520
ندوات تلفزيونية - قناة الرسالة – على هدى - الحلقة ( 09 - 42 ) : شروط النصر.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2013-07-17
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

للنصر عامل حاسم واحد هو الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام؛ مع لقاء إيماني جديد من اللقاءات الإيمانية، والحديث اليوم عن شروط النصر، هذا النصر المؤزر العزيز ما سره؟ من يصنعه؟ ما العامل الحاسم فيه؟
 الجواب كلمة واحدة إنه الله، هذا الكلام يستنتج من قوله تعالى:

﴿ وَمَا النَّصرُ إِلّا مِن عِندِ اللَّهِ ﴾

[سورة آل عمران: ١٢٦]

 الصيغة صيغة حصر وقصر، يوجد نفي واستثناء،

﴿ وَمَا النَّصرُ إِلّا مِن عِندِ اللَّهِ﴾

﴿إِن يَنصُركُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُم ﴾

[سورة آل عمران: ١٦٠]

 هاتان الآيتان تؤكدان معاً أن النصر له عامل حاسم واحد ليس غير إنه الله عز وجل، إذا كان الله معك فمن عليك؟ من يجرؤ أن ينال منك؟ وإن كان الله عليك فمن معك؟ يا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟
 أيها الأخوة الكرام؛ هذا النصر العزيز المؤزر المسعد المفرح له قواعد، بالبداية أتمنى عليكم أن تقنعوا معي أن العلاقة مع الله تضبطها قوانين، تضبطها أسس، قواعد، إله عظيم هو لكل الخلق، فما لم تكن هنالك قواعد ثابتة، أسس ثابتة، قوانين ثابتة في التعامل مع الله المشكلة خطيرة جداً.
 للتقريب، أحياناً هناك مدير دائرة مزاجي، لا تعرف متى يغضب، ولا متى يرضى، وقد يغضب أشد الغضب لسبب تافه، وقد يرضى بسذاجة، هذا النموذج لا يحتمل، التعامل معه صعب جداً.

الإيمان و الإعداد أول شيئان حاسمان في النصر :

 خالق الأكوان مبدع الإنسان هناك قوانين يمكن أن تتعامل مع الله فيها، فالبطولة أن تكتشف هذه القوانين.
 أول شيئان حاسمان في النصر الإيمان والإعداد، الإيمان وحده شرط لازم لكنه غير كاف، والإعداد وحده شرط لازم لكنه غير كاف، فلابد من أن يجتمعا، وكل واحد منهما شرط لازم غير كاف.
 الأدلة طبعاً لولا الأدلة لقال من شاء ما شاء، هذا الدين أدلة، لأنه دين الله، لأنه من عند الله، لأن هذا الدين تتوقف على علاقتك به سعادتك أو شقاؤك، أي الدين مصيري للأبد، خطير.
 فهذا الدين العظيم لا يمكن أن يكون عشوائياً يوجد قواعد، قوانين، أسس، مبادئ تنطبق على جميع الخلق، من هذه المبادئ:

﴿ إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقاكُم ﴾

[سورة الحجرات: ١٣]

 كل الخصائص والمقاييس والمرجحات الأرضية باطلة عند الله، يوجد عرق قومية وطنية، غنى، فقر، ذكاء، محدودية فهم، ضعف فهم، لكن الله جل جلاله جعل مرجحاً واحداً،

﴿ إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقاكُم ﴾

  وقال عليه الصلاة والسلام:

(( سلمان منا أهل البيت))

[الطبراني في المعجم الكبير]

 سلمان فارسي، بلال رومي، أثنى عليه النبي ثناء كبيراً، لكن حينما ذكر القرآن عم النبي قال:

﴿تَبَّت يَدا أَبي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾

[سورة المسد: ١]

 دققوا قرآن من عند الله عز وجل،

﴿ إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقاكُم ﴾

  أحياناً تنطر إلى إنسان ولا تراه أهلاً للتكريم، وقد يكون عند الله في تكريم، وهو أعظم تكريم،

﴿ إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقاكُم ﴾

  لذلك الآية الأولى التي تؤكد أن الإيمان هو العامل الحاسم في النصر مع الإعداد قال تعالى:

﴿ وَكانَ حَقًّا عَلَينا نَصرُ المُؤمِنينَ﴾

[سورة الروم: ٤٧]

 هذا حق على الله، الله عز وجل الذات الكاملة، الإله العظيم أنشأ لك حقاً عليه،

﴿ وَكانَ حَقًّا عَلَينا نَصرُ المُؤمِنينَ﴾

  أما الإعداد فقد قال تعالى:

﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ ﴾

[سورة الأنفال: ٦٠]

 الآن سبيل النصر على الأعداء لابد من شرطين؛ الإيمان والإعداد، والإيمان بلا إعداد لا يقدم شيئاً، والإعداد بلا إيمان لا يقدم شيئاً.

الإيمان الحق هو الإيمان المنجي :

 لكن هناك قاعدة لطيفة، الحرب بين حقين لا تكون، لم؟ لأن الحق لا يتعدد، والحرب بين حق وباطل لا تدوم، لم؟ لأن الله مع الحق، والحرب بين باطلين لا تنتهي.
 الإعداد الحقيقي الذي يستنفذ الطاقات وحده شرط لازم غير كاف، إذاً لابد من الإيمان الحق، ما الإيمان الحق؟ كله يدّعي الإيمان، حسناً مليار وثلاثمئة مليون مسلم في الأرض كلهم يدّعي الإيمان، حسناً ما الذي يفرق بين الإيمان الذي يعد أصلاً في النصر وبين الإيمان الذي لا يقدم ولا يؤخر؟
 كلمة واحدة؛ الإيمان الذي يحملك على طاعة الله هو الإيمان المنجي، بينما الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله إيمان غير منج، الدليل: إبليس مؤمن كيف؟

﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

[سورة ص: ٨٢]

 إبليس آمن بالله رباً وعزيزاً، وآمن باليوم الآخر قال:

﴿قالَ أَنظِرني إِلى يَومِ يُبعَثونَ﴾

[سورة الأعراف: ١٤]

 مع ذلك هو إبليس.
 فالإيمان الذي يكون أحد شروط النصر هو الإيمان الذي يحمل على طاعة الله.

التكذيب العملي لا النظري أخطر شيء في الدين :

 حالة دقيقة أنا أسميها التكذيب العملي، لو إنسان ذهب لعند طبيب، وعالجه، وكتب له وصفة، وهذا المريض ذكي صافح الطبيب، وأثنى على علمه، وأعطاه المبلغ المطلوب، لكن هذا المريض لأنه لم يشتر الدواء ليس قانعاً بهذا الطبيب، عدم شراء الدواء يعني تكذيب عملي.
 فالآخرة لا يوجد إنسان مسلم في الأرض يقول لك: لا يوجد آخرة، ولا واحد منا، لكن هذا الذي يأكل المال الحرام كيف يجمع بين إيمانه بالآخرة وأكل المال الحرام؟ معنى هذا أنه يصدق الآخرة لفظياً، ويكذبها عملياً، أخطر شيء في الدين التكذيب العملي لا النظري، النظري لا يجرؤ مسلم على التكذيب.
لو قلت لإنسان: على كتفك عقرب وبقي هادئاً تماماً، وابتسم، وشكرك على هذه الملاحظة، وشكرك، وقال: أرجو الله أن يقدرني أن أرد لك هذا الجميل، لأنه لم يضطرب، ولم يتحرك، ولم يقفز، ولم يخلع معطفه، معنى ذلك لم يفهم ما قلت له:

﴿إِن تَتوبا إِلَى اللَّهِ فَقَد صَغَت قُلوبُكُما ﴾

[سورة التحريم: ٤]

 علامة الإصغاء التوبة، علامة التأثر السلوك، فأتمنى عليك وأتمنى على نفسي أيضاً ألا تقيم نفسك بما تعتقد بل قيّم نفسك بما تعمل فيما تعتقد.

من لم يعبد الله فالله في حلّ من وعوده :

 أيها الأخوة؛ الآية الكريمة:

﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤمِنينَ عَلَى القِتالِ إِن يَكُن مِنكُم عِشرونَ صابِرونَ يَغلِبوا مِائَتَينِ وَإِن يَكُن مِنكُم مِائَةٌ يَغلِبوا أَلفًا مِنَ الَّذينَ كَفَروا بِأَنَّهُم قَومٌ لا يَفقَهونَ*الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُم وَعَلِمَ أَنَّ فيكُم ضَعفًا فَإِن يَكُن مِنكُم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغلِبوا مِائَتَينِ ﴾

[سورة الأنفال: ٦٥-٦٦]

 حسناً المسلمون الآن مليار و ثمانمئة مليون مسلم، والحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، هل كلمتهم هي العليا؟ أقسم لكم بالله زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دينَهُمُ الَّذِي ارتَضى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا يَعبُدونَني لا يُشرِكونَ بي شَيئًا وَمَن كَفَرَ بَعدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الفاسِقونَ﴾

[سورة النور: ٥٥]

 كلمة واحدة،

﴿ يَعبُدونَني ﴾

  بشرط أن يعبدوني، فإن لم نطبق نحن هذه الكلمة فالله جلّ جلاله في حلّ من هذه الوعد.
 أي مع قوة الإيمان واحد إلى عشرة، مع ضعف الإيمان واحد إلى اثنين، هذا قانون قرآني.
 أيها الأخوة؛ إذا كان الطرفان بعيدين عن الدين، تحدث عن الأسلحة، وعن المدى المجدي، وعن فاعلية السلاح، وتحدث عن العَدد والعُدد، وعن الداعمين والمخذلين، ممكن أن نتكلم آلاف الموضوعات حينما نعتقد أن الطرفين سواء في الإيمان، أما يوجد طرف مؤمن فانتهى الأمر، من سابع المستحيلات أن ينخذل المؤمنون، والدليل:

﴿وَإِنَّ جُندَنا لَهُمُ الغالِبونَ﴾

[سورة الصافات: ١٧٣]

 كلام خالق الأكوان.

الإيمان مرتبة أخلاقيّة و علميّة وجماليّة :

 أخواننا الكرام؛ لأن الإيمان يبدل طبيعة النفس، يغير قيمها، يغير مطامحها، يصعد ميولها، يخفف من متاعبها، يقوي رجاءها وأملها، يقلب أحزانها أفراحاً، ويقلب مغارمها مغانم، الإيمان له أثر كبير، نحن فيما نرى فلاناً مؤمناً، فلاناً إنساناً عادياً، أما الله وكيلك الإيمان فمرتبة أخلاقية، ومرتبة علمية، ومرتبة جمالية.
 أخلاقية، الإيمان أخلاقي، مع الإيمان لا يوجد غدر، لا يوجد كذب، ولا يوجد احتيال، ولا سلب، ولا نهب، ولا نفاق، مرتبة أخلاقية.
 ومرتبة علمية؛ هذا المؤمن عرف الله، عرف الفاعل الأول في الكون، عرف سرّ وجوده في الدنيا، عرف كمال وجوده، ماذا ينبغي أن يفعل، مرتبة علمية، ومرتبة أخلاقية.
 ومرتبة جمالية؛ أقول لك كلمة: والله الذي لا إله إلا هو يوجد في قلب المؤمن من السعادة ما لو وزع على أهل بلد لكفاه.

التقصير في الإعداد يبعد النصر عنا :

 سيدنا عمر بن الخطاب يوصي سيدنا سعد بن أبي وقاص:" فأما بعد فأنا آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله عز وجل على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكون أشد احتراساّ من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليكم من عدوكم، فإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، إن عددنا ليس كعددهم، وعدتنا ليست كعدتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا بالقوة" أي ما دمت مؤمناً، أحد أكبر أسباب قوتك الإيمان بالله عز وجل، الإعداد شرط لازم غير كاف، انظر الإيمان دقيق جداً يجب أن تؤمن إيماناً قطعياً، وأن ترفق هذا الإيمان القطعي بالإعداد، فإذا قصرنا في الإعداد لا نستحق النصر، الدليل،

﴿ مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم ﴾

 لذلك أيها الأخوة؛

﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ ﴾

 معنى

﴿ مَا استَطَعتُم ﴾

 استنفاد الاستطاعة،

﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ ﴾

  هذه " من " لاستغراق أفراد الجزئيات، كيف؟ أقول لك مثلاً: هل معك مال لشراء هذا البيت؟ تقول: ما معي مال، أما إذا قلت: ما معي من مال، هذه "من" لاستغراق أفراد النوع، لا ليرة، ولا دينار، الفرق كبير، تضيف من أصبح هناك استقصاء للجزئيات

﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ ﴾

  القوة المادية، العدد، االتدريب، أي يخطر ببالك مئات الإعدادات ضمن هذه الآية:

﴿ مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم ﴾

 الدول النووية لا يوجد ولا دولة استخدمت هذا السلاح، لكنه أداة ردع كبيرة جداً، أصبحت دولة نووية، أصبح هناك شيء مخيف، فلذلك السلاح بيد القوي لا يستخدمه أبداً لكنه يكون مرهوب الجانب.

إلقاء الرعب في قلب المشرك من قِبل الله عز وجل بعد التوكل عليه :

 الآن الله عز وجل يقول:

﴿سَنُلقي في قُلوبِ الَّذينَ كَفَرُوا الرُّعبَ بِما أَشرَكوا ﴾

[سورة آل عمران: ١٥١]

 هذا قانون ثان، هذا المشرك لا بد من أن يلقي الله في قلبه الرعب، النبي الكريم قال:

(( نُصِرْتُ بالرُّعبِ مسيرةَ شهر))

[البخاري ومسلم والنسائي]

 تعليق بعضهم قال: وأمته يوم تركت سنته هزمت بالرعب مسيرة عام.
 أيها الأخوة؛ شيء آخر: من هو المتوكل؟ الذي ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله.
 سيدنا عمر سأل أعرابياً معه جمل أجرب، قال: يا أخا العرب ما تفعل بهذا الجمل؟ قال: أدعو الله أن يشفيه، قال له: هلا جعلت مع الدعاء قطراناً؟
 إذاً لابد من الإعداد والإيمان، وكل من الإعداد والإيمان شرط لازم غير كاف، هذه شروط النصر.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS