90097
خطبة الجمعة - الخطبة 0963 : خ1 : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر1 ((خصيصة الأمة المسلمة الأمر والنهي )) - خ 2 : الإعجاز في كلمة ( كثيراً ) .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-05-13
بسم الله الرحمن الرحيم

 الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين.
 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

 موضوعنا هو الفريضة السادسة: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهذه مقدمات ندخل من خلالها لموضوع سنتكلم فيه خلال عدة خطب قادمة، إن شاء الله تعالى:

هو من خصائص الأمة الإسلامية:

 أيها الإخوة الكرام، ما من مسلم إلا ويتغنى بقوله تعالى:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

(سورة آل عمران: 110)

 يقف عند هذا الكلام، ويتوهم أنه من خير أمة أخرجت للناس، ولكن الحقيقة أن الله عز وجل حينما قال:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

(سورة آل عمران: 110)

 وكأن الأمة المسلمة من أبرز خصائصها، ولعلها الخصيصة الفاصلة بينها وبين الأمم الأخرى، أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، بينما الأمم الشاردة عن الله عز وجل من أخصِّ خصائصها أنها متفلتة من كل قيد، كل شيء في هذه الأمم مباح حتى الشذوذ، حتى الذي تأباه الفطر السليمة، فإذا صحَّ أن تكون خصيصة الأمة المسلمة هي الأمر المعروف والنهي عن المنكر، وأن خصيصة الأمم الأخرى الشاردة التفلت من أي قيد أخلاقي، أو ديني، أو شرعي، أو قيمي، فهذا هو الفيصل بين الأمتين.

الخيرية في أمة الاستجابة فقط:

 أيها الإخوة الكرام، اضطر بعض العلماء أن يقسم الأمة المسلمة إلى قسمين: أمة التبليغ، وأمة الاستجابة، فإذا قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

(سورة الأنفال: 24)

 فالذي استجاب لله عز وجل، وطبق منهج الله في حياته هو من هذه الأمة التي شهد الله لها بالخيرية.
 أما إن لم يستجب، فيكون الوضع كوضع هؤلاء الذين ادَّعوا أنهم أحباب الله وأبناؤه، فبماذا ردّ الله عليهم؟ ردّ الله عليهم بقوله تعالى:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

(سورة المائدة: 18)

 لذلك، فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول في هذه الآية: (و أن الله قبل دعواهم لما عذبهم، لأن الله لا يعذب أحبابه )
 فهذه الأمة التي تدّعي أنها خير أمة أخرجت للناس، نسألها نحن قياساً على الآية السابقة: قل فلمَ نعذَّب بذنوبنا؟ بل نحن أمة كأي أمة خلقها الله عز وجل.
 هذه الحقيقة المُرة التي هي أفضل ألف مَرة من الوهم المريح.

هو مبدأ بسيط لا يحتاج إلى تعمق:

 أيها الإخوة الكرام، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، ودعامة راسخة من دعائم المجتمع الرباني، دلت عليه النصوص الصحيحة، وشهد به التاريخ، ونطق به الواقع، والأمة اليوم تحتاج إلى إحياء تلك الشعيرة، وتقوية تلك الدعامة، لتنفض عنها ما علق بها من الغبار الذي أثاره عليها الكيد الخارجي والكيد الداخلي الذي لم يكن ليفعل فعله لولا انحسار المفهومات الإسلامية لدى الأمة، وبُعدها عن دينها.
 أيها الإخوة الكرام، أؤكد لكم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يحتاج إلى ثقافة عالية جداً، ولا يحتاج إلى تبحر، ولا إلى تفهم، ولا إلى تفرغ، ولا إلى تعمق.
 سائق سيارة أجرة جاءه شاب وشابة ليركبا معه من بلد إلى بلد، وطلبا منه أن ينتظرا قليلاً ريثما تأتي حقيبة، بعد حين جاء رجل، لكنه تأخر قليلاً تزيد سنه على سبعين عاماً، وأعطى هذا الشاب الحقيبة فما كان من هذا الشاب إلا أن وكزه على رأسه، وعنفه على تأخره، وضعت الحقيبة في الصندوق، وانطلقت السيارة، تقول هذه الشابة لهذا الشاب: كيف تضرب أباك؟ فأوقف السائق مركبته، وقال له: انزل أنت وهي، وهذه الأجرة.
 هذا الإنسان على ضعف ثقافته أبى أن يُركِب راكباً يتهجم على والده بالتعنيف وبالوكز.
 أيها الإخوة الكرام، يقسم لي أحدهم أن سبب توبته من الخمر أنه ركب مركبة عامة، وفي يده حقيبة، يبدو منها بعض أنواع الخمر، فأوقف السائق المركبة، وأنزله، وقال: أنا لا أركب إنساناً يقتني هذه الأشياء.
 نحن لا ندعوكم إلى أن تكونوا عنيفين مع الناس، ولكن حينما نصمت صمتاً مطبقاً عن كل معصية، وعن كل مخالفة، وعن كل فاحشة، ما الذي يحصل؟ تضيق دوائر الحق، وتتسع دوائر الباطل، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

(سورة محمد: 7)

 إذا كان الجمع غفيرًا في اجتماع عام، ودخل وقت الصلاة، ولم يتحرك أحد، يصعب على بعض الحاضرين أن يظهر وحده فيقوم ليصلي، أما إذا قام الجميع ليصلوا اختلف الأمر، أنت بقدر ما تطبق أمر الله تنصر دينه.
 فلذلك أيها الإخوة الكرام، خيرية هذه الأمة تنتهي إذا رأينا المنكر، وسكتنا عليه، وإذا رأينا معروفاً قد دثر، ولم ندعُ إليه، أقرب الأمثلة إليكم:
 قد تأتي ابنة أخ الرجل إلى البيت، وبثياب فاضحة تظهر كل مفاتنها، ولا يتكلم بكلمة، بل يسألها عن صحتها، وعن دراستها، وعن جامعتها، وعن أهلها، ويرحب بها أشد الترحيب، وهو مشتاق إليها، ولم يخطر في باله لثانية واحدة أن يلفت نظرها إلى هذه الثياب الفاضحة التي لا تليق بفتاة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر.

هو مبدأ فطري في الإنسان:

 أيها الإخوة الكرام، هناك من يرى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فطرة في الإنسان والدليل:
 أنت دائماً في صراع مع نفسك، هناك أمر بالمعروف داخلي، وهناك نهي عن المنكر داخلي، فإذا جاءك إلهام الملك، وجاءتك وسوسة الشيطان، فأنت في صراع، لذلك هذه النفس التي تلوم ذاتها على عمل قيمتها عند الله كبيرة، سماها الله النفس اللوامة، فقال تعالى:

﴿ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾

(سورة القيامة: 2)

الناس ثلاث فئات تبعاً لهذا المبدأ:

 الآن مادام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجري داخل الإنسان، فلأن يكون هو شعار مجتمع المؤمنين فمن باب أولى، لذلك هناك ثلاثة مجتمعات:
 مجتمع المؤمنين الذي يؤمر فيه بالمعروف وينهى عن المنكر، قال تعالى:

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾

(سورة التوبة: 71)

 كلام واضح كالشمس، مجتمع المؤمنين فيه أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر.

 ومجتمع ثانٍ، هو مجتمع المنافقين، قال تعالى:

﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ﴾

(سورة التوبة: 67)

 ومجتمع ثالث، يؤمر فيه ببعض المعروف، وينهى عن بعض المنكر، هذا مجتمع خلط الأعمال الصالحة مع الأعمال السيئة، لكن أخطر شيء في الموضوع المعاني التي ستذكرها الآيات التالية:
 دققوا أيها الإخوة الكرام، ولعل هذه الآيات من ألصق الآيات بالمجتمع الإسلامي اليوم، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾

(سورة الأنفال: 72)

 أنت مؤمن، فينبغي أن تهاجر، ومعنى تهاجر الموسع، أن تدع ما نهى الله عنه، فإن أي إنسان ترك ما نهى الله عنه فهو في نص الأحاديث الصحيحة مهاجر، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( والمهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهاهُ الله عنه ))

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

(سورة الأنفال: 72)

 ثم يقول الله عز وجل، والآن دققوا، أخطر معنى في هذه السورة، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

(سورة الأنفال: 73)

 كما أن المؤمنين يتعاونون على الحق، فإن الكفار يتعاونون على الباطل، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

(سورة الأنفال: 73)

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾

(سورة الأنفال: 73)

 على من تعود هذه الهاءفي كلمة: } إِلاّ تَفْعَلُوهُ {؟
 الحقيقة من أدق تفسيرات هذه الآية أن هذه الهاء في الآية التي تلت الأولى تعود على الآية الأولى مجتمعةً، يعني إن لم تؤمنوا، وإن لم تهاجروا، وإن لم تجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، وإن لم تؤواِ، وإن لم تنصروا، تكن فتنة في الأرض، كما ترون اليوم، وفساد كبير، الباطل هو القوي، والقوي يفرض علينا إباحيته، وباطله.

المعروف والمنكر تحددهما الفطرة السليمة:

 أيها الإخوة الكرام، المعروف مأخوذ من المعرفة، والشيء الذي يلفت النظر أن الله سمى الأعمال الطيبة التي تسعد صاحبها والأعمال الذميمة التي تشقي صاحبها سمى الأولى معروفاً، وسمى الثانية منكراً، لأن الفطر السلمية تعرف المعروف ابتداءً، ولأن الفطر السليمة تنكر المنكر ابتداءً، ذلك لأن منهج الله متوافق تماماً مع فطرة الإنسان، قال تعالى:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾

(سورة الروم: 30)

 أيها الإخوة الكرام، التعريف الشرعي للمعروف:
 اسم جامع لكل ما يحبه الله عز وجل من طاعته، والإحسان إلى عباده.
 والمنكر:
 اسم جامع لكل ما تنكره النفوس، وتنبو عنه، وتشمئز منه، ولا يرضي الله، ويؤذي عباده.

الحسن والقبيح يعرفان بالشرع:

 أيها الإخوة الكرام، الحسن والقبيح يعرف بالشرع، وبالعقل السليم، والفطرة السليمة، العقل وحده قد يرتبط بالواقع، والعقل وحده انتهى بأصحابه اليوم في العالم الغربي إلى إلغاء الزواج، وأن تحل المساكنة محل الزواج، ففي أي لحظة يملّ هذا الشاب من هذه الفتاة يركلها بقدمه، العقل وحده لا يكفي، العقل مرتبط بالواقع، وقد يكون الواقع متفلتاً، لكن تعريف المعروف والمنكر: ما تعرفه الفطر السليمة ابتداءً، وما تنكره الفطر السليمة ابتداءً.
 وشيء دقيق جداً، هو أن تطابق المنهج الإلهي مع فطرة الإنسان تطابق مذهل، فلمجرد أن تخرج عن منهج الله تشعر بالكآبة، حتى لو أ لم تعرف دقائق منهج الله، لكنك لو خرجت عن هذا المنهج شعرت بالكآبة، وإذا أطعت الله عز وجل، التقيت مع فطرتك السليمة، وكانت السعادة.
 أيها الإخوة الكرام، نقطة دقيقة جداً في هذا الموضوع، المقياس في معرفة المعروف ومعرفة المنكر ليس هو عرف الناس، وليست تقاليدهم، وما شاع بينهم، فإن أعراف الناس متقلبة، إذ قد يعرفون اليوم شيئاً، ويألفونه، ويعتادونه، ثم غداً ينكرونه، ويضادونه، لذلك أخطر قضية في فلسفة الأخلاق أن الأخلاق نسبية، تكاد تكون هذه المقولة من أخطر ما استوردناه من الغرب.
 في الإنسان أشياء ثابتة على مرّ العصور والدهور، لا تتغير، ولا تتبدل، الصدق قيمة ثابتة، الأمانة قيمة ثابتة، العفة قيمة ثابتة، الإحسان قيمة ثابتة، العدل قيمة ثابتة، هؤلاء الذين يقولون نبرر للغاية بوسائل ليست من جنسها، هؤلاء يفترون على الله الكذب، القيم الثابتة في الإنسان هي الأصل في المعروف، والأصل في المنكر.
أيها الإخوة الكرام، فالمقياس ليس التقاليد، وليس العادات، وليس ما ألفه الناس.
 إليكم بعض الأمثلة، احتجاب المرأة الذي عرف بالشرع قرآناً وسنة أرأيت كيف أن بعض المسلمين في بعض المجتمعات يجهلونه، فإذا رأوا امرأة محجبة مستترة ضحكوا منها، وكيف أن بعضهم ربما قسا عليها بالقول، لأنه شاع عدم الحجاب، فأصبحت المحجبة غريبة، وهذا ليس في بلادنا، والحمد لله.
 جاءنا عالم قبل أيام، وسار في بعض أحياء دمشق، أقسم بالله أنه عدّ المحجبات فرآهن تزيد على تسعين بالمئة، هذا من فضل الله علينا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح يقول:

(( إني رأيت كأن عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فأتبعته بصري، فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام ))

[حديث صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه]

 أيها الإخوة الكرام، قضية ثانية، أن الغناء شاع بين الناس، وإذا تتبعت النصوص الصحيحة القرآنية والنبوية تجده محرماً، هل يعد شيوع الغناء تسويغاً لقبوله؟ وهل يكون تفلت النساء من الحجاب في بعض البلدان دليلاً على أن الحجاب ليس واجباً؟ معاذ الله، العوام يألفون ما وجدوا عليه مجتمعاتهم أو آباءهم، لكن طلاب العلم مرجعيتهم النصوص الشرعية القرآنية والنبوية.
 لذلك أول فكرة في هذا الموضوع أن المعروف والمنكر لا يؤخذ من الأعراف والتقاليد وما شاع بين الناس، فلو شاعت معصية، وشملت كل بلاد المسلمين تبقى معصية، وتبقى الطاعة هي الأصل في منهج الله عز وجل.

كيف نعرف الحق من الباطل:

 أيها الإخوة الكرام، تلخيص لهذا الذي ذكرته قبل قليل: عُرف الناس وتقاليدهم وعاداتهم، وما شاع في مجتمعاتهم لا يغيّر الشريعة، الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط:
 خط النقل الصحيح، أؤكد على الصحيح.
 وخط العقل الصريح، أؤكد على الصريح.
 وخط الفطرة السليمة، أؤكد على السليمة.
 وخط الواقع الموضوعي، أؤكد على كلمة الموضوعي.
 لأن هناك نقلاً غير صحيح في الأحاديث، أو هناك قرآناً تأويله غير صحيح، إذاً النقل ينبغي أن يكون صحيحاً ثبوتاً وتأويلاً، والعقل ينبغي أن يكون صريحاً، لأن العقل التبريري يغطي كل الجرائم، ألم يقل فرعون:

﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾

(سورة غافر: 29)

 ألم يقل هؤلاء الأعداء الذين أتوا إلى بلاد المسلمين: جئنا من أجل حريتكم، ومن أجل ديمقراطيتكم؟ هذا عقل تبريري ساقط في مجال المفهومات.
 والفطرة السليمة: لأن الفطر مع ممارسة الشهوات تنطمس، وتصبح الفطر غير سليمة.
 أيها الإخوة الكرام، والواقع الموضوعي: الآن شاع بين الناس جميعاً أن كل عمل إرهابي ينفذه مسلم، وفي دراسة متأنية طويلة تثبت أن نسبة المسلمين في أعمال العنف لا يزيدون على ثلاثة بالمئة، إذاً الحق ما جاء به النقل الصحيح، وقبله العقل الصريح، وارتاحت له الفطرة السليمة، وأكده الواقع الموضوعي.
 أيها الإخوة الكرام:
 قال عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه:

(( ما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيء ))

[ من حديث موقوف، صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في مستدركه ]

 هذا إذا سلمت الفطرة، وصحت العقول، وكان واقعهم موضوعياً.
 الإمام مالك يرى أن إجماع الصحابة يعد مصدراً تشريعياً، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أثنى على القرون الثلاثة الأولى، فالقرن الأول قرن أصحاب رسول الله، فما أجمعوا عليه فهو مصدر تشريعي لنا.
 لذلك أيها الإخوة الكرام، ينبغي أن يفهم النص وفق علم الأصول، ووفق فعل الصحابة الكرام، والنبي بشر، لأنه لا تزال لهذه الأمة طائفة منصورة لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، ولحكمة بالغةٍ بالغةٍ، في كل مكان تجد إنساناً على حق، هو شاهد على غيره، هو حجة على غيره، فإذا بحثت عن أهل الحق سوف تجدهم، وإذا بحثت عن إنسان مستقيم سوف تجده، هؤلاء لا يلغى وجودهم في المجتمعات الإسلامية، لكنهم قلة، والغرباء من؟
 هم أناس صالحون في أهل سوءٍ كثير.

(( بَدَأ الإِسلامُ غريباً، وسَيَعُودُ غريباً كما بدَأ، فطُوبَى للغرباءِ ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 إذاً هناك غرباء، وما لم تشعر بالغربة في هذه الأيام ففي الإيمان خلل، يجب أن تشعر بالغربة، مبادئك وقيمك وأهدافك تتناقض مع من حولك.

نتائج ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

 أيها الإخوة الكرام، الأمر خطير جداً يقول عليه الصلاة والسلام دققوا:

(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟ قالوا: يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأشدّ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر، ونهيُتم عن المعروف؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأَشدّ، كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً؟ ))

[ من حديث ضعيف، أخرجه زيادات رزين ]

 أيها الإخوة الكرام، عمّ الضلال، وشاع الفساد حتى صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، يمكن أن يقف وزير في بلد أوربي، ويقول: أنا شاذ، ويفتخر بهذا؟ في إيطاليا وفي بريطانيا يمكن أن يعين سفير بدولة عظمى في بلد أوربي، وفي أثناء حفل الوداع معه شريكه الجنسي، وليست زوجته، وهو الآن موجود، موجود في بلد أوربي سفير دولة كبرى في العالم، هكذا شأنه.
 شاع المنكر، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً؟ ))

[ من الحديث السابق ]

 أيها الإخوة الكرام، الربا شاع بين المسلمين في البنوك والمصارف والمؤسسات حتى لا يكاد يخلو منه إلا القليل منها، وأصبح الأمر كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام:

(( يأتي على الناس زمان لا يُبالي المرءُ ما أخذَ منه: أمِنَ الحلال، أم من الحرام؟ ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ]

الخطر في شيوع الفاحشة:

 أيها الإخوة الكرام، إن لم نأمر بالمعروف، ولم ننه عن المنكر تنامتْ دوائر الباطل، لماذا؟ الباطل مغرٍ، الباطل يعتمد على الشهوات:

(( ألا إن عمل الآخرة حزن بربوة، وإن عمل النار سهل بشهوة ))

[ من حديث ضعيف، أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده ]

 النفس تستجيب للشهوات أكثر مما تستجيب لفكرة ثمرتها بعد الموت، فقوة الباطل من أنه مرتبط بشهوات الإنسان، فلو سكت أهل الحق، ولم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر تنامت دوائر الباطل، وضاقت دوائر الحق، وهذا ككرة الثلج.
 كلما قصرنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصبح الأمر بالمعروف صعباً، والنهي عن المنكر صعباً.
 إذا شاع الفساد، وشاع التفلت، وشاعت المعصية، يصبح الفساد والمعصية والتفلت هو الأصل، من هو الشاذ عندئذ؟ الذي يطيع الله عز وجل، الإنسان يجد صعوبة إذا شاع الفساد في الأرض.
 أيها الإخوة الكرام، أخطر شيء في هذا الموضوع، هو أن تشيع الفاحشة:
 عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

(( يا معشر المهاجرين: خمس، إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم ))

[ حديث حسن، أخرجه ابن ماجة ]

 وكأن النبي عليه الصلاة والسلام معنا، فهذه أمراضنا، وهذه مشكلاتنا، وقد أخبره الله بها وهذا من فضل الله علينا أن النبي عليه الصلاة والسلام أنبأه الله بما سيكون، فلعل في هذا صحوة لنا.

العولمة من نتائج السكوت والاستكانة:

 أيها الإخوة الكرام، أقرأ لكم ما جاء في بعض صحف الخليج عن خطاب ألقاه رئيس دولة عظمى، هي الآن قطب العالم الأوحد، في ترجمة هذه الخطاب يقول هذا الرئيس:
 " لقد حان الوقت لنعيد تشكيل العالم ليصبح على صورتنا، وبفضل إلهنا سنقوم نحن شعوب العالم من الجنس الأبيض المتحضر بفرض معتقداتنا الرزينة والودودة والتحررية على عالم جائع لأموالنا ولرسالتنا، ولن يخضع الرجال بعد الآن لشرط إطلاق اللحى، ولن تخضع النساء لشرط تغطية وجوههن وأجسادهن، ومن الآن فصاعداً يحق للعالم تناول الخمر والتدخين، وممارسة الجنس السوي، أو الشذوذ الجنسي بما في ذلك سفاح القربى واللواط، ومشاهدة أفلام السلب، والقتل، والأشرطة الخلاعية داخل فنادقهم، وداخل غرف نومهم، وبالنسبة لشركاتنا التي تنتج مثل هذه المنتجات، فسيحق لها الوصول من دون أية عقبات للدول المتخلفة التي منعت تلك الحريات عن شعوبها، ولن يجبرنا ملك أو أمير عربي على تحسين كفاية وقود سياراتنا المتطورة، بل نريد أن نشيع الفوضى في بلادهم ".
 أيها الإخوة الكرام، قال تعالى:

﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾

(سورة الأنفال: 73)

 إذا ما آمنا وهاجرنا وجاهدنا بأموالنا وأنفسنا، وإذا ما آوينا ونصرنا، تكن فتنة في الأرض، هل بعد هذه الفتنة من فتنة؟ ألا نجبَر على ثقافتهم؟ ألا نجبَر على انحرافهم؟ عن طريق هذه الفضائيات، وعن طريق هذه التوجيهات، وعن طريق هذه الضغوط؟

قضيتنا: نكون أو لا نكون:

 أيها الإخوة الكرام، نحن على مفترق الطرق، وقضيتنا الآن نكون أو لا نكون، أعيد عليكم الآية مرة ثانية، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (*) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾

(سورة الأنفال: 72- 73)

الخسارة والربح في الإسلام:

 أيها الإخوة الكرام، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورد في قوله تعالى:

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

(سورة العصر: 3)

 يعني ما لم تبحث عن الحقيقة، وما لم تعمل بها، وما لم تدْعُ إليها، فأنت في خسارة، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ (*) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (*) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

(سورة العصر)

 أيها الإخوة الكرام، المجتمع الذي يأمر أفراده بالمعروف وينهون عن المنكر مجتمع سليم معافى، ولكن في خطب قادمة إن شاء الله أتحدث عن ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما كل من أمر بالمعروف أمر بالمعروف، وما كل من نهى عن المنكر نهى عن المنكر، هناك ضوابط، وقد يكون الأمر بالمعروف أحياناً ينتج عنه منكر أشد من الذي تخاف أن يقع.
 كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت
 والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر،والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته   يـوماً على آلة حدباء مـحمـول
فإذا حملت إلى القبور جنازة   فاعلم بأنك بعدها محمول

***
 والحمد لله رب العالمين

* * *

 الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سينا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الإعجاز في كلمة (كثيراً) في آية النساء:

 أيها الإخوة الكرام، الله عز وجل خلق رجالاً كثيراً ونساءً، فعند كلمة (كثيراً)، يوضح بعض علماء السكان في العالم أن نسبة الذكور دائماً واحد ونصف بالمئة إلى واحد نسبة الإناث، كل مئة أنثى تولد، يقابلها مئة وخمسة ذكور، بشكل دقيق في العالم، وهذه النسبة ثابتة، بعض العلماء أجروا إحصاءات، فوجدوا أن فرص موت الفتاة الوليدة في السنوات الأولى أقل من الذكور، فرص الوفاة بعد حين يستوي في العمر الذكور والإناث في مرحلة ثالثة، فرص موت الرجال أكبر من فرص موت الإناث، لعملهم خارج المنزل، ولأنهم تناط بهم أعمال من لوازمها الموت، إذاً هذه النسبة في البداية تكون نسبة بقاء الفتاة على قيد الحياة أكثر من الفتى، وبعدها تتساوى النسبتان، وفي مرحلة ثالثة تكون نسبة وفاة الذكور أعلى من نسب وفاة الإناث، قال تعالى:

﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ﴾

(سورة النساء: 1)

 فمن كلمة (كثيراً) هذه تغطي أبحاث علمية دقيقة تعتمد على الإحصاءات الدقيقة في شتى بلاد العالم، إذاً حينما نقرأ القرآن الكريم يجب أن نعلم علم اليقين أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن.

الدعاء:

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS