19473
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - الزواج - الدرس ( 11 - 17 ) : لمن تكون الولاية .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-12-18
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
وبعد فنحن مع الدرس الرابع من الدروس المتعلقة بشأن الزواج، وقد ذكرنا في درسٍ سابق أنَّ هناك فقراً حقيقياً ينبغي أن يعالج، والفقر كما تعلمون عقبةٌ كؤود في سبيل الزواج، وتحدثت عن الفقر المصطنع، حينما يغالى بالمهور، وحينما يكلّف الخاطب ما لا يطيق، يصبح فقيراً لا لأنه فقير، بل لأن الطلبات تفوق إمكاناته.

الولاية في الزواج

وننتقل اليوم، إلى موضوع الأولياء، لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل واضحةٍ جداً جعلَّ صحة عقد الزواج منوطةً بموافقة الولي، فقد ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه:

(( لا نكاح إلا بولي ))

[الترمذي عن أبي موسى ]

وجود الولي شرطٌ لعقد النكاح، لماذا ؟ لأنه في أغلّب الأحيان لا تعرف الفتاة الرجال، قد يعجبها شكله، ولكن لا تستطيع أن تختبره، بينما الولي لديه خبراتٌ متراكمة تزيد على خمسين عاماً أو عن أربعين عاماً، هذه الخبرات في معرفة الرجال، لذلك لئلا تقع الفتاة في شرِّ عملِّها، أو لئلا تخدع، أو لئلا يستغل طيبها، وسذاجتها أحياناً، أو عدم معرفتها بالرجال، فلا بدِّ من ضمانةٍ في نجاح الزواج، هذه الضمانة هي موافقة الولي.

من هو الولي ؟

من هو الولي ؟ أبوها أقرب الناس إليها، أكثر الناس حباً لها، أشدُّ الناس حرصاً عليها، أي لا يوجد علاقة في الأرض تفوق علاقة الأب بابنه، أو الأم بابنتها، فلذلك الشرع الحكيم جعل موافقة الولي شرطاً لصحة العقد.
حينما تأيَّمت حفصة بنت سيدنا عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله e، فتوفي بالمدينة، فقال عمر رضي الله عنه:
<< أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكرٍ رضي الله عنه فلم يرجع إليَّ شيئاً، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكحتها إياه >>.

وجوب تزويج الولي ابنته أو مَن في حُكمها

ماذا نستنبط من هذه القصة ؟ حب سيدنا عمر الشديد على تزويج ابنته، وأيما أخٍ مؤمن يحرصُّ حرصاً بالغاً، ويتحرك، ويسعى، ويأخذ بالأسباب ليزوج ابنته، فهذا موقفٌ نبيل، فإن زوجها من شابٍ مؤمن حفظ لها دينها، وحفظ لها دنياها، وأعطاها حقها الطبيعي في أن تكون أمًّا، وإذا رأيت أباً لا يعبأ بتزويج بناته، فيتكبر على الخطَّاب، ويضع الشروط التعجيزية، ولا يبالي، بل إن بعض الجهلّة يقولون: " هذه الفتاة تركتها لشيخوختي "، لقد أخطأ في حقها خطأً لا يغفر، هذه تركتها لشيخوختي، لا يحب أن يزوجها.
تسبب الأب في عنوسة ابنته ذنب كبير
قد تكون إحدى الفتيات على علاقةٍ طيبةٍ جداً بأبيها، تخدمه خدمةً فائقة، فهذا الأب بعقله الباطن لا يتمنى أن يزوجها، إنه سعيدٌ بخدمتها، هذا الذي يؤْثر مصلحته وحظوظه من خلال ابنته، ومن خلال خدمة ابنته له، على صالح ابنته، فحينما يغيب هذا الأب عن الحياة، فهو أبٌ اقترف ذنباً لا يغفر.
لذلك عرض سيدنا عمر ابنته على حفصة سيدنا عثمان، ثم عرضها على سيدنا الصديق، ثم جاء النبي عليه الصلاة والسلام فخطبها، فأنكحها إياه.
فهذه المقدمة تعني أن على ولي الأمر أن يسعى جاهداً لتزويج ابنته، أحياناً يسلِّكها طريقاً بعيداً عن أنوثتها، لذلك عندئذٍ لا يُقدم عليها أحد، ولا ترضى بأحد، بعد حين يفوتها قطار الزواج، بعد حين تتألم أشدَّ الألم، تتعقد أحياناً، عندئذٍ تندب حظها وتنحِّي باللائمة على أبيها، فلذلك أردت من هذه المقدمة أن أبين لكم أن الأب المؤمن ينبغي أن يكون حريصاً حرصاً لا حدود له على تزويج بناته، طبعاً ليس الأمر بيده مطلقاً، عليه أن يسعى وعلى الله الباقي، فالسعي مطلوب.
إخواننا الكرام، فهنا نقطة دقيقة جداً.
عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ: الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

( سنن أبي داود )

هذا الحديث لو فهمناه فهماً دقيقاً، ففهمنا أبعاده لكان المسلمون اليوم بحالٍ غير هذا الحال، الاستسلام والضعف واليأس والقنوط لماذا ؟ فتحرك، واسعَ، ألم يقل سيدنا شعيب لسيدنا موسى:

﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

( القصص )

فإذا كان الأب يكبر عليه أن يعرض بناته، فلا بدَّ من وسيط قريب من العائلة يسعى لتزويج الفتيات، وقد ذكرت لكم هذا في دروسٍ سابقة، فأفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح، حينما تخطب الفتاة من شابٍ مؤمن، تعمُّ الفرحة في بيت أبيها، فقد اطمأن على دينها وعلى دنياها، عليه أن يقدِّم ما يستطيع، أن يتساهل، إذا كان يملّك يقدم إذا لا يملك يتساهل، أما لا يملك ولا يقدم ولا يتساهل، هذا إنسان أحمق، إما أن يقدِّم، وإما أن يتساهل.

السلطان وليُّ مَن لا ولي له

الآن هذا الولي الذي جُعلَّ عقد النكاح موقوفاً صحته على موافقته، لو أنه غير موجود، فلو أنه كان مسافراً، أو لو أنه غائب، لو أنه في السجن، كيف نعمل ؟ العلماء قالوا: " الولي إما أن لا يكون موجوداً حقيقةً أو حكماً ".
معنى: موجودا حقيقةً: ليس لها أب، كأن يكون الأب متوفى.
ومعنى: حكماً كأن يكون مسافرًا، أو مسجونًا أو غائبًا أو مفقودًا، أو مصابًا بصفة تمنعه أن يحكم في أمر ابنته.
الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يروي عن ابن عباسٍ رضي الله عنه، طبعاً إذا قلنا عن أحد التابعين، أو عن أحد العلماء العاملين والفقهاء والمحدثين: رضي الله عنه، كما تعلمون هذه العبارة دعائية، أما إذا قلنا: عن أصحاب رسول الله رضي الله عنه، فهذه تقريرية، والفرق كبير بين أن تكون غنياً فيقال لكَ: " لقد أغناك الله، وبين أن تكون فقيراً فيقال لك: أغناك الله "، الأولى دعاء، والثانية تقرير، وإذا قلت عن التابعين، وعن العلماء العاملين وعن الفقهاء والمحدثين: رحمه الله تعالى، هذه تنفي الإشكال، أما لو قلت: رضي الله عنه لإنسان من التابعين أو العلماء المتأخرين، هذه دعائية، أما إذا ذكرت صحابياً، وترضَّيت عنه هذه تقريرية، والفرق بينهما كبير.
فسيدنا بن عباس رضي الله عنه، أو رضي الله عنهما لأنه وأبوه صحابيان.
عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيٍّ ))

قالوا: " والسلطان وليُ من لا وليَ له، والقاضي ينوب عن السلطان، في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها ".
هذه أول قضية حُلّت، فلو فتاةٌ ليس لها ولي وجاءها خاطب والعقد معلق على موافقة الولي، هنا السلطان وليُ من لا وليَ لها، والقاضي الشرعي ينوب عن السلطان في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها، ولكن ماذا نعني بالسلطان ؟ يقول بعض العلماء: " نائب الحاكم ولي، أمير الأعراب ولي، رئيس القرية ولي ".
فالقرية لها مختار، وهؤلاء الأعراب لهم شيخ قبيلة، وفي المدينة القاضي الشرعي، فأي شخص من عِلية القوم من بيده أمرّ هذه الجماعة، هذا يعدُّ نائباً للسلطان في تزويج من لا ولي لها.
بعض العلماء يقول: " إذا كان ولّيها غائباً في موضعٍ لا يصل إليه الكتاب، أو يصلُّ فلا يجيب عنه، زوَّجها من هو أبعد منه من عصبتها، فإن لم يكن فالسلطان ".
يوجد عندنا حل آخر، الأب ولي، وهو غائب لا نعلَّم أين هو، أو نعلم أين هو، لكن لا نستطيع أن نصلّ إليه، فإذا وصلّنا إليه قد لا يجيب لسبب أو لآخر، إذاً هناك وليٌ من الدرجة الثانية، أخوها فالأخ ولي، وعمها وخالها، وهكذا، فإن لم يكن هناك وليٌ من قرابتها، كان السلطان أو نائب السلطان ولياً في تزويجها.
إذا غاب الولي غيبةً طويلةً انتقلت الولاية إلى الولي الأبعد، وهكذا، إلى أن نصل إلى السلطان أو نائبه في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها.
هناك سؤال: أيهما أفضل إذا غاب وليها، أن يزوجها وليها الأبعد، أم السلطان أكثر ؟ الفقهاء على أن وليها الأبعد أولى من السلطان في تزويجها.
النقطة الثانية: أية مدةٍ إذا غاب عنها الولي فقد ولايته، وانتقلت الولاية إلى غيره، أو إلى من هو أبعد منه، وهذه بحسب الأعراف والعادات، فكلّ بلدة أو كلّ مجتمع له عرف، فإذا سافر الإنسان إلى المحافظات أسبوعا، أو يسافر إلى بلد نفطي مثلاً شهر يسافر إلى بلد أبعد، فهناك سفر معقول ضمن العمل، لكن إذا انقطعت الأخبار، وطالت المدة، وفي عرف هذه البلدة أنه لن يعود، فلعلَّ هذا الوقت هو الذي يعدُّ مبرراً لأن يتولى الولي الآخر أمر زواجها.
أحياناً الرق والصبي، والمجنون والمختل، والهرم ومن أصابه خبل، هذه صفات تخلع عن الولي حقه في الولاية، عندئذٍ يعين الأبعد أو نائب السلطان.

حكم تعدد الأولياء في الزواج تنازعهم في الولاية

أحياناً يأتي خاطب، فيتشاجر الأولياء على تفاوتهم، فالأم تريد، والأب لا يريد، الأب يريد، والأم لا تريد، والأخ يحلّف أيماناً معظمة إذا زوِّجت أخته لهذا الشاب لقتلّه، فرضاً، إذا وقعت منازعةٌ بين الأولياء على تفاوت درجتهم، عندئذٍ السلطان أو من ينوب عنه يزوج هذه الفتاة.
وردَّ في حديث شريف رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلّى اله عليه وسلّم:

((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ ))

إذا كان الأولياء في التعددِّ سواء، لها خمسة إخوة، وأبوها متوفَّى، فإذا قلت: المتوفِّي غلط، المتوفِّي هو الله جلَّ جلاله، توفَّى، يتوفَّى، المتوفِّي، الصواب متوفَّى، الإنسان متوفَّى، فإذا تعدد الأولياء وكانوا في مستوى واحد، نأخذ برأي أفضلّهم أو أكبرهم سناً.
أحياناً يرفض الولي تزويج ابنته، إما أن هذا الرفض معقول، وإما أنه غير معقول، فأحياناً تكون الفتاة مريضة مرضا عضالا، ولحكمةٍ أرادها أبوها لم يعلِّمها بهذا المرض، والزواج لا يناسبها أبداً، فإذا رفض التزويج ليس مضطراً أن يُنبئ ابنته بالسبب إن رفعت أمرها إلى القاضي، لأن القاضي الشرعي ولي من لا ولي له، القاضي عليه أن يستدعي الأب ليسأله عن سبب رفضه، فإما أن يقنع القاضي فينضم إلى الولي، وإما أن لا يقنع فيزوجها القاضي.
روى الإمام البخاري عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال:

((زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ زَوَّجْتُكَ، وَفَرَشْتُكَ، وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لا وَاللَّهِ لا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلا لا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ]فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [، فَقُلْتُ: الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ ))

أحيانًا تأخذ الإنسانَ حميّةٌ، يريد أن يؤدِّب هذا الرجل، فيقول له: والله لا أزوجك أبداً، فمن الضحية ؟ الفتاة، هذا اسمه عضل، والعضل لا يجوز، فإذا كنت في خصومة مع شخص أو في مشكلّة أو قضية فالأولى أن تجمدها، وأن تلتفت إلى صالح الفتاة.
فقد تنشأ مشكلّة في أثناء الخطوبة، أو قبل عقد القران، فيتألم الأب أحياناً، أو يتألم الأخ، أو أن الأب يريد أن يؤدِّب هذا الخاطب، أو أن يؤدب هذا الطالب، فيمنعه من الزواج من هذه الفتاة لا لشيء إلا ليأخذ بثأره، أو ليثبت شخصيته قال: هذا لا يجوز، إذا كان الخاطب جيداً، وكانت الفتاة ترضى به، فالأولى أن نجمِّد مشكلتنا مع هذا الخاطب، وأن نحكِّم مصلحة الفتاة في هذا الموضوع، الآية الكريمة:

﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾

( سورة البقرة: آية " 232 " )

الإمام الطبري، يفسر هذه الآية فيقول: " والصواب من القول في هذه الآية أن يقال: أن الله تعالى ذكره أنزلها دلالةً على تحريمه على أولياء النساء، مضارة من كان له أولياء من النساء، يعضلهن عمن أردن النكاح من أزواجٍ كانوا لهن، فبن منهنَّ بما تبين به المرأة من زوجها من طلاقٍ أو فسخ نكاح ".
أي بانت بينونة صغرى، ثم جاء يخطبها مرةً ثانية، أما البينونة الكبرى حتى تنكح زوجاً غيره، لكن لو أن إنسان طلَّق زوجته طلقة واحدة، وانقضت عدتها ثلاثة قروء ملكت نفسها، بإمكانها أن ترفض، وبإمكان وليها أن يرفض، لأن عقد النكاح لا ينعقد إلا بالولي، فإذا طلَّقها تطليقةً واحدةً، وبانت منه بينونة صغرى، ثم ندم على فعلته، وجاء يخطبها مرةً ثانية، ليس للولي الحق أن يعضل فتاته أو ابنته، عن أن تتزوج زوجها التي بانت منه قبل قليل.
بالمناسبة، الإنسان إذا طلق زوجته تطليقة واحدة، تبقى في بيته ثلاثة قروء، في هذه المدة بإمكانه أن يراجعها من دون عقد، ولا مهر، ولا ولي، ولا أي شيء، مراجعة قولية أو فعلية، لو وضع يده على يدها فقد راجعها، لو قال لها: لقد راجعتك، فقد رجعت إليه، لكن حُسبت طلقة، أما إذا انقضت عدتها ملكت نفسها، يمكن أن تعقد عليها عقداً جديداً، وأن تعود إليه من دون أن تضطر أن تتزوج رجلاً آخر، هذه البينونة الصغرى.
يوجد عندنا حكم شرعي دقيق، أن الولي إذا عضل أي رفض تزويج ابنته، من زوجها الذي طلَّقها وبانّت منه بينونة صغرى، لا يزوج السلطان إلا بعد أن يأمره بالرجوع عن العضل، فإن أجاب فذاك، وإن أصرَّ، زوج عليه الحاكم والله أعلّم.
المفروض نائب السلطان القاضي الشرعي، يرى في رأي الولي، لعل هناك مشكلة لا يعلّمها، لعل هناك عقبة كؤود، لعل هناك مفسدة كبيرة من عودتها إليه، لا بدَّ من التشاور.
عندنا حالة يؤسف لها كثيراً، أنَّ ولي الفتاة ينتظر خاطباً غنياً، فيعضل ابنته لعلّة الغنى، أي يتمنى خاطباً غنياً، فكلّما جاء خاطبٌ فقير رفض، هذا عضل وبإمكان الفتاة التي يرفض أبوها تزويجها لهذه العلة أن ترفع أمرها إلى القاضي.
شيء آخر، أحياناً يكون للفتاة دخل أو لها إرث كبير، فيريد الأب أن تبقى في حوزته حتى يتصرف في أملاكها، يخشى أن يأتي زوج، فيأخذها منه، ويأخذ معها ما تملك، هذا أيضاً الدافع مادي، وعندنا قاعدة أساسية، إذا ابتغى الإنسان مرضاة الله عزَّ وجل جاءته الدنيا وهي راغمة، أما إذا أراد الدنيا، خسر الدنيا والآخر.
لدي كلمات أقرأُها لكم:
" إذا رضيت الفتاة رجلاً، وكان كُفئاً لها، وجب على وليها، كالأب أو الأخ أو العم، أن يزوجها به، فإن عضلّها أي امتنع، زوجها الولي الأبعد منه، أو الحاكم أو نائب الحاكم، وأقصد به القاضي الشرعي، بغير إذنه، باتفاق العلماء، فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه، وليس له أن يعضلها عن نكاح من ترضاه، إذا كان كفئاً في اتفاق الأمة، وإنما يجبرها، ويعضلها أهل الجاهلية والظلمة، الذين يزوجون نساءهم بمن يختارون لغرضٍ لا لمصلحة المرأة، ويكرهونها على ذلك ".
ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام
وأحياناً هناك نوع من الإكراه هو الإخجال، أي كلام فيه استعطاف، فيه إثارة عاطفة البنوة نحو أبيها، هذا الشيء كان بالحياء فهو حرام، كان عليه الصلاة والسلام إذا خطبت ابنته يعطيها ظهره، ويقول:

((يا بنيتي، إن فلانا قد ذكرك، لك الخيار))

[ورد في الأثر]

فقضية التزويج وهذه نصيحة إلى إخواننا الكرام، أنت ترى أن هذا الإنسان جيد جداً، لكن لم يرق لابنتك، فإذا رفضت ينبغي أن ترفض، لك أن تقول لها: فلان أخلاقه عالية، لكن كما أنك مُكلّف أن تختار لها الأصلح، هي مسموح لها أن تختار من تعتزُّ به، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، جاءت امرأة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تطلب الطلاق من زوجها فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْمُرُنِي ؟ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ، قَالَتْ: فَلا حَاجَةَ لِي فِيهِ ))


وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً ))

[البخاري]

هذه هي المخالعة، فالأب يجب أن يحترم رغبة ابنته، قد تكره هذا النموذج، قد تكره هذا الشخص، لا بدَّ من موافقة الولي، وموافقة الفتاة معاً، فبعض الصناديق يكون لها مفتاحان، لو ملكت مفتاحا واحدا لا يفتح، لا بدَّ من استخدام المفتاحين معاً.
الحقيقة أنّ هذا الموضوع واضح، لحرص الإسلام على إحصان الفتيات، وعلى تأسيس الأسر الإسلامية، النبي عليه الصلاة والسلام، لا ينطق عن الهوى، شرَّع لنا أن الولي فإذا كان مفقوداً حقيقةً، أو مفقوداً حكماً، أو كان حجر عثرةٍ، تولى السلطان تزويج هذه الفتاة التي لا ولي لها أو لها وليٌ مفقود، أو وليها يعضلّها عن الزواج، عندئذٍ يتولى الأبعد، أو نائب السلطان، وهو القاضي الشرعي، تزويج هذه الفتاة، وأحياناً الإنسان يصل إلى الدرجة من الاعتداد بالنفس ومن أجل أن ينفذ كلمته يضحي بمستقبل بناته.

إشاعة المحبة والوداد في الحياة العائلية

ننتقل إلى فصلٍ جديد في هذا الموضوع، وهو إشاعة المحبة والوداد في الحياة العائلية، هناك تدابير ينبغي أن يفعلّها الإنسان قبل الزواج، من أجل أن تشيع المحبة بعد الزواج، كيف أن الابن له حقٌ عليك قبل أن يلد، ما حقه عليك ؟ أن تحسن اختيار أمه، هناك أساليب ينبغي أن تفعلها قبل الزواج، من أجل أن تشيع المحبة بينك وبين زوجتك بعد الزواج، فمن هذه التدابير:

استحباب النظر إلى المخطوبة والخاطب

استحباب النظر إلى المخطوبة، الآن دققوا: فمن فضل الله علينا أنا لا أعتقد أن في ألف ولي وليا واحدا لا يريد لابنته أفضل زوج، في الأعمّ الأغلب في مجتمع المؤمنين الولي عنده رحمة بالغة وحرص شديد على تزويج ابنته، إلا الحالات الشاذة، لذلك القسم الأول من هذا الدرس يتعلَّق بفتاة ليس لها ولي حقيقةً، أو لها وليٌ غائبٌ، فهو كالمفقود حكماً، أو لها وليٌ يعاني من مشكلة فيعضلها، عندئذٍ هناك من يزوجها، إما وليٌ آخر أو القاضي.
لكن الآن دخلنا في صميم الموضوع، هناك مشكلات، تنشأ بين الزوجين أسبابها أنه لم ينظر إليها، أو أنه نظرَّ إليها، ولكنه رجَّح مصلحةً غير مصلحة أنها في طموحه، فإذا تزوج الإنسان فتاة دون طموحه بكثير، ورضيها، وأحسن إليها، فلا يوجد مانع، فهي بطولة، أما إذا قبلها بادئ الأمر، ثم بالغ في إهانتها، لأنها لم تكن في طموحه، فقد أجرم بحقها، الفتاة عند أهلها معززةٌ مكرمةٌ، وتعيش في أجواء أخرى، ثم دخلت أجواء الزواج وأجواء علاقتها بالرجال، تعيش حياة طهر واستقامة وصفاء، لها أبٌ يحبها، ولها أمٌ تعطف عليها فأنت قلت: " أنا أختارها زوجة لي، ولا يعنيني الجمال إطلاقاً "، فلا مانع من ذلك، وهي بطولة منك، لكن حينما تأتي إليك فتنكد عيشها، وتمتهن كرامتها، لأنها ليست في طموحك، هذه جريمةٌ بحقها، لذلك إذا أردت أن تكون من عامة المؤمنين انظر إليها.
النبي عليه الصلاة والسلام من توجيهاته الكريمة في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الترمذي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه خطب امرأةً فقال النبي عليه الصلاة والسلام:

((انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا ))

ومعنى أن يؤدم بينكما، أي أن تدوم المودة بينهما، فأحد أسباب المودة بين الزوجين، أنه نظر إليها، ولم يغرر بها، ولم يدلس له عليها ورضيها، وأعجبته، وخطبها عن قناعةٍ، وعن رغبةٍ، وعن شوقٍ عندئذٍ لا يندم على الزواج منها، هذا مما يعين عن المودة فيما بين الزوجين.
بعض العلماء قال: " معنى أن يؤدم بينكما، يكون بينكما الألفة والمحبة، لأن الزواج منها كان بعد معرفةٍ، فلا يكون بعدها ندامةٌ غالباً ".
أي إذا نظرت، وأعجبتك وكانت ضمن الطموح الذي تريده، انتهى موضوع الندامة، وموضوع اللوم، كأن تقول: " لولا أنت لما تزوجتها، لولا أن أمي ضغطت علي لما تزوجتها "، فهذه القضية قضية عمر مديد.
فمن هذه الأمور التي أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام: استحباب النظر إلى المخطوبة، واستحباب النظر إلى الخاطب، ولهنَّ مثل الذي عليهنّ، ووجوب استشارة البنت وتأكيد استشارة الأم، أربع أشياء، أن تنظر إليها، وأن تنظر إليك، وأن تستشار البنت في الزواج، وأن تستشار أمها، فإذا جاءت الموافقات بالأربع، في الأعم الأغلب ستكون المودة والمحبة بين الزوجين.
لكن الحكم الشرعي هو الاستحباب لا الوجوب، فهناك حالات كأن يتزوج الإنسان بنت إنسان عظيم، لعله ينال شرفاً رفيعاً بهذا الزواج، لذلك لا يمكن أن يعلِّق أهميةً على الأمور الثانية، فهو إذا رفض النظر هذا تخلى عن حقه، ولكن الزواج صحيح، فالتوجيه النبوي على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الوجوب، لو أن الولي لم يوافق فالزواج باطل، ولو أن العقد بلا مهر فالزواج فاسد يصحح، أما لو الزواج تم، ولم ينظر الخاطب إلى مخطوبته فالزواج صحيح، لكن لن يتخلَّى عن حقٍ له مشروع، والأولى أن تمارس حقك الذي شرعه لك النبي عليه الصلاة والسلام.
وهناك حديث آخر عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ ))

( من سنن أبي داود: رقم " 1783 " )

المعنى واضح، ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، أي أن تكون على الصفة الفلانية، هكذا طموحه، فإذا نظرت إليها، ورأيت فيها ما يدعوك إلى نكاحها، هذا من علامات التوفيق، ومن العلامات المودة والرحمة بين الزوجين.
عَنْ أَبِي حُمَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِخِطْبَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لا تَعْلَمُ ))

( مسند أحمد )

عندنا حكم فرعي، وحكم لطيف جداً، أحياناً يأتي الخاطب الأول فلا يعود، ويأتي الخاطب الثاني فلا يعود، والخاطب الثالث فلا يعود، والأب حريص حرصاً بالغاً على معنويات ابنته، وعلى شأنها وعلى مكانتها، قد تكون فتاة مؤمنة، حافظة لكتاب الله، فهذه قلامة ظفرها تعدل عند الله ألف فتاة غير متدينة، بل مليون، فإذا كان أول خاطب لم يعد، والثاني لم يعد، وخاف الأب على مشاعر ابنته أن تجرح، وعلى معنوياتها أن تهبط يحق للأب أن يسمح للخاطب الثالث أن يراها دون أن تدري، ومن الممكن ذلك، وهنا الحكمة أن يراها دون أن تدري.
أما إلى ماذا ينظر ؟ لقد شرح الإمام النووي رحمه الله تعالى هذا الحديث الشريف الذي ورد فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالنظر إلى المخطوبة فقال: " وفيه استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها إلى الوجه، وهو مذهبنا، ومذهب مالكٍ وأبي حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد، وجماهير العلماء أن ينظر إلى وجهها وكفِّها ".
بعضهم علقَّ هذا التعليق: " يستدلُّ بالوجه على الجمال، أو جلده، وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمه " الوجه مجمع الجمال، قال: " ولا يباح النظر، إلى ما لا يظهر عادةً ".
في العادة هذه الفتاة في بيت أهلها، هناك أشياء لا تظهر عادةً منها فلا يباح النظر إلى مالا يظهر عادةً.
بعض العلماء قال: " للخاطب أن ينظر إلى أكثر مما ذكر "، ولكن الإمام النووي يقول: نرى ألا ينظر إلى ما عدا الوجه والكفين، وذلك لسببين: أن الوجه مجمع المحاسن، ويكفي في الإخبار عن حسن صاحب الوجه، والكفان كما يقول النووي ينبئان عن خصوبة الجسد وصلابته، فلا ينبغي تجاوز الوجه والكفين إلى غيرهما ".
ويرجِّح الإمام النووي أن ينظر الخاطب إلى الوجه والكفين فقط.
هنا تعليق لطيف، لو أراد هذا الخاطب أن يستزيد من صفات المرأة، فله أن يرسل إحدى قريباته فتعطيه الزائدة، هذا من الممكن يرجح وهذا مباح، يقول الإمام النووي: " إذا لم يمكنه النظر، استحب له أن يبعث امرأةً يثق بها، تنظر إليه وتخبره ".
وهناك نقطة مهمة جداً في الخطبة، أحياناً يكلّف الإنسان امرأة ليست ثقة، ليست متديِّنة، فلو كلَّفها أو لو كلَّف مثلاَ زوجة أخيه أن تخطب له، هذه الزوجة لا تسمح أن تأتي من تنافسها في الجمال، فإذا أرسلَّها إلى فتاةٍ تحقق طموحه فستعطيه صفات مخالفة، فإذا أرسل الإنسان امرأة لكي تخطب له فينبغي أن تكون ثقةً، ورعةً، لا تكذب، لا تغير الصفات لا تبدِّل، فأنا أعرف عشرات بل مئات الفتيات، اللاتي رفضن وهنّ في أعلى مستوى لغيرةٍ أصابت الخاطبة أو لحسدٍ، أو لمشكلةٍ، أو لعداوةٍ، أو لمنافسةٍ، فالابن أو الأخ بسيط فإن قيل له: الفتاة لا تناسبك، فبهذا القضية انتهت، أو أنها تعرج عرجةً خفيفة، وقد تكون غير ذلك، فأحياناً هذه الخاطبة التي ليست ثقةً ربما شوَّهت الحقيقة.
الحقيقة أن الحياة تحتاج إلى ورع، المؤمن الصادق يتعامل مع المؤمنين، وبالإيمان حد أدنى، المؤمن لا يكذب، يطبع المؤمن على الخلال كلِّها، إلا الكذب والخيانة، أقول لكم هذا الكلام الدقيق: مؤمن يكذب ؟ يتكلّم كلامًا غير صحيح ؟ يفتري ؟ يبالغ ؟ يطمس المعالم ويشوِّه ؟ هذا ليس مؤمناً، يجب أن تنقل الواقع بأمانة.
طبعاً في موضوع إرسال النساء للخطبة هذا ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، بعث امرأةً تنظر إلى من خطبها النبي عليه الصلاة والسلام.
والأولى عندنا قاعدة في الحديث، وهي أن الحديث المتواتر، يستحيل الكذب فيه، فقد رواه الجمع الغفير عن الجمع الغفير يستحيل التواطؤ على الكذب، فإذا كان الإنسان حريصًا على أن يخطب هذه الفتاة، وكان معه عنها معلومات جيدة جداً، فإذا أنبأته امرأةٌ ليس من صالحها أن تخطبها له بصفات مناقضة لما يعلَم، له أن يرسل امرأةً أخرى، فإذا جاء التواتر موافقاً، فيرسل امرأة ثالثة، فإذا جاءت الأوصاف متشابهة، معناها كلهنَّ صادقات، أما إذا كان هناك تناقض في الصفات، معنى ذلك أن إحداهن ليس لها مصلحة في هذا الزواج، فكنْ عاقلاً ولا تكون ألعوبة بيد الأخريات، كنْ عاقلاً فلا تحكم إلا بعد التثبت والتحقق.
بقي علينا في الدرس القادم إن شاء الله تعالى نظر المخطوبة إلى الخاطب، واستشارة الفتاة، واستشارة أمها، هذه من التصرفات التي تحقق المودة بين الزوجين.

أسئلة متعلقة بالخِطبة

هناك أسئلة متعلّقة بهذا الموضوع لعلّها مهمةٌ ومفيدة:

السؤال الأول:

متى يسمح للخاطب بالنظر إلى الفتاة ؟ قبل الخوض في التفاصيل الأخرى أم بعدها ؟

الجواب:

والله الأولى والأصوب، والأكمل والشيء الشرعي أكثر، أن ينظر إليها بعد أن يتفق الفريقان على كلِّ شيء، وتبقى الرؤية الحاسمة، أما هناك أكثر من سبب لعدم تحقق هذا الزواج، فما الفائدة من النظر إليها ؟ فمثلاً أهل الفتاة لا يزوجون خارج بلدهم، والخاطب مقيم بدولة خليجية، ويريد أن يراها، فلا داعي أن تراها ما دام إرسالها إلى هذا البلد مرفوض، أو لا يزوجون إلا في بيت مستقل، والخاطب لا يوجد عنده بيت مستقل، فلماذا تريد أن تراها ؟ أكثر الناس أول المرحلة الرؤية، فلا داعي لذلك، فلك أنت ظروف ولهم شروط، فإذا توافقت ظروفك مع شروطهم، اطلب أن تنظر إليها، أما أن يكون التناقض بين ظروفك وبين شروطهم فليس هناك حاجة أن تنظر إليها.

السؤال الثاني:

سألني أخ سؤالا: ما رأيك بتعدد الزوجات أسوةً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟

الجواب:

ألم يعجبك منه غير التعدد اللهم صلِّ عليه ؟ التعدد مباح وليس واجباً، والأصل ما دام الله عزَّ وجل خلّق تقريباً النسبة بين الرجال والنساء خمسين بخمسين، فالأصل زوجة واحدة، أما حينما تكون المرأةٌ عاقرًا، هل الأولى أن نطلقها، وأن نلقيها في الطريق، أم أن نسمح لهذا الزوج المحروم من الولد بالزواج من ثانية ؟ نسمح له بالزواج من الثانية.
امرأةٌ مريضة، الأولى أن نطلقها، ونلقيها في الطريق، أم أن نسمح لزوجها المحروم منها لعلة مرضها أن يتزوج ثانية ؟ نقول له: تزوج ثانية.
رجلٌ له حالةٌ خاصة، لا تكفيه امرأةٌ واحدة، أنسمح له بالزنا أم بالخليلات، أم بزوجة ثانية ؟ بزوجة ثانية.
عقب الحروب، مليون قتيل في بعض الحروب التي وقعت بين بلدين إسلاميين ودامت ثماني سنوات فقد فيها مليون قتيل، فماذا نفعل ببقية النساء ؟ ندفعهن للانحراف، أم نسمح بالتعدد ؟ نسمح بالتعدد.
إذاً التعدد مباح وليس واجباً، وتتضح إباحته جليًّا في هذه الظروف، كامرأةٌ لا تنجب، أو امرأة مريضة، أو امرأة لا تحصن زوجها، ويخشى عليه أن يلتفت إلى غيرها، أو أن الرجل لا تكفيه امرأةٌ واحدة، أو عقب الحروب والنكبات، في هذه ظروف إذا سمحنا بالتعدد في هذه الظروف، لا بدَّ من العدل التام لا المطلق، فالمطلق يشمل، ميل القلب:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ:

(( اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ ))

أما التام، السكنى، أي أن البيتين في مستوى واحد، الإنفاق اليومي، المبيت أو الوقت، فإذا كان هناك حاجة، وكان هناك قدرة، وكان هناك عدل تام، فالتعدد مباحاً وهو رأي الشرع.

السؤال الثالث:

إذا خطب رجلٌ فتاةً ثم تزوجها، وبعد الزواج اكتشف فيها عيباً لم يعرفه قبل الزواج، فما هو رأي الشرع بذلك ؟ وهل من حق الخاطب أن ينظر إلى مفاتنها المخفية عن الأنظار ؟

الجواب:

مثلما تكلمنا سابقاً له أن ينظر إلى الوجه والكفين، وهناك رأيٍ ضعيف، لم يجمع عليه العلماء، أن ينظر إلى أكثر من ذلك، أي للشعر، لكن أن ينظر إلى ما ينبغي أن لا ينظر إليه، لا يجوز هذا وهو خلاف الفطرة، أما إذا اكتشف فيها عيباً، العلماء في كتب الفقه نصوا على العيوب التي تجيز للزوج أن يفسخ العقد، فليس كل عيب، كأن يكون عندها ثلاث أسنان محشوة، خير إن شاء الله، فأنت لك عشرة أسنان، لديك محشوة، فهناك عيوب لا تقدِّم ولا تؤخر، وليس هناك إنسان خالٍ من العيوب، أو سليماً مئة بالمئة، لكن هناك عيوب العلماء نصوا عليها تمنع تحقيق مصلحة الزواج، هذه تعالج في درسٍ قادم إن شاء الله.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS