25101
التفسير المطول - سورة الأنعام 006 - الدرس(67-73): تفسير تتمة الآية 151 ، بر الوالدين
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-06-16
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس السابع والستين من دروس سورة الأنعام ، ومع الآية التي بدأنا بها في الدرس الماضي ، وهي الآية الواحدة والخمسون بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

تذكير :

أيها الإخوة الكرام ، في الدرس الماضي بينت لكم كلمة :

﴿ تَعَالَوْا ﴾

وبينت أن المحرمات على نوعين ، محرمات في المطاعم ، وهي تفسد الجسم ، ومحرمات في الاعتقادات ، وفي المعاملات ، وهي تفسد النفس ، وهذه الآية متعلقة بالمحرمات في الاعتقادات وفي العلاقات .
أيها الإخوة ، وكان الحديث أيضاً عن الشرك بالله ، هذا في الدرس الماضي ، وننتقل اليوم إلى موضوع :

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

مقدمة في بر الوالدين :

أيها الإخوة ، بادئ ذي بدء كان من الممكن أن نأتي جميعاً إلى الدنيا دفعة واحدة ، وأن نغادرها دفعة واحدة ، لأن كل ما سوى الله ممكن ، ممكن أن نكون ، وممكن ألا نكون ، وإذا كنا يمكن أن نكون على ما نحن عليه ، ويمكن أن نكون على خلاف ما نحن عليه ، يمكن أن لا يكون هناك آباء وأمهات إطلاقاً ، البشر جميعاً يُخلقون دفعة واحدة على وجه الأرض ، معنى ذلك أن الدرس ألغي ، و ألغي معنى قوله تعالى :

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

قلب الأب وقلب الأم من الآيات الدالة على عظمة الله
ولكن كما يقال : حكمة الله بليغة ، أراد الله أن نكون من أب وأم ، هذا الدرس علاقتك بالأب والأم ، أولاً بشكل مجمل ينبغي أن تكون العلاقة بينك وبين أبيك ، وبينك وبين أمك علاقة إحسان ، لا علاقة ندية ، أنت لك في التعامل التجاري علاقة ندية ، وقد تقيم علاقة مع أخيك علاقة ندية ، وهناك العلاقات لا تعد ولا تحصى ، إلا أن العلاقة بينك وبين أبيك أمك ينبغي أن تكون علاقة إحسان ، إحسان منك إليهم ، لماذا ؟ لأن الله سبحانه وتعالى يحبك ، ومحبة الله عزوجل سبقت محبتك له ، لماذا ؟ لقوله تعالى :

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

( سورة المائدة الآية : 54 )

لأنه أحبنا خلقنا ، ولأنه خلقنا أحبنا ، هذا الحب جُسد ، وترجم بمحبة الآباء والأمهات لأولادهم ، ولا يزال قلب الأب وقلب الأم آية دالة على عظمة الله ، تتمنى أن تمرض لتصح ، تتمنى أن تجوع هي لتأكل ، تتمنى أن تخاف هي لتطمئن ، تتمنى أن تقدم لك كل شيء ، ومن دون أن تطمعك منك بشيء .

حقائق مهمة في نظام الأُبُوَّة :

الحقيقة الأولى : الأبوة آية من آيات الله :

كيف أن الكون آية من آية الله الدالة على عظمته ، كيف أن الشمس والقمر آيتان ، والليل والنهار آيتان ، قلب الأم ، وقلب الأب آية ، وفي الأعم الأغلب أن الإنسان لا يعرف قيمة الأب إلا إذا أصبح أباً ، ولا تعرف المرأة قيمة الأم إلا إذا أصبحت أماً ، كيف أن المحبة والحرص والعطف والحنان من أجل أن يسعد ابنها .
أيها الإخوة ، إن صح أن الكون يدل عليه يصح أيضاً أن قلب الأم ، وقلب الأب يدل على الله ، هذا الملمح في قوله تعالى :

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾

( سورة البلد )

محبة الآباء للأبناء تجسيد لمحبة الله عز وجل
نظام الأبوة يدلك على الله ،

﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾

حينما يكون ابنه كما يتمنى الأب يشعر بسعادة لا يوصف ، وهذا معنى قوله تعالى :

﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾

( سورة الفرقان )

فقلب الأب وقلب الأم إلا حالات قليلة جداً وشاذة ، وهي في آخر الزمان تتفاقم ، هناك آباء ليسوا كما ينبغي ، لكن في الأعم الأغلب أي أب في كل القارات ، وفي كل العصور الأب أب ، والابن ابن .
إذاً : أول نقطة أن الله سبحانه وتعالى حينما خلقنا أحبنا ، أو أحبنا فخلقنا والليل :

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

محبة الله تجسدت ، أو ظهرت ، أو ترجمت في محبة الأم لابنها ، أو محبة الأب لابنه .
أيها الإخوة ، وهذا معنى قوله تعالى :

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾

( سورة طه الآية : 39 )

إذا ألقيت عليك محبة مني ، هذا الذي ألقيت محبتك في قلبه يقدم حياته من أجلك ، لذلك ورد أن نبياً من أنبياء الله الصالحين رأى أمًّا وهي تخبز الخبز ، وكلما وضعت رغيفاً في التنور أمسكت ابنها ، وضمته وشمته ، فتعجب هذا النبي من هذا الحب ، ومن هذه الرحمة ، فقال : يا رب ، ما هذه الرحمة ؟! فكان الجواب الإلهي : أن يا عبدي ، هذه رحمتي أودعتها في قلب أمه وسأنزعها ، والقصة رمزية طبعاً ، فلما نزعت الرحمة من قلب الأم ، وبكى ابنها ألقته في التنور .
عندنا أمثلة على بعض الحيوانات ، بعض القطط تأكل أولادها إذا جاعت ، مع أنها تعطف عليهم عطفاً لا حدود له في مرحلة ما ، وبعد هذه المرحلة تأكل أولادها .
إذاً : إن رأيت أمك أو أباك يرحمانك ، ويعطفان عليك فاعلم علم اليقين أن هذه رحمة الله .

الحقيقة الثانية : محبة الأباء للأبناء طبع :

النقطة الدقيقة الثانية : أنك لم تجد في القرآن كله آية إلا آية واحدة متعلقة بالمواريث ، لكن بشكل عام لن تجد في القرآن الكريم كله آية توصي الآباء بأبنائهم ، لماذا ؟ لأن محبة الآباء لأبنائهم ، ومحبة الأمهات لأبنائهم طبع مركب في أصل خلقهم ، وهل سمعت في الأرض أن رئيس وزراء يصدر مرسوماً تشريعياً يحض المواطنين على تناول طعام الإفطار ؟ هذا كلام لا معنى له إطلاقاً ، لأن الحاجة إلى الطعام طبع في الإنسان ، لا تحتاج لا إلى قانون ، ولا إلى مرسوم ، ولا إلى أمر ، ولا إلى تفتيش ، كل واحد منا يستيقظ ، ويقول : أين الطعام ؟ ولأن محبة الآباء ومحبة الأمهات لأبنائهم طبع مركب في أصل وجودهم ، الدليل : اذهب إلى مستشفى الأطفال ، المثقفة تبكي ، والجاهلة تبكي ، والبدوية تبكي ، والمتفلتة من منهج الله تبكي ، والملتزمة تبكي ، والمحجبة تبكي ، إن كان ابنها مريضاً ، كل أمهات الأرض عدا قلة قليلة جداً شاذة لا علاقة لها بهذا الحكم .
إذاً : محبة الآباء والأمهات إلى أولادهم طبع في أصل تركيبهم ، لكن بر الأبناء لآبائهم تكليف ، هكذا شاءت حكمة الله تكليف ، لما يتزوج الابن مصلحته مع زوجته وأولاده ، فإذا بر أباه فمن باب التكليف ، فمصلحته ليست مع أمه ، مصلحته مع زوجته الشابة ، أمه في سن الثمانين ، أمه عبء عليه بالميزان المادي ، لذلك في العالم الغربي الآباء والأمهات في مأوى العجزة ، لكن في العالم الإسلامي لأن برّ الأبناء بآبائهم وأمهاتهم تكليف ديني تجد أن المتقدم في السن في بلاد المسلمين في حالة نتميز بها عن كل أنحاء العالم ، بل إنه في البلاد الإسلامية عار وأيّ عار أن يدفع الابن أباه إلى مأوى العجزة ، الأب في هذه السن لا يتمنى أن يأكل ، ولا أن يشرب ، يتمنى أن يكون بين أولاده ، يتمنى أن يراهم ، عنده حاجة ، لذلك حينما قال الله عزوجل :

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

لو فتحنا المعاجم في اللغة عند( أحسن ) إلى ، ليس في اللغة أحسن( بـ ) بل أحسن إلى ، أما في القرآن ففعل أحسن تعد بالباء ، وهذه الباء تفيد الإلصاق ، يعني إحسانك لأبيك لا ينبغي أن يكون عن طريق السائق ، أو عن طريق الموظف إلى أو عن طريق ابنك ، ينبغي أن يكون عن طريقك شخصياً مباشرة ، يجب أن تذهب أنت إليه لتقدم له الحاجة التي طلبها منك ، وهذا معنى قوله تعالى :

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

يجب أن يكون إحسانك لهم لصيقاً ، لا عن طرق سائق أو عن طريق موظف في المكتب ، خذ أبي إلى نزهة ، فأنا مشغول ، خذ أمي إلى نزهة ، أنا مشغول ، لا ،

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

مشاعر الأب هي مشاعر الحب ، مشاعر العطف سعادته أن يكون عند ابنه ، لا أن يكون في مأوى العجزة ، فلو أن الخدمة في مأوى العجزة بالتعبير الفندقي خمس نجوم ، وخدمة الابن لأبيه الفقير نجمة واحدة ، أو نجمة مطموسة لتمنى أن يكون مع أولاده ، أو مع أحفاده ، من أن يكون في مأوى العجزة .
لذلك امرأة غنية جداً لها أولاد شباب ، تخاصموا على من تكون عنده ، وأصغوا إلى صوت زوجاتهم ، وكل زوجة تأففت ، لذلك وضعوها في مأوى العجزة من فئة الخمس نجوم ، فلما علمت إلى أين آلت أتت بكاتب العدل ، وكتبت كل ما تملك من أموال منقولة وغير منقولة بمئات الملايين إلى الجمعيات الخيرية عقاباً لهم على موقفهم .
فلذلك أيها الإخوة ، محبة الآباء والأمهات لأبنائهم طبع ، وأي أب ، وأيّة أم على اختلاف المشارب والاتجاهات ، والالتزام ، وعدم الالتزام ، والثقافة وعدم الثقافة واحدة ، لأنها طبع ، كيف أن كل إنسان يشعر بالجوع ويأكل ، أي إنسان ، أخي هذا مثقف لا يأكل ، لا ، يأكل هذا جاهل يأكل كثير ، لا ، كل إنسان يأكل ، مثقف أو غير مثقف ، ملتزم أن غير ملتزم ، الله عزوجل أودع في إنسان حاجة إلى الطعام ، كذلك أودع في قلب الآباء والأمهات محبة لأولادهم ، ولو فكرت الآن تجد رجلا مصروفه بضعة آلاف هو وزوجته ، لكن كل سعيه ليدير معملا ، يدير مؤسسة ، يتحمل المشاق ، الظروف الصعبة ، البيع الضعيف ، الضرائب الكثيرة ، صعوبة التخليص ، كل هذه المتاعب من أجل أولاده ، هو عندهم يخدمهم دون أن يشعروا .
لذلك أيها الإخوة ، محبة الآباء للأبناء طبع مركب في أصل وجودهم ، بينما خدمة الأبناء لآبائهم وأمهاتهم تكليف ، مصلحته مع زوجته ، لذلك من علامات قيام الساعة الإنسان يعق أباه ويبر صديقه ، يعق أمه ويسيخ أمام زوجته ، هذه حالة واضحة ، أكثر الأمهات تشتكي أحياناً من جفاء ابنها ، مصلحة ابنها مع زوجته لا مع أمه .
لذلك الملخص أن محبة الآباء لأبنائهم ، ومحبة الأمهات لأبنائهم طبع مركب في أصل وجودهم ، بينما بر الأبناء لآبائهم وأمهاتهم تكليف .
لا بد من ملاحظة : تكاد تكون رحمة الأب بابنه أجرها قليل ، لأنها طبع ، ليست كسبية ، أما إذا اهتم بأخلاقه وبدينه فهذا هو العمل الصالح ، أما أن يهتم بطعامه ، وشرابه ، ومدرسته ، وتحصيله ، فأيّ أبٍ في الدنيا يهتم بذلك ، ويكاد يكون الأجر قليل جداً ، لأنه شيء مركب في أصل تكوينه ، وأنت تشعر أنك عملت عملا عظيمًا ، فهل إذا صليت وبكيت بكاء شديداً لأنك تناولت طعام الغذاء ؟! مستحيل ! لأن تناول الطعام طبع ، أما حينما تؤثر أباك على شيء فأنت في أمسّ الحاجة إليه ، وتقدمه له تبكي في الصلاة ، لأن هذا تكليف ، وأنت قمت بالتكليف ، وأديت الأمانة .

الحقيقة الثالثة : نظام الأبوة طريق إلى معرفة الله :

أيها الإخوة ، إذاً : أراد الله أن يكون وجودنا في الدنيا عن طريق آباءنا وأمهاتنا ، وهناك نقطة دقيقة جداً : أنت من نظام الأبوة تعرف الله ، يمكن لمخلوق يتمنى سعادتك ، يتمنى سلامتك يتمنى ، أن تكون صحيحاً ، يتمنى أن تكون غنياً ، يتمنى أن تكون متفاهماً مع زوجتك ، يتمنى أن يكون لك أولاد أبرار ، هذا حال الأب والأم ، إن دخلت الأم على أبيها ضاحكة فكأنه في جنة ، وإن دخلت البنت على أبيها باكية من زوجها فكأنه في جحيم ، هذا شعور الأب والأم ، كذلك لا تقرّ عين الأب وعين الأم إلا إذا كان الابن والبنت سعداء ، ولا يريد الأب من أبنائه شيئاً ، أحياناً يكون الأب مكتفيًا ، وضعه المادي جيد ، ليس بحاجة إلى أولاده ، لكن عنده حاجة لأولاده ، لكن عنده حاجة إلى سلامتهم وسعادتهم .

الحقيقة الرابعة : علاقتك الابن مع الوالدين إحسان محض :

شيء آخر ، نحن عندنا في اللغة حرف عطف ، حرف العطف يقضي المشاركة ، وليس مقبولا في اللغة أن تقول : وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً
اشتريت أرضاً مساحتها ألف دنم وملعقة ، لا تناسب بينهما ، تقول : اشتريت أرضاً وبيتاً ، أرضاً ودكاناً ، أرضاً ومزرعة ، بيتاً ومركبة ، لابد في العطف من التناسب ، الآن فإذا قال الله عزوجل :

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

( سورة الإسراء الآية : 23 )

إنّ أعلى عمل تقوم به أن تعبد الله ، بل إن سر وجودك في الأرض أن تعبد الله ، بل إن علة وجودك في الأرض أن تعبد الله .

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )

فإذا بالإحسان إلى الوالدين يرتفع إلى مستوى عبادة الله ،

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

إذاً علاقتك مع أبيك وأمك ينبغي أن تكون إحساناً محضاً ، وكل ابن يشكو لي أباه ، لي كلمة أرددها من ثلاثين عامًا : أدِّ الذي عليك ، واطلب من الله الذي لك ، لا تربط برّك بأبيك بموقفه منك .

الحقيقة الخامسة : بطولة الأب في محبة أبنائه له :

لكن أقول لكم حقيقة لعلها من أدق حقائق هذا اللقاء وهذا الدرس : كل أب محترم في بيئتنا ، وفي ثقافتنا ، وفي ثقافة المؤمنين ، الأب محترم ، محسن أو مسيء ، منصف أو ظالم ، الأب محترم ، كل أب محترم ، لكن الأب الذي يحبه الله هو الأب المحبوب ، فرق كبير بين أن يحترم ابنك ، وبين أن يحبك ، إن أحبك فأنت محسن إليه .

(( رحم الله والدا أعان ولده على بره ))

[ أخرجه أبو الشيخ <ابن حبان> في الثواب عن علي ]

أفضل كسب الرجل ولده
بطولتك كأب لا أن يقدم لك ابنك آيات التبجيل والاحترام ، والخضوع ، ويقبل يدك صباحاً ومساء ، بطولتك كأب أن يذوب قلب ابنك محبة لك ، وأن يتمنى بقاءك ، أن يتمنى حياتك ، لا أن يستعجل موتك ، لا إن إذا جاء الطبيب ، وقال له : قضية عرضية يتألم أشد الألم ، يريدها قاضية ، لذلك الأب البخيل يكره الأبناء بقاءه ، ويتمنون موته ، وكذا الأب القاسي ، علامتك أبوتك أنك إذا دخلت إلى البيت كان البيت عيداً ، وإذا خرجت من البيت كان مأساة ، أما الأب الظالم فإذا خرج من البيت صار البيت عيداً ، وإذا دخل إلى البيت ارتبك البيت ، وكلٌّ آوى إلى غرفته ، وابتعد عن أبيه ، فبطولتك لا أن تُحترم ، فكلّ أب محترم ، بطولتك أن تُحب .

(( أفضل كسب الرجل ولده ))

[ أحرجه الطبراني في الكبير عن أبي برزة بن نيار ]

أعظم عمل أن يكون ابنك استمراراً لك ، لذلك قال الله تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾

( سورة الطور الآية : 21 )

كل أعمال ذريتك في صحيفتك يوم القيامة ، لذلك كل واحد منكم متاح له أن يصل إلى الجنة عن طريق تربية أولاده ، كل واحد منكم بإمكانه أن يصل إلى الجنة فقط عن طريق تربية أولاده .

الحقيقة السادسة : على الأبناء الإحسان إلى الوالدين لا عبادتهما :

لكن حينما قال الله عزوجل :

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

تبيّن أن هناك فرقًا كبيرًا بين العبادة وبين الإحسان ، والعبادة طاعة .

(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))

[ أخرجه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك عن عمران والحكم بن عمرو الغفاري]

وأحد أكبر الصحابة الكرام سيدنا سعد ابن أبي وقاص ، تقول له أمه : يا سعد ، إما أن تكفر بمحمد ، وإما أن أدع الطعام حتى أموت ، قال : يا أمي ، لو أن لك مئة نفس فخرجت واحدةً واحدة ما كفرت بمحمد ، فكلِ إن شئتِ أو لا تأكلي ، ثم أكلت بعد لك ، ليس هناك مساومات في الدين ،

(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))

لكن لو أمر بمعصية فلا ينبغي أن تنفجر عليه ، قال :

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾

( سورة لقمان الآية : 15 )

حتى لو أمرك بمعصية ، حتى لو أمرك بالشرك ينبغي أن تكون متلطفاً معه برفضك ، لذلك زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : أن أمي مشركة أفأصلها ؟ قال : صليها ، فأنت مكلف أن تبر أمك وأباك ، مؤمنين ، غير مؤمنين ، منصفين ، غير منصفين ، قاسيين رحيمين ، أدِ الذي عليك واطلب من الله الذي لك .
أيها الإخوة ، إذاً العبادة شيء والإحسان شيء آخر ، أمرك أن تطلق زوجتك وزوجتك مؤمنة ، محجبة ، صادقة ، تحبك ، وتؤدي واجبها تجاهك ، أريد أن أطلقها لا أقدر لأن أبي أمرني

(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))

وكل واحد يطلب مني هذا الطلب أن ينفذ أمر والده بتطليق زوجته يحتج أن سيدنا عمر أمر ابنه أن يطلق زوجته ، فطلقها ، أقول له بجوابي على هذا السؤال : إن كان أبوك عمر فطلقها ، أبوك ما له عمر ، لا يمكن أن يأمر عمر ابنه بتطليق زوجته إلا لحكمة بالغةٍ بالغة .
فلذلك تطلق ، أوامر الأمهات أحياناً والآباء في القسوة على الزوجات كثيرة جداً فإن كانت زوجتك صالحة فعاملها بأرقى معاملة ولو أن الأب أو الأم غضبت عليك ، لا غضب لها في هذا المعنى ، لكن ليس من الحكمة أن تبالغ في مدح زوجتك أمام أمك أو أمام أبيك لئلا تُتهم أنك مستسلم لها ، ليس من الحكمة ، كيفها يا بني ؟ والله ما شي الحال نصيب هذا ، هذه منتهى الحكمة ، أما أن تبالغ في مدحها ليلاً نهاراً ، يظنان أنك همت بها ، وليس عيباً أن تهيم بزوجتك ولكن قلب الأم أحياناً لا يحتمل ، أنت لها في الأصل ، فإذا بامرأة تأخذ قلبك منها .
إذاً العبادة شيء ، والإحسان شيء آخر ، من تكريم الأب في القرآن الكريم أنه لا يجوز أن يُقتل الابن أمام أبيه ، ولو كان مجرماً ، الدليل أن سيدنا نوح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حينما أغرق الله ابنه قال :

﴿ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴾

( سورة هود )

لأن قلب الأب لا يتحمل ، لا قلب الأب ، ولا قلب الأم
أيها الإخوة ، فليس من البر أن يقول لك أبوك : طلق زوجتك ، أو لو أمرك بمعصية ، البر شيء ، والعبادة شيء آخر ، العبادة لله ، والبر للوالدين ، البر أن تطعم أباك وأمك ، أن تهيئ لهما الظروف ، في الشتاء يحتاجون إلى معاطف ، إلى تدفئة ، إلى طعام ، أما أن يقلبا حياتك جحيماً فهذا غير مقبول منهما ، أن يقلبا حياتك جحيماً من أجل نزوة عندهما فهذا شيء غير مقبول أبداً ، لأن أكثر الأبناء والله أيها الإخوة ، وأنا لا أنطلق من فراغ ، أنطلق من قصص واقعية ، هو متفاهم مع زوجته 100 % ، إلا أن تدخل الأب والأم أحال البيت جحيماً لا يطاق ، إذاً :

(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))

لكن الرد ينبغي أن يكون لطيفاً ومهذباً ، وفيه تسديد وتقريب ، قال الله عزوجل :

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ﴾

( سورة الإسراء الآية : 23 )

الحقيقة السابعة : الإحسان إلى الوالدين عند حاجتهما لذلك في الكبر :

من السهل جداً أن تبر أباك الشاب ، القوي ، الغني ، ليس بحاجة إليك ، بحاجة إلى مودتك ، إلى سلام ، إلى زيارة فقط ، لكن لا سمح الله ولا قدر أب مُقعد في البيت ، وهو عندك في البيت ، وله طلبات كثيرة ، والإنسان مع تقدمه في السن قد يصاب بالتخلف الفكري الخرف ، لكن أنا أسأل الله لي ولكم أننا إذا كنا في طاعة الله ألا نخرف ، لأنه من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( بادروا بالأعمال سبعا : هل تنتظرون إلا فقرا منسيا ؟ أو غنى مطغيا ؟ أو مرضا مفسدا ؟ أو هرما مفندا ))

[ رواه الترمذي عن أبي هريرة ]

البطولة أن تبر أباك في كبره
الهرم يقابله خرف أحياناً ، فكلما جاء ضيف يقول هذا الأب أو الأم : لا يطعمونني ، يفضحهم ، والقصة يعيدها مليون مرة ، ويتدخل تدخلا لا يحتمل ، لذلك البطولة لا أن تبر أباك وهو صحيح ، قوي شاب ، غني ، البطولة أن تبر أباك وهو عندك في البيت ، واسأل أيّ أب الآن : كم ولدًا عندك ؟ يقول لك : عندي خمسة أولاد ، لكن اسأله وهو في الخامسة والثمانين أين هو ساكن ؟ عند ابني ، كان أولاده عنده فأصبح عندهم ،

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ ﴾

كبير في السن ، طلباته صعبه ، أدويته كثيرة ، حاجاته غير معقولة ، له أسئلة كثيرة ، تعليقات ، والذي نشأ عليه في الثلاثينات يجب أن يلتزم به مَن هم في التسعينات ، هذا لا يصح ، علموا أولادكم ، وأدبوهم فإنهم خلقوا لزمن غير زمنكم ، وكثير من الآباء مع تقدمهم في السن الذي نشأ عليه في العشرينات يريد أن يلزم ابنه أن يطبقه بعد ثمانين سنة ، هذا شيء غير معقول ، فكلما وجدت أبًا مرنًا أعطى أولاده حرية في شؤون لا علاقة لها بالدين إطلاقاً فهذا جيد ، الآن أكثر المشكلات بين الأم وبين زوجة الابن أنه يجب على الزوجة أن تنفذ تعليمات الأم التي نشأت عليها قبل عشرين أو خمسين عامًا ، هناك معطيات جديدة ، وأساليب بالحياة جديدة ، وأكلات معينة ، وترتيب معين ، لذلك كل ما كان الأب والأم ظلمها خفيفاً على أولادهما ازدادت محبة الأبناء للآباء .
إذاً :

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ﴾

لذلك أحياناً يكون الأب عند أحد أولاده ، الأبناء الآخرون يتمتعون بحرية ، وبرضا الأب ، لأنه ليس بينهما احتكاك أبداً ، أما الابن الذي عنده أبوه فهو في مشكلات كثيرة معه ، في طعامه ، وشرابه ، وضيوفه ، وغرفته ، لذلك البطولة أن تحتمل ، وأنا أؤكد لكم أن الابن البار بأبيه يمكن أن ينال عند الله مكانة كبيرة جداً .
أنا أذكر أن أخًا ظهر في إصبع رجل أبيه سواد ، فعرضوه على طبيب فقال : لا بد من قطع إصبعه فوراً ، له خمسة أولاد ، الأربعة أولاد قالوا : قضاء وقدر ، ماذا نفعل ؟ حسبنا الله ونعم الوكيل ، إلا أن ولده لم يرضَ أن تقطع إصبع أبيه وتألم ، ورجا الطبيب حتى علا صوته ، الطبيب احترمه ، قال له : والله هناك حل ، لكن هذا نجاحه بالمئة عشرة ، قال له : ما الحل ؟ قال له : ستة أشهر صباحاً ، وظهراً ، ومساء يحتاج إلى أدوية وتطهير بالماء ، ومواد معينة ، قال له : أنا أقوم بذلك ، فالابن بيته بالمزرعة ، والأب في المهاجرين بالجادة الخامسة ، والابن موظف ، فكان يستيقظ باكراً جداً ، ويذهب إلى أبيه الساعة السابعة ، ويؤدي الواجب بتنظيف إصبع رجل أبيه ، والظهر يأتي ، والمساء يأتي ، وبعد ستة أشهر شفي الأب ، ولم يحتج إلى قطع إصبعه ، والابن والله شيء لا يصدق ، مع أن دخله محدود ، ووضعه صعب فتح الله عليه ، شيء لا يصدق ، وأنا لا أعرف واحدًا بار بوالديه إلا الله أغناه ، أغناه وأكرمه .

(( ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه ))

[ أخرجه الترمذي عن أنس ]

والذي عق أباه عقه أولاده ، والذي بر أباه بره أولاده ، والقضية دين ، فكما تعامل أباك في الأعم الأغلب يعاملك أبناءك .
إذاً :

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ﴾

﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾

( سورة الإسراء الآية : 23 )

ما معنى أف ؟ اسم فعل مضارع ، أتضجر ، إذا قال لك : بس ، اسم فعل أمر اكتفِ ، حي على الصلاة اسم فعل أمر أقبل ، عندنا في اللغة أسماء أفعال ، لا هو اسم ، ولا هو فعل ، الصيغة اسم ، المعنى فعل ، عندنا اسم فعل ماضي ، وعندنا اسم فعل مضارع ، وعندنا اسم فعل أمر ، فحي على الصلاة أقبل ، اسم فعل أمر ، أف ، اسم فعل مضارع ، أتضجر ، زفير مسموع ، لو أن في السلوك سلوكا أقلّ من أف لقاله الله ، لا أقل منه ، أف ، الزفير مسموع ، أنت متضجر ، بعض العلماء حملوا على أف أكثر من ثلاثين حالة .

(( ما بر أباه من شد طرفه إليه ))

[ رواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق ، وابن مردويه ، عن عائشة ]

هذه مثل أف ، أو من أغلق الباب بعنف أمام أبيه ، من مشى قبل أبيه ، لا تمشِ أمامه ، ولا تجلس قبله ، ولا تستسب له ، لا تسبب أن يسب الأب من أجلك .

(( فَلا تَمْشِ أمامَهُ ، ولا تَسْتَسِبَّ لَهُ ، وَلا تَجْلِسْ قَبْلَه ))

[ رواه ابن السني، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

لذلك :

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾

﴿ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾

( سورة الإسراء )

وأنا أقول دائماً للأبناء الذين امتحنهم الله بمرض آبائهم : الأب فاكهة مولية ، فإذا قمت بواجبك خير قيام متعك الله في حياتك .
أيها الإخوة ، الآية الكريمة :

﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

أيضاً العطف يقتضي التشابه ، يعني كيف أن الشرك ، النهي عن الشرك والأمر بالإحسان للوالدين ، لكن دائماً أحب أن أفرق ، أن الإحسان شيء والطاعة شيء آخر ، وإذا رفضت أمراً لأبيك فينبغي أن ترفضه بلطف ، وبتواضع ، وبابتسامة ، وبرجاء ،

﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

فكل عملك مع الأب إحسان ، وكذا مع الأم .
والفرق بين إكرامك لأبيك أو أمك ، وبين إكرام الأب لابنه فرق كبير ، أنت تكرمهما ، وتتمنى في حال المرض العضال أن يخفف عنهما ، أليس كذلك ؟ ولو في قلبك تكرمهما ، لكن في أعماقك تتمنى أن يخفف الله عنهما ، وهناك أبناء غير مهذبين يسمعون هذه الكلمة لآبائهم ، لكن أباك وأمك حينما كانا يكرمانك يتمنون حياتك ، وفرق كبير بين هذا وذاك .
وقد ورد أن صحابياً جليلاً كان يجلس أمام النبي عليه الصلاة والسلام وعنده ابن جميل الصورة ، كان يضعه على كتفيه ، ابنه على كتفيه أمام النبي الكريم ، النبي إنسان عظيم ، أُعجب بهذه المحبة ، فسأله مداعباً : أتحبه ؟ الصحابي الكريم بأعلى درجات الأدب قال : يا رسول الله ، أحبك الله كما أحبه ، أحبه حباً شديداً ، بعد يومين غاب الصحابي عن مجلس رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فتفقده ، وسأل عنه ، فقيل له : لقد مات ابنه ، فاستدعاه ، وعزاه ، وقال له : قال يا فلان ، أيهما أحب إليك أن تمتع به عمرك ؟ يعني أن يكبر ، وهو ظلك ، ورفيق حياتك ، ومتفوق بالدراسة ، وبار بك ، ومحسن ، وفهيم ، ونجيب ومعك دائماً إلى أن تغادر الدنيا ؟ أيهما أحب إليك أن تمتع به عمرك ، أو أن يسبقك إلى الجنة ؟ فأيهما أحب إليك ؟ قال : بل الثانية ، قال : هي لك ، أرأيت إلى حكمة النبي عليه الصلاة والسلام كيف عالج هذه الحالة ؟ .

طلبٌ وأمنية :

إذاً :

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

والذي أتمناه عليكم أن ينقلب هذا الدرس إلى سلوك ، أنت حينما تبر أمك وأباك فأنت في أعلى رجات القرب من الله ، لأنهما سبب وجودك ، فالذي كان سبب وجودك ينبغي أن يكون ولاءك لهما .
الذي كان سبب وجودك ينبغي أن يكون ولاءك لهما
إذاً بر الآباء والأمهات عمل عظيم ، بل من أرقى الطاعات لله عزوجل ، والقصص الكثيرة التي تروى عن أناس نجحوا نجاحاً باهراً في الدنيا بفضل دعاء والديهم لهم ، والأب لا يملك إلا أن يدعو لك بالتوفيق ، والنصر ، والتأييد ، والقصص مرة ثانية التي تتحدث عن بر الأبناء ، وعن توفيق الله لهم ، وعن حفظهم له لا تعد ولا تحصى .
ورد في بعض الآثار القدسية :

(( أن الله U يسأل عبدين من عباده يوم القيامة ، أن يا عبدي ، أعطيتك مالا فماذا صنعت فيه ؟ قال : يا رب ، أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي أنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين ، فقال : عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك ، ولما سأل الثاني قال : يا عبدي ، أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ قال : لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي فقال : إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ))

[ ورد في الأثر]

ما معنى هذا الكلام ؟ حينما يتوهم الابن أن بر أبيه بمعصية الله فهو مخطئ ، وأن الأب حينما يتوهم أن خدمة ابنه بمعصية الله مخطئ الابن

(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS