الأحداث التي وقعت في عهد النبي ليست مقصودةً لذاتها إنما المقصود التشريع :

 حينما أنزل النبي جيشه في معركة بدر في موقعٍ ما، وجاءه الحُباب بن المنذر رضي الله عنه وهو من أصحاب رسول الله، وسأله: يا رسول الله أهذا الموقع أوحاه الله إليك، أم هي المكيدة والمشورة والرأي؟"
 كلامٌ دقيقٌ في أعلى درجات الأدب، إن كان هذا الموقع أوحاه الله إليك فهذا من عند الله وهو حق، أما إذا كان هذا الموقع من قِبَل الرأي والمشورة والمكيدة فليس بموقع مناسب، أليس الله قادراً على أن يوحي إلى النبي عليه الصلاة والسلام بالموقع المناسب؟ بلى، أليس الله قادراً على أن يلهم النبي عليه الصلاة والسلام بالموقع المناسب؟ بلى؛ ولكن هذا الحدث وقع ليقف النبيُّ الموقف الكامل ممن قدَّم له نصيحةً مخلصة.
 إذاً النبي علَّم أصحابه، وعلَّم أمَّته من بعده، وعلَّم العلماء والأمراء من بعده أنه: إذا جاءتكم نصيحةٌ مخلصةٌ أساسها الغيرة على الدين فاستجيبوا لها، والنبي عليه الصلاة والسلام استجاب لهذا الرأي، ونقل الجيش إلى الموقع الذي ارتآه سيدنا الحُباب بن المنذر.
 إذاً هذا التشريع، هذا الموقف الكامل، هذه القدوة التي وقفها النبي عليه الصلاة والسلام، ما كان لها أن تكون لو لا هذا الذي جرى، إذاً هذا الذي جرى ليس مقصوداً لذاته، المقصود لذاته أن يكون النبي في تصرُّفاته مشرِّعاً، وفي مواقفه كاملاً.
 حينما أَمَّرَ النبي عليه الصلاة والسلام أنصارياً على بعض أصحابه في سريَّةٍ، وفي الطريق تغاضبوا، وأمر هذا الأمير أن تُضْرَم نارٌ كبيرة، وقال لأتباعه أو لمن معه: "اقتحموها ألست أميركم؟ أليست طاعتي طاعة رسول الله". وقف أصحابه متردِّدين، بعضهم قال: علينا أن نقتحمها، وبعضهم قال: إنما آمنا بالله ورسوله فراراً منها، كيف نقتحمها؟" حينما عادوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبروه بما أمرهم أميرهم، قال عليه الصلاة والسلام: والله لو اقتحمتموها لا زلتم فيها إلى يوم القيامة إنما الطاعة في معروف.
 إذاً يجب أن نؤمن أن كل الأحداث التي وقعت في عهد النبي، والتي في ضوئها، أو على إثرها، أو في مناسبتها تنزَّل قرآنٌ كريم، أو نطق النبي بحكمٍ هو من قَبِيل السنة، أو من قِبيل الوحي غير المتلو، هذه الأحداث ليست مقصودةً لذاتها، إنما المقصود التشريع، والاقتداء بسنَّة النبي عليه الصلاة والسلام، هذه حكمةٌ من حكم الله في أن القرآن نزل منجَّماً، فكلَّما نشأت مشكلة عند أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وتوجَّهوا إلى النبي بسؤال، جاء حكم الله عزَّ وجل، فالحكم الذي يتنزَّل إثر مشكلةٍ، أو حادثةٍ، أو قضيَّةٍ، أو مُعْضِلَةٍ يكون أوقع في النفس مما لو تنزَّل الحكم بلا سببٍ، وبلا مبرِّر، وبلا مناسبةٍ، تجعله حُكماً عظيماً في نفوس أصحاب النبي.

القرآن ليس من قِبَل البشر بل من عند خالق البشر فهو كتابٌ لا ريب فيه :

 

إذاً كلمة تنزيل توحي، أو نشعر من خلالها أن القرآن نزل منجَّماً بحسب الوقائع والمناسبات، على مدَّةٍ مقدارها ثلاثة وعشرون عاماً.

﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ ﴾

 هذا الكتاب، إن قلنا: قرآن فمن فعل قرأ، وإن قلنا: كتاب فمن فعل كتب، فهذا الذي نزَّله الله على النبي عليه الصلاة والسلام سمَّاه الله تارةً قرآناً لأنه يُقْرَأ، وسمَّاه الله تارةً كتاباً لأنه مكتوبٌ:

﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ ﴾

 دائماً يقولون: الرسالة شرفُها من شرف المرسل، كلَّما عظُمَ المرسِل عظُمَت الرسالة، ادخل إلى مكتبةٍ أيها الأخ الكريم ترى فيها عشرات الألوف من الكتب، كتبٌ في شتَّى العلوم، والآداب، والفنون، قديماً وحديثاً، لمؤلِّفين مشاهير، ولمؤلِّفين مغمورين، كتبٌ تبحث في كليَّاتٍ، كتب تبحث في جزئيَّات، كتبٌ فيها ضلالات، كتبٌ فيها هنات، كتبٌ فيها صواب، الكتب لا تُعَدُّ ولا تحصى، ولكن أيها الأخ الكريم ألا ينبغي أن تشعر أن القرآن شيءٌ آخر؟ إنه من الله العزيز الحكيم، كل الكتب مهما تنوَّعت، ومهما اختلفت كلها من تأليف البشر، والبشر:

((كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ. وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ))

[ ابن ماجة عن أنس]

 الإنسان ليس معصوماً، إذاً ما من كتابٍ على وجه الأرض إلا يؤخَذ منه ويُرَدُّ عليه، ما من كتابٍ على وجه الأرض إلا وفيه حقائقُ وأغلاط، لماذا؟ لأن المؤلِّف الغلط مركَّبٌ في طبعه، لكنك إذا تلوت كتاب الله عزَّ وجل، وهذه حقيقةٌ كُبرى إذْ يجب أن تعلم علم اليقين أن هذا القرآن ليس من قِبَل البشر؛ بل من عند خالق البشر، لهذا ورد في بعض الأحاديث الشريفة أن:

(( فَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى كَلَامِ خَلْقِهِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ))

[أخرجه الدرامي عن شهر بن حوشب ]

 كم هي المسافة كبيرة جداً بين المخلوق والخالق، بين الحادث والمُحْدِث، بين الحديث والقديم، بين إنسان سبقه عدمٌ وينتهي إلى عدم، محدودٍ في تفكيره، محدودٍ في علمه؛ وبين خالق البشر، فلذلك حينما نمسك بكتاب الله فهذا كتابٌ لا ريب فيه، وهذا كتابٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذا كتابٌ هو نورٌ مبين، وحبل الله المتين، كل من اقتدى بهديه نجا وسعد، وكل من جعله خلف ظهره ساقه إلى النار.

الأسماء التي سمَّى الله بها نفسه أسماءٌ حسنى والله هو الاسم الجامع لكل هذه الأسماء:

 قال تعالى:

﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ ﴾

 من هو الله؟ صاحب الأسماء الحسنى:

﴿ قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾

[ سورة الإسراء: 110]

 فكل الأسماء التي سمَّى الله بها نفسه أسماءٌ حسنى، والله؛ هو الاسم الجامع لكل هذه الأسماء، أو هو عَلَمٌ على الذَّات كما يقول علماء التوحيد، أي أنَّ اسم اللطيف، مع اسم الرحيم، مع اسم القوي، مع اسم الغني، مع اسم الرزَّاق، مع اسم الوهَّاب، مع اسم الرافع والخافض، والمعزِّ والمذِّل، هذه كلُّها مجموعةٌ في كلمة: الله، وتعليقٌ طفيفٌ جانبي هو: أن بعض الأسماء الحسنى منها الضار والنافع، والمُذل والمعز، والخافض والرافع، قال علماء التوحيد: لا ينبغي أن تقول: الله ضار؛ بل يجب أن تقول: هو الضار النافع، هو المعطي المانع، هو الخافض الرافع، هو المعزُّ المذل، لماذا؟ لأن الشرَّ المَحْضَ لا وجود له إطلاقاً في أفعال الله تعالى، إذا ضرَّ الله عزَّ وجل فلينفع، وإذا أخذ فليعطي، وإذا أذلَّ فليُعِز، وإذا خفض فليرفع، وإذا قبض فليبسط، أسماء الله حُسنى، مثلها بشكلٍ أو بآخر؛ فكيف أن الطبيب الأب، أبٌ طبيبٌ يجمع بين الرحمة والعلم، إذا أجرى عمليَّةً لابنه فهو يفتح البطن ليستأصل المرض، الشرُّ موظَّفٌ للخير، ما يبدو لك شراً هو في حقيقته خير، وهذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

[ سورة لقمان: 20 ]

إذا تحدَّث الله عن أفعاله استخدم ضمير الجمع لأن أفعاله تتجلى فيها كل أسمائه :

 إذاً تنزيل هذا الكتاب من الله، من صاحب الأسماء الحسنى، من صاحب الصفات الفضلى، من الذات الكاملة، من الواجب الوجود، من العليم الحكيم، من العزيز الرحيم، من اللطيف الخبير، من الغني القوي، كلَّما ذكرت اسم الله عزَّ وجل فاستعرِض أسماءه الحسنى، فكل أسمائه الحُسنى داخلةٌ في أفعاله، أي فعلٍ يفعله الله عزَّ وجل فيه كل أسمائه الحسنى، وهذا ما أشارت إليه الآيات الكريمة حينما يقول الله عزَّ وجل متحدِّثاً عن ذاته بضمير الجَمْعِ:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى ﴾

[سورة يس: 12]

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان: 23]

 إذا تحدَّث الله عن ذاته استعمل ضمير المفرد، كأن يقول: " إنني أنا الله "، أما إذا تحدَّث الله عن أفعاله استخدم ضمير الجمع، لأن أفعاله تتجلى فيها كل أسمائه، وإذا تحدَّث الله عن ذاته استخدم ضمير المفرد، قال:

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه: 14]

 ما معنى العزيز؟ قال علماء اللغة: العزيز الشيء النادر، أما إذا وُصِف الله بأنه عزيز فهو الواحد الأحد، الفَرد الصمد، الذي لا مثيل له، ولا شريك له، الواحد.

معنى العزيز و الحكيم :

 قال علماء اللغة أيضاً: العزيز الشيء الذي تشتدُّ الحاجة إليه، أما إذا وصِفَ الله باسم العزيز فهو الذي يحتاجه كل شيءٍ في كل شيءٍ، إذا وصفنا الشيء بأنه عزيز، يقول لك: هذه البضاعة عزيزة، أي تشتدُّ الحاجة إليها، أما إذا وصِفَت ذات الله جلَّ جلاله، إذا وصف الله ذاته بأنه عزيز معنى ذلك أن كل شيءٍ - وكلمة شيءٍ هي أشمل كلمةٍ تشمل كل شيء - أن كل شيءٍ يحتاجه في كل شيء، ويندر وجوده، أما إذا وصِفَ الله بأنه عزيز فهو الواحد الذي لا ثاني له، ولا مثيل له، ولا شريك له، ولا نِدَّ له، وإذا وصِفَ الله بأنه عزيز فهو الذي يصعُبُ الوصول إليه أو يستحيل الوصول إليه، لكن يمكن أن تصل إليه من دون أن تحيط به.
 إذاً كلمة عزيز تعني أنه فردٌ، وأن كل شيءٍ بحاجةٍ إليه، وأن الإحاطة به مستحيلة، تصل إليه ولا تحيط به.

﴿ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ ﴾

[سورة البقرة: 255]

﴿ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾

 الحكيم الذي يضع كل شيءٍ في مكانه الصحيح، ومن أدلَّة وجود الله عزَّ وجل أن في الأرض أشياء متحرِّكة، نجدها في مكانها الصحيح، وكلُّكم يعلم أنه لا ترجيح بلا مُرَجِّح، فكل شيء في مكانه الصحيح معنى هذا أنه يوجد عقل أول، فمفتاح الكهرباء يوضَع في مكانٍ مناسب، لو وضِعَ في أعلى الحائط، نحتاج إلى سلَّم للوصول إليه، فهذا المكان غير حكيم، لو وضِع في أسفل الحائط نحتاج إلى انحناء، هذا مكان غير حكيم، أما لو وجدته في مكانٍ قريبٍ من مستوى كَتِفِ الإنسان، ومن مستوى يديه فهذا المكان مرجَّح، من الذي جعله في هذا المكان؟ إنسان عاقل، فلا ترجيح بلا مرجِّح، كل ما في الكون يدلُّ على حكمةٍ بالغة.
 دقِّق في خلقه؛ وضع العينين في محجرين، وضع الأنف فوق الفم، وضع الفم وجعل حركته في الفك السفلي، وضع الأذنين جانبيتين، ولماذا أذنان؟ لحكمةٍ بالغة، لماذا عينان؟ لحكمةٍ بالغة، لماذا فمٌ واحد، ولسانٌ واحد؟ لماذا يدان ولماذا المفاصل؟ لو دقَّقت في خلق الإنسان، أو في خلق الحيوان، أو في خلق النبات، لوجدت حكمةً ما بعدها حكمة.
 هذه التفَّاحة حجمها مناسب، لونها مناسب، رائحتها مناسبة، قِوامها مناسب، نُضجها مناسب، أيام قطفها مناسبة، أي صفةٍ من صفاتها لو دقَّقت فيها لوجدت أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان، هو الحكيم، فصفة الحكيم دليلٌ قطعيٌّ على وجود الله عزَّ وجل، وعلى صفاته، وعلى أسمائه.

معنى كلمة الحق :

 هذا الكتاب بيَّن ربنا عزَّ وجل أنه تنزيلٌ، نزل منجَّماً، من عند من؟ من الله خالق السماوات والأرض، من الله مُبدع الكائنات، من الله ذي الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى..

﴿ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾

 أي أنَّ هذا الكتاب من الله العزيز الحكيم، قال:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾

 ما معنى كلمة الحق؟ الحق هو الشيء الثابت، ما هو الشيء الثابت؟ هو الشيء الهادف، فأنت إذا بنيت جداراً بشاقولٍ، هذا الشاقول أخذ وضعه الكامل، فهذا الجدار لا يسقط لأن بناءه صحيح، نقول: بني الجدار بالحق، أي وفق أسسٍ صحيحةٍ، وفق قواعد ثابتة، لأنه بني بهذه الطريقة فهو لا يسقط، بُني ليبقى، فكل شيءٍ صحيح، وكل شيءٍ أساسه صحيح، وكل شيءٍ بني وفق قاعدةٍ صحيحة هذا هو الحق.
 الله هو الحق، الحقيقة الأولى في الكون هي الله عزَّ وجل، فكل شيءٍ فعلته وفق توجيه الله، وفق منهج الله، وفق أمر الله هو شيءٍ صحيحٌ، ودائمٌ، فالحق هو الشيء الثابت، فأي خللٍ لابدَّ من أن يُكْشَف، أي مبدأٍ ليس صحيحاً، فالواقع لا يؤكِّده، وهذا المبدأ إذاً سوف ينهار، لا يبقى إلا ما هو حق، إلا ما هو مرتبطٌ بالحق، إذاً:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾

الله عزَّ وجل هو الحقيقة الكُبرى و ليس هناك حقيقة غيره :

 أولاً: أنزلناه عليك بالحق، إنك أهلٌ لأن يُنزَّل عليك الكتاب، الله جلَّ جلاله اصطفى الأنبياء على عِلْمِ، فبالحق أنزلناه وبالحق نزل، أي هو حقٌ وقد أُنْزِلَ عليك بالحق، فهو الحق دائماً وفي القرآن حقائق، في القرآن قواعد، في القرآن سُنَن، في القرآن أوامر، في القرآن نواهٍ، في القرآن توجيهات، هذه كلُّها حق، الحق ملابس لها، معنى حق أنها صحيحة، وأن الواقع يؤكِّدها، وأنها تفسِّر الواقع، هي تفسِّره والواقع يؤكِّدُهَا، فإذا أردت أن تقرأ كتاباً لا خطأ فيه، ولا غلط، ولا تناقض، ولا خلل، ولا رَيْب، ولا شك، ولا نقص، ولا مبالغة، ولا اضطراب، ولا خللٍ فاقرأ القرآن..

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾

 الحقُّ اسمٌ من أسماء الله عزَّ وجل، فإذا قال الله شيئاً فكلامه حق لأن الواقع يؤكِّده، وكلامه يفسِّر الواقع، إذا سَنَّ الله شيئاً فهو حق، لأن تتالي الأيام، والشهور، والسنوات لا يمكن أن تنقض هذا الذي سنَّه الله عزَّ وجل..

﴿ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأنعام: 34 ]

 كلمة حق واسعة جداً، فالله عزَّ وجل هو الحقيقة الكُبرى، ليس هناك حقيقة غيره، تشريعه حق، أفعاله حق، كلامه حق، أوامره حق، نواهيه حق، الأهداف التي رسمها لنا هي الحق لأنها هي الواقعة، إذاً كل هذه المعاني يمكن أن تستنبط من قوله تعالى:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾

 فالإنسان حينما يقرأ كتاباً ثمَّ يكتشف أن فيه أغلاطاً كثيرة، أو حينما يُضلَّل ثم يصحو، أو حينما تتسرَّب إليه معلوماتٍ مغلوطة يبني على أساسها سلوكه، ثم يكتشف أنها مغلوطة، يصاب بخيبة أمل كبيرة جداً، أما إذا قرأ القرآن، وحلَّق فيه، واستنبط منه الأحكام، ونفَّذ توجيهاته، وائتمر بأمره، وانتهى عما عنه نهاه، يشعر بطمأنينة لأنه مع خالق الكون، مع الذي لا يتغيَّر، ولا يتبدَّل، ولا يزول، مع الأزلي الأبدي، مع الحقيقة المُطلقة، مع الشيء الثابت، مع الشيء الهادف.

أروع تفسير للحق أن يُفْهَم بالطريقة المخالفة :

 أروع تفسير للحق أن يُفْهَم بالطريقة المخالفة، ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 16 ]

 خلقناهما بالحق، الحق إذاً مناقضٌ للعب، اللعب عملٌ عابث، الحق عملٌ جاد، عملٌ هادف، عملٌ له هدفٌ كبير، إذا لعبت فاللعب شيءٌ عابث، وشيءٌ طارئ، وشيءٌ زائل، لكنَّك إذا عملت عملاً جاداً، هذا الشيء عملته ليبقى، ووراء بقائه هدفٌ كبير، فكأن من معاني كلمة (الحق) الشيء الهادف، وحينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾

 إذاً الحق عكس الباطل، الباطل الشيء الزائل، إذاً الحق الشيء الثابت والشيء الهادف، ثابتٌ خُلِقَ ليبقى ولا يزول أبداً، وله هدفٌ كبير، إذاً من هنا نستنبط أن هذا القرآن ما فيه من حقائق ثابتة، كلَّما تقدَّم العلم أثبت حقائق القُرآن، كلَّما تقدَّم العلم اقترب من حقائق القرآن، ما ورد في القرآن من أوامر، ومن نواهٍ، ومن تفاسير، ومن تبيين، ومن توضيح هو الحقُّ مئة في المئة، لأنه من عند الخالق.
 أحياناً تشتري آلة معقَّدة، فمن هي الجهة الوحيدة التي إذا قالت لك: هذا المفتاح لهذا الهدف؟ من هي الجهة الوحيدة التي يُعدُّ كلامها صحيحاً مئة في المئة؟ إنها الجهة الصانعة، لذلك إذا اقتنيت آلةً وأردت أن تعرف ملابساتها، وطريقة عملها، وطريقة صيانتها، فعليك بتعليمات صانعها، وأنت إذا قرأت القرآن فأنت مع تعليمات الصانع الخالق، مع النشرة التفصيليَّة البيانيَّة لسر الكون، ولأسباب الخلق، ولأهداف الخلق.
 ما دام هذا القرآن حقٌ، أو ما دام هذا القرآن حقَّاً من عند الله عزَّ وجل بكل ما فيه فعليك أن تعبده، قال الله تعالى:

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

المعنى الواسع لكلمة عبادة :

 قبل أن نقول له: أخلص له الدين، نقول له: اعبد الله مخلصاً، العبادة أيها الأخوة انصياع الجوارح لأمر الله، الإنسان له ظاهر وله باطن، له جوارح وله قلب، له شيء مُعْلَن وله شيء مُضْمَر، عبادة المضمر، عبادة السر، عبادة القلب هي الإخلاص، وعبادة الجوارح طاعة ظاهرة لله عزَّ وجل، فالشيء العظيم، الشيء الذي إذا وصلت إليه وصلت إلى كل شيء، المرتبة التي إذا بلغتها بلغت كل شيء، السلوك الذي إذا فعلته حقَّقت من خلاله وجودك، واثبت ذاتك، وحقَّقت المراد الإلهي من خلقك هو أن تعبد الله.
 يا أيها الأخوة الأكارم، ينبغي أن نفهم هذا الأمر فهماً موسَّعاً، سبحان الله؛ كيف تقلَّص وأمر هذا الدين إلى صومٍ وصلاةٍ وحجٍ وزكاة، مع أن هناك في الدين آلاف الأوامر والنواهي؟ أن تعبد الله عزَّ وجل أي أن تتبع منهج الله الذي نزَّله على النبي عليه الصلاة والسلام، وكلُّكم يعلم أنك إذا قرأت أحكام الفقه، وجدت الفقه يدخل معك في كل حياتك، ويدور معك في كل حركاتك وسكناتك، بدءاً من علاقتك بنفسك، إلى علاقتك بربِّك، إلى علاقتك بجسدك، إلى علاقتك بأهلك، إلى علاقتك بأولادك، إلى علاقتك بأصولك وفروعك، إلى علاقتك بجيرانك، إلى علاقتك بزملائك، إلى علاقتك بالمخلوقات - بالبهائم - إلى علاقتك بالنبات، إلى علاقتك بمجتمعك، إلى علاقتك بمن حولك، بمن فوقك، بمن دونك، هذا منهج الله عزَّ وجل، فكلمة..

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ ﴾

 تعني أنَّ عليك أن تطيعه في كل ما أمر، وأن تدع كل ما نهى عنه، لا تسمَّى عابداً إلا إذا أخذت الإسلام كلَّه كلاً متكاملاً، أما أن تأخذ منه ما يعجبك وأن تدع ما لا يعجبك، وأن تأخذ من الإسلام بعض العبادات التي لا تكلِّفك شيئاً، وأن تقيم على بعض الشهوات التي حرَّمها الله عزَّ وجل، فليست هذه عبادة الله عزَّ وجل.
 عبادة الله عزَّ وجل: طاعةٌ طوعيَّة، تطيعه عن حبٍ، وعن حريَّة اختيارٍ، لذلك فرَّق العلماء بين العَبيد وبين العِباد.

الفرق بين العَبيد و العِباد :

 العبيد هم المقهورون، كلُّنا عبيدٌ لله، حياتنا متوقِّفةٌ على هذه الأنفاس، فلو انقطعت لانتهت حياتنا، حياتنا متوقفةٌ على هذا القلب، فلو توقَّف لانتهت حياتنا، حياتنا متوقِّفةٌ على لُقيماتٍ نأكلها، على كأس ماءٍ نشربه، حياتنا متوقفةٌ على أهلٍ نعيش معهم، على أولاد نستعين بهم حينما نكبر، إذاً حياتنا متوقفةٌ على إمداد الله لنا، فنحن عبيد، العبيد مقهورون بالعبوديَّة.
 ولكنَّ المؤمنين فضلاً عن أنهم عبيدٌ لله هم عِباد الرحمن، عرفوه فأقبلوا عليه بمحض اختيارهم، عرفوه فأحبُّوه فأطاعوه، عرفوا عظمته فخضعوا لها، عرفوا كماله فأحبُّوه، عرفوا أنه هو الواحد الأحد فأخلصوا له، هذه العبادة، العبادة شيء والعبوديَّة شيء.
 أن تكون حياتك متوقِّفةً على إمداد الله فأنت عبدٌ لله، وجمع العبد عبيد، أما أن تتعرَّف إليه، وأن تقبل عليه طائعاً، أن تقبل عليه مختاراً، أن تأتيه بمبادرةٍ منك، أن ترى وحدانيَّته فتُخلص له، أن ترى جماله فتحبًّه، أن ترى كماله فتميلُ إليه، هذه عبوديَّةٌ، وجميع هؤلاء الذين يعبدونه بهذه الطريقة عِباد وليسوا عَبيد، لذلك كل الخلق عبيدٌ للرحمن، ولكن عباد الرحمن قلائل، هم الذين عرفوه فأقبلوا عليه.
 إذاً أنت عليك أن تعبده في الظاهر، وأن تُخلص له في الباطن، القلب يعبده بالإخلاص، والجوارح تعبده بالطاعة، طاعةٌ في الظاهر وإخلاصٌ في الباطن، هذا هو سرُّ وجودك، وهذه هي مهمَّة وجودك، وهذا هو الهدف من وجودك، وإذا ارتقيت إلى هذه المرتبة ارتقيت إلى مرتبة ما بعدها مرتبة، وإذا ارتقيت إلى مرتبة العبوديَّة فقد حقَّقت ذاتك، إذا ارتقيت إلى مرتبة العبوديَّة فقد حقَّقت المُراد من خلقك.
 أيها الأخوة الأكارم، النفس الإنسانيَّة لا ترتاح إلا إذا شعرت أنها في مجال العبوديَّة، لذلك روي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، أن الله جلَّ جلاله حين الإسراء والمعراج، أو عندما بلغ سِدرة المنتهى قيل له: اطلب يا محمَّد، فقال عليه الصلاة والسلام: اللهمَّ اجعلني عبداً لك، أي أن العبودية أعلى مرتبة.

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 13 ]

 وأنت الآن بإمكانك أن تصل إلى أعلى مرتبةٍ، ولا سبيل إليها إلا بالطاعة لله عزَّ وجل، أنت كعبدٍ عليك أن تعبد الله، لذلك هناك آيات كثيرة تحث على العبادة، قال الله عزَّ وجل:

﴿ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر: 66 ]

المؤمن حينما عرف الله عزَّ وجل أضحت لديه قضيَّةٌ واحدة وهي أن يطبق أمر الله :

 أحياناً الإنسان يتطلَّع إلى مرتبة فوق مرتبة العبوديَّة، يُناقش، ويحاكم، وينتقد، من أنت؟ أنت عبدٌ لله، أنت عليك مهمَّةٌ واحدة هي أن تعبده، اعبده وكفى، اعبده وتنتهي مهمَّتك حينما تعبده، فإذا عبدته انتظر فضله، لذلك (بَلْ) حرف إضرابٍ تنفي ما قبلها وتثبت ما بعدها:

﴿ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر: 66 ]

﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 144 ]

 المؤمن حينما عرف الله عزَّ وجل أضحت لديه قضيَّةٌ واحدة، هذه القضيَّة التي تشغله، وتقلقه، ويهتمُّ لها، إنما هي أن يبحث دائماً عن أمر الله، يبحث عن حكم الله، ما الذي يُرضي الله أن يفعله؛ فيما إذا تزوَّج، إذا باع، إذا اشترى، إذا سافر، إذا أقام، كل نشاطٍ من نشاطاته، كل حركةٍ من حركاته، يبحث فيها جميعها عن أمر الله ليطبِّقه، هذه مهمَّتك..

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ رواه ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

ليس بين الله وبين عباده قرابة إلا طاعتهم له :

 قال تعالى:

﴿ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر: 66 ]

﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 144 ]

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 13 ]

 ليس بين الله وبين عباده قرابة إلا طاعتهم له، العباد يتفاوتون فيما بينهم بالعافية، ويدركون ما عند الله بالطاعة فقط.

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

 لو أن الله عزَّ وجل قال: الدين له، لكانت العبارة تؤدي معنىً عاماً فقط، أما (له الدين) فيها قصر، أي أن خضوع الإنسان لا ينبغي أن يكون لغير الله، لأن غير الله ليس مؤهَّلاً، لأن غير الله ضعيف، لأن غير الله جاهل، لأن غير الله لا يسع العباد إطلاقاً، يجب أن تعبُد من إذا سألته أجابك، من إذا استعنت به أعانك، من إذا ناجيته سمِعك، من إذا طلبت منه أعطاك، يجب أن تعبُد الغني، أن تعبد القوي، أن تعبد القديم، أن تعبد الأبدي، أن تعبد الإله الواحد الذي لا إله غيره؛ أما إذا عبدت مخلوقاً ضعيفاً كالمستجير من الرمضاءِ بالنار، وإذا عبدت جهةً لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضرَّاً فلأن لا تملك لك شيئاً فمن باب أولى.

النفس البشرية ينبغي ألا تكون إلا لله :

 الآية دقيقة المعنى جداً:

﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ ﴾

 أي أن الدين الحق والخضوع لا يكون إلا لعظيم، الخضوع للقوي، وليس في الكون قوياً إلا الله، الخضوع للعليم والله هو العليم، الخضوع للحكيم والله هو الحكيم، الخضوع للمهيمن، للجبَّار، للقهَّار، أسماء الله الحسنى كلُّها هي في مجموعها كلمة الله، إذاً:

﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾

 له الدين:

﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾

 كلمة: ألا لله الدين الخالص، أي له الخضوع كله، لو أنك خضعت لإنسان ضيَّعت نفسك، واحتقرت نفسك، هذه الجوهرة الثمينة والنفس البشرية ينبغي ألا تكون إلا لله، فشبابك ينبغي ألا يفنى إلا في طاعة الله، عِلمك ينبغي ألا يكون لغير الله، مشاعرك ينبغي ألا تكون لغير الله، ولاؤك ينبغي ألا يكون لغير الله، وكذلك مشاعرك، إخلاصك، طاعتك، شبابك، عمرك، مالك، لأن أية جهةٍ تخلص لها هذه الجهة ضعيفة وفقيرة، وقد تكون لئيمة، لا تعرف لك قدراً، ولا تعرف لعملك قيمة، فإذا عرفت لا تستطيع أن تكافئك..

﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾

[سورة فاطر: 14]

 قس عليها كل شيء، فالجهة التي هي من دون الله لو قدَّرت عملك هي جهةٌ ضعيفة وأنت ضعيفٌ مثلها، لا تملك لك نفعاً ولا ضراً، لذلك:

﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾

خضوع النفس ينبغي ألا يكون لغير الله :

 هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَة ﴾

[سورة المدثر: 56]

 ليس هناك إنسان أهلٌ لأن تطيعه، ماذا يقول لك إذا أطعته؟ شكراً لك، هذه الكلمة ماذا تنفعك؟ لو أنك أفنيت عمرك من أجله، فماذا بإمكانه أن يفعل ليكافئك؟ هل بإمكانه أن يؤخِّر أجلك؟ لا يقدر، هل بإمكانه أن يصرف عن إنسانٍ مرضاً ساقه الله إليه؟ لا يقدر، هل بالإمكان أن يطيل عمره؟ لا يقدر، هل بالإمكان أن ينجيه من عذاب الله؟ لا يقدر، إذاً أنت علاقتك مع الله، فالدين خضوع النفس ينبغي ألا يكون لغير الله، أن تخضع لمخلوق، أن ترضي مخلوقاً، أن تخلص لمخلوق، أن تَهَبَ المخلوق حبَّك وولاءك وطاعتك، أن تفني من أجله شبابك، أن تنهي من أجله عمرك!! هذا المخلوق هو أقل من أن يستحقَّ ذلك..

﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾

 أي أن الجهة التي تستحقُّ أن تكون أنت لها هي الله، فعمرك، وشبابك، ومالك، وفكرك، وعلمك، وعضلاتك، ووقتك، الجهة التي إذا وهبتها كل شيء أعطتك كل شيء هي الله عزَّ وجل، إذا وهبتها كل ما عندك أعطتك سعادةً في الدنيا وجنَّةً إلى أبد الآبدين هي الله عزَّ وجل..

﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾

الله عزَّ وجل يريد أن يتوب عليكم وأن يطهِّركم لتسعدوا في جنَّته فالله له أمر ونهي:

 هذه الدعوى الفارغة، هذه الفلسفة الناقصة والنظرة الزائغة التائهة لهؤلاء الأصنام:

﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾

 هذه فِرْيَةٌ وأكذوبةٌ فنَّدها الله عزَّ وجل، لأن الإنسان أحياناً يفلسف شِرْكُه، يقول: هؤلاء نحن نعبدهم حتى نتقرَّب إلى الله بهم، قال تعالى حكاية عنهم:

﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾

 لماذا يتَّجه الإنسان لغير الله؟ هل من سبب؟ لأن غير الله عزَّ وجل لا يطلب منك إلا الولاء، ثم افعل ما تشاء، أعلن له الولاء يرضى عنك، إن أعلنت له الولاء وفعلت ما تشاء أنت وغيرك، عندئذٍ يكثر أتباع من هم من دون الله عزَّ وجل فيسعون كما يسعى القطيع ويرضون كما يرضى، أما الله عزَّ وجل يريد أن يتوب عليكم، يريد أن يطهِّركم لتسعدوا في جنَّته، فالله له أمر ونهي، لا يرضى عنك إلا إذا كنت مستقيماً، لا يرضى عنك إلا إذا كنت مُنصفاً، لا يرضى عنك إلا إذا كنت محسناً، لا يرضى عنك إلا إذا كنت كاملاً، لذلك السير في ركاب الناس سهل جداً، هذا الشخص متى يرضى عنك؟ إذا أعلنت له الولاء، وافعل بعدها ما تشاء فيرضى عنك، لكن الله عزَّ وجل يعلم السرَّ وأخفى، يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، لا يرضى عنك إلا إذا كنت كاملاً، إلا إذا كنت مستقيماً، فلذلك:

﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾

 فهذه دعواهم وهم فيها كاذبون.

اللهَّ عزَّ وجل أعطى الإنسان فكراً ليرقى به إلى الله :

 قال تعالى:

﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾

 أي سوف يحكم بينهم، سوف تنطق جوارحهم بأعمالهم، إن اللهَّ عزَّ وجل أعطى الإنسان فكراً ليرقى به إلى الله، ليتعرَّف به إلى الله، فلمَّا أعرض عن الله استخدمه في فلسفة الباطل، في تزيين المُنْكَر، في تغطية الانحراف، في فلسفة الكفر والشِرك، فهؤلاء يوم القيامة يختِمُ الله على أفواههم، ويأمر جوارحهم وجلودهم أن تنطق بأعمالهم، فلذلك إذا كان يوم القيامة كان الأمر مختلفاً عما كانوا عليه في دنياهم. إدانتهم من أنفسهم:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾

 إذاً هؤلاء بهذه الدعوى كاذبون، وبهذه الدعوى كافرون، الإنسان أحياناً يفلسف الشِرْك، يفلسف عبادة غير الله بأنه (نعبدهم ليقرِّبونا)، قال:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾

 هو كاذبٌ بهذه الدعوى، كافرٌ بالله عزَّ وجل.

تنزه الله سبحانه عن الزوجة والولد :

 قال تعالى:

﴿ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾

 طبعاً هذا شيء افتراضي، لو أن الله عزَّ وجل أراد أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلُق ما يشاء، ولكنَّه تنزَّه عن الزوجة والولد.

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ*اللَّهُ الصَّمَدُ*لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ*وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾

[سورة الإخلاص: 1-4]

 هو نزَّه نفسه عن ذلك، فأي ادعاءٍ أو أي اعتقادٍ بأن له ولداً من خلقه، هذا كفرٌ صريحٌ يجب أن نعرفَ حجمه..

﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾

 في درسٍ قادمٍ إن شاء الله عزَّ وجل نبدأ بقوله تعالى:

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾

 أي أننا من خلال هذه الآيات التي تمَّ شرح بعضها، فالذي ينبغي أن نقف عنده هو أن نعبد الله مخلصين، من الداخل إخلاص، من الخارج طاعة، فإذا أطعت الله عزَّ وجل في كل ما أمر به، وفي كل ما نهى عنه، فقد عبدته، وإذا أردت بهذه الطاعة وجهه الكريم فقد أخلصت له، وإذا فعلت ذلك حقَّقت عبوديَّتك لله عزَّ وجل، وإذا فعلت ذلك حقَّقت المُراد من وجودك، وإذا فعلت ذلك نِلْتَ خيري الدنيا والآخرة، وإذا فعلت ذلك سعدت في الدنيا وفي الآخرة.

المؤمن متوحِّد أما الفاسق فمُبَعْثَر ومشتَّت :

 مركز الثِقَل في الآيات السابقة..

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

 والتعقيب المهم..

﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾

 أي ينبغي ألا تدين لغير الله، ينبغي ألا تخضع لغير الله، ينبغي ألا تتجه لغير الله، ينبغي ألا تُفني شبابك لغير الله، ينبغي ألا تَتَعلَّم لغير الله، ينبغي ألا تُعَلِّم لغير الله، ينبغي ألا تكون لك أهدافٌ بعيدةٌ عن إرضاء الله عزَّ وجل، هذا هو الإيمان، هذا هو التوحيد، التوحيد أن تتوحَّد وجهتك، وأن تتوحَّد نواياك، وأن تتوحَّد أعمالك كلُّها لهدفٍ واحد وهو الله، لذلك قال بعض العلماء: " إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي ". هذا هو الدين، والإنسان إذا وحَّد، وإذا جمع طاقاته كلها، وصبَّها في حقل واحد، فعندئذٍ يرتاح ويحقق غاية وجوده.
 المؤمن متوحِّد، الفاسق مُبَعْثَر، مشتَّت، الحديث القدسي الشريف:

((مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ ))

[ الترمذي عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 فليس بحياة الناس اثنينيَّة، بل توحُّد، في عملك، وزواجك، وتجارتك، ودراستك، وعنايتك بجسمك، وتربية أولادك، وحتى وقت لهوك هذا كلُّه وفق منهج الله، كله في سبيل الله، إن أعطيت وإن منعت، إن رضيت وإن غضبت، إن وصلت وإن قطعت، كل حركاتك، وكل سكناتك المؤمن الصادق يبتغي منها وجه الله عزَّ وجل، أعود وأكرر المؤمن موحَّد، يعيش في انسجام، في راحة نفسيَّة، ليس لديه تبعثر، ولا تشتُّت، لأن شِرك مضنٍ وعاقبته ضياع ثم بوار.

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[سورة الشعراء: 213]

على الإنسان أن يعقد العزم على شيئين؛ طاعة الله والإخلاص له :

 وبعد: المؤمن حينما يتعرَّف إلى الله، ويرى من كمالاته التي لا نهاية لها، وحينما يعقد العزم على طاعته في كل شيء، وهو إذا وصل إلى هذه وتلك - إلى معرفته وطاعته - فالتعبير الشائع: فتح الله على قلبه، ووصله الله عزَّ وجل، فإذا وصله وصل إلى كل شيء، سعد بكل شيء، رضي عن كل شيء، القَصْد والغاية أن تعيش هذه الحياة هادفاً، ذا هدف يسمو بك ويرقى، أن تعيش بسلامةٍ وسعادة، وأن يكون لك عملٌ يصلُح للعرض على الله عزَّ وجل، فلنعقد العزم على شيئين، على طاعته والإخلاص له، وهذا واجبنا نحو ذواتنا وهو حق لله علينا. فإذا فعلنا الذي علينا عندئذٍ كافأنا الله بالذي لنا، كافأنا بخيرٍ ما بعده خير، توفيقٍ ما بعده توفيق، سعادةٍ ما بعدها سعادة، استقرارٍ ما بعده استقرار، توازن ما بعده توازن، سرور ما بعده سرور، هذا الذي عناه الله عزَ وجل بقوله:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 وهذا الذي عناه الله بقوله:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 18 ]

 وكذلك:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS