75
أحاديث رمضان 1438 ـ درر3 ـ الحلقة الثالثة والعشرون : الإرادة والعزيمة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2017-06-18
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

الأستاذ بلال :
 السلام عليكم؛

بقدرِ الجد تكتسبُ المعالـــــــــي
ومن طلب العلا سهر الليـالـي
ومن رام العلا من غير كـــــــــــدّ
أضاع العمر في طلب المحــال
تروم العز ثم تنــــــــــام ليــــــــــــلاً
يغوص البحر من طلب اللآلي
* * *

 عنوان لقائنا اليوم الإرادة والعزيمة...
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا أرحم الراحمين.
 أخوتي أخواتي أينما كنتم بتحية الإسلام أحييكم؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اسمحوا لي في بدايتها أن أرحب باسمكم جميعاً بفضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الدكتور راتب :
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ بلال :
 سيدي نتحدث اليوم من أعمال القلوب عن الإرادة والعزيمة، والعزم والإرادة يكونان بشكل رئيس في القلب، بداية سيدي أحياناً الإنسان يريد شيئاً ثم تأتي الأمور بخلاف ما يريد، أو يعزم على شيء ثم تأتي الأمور بخلاف ما يعزم عليه، أي لا تتوافق إرادته مع ما يريد أن يصل إليه ما سبب ذلك؟

الإرادة و العزيمة :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 الحقيقة ربنا وإلهنا في كتابه الكريم ضرب الأمثال، وقد يكون المثل أفضل طريقة للتعبير عن الفكرة، إنسان راكب دراجة، والطريق مستوٍّ ومستقيم، وصل إلى مكان متفرع إلى طريقين، طريق هابط، وطريق صاعد، وأنت راكب دراجة، والطريق الهابط للدراجة شيء مريح جداً، الطريق الهابط ألطف طريق للراكب دراجة، ما عليه جهد إطلاقاً، والصاعد متعب جداً، نضيف الصاعد فيه غبار وأكمات وأحجار، والحر شديد، والعرق شديد، والهابط معبد، فيه ورود، وأزهار، ورياحين، طبعاً فطرته جسمه يختار الهابط، يوجد لوحة على طرف الطريق الهابط، هذا الطريق الهابط ينتهي بحفرةٍ مالها من قرار، فيها وحوشٌ كاسر، وجائعة، واللوحة الثانية ينتهي هذا الطريق الصاعد بقصرٍ هو لمن وصل إليه، هذه اللوحة الأولى والثانية قد تغير الاختيار، فإذا كان مع اللوحة منظار رأيت معالم الحفرة، ووحوشها الكاسرة، ومعالم القصر وما فيه، ألا تتخذ قراراً آخر هذه الإرادة؟ الإرادة تكون بالمعطيات، بالمعلومات، من دون معلومات يختار الأسهل، والأقرب إلى جسمه، وإلى طبيعته، وإلى راحته، لذلك الأعمال العظيمة تسبقها رؤية خاصة، فكلما تعمقنا في هذه الرؤية الخاصة أن أرى مصير من سلك هذا الطريق، وأن أرى نهاية من بلغ هذا الطريق، هنا تقوى الإرادة، فالإرادة تكون بعد المعلومات الدقيقة، بعد الإدراك، بعد الفهم.
الأستاذ بلال :
 أستاذنا الفاضل وهذا يقودني إلى السؤال الثاني وهو أن كثيراً من الناس ولا سيما الشباب تحديداً، نسمع منهم دائماً أريد أن أتوب ولكن كلما عقدت توبة تراجعت عنها.

حاجة الشباب إلى حاضنة إيمانية :

الدكتور راتب :
 هذا الشاب يحتاج إلى حاضنة إيمانية، والدليل قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 الإنسان يحتاج إلى حاضنة تحضنه، إلى مؤمن يصادقه، إلى سهرة لأناس يحبون الله، مادام أحاط نفسه بحاضنة إيمانية فالله يتولى حفظه، قال تعالى:

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 آية ثانية لها استنباط آخر:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

 بالمناسبة معنى أغفلنا باللغة وجدناه غافلاً، هذا المثل دقيق جداً، الله ضرب أمثالاً كثيرة، أحياناً إنسان يمشي بطريق، وعرض الطريق ستون متراً، وعن يمين هذا الطريق واد سحيق، وعن يساره واد سحيق، الآن لو حرف المقود درجة واحدة بعد أربع دقائق تقريباً يسقط في الوادي وتنتهي حياته، لو حرف المقود تسعين درجة فجأة لكن بعد نصف دقيقة أعاده كما كان لنجا، لذلك ورد في الأثر النبوي: " لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار" فالإرادة نتيجة معلومات، نتيجة رؤية، إدراك نص قرآني، نص نبوي، إما أن هناك نصوصاً أو حقائق إيمانية تكتشفها أوتقرؤها، فالإرادة أساسها رؤية معلومات، فهم.
الأستاذ بلال :
 لا صغيرة مع الإصرار، كأنك نقلتنا إلى المعنى السلبي للإصرار، عندما يصر الإنسان على شيء ويداوم عليه هذه عزيمة مذمومة.
الدكتور راتب :
 تنقلب الصغيرة إلى كبيرة، وتنقلب الكبيرة إلى صغيرة بعدم الإصرار.
الأستاذ بلال :
 أستاذنا الفاضل تحدث الله عز وجل في القرآن الكريم بكلمة عزم، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ ﴾

[ سورة البقرة:227 ]

 كأن الطلاق عزم، ما رسالتكم اليوم للرجال الذين يتخذون الطلاق غرضاً في كل شيء؟

الطلاق أكبر مأساة تصيب الأبناء :

الدكتور راتب :
 والله أنا لا أصدق أن إنساناً يقترن بزوجة بالإجمال مقبولة دينها، وورعها، وحجابها، ينشب خلاف مهما يكن الخلاف كبيراً، الطلاق مشكلة أكبر، وأنا أرى برؤية خاصة مني يدفع ثمن الطلاق الأولاد، يوجد شيء اسمه بعلم النفس انفصام شخصية، ويوجد حالة من الحيرة تقترب من انفصام الشخصية، هذا أبوه وهذه أمه انفصلا، الأب يذم الأم، والأم تذم الأب، أنت ضيعت مستقبل أولادك، أنا أقول باجتهاد مني: الرجل المؤمن لو اختلف مع زوجته يضع هذا الخلاف تحت قدمه إكراماً لأولاده، لا يوجد مأساة تصيب الابن كالطلاق.
الأستاذ بلال :
 أستاذنا الفاضل في قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ ﴾

[ سورة البقرة:227 ]

 الطلاق عزم، وليس حالة غضب.

الطلاق عزم وليس حالة غضب :

الدكتور راتب :
 هذا الطلاق الفجائي حمق، حمق كبير، إن عزموا الطلاق يوجد دراسة و موجبات و مشجعات و مآس و أحزان، ومضاعفات خطيرة جداً، الطلاق أخطر قرار يتخذ في البيت، والمرأة المطلقة، المرأة لها فصل واحد في حياتها زواجها، فالطلاق كسرها، أما الرجل فله فصول أخرى؛ عمله فصل، دراسته فصل، مهنته فصل، فحينما تطلق بتسرع تكون قد ارتكبت بحق المطلقة ذنباً إلا لأسباب الشرع أقرها، أما الذي أراه فلا يوجد أسباب موجبة.
الأستاذ بلال :
 جزاكم الله خيراً وأحسن إليكم، أخوتي المشاهدين نعود إليكم بعد فاصل قصير..
 عدنا إليكم كي نتابع الحديث بصحبتكم حول الإرادة القوية والعزيمة، أستاذنا الفاضل الله عز وجل يقول في القرآن الكريم:

﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾

[ سورة الأحقاف: 35 ]

 هل كان للرسل أولو عزم بأي معنى؟

الأنبياء من أولي العزم وهم معصومون جميعاً :

الدكتور راتب :
 هم جميعاً معصومون، لكنهم يتفاوتون، والنبي على رأس القائمة.
الأستاذ بلال :
 من أولي العزم، لأنه عزم في الدعوة إلى الله، أستاذنا الفاضل أيضاً في موضوع الدعاء يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

((إذا دعا أحدكم فليعزم في الدعاء ولا يقل: اللهم إن شئت فأعطني فإن الله لا مستكره له ...))

[ مسلم عن أنس]

 الدعاء والعزم في الدعاء.

العزم في الدعاء :

الدكتور راتب :
 مثلاً طلب يقدم لمدير مؤسسة، لوزير، يقول: لا أقدر، القوانين لا تسمح، أنا محاسب إلا الله عز وجل لا يوجد جهة في الكون تستطيع أن تسأله، الله إذا أعطى أدهش، وإذا حاسب فتش، والدعاء مخ العبادة، والدعاء هو العبادة، والدعاء.. قال تعالى:

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾

[سورة الفرقان: 77]

 لماذا؟ قال: لأن الدعاء يعني أنك مؤمن بوجود الله أولاً، مؤمن بقدرته ثانياً، مؤمن بمحبته ثالثاً، من مسلمات الدعاء مؤمن بوجوده، بوحدانيته، بكماله، وبقدرته على تنفيذ ما طلبت، الله عز وجل يحب أن يسمع صوت عبده، من لم يدعني أغضب عليه، إن الله عز وجل يحب من عبده أن يسأله شسع نعله إذا انقطع:

(( الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ ))

[الترمذي عن أنس بن مالك ]

 بل هو العبادة، بل العبادة التي يحتاجها الإنسان في كل وقت، الصلوات خمس لكن الدعاء يغطي كل أوقات الفراغ، راكب السيارة: يا رب ألهمني الصواب، يا رب يسر لي أمري، طلعت من البيت يوجد دعاء، دخلت إلى عملك التجاري يوجد دعاء، دخلت إلى مكان من أن أَضل أو أُضل، أو أَزل أو أُزل مثلاً، فالدعاء هو العبادة، بل هو الدين، والدعاء أنت سيدي تدعو قديراً، تدعو رحيماً، تدعو عليماً، تدعو متكبراً بالعطاء.
الأستاذ بلال :
 أستاذنا الفاضل ومن الأدعية النبوية مادمنا عن العزيمة:" اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك" ما هذا الدعاء؟

بطولة الإنسان أن يأخذ بالأسباب و يتوكل على رب الأرباب :

الدكتور راتب :
 الله رحيم، هذه الرحمة توزع جزافاً بلا ضوابط؟ بلا سبب؟ لا، يوجد أسباب، لأنه إله وعادل، فأنا لا يمكن أن أطلب من الدولة أن تعطيني شهادة ثانوية من دون فحص، أنت تستخف بقوانين الدولة، أنت تدرس وتتقن الدراسة تقدم امتحاناً تنال الشهادة، فالتعامل مع الله ليس تعاملاً مزاجياً، تعامل إن صح التعبير علمي، يوجد مقدمات و نتائج، إن قدمت المقدمات تولى الله بذاته العلية تحقيق النتائج، مرة سيدنا عمر يمشي في الطريق رأى جملاً أجرب، قال: يا أخا العرب، ما تفعل بهذا الجمل الأجرب؟ قال: أدعو الله أن أشفيه، قال: هلا جعلت مع الدعاء قطراناً؟ البطولة أن آخذ بالأسباب ثم أتوكل على رب الأرباب.
الأستاذ بلال :
 أستاذنا الفاضل هذه هي موجبات الرحمة وعزائم المغفرة، أحياناً إنسان يقول لك: أردت أن أتوب، أردت أن أصلي، لكن الله لم يرد، أنا أردت لكن الله لم يرد.

حرية الاختيار :

الدكتور راتب :
 هذا افتراء على الله، الدليل جيء لسيدنا عمر بشارب خمر فقال: أقيموا عليه الحد، فقال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليَّ ذلك، فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار. هذا الدين.
الأستاذ بلال :
 سيدي لكن الله عز وجل يقول:

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾

[ سورة الإنسان:30]

الدكتور راتب :
 لولا أن شاء الله لكم أن تشاؤوا لم تشاؤوا، إذا أب خيّر ابنه بين أن يدرس في جامعة وطنية أو جامعة راقية جداً في بلد بعيد، واختار الثانية، وجاء بأعلى شهادة مع بورد، ماذا تقول له؟ لو لم يخيرك والدك ما كنت أخذت هذه الشهادة، قال تعالى:

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾

[ سورة الإنسان:30]

 أي شاء الله لكم أن تشاؤوا، حرية اختيار.
الأستاذ بلال :
 أستاذنا الفاضل الطريق سالكة من أراد شيئاً وعزم عليه فليمض.

من طلب هداية الله لابد من أن ينالها :

الدكتور راتب :
 والله زوال الكون أهون على الله من أن تريد شيئاً صادقاً ثم لا تناله، أقول لك كلمة أدق: إنسان في ألاسكا نظر إلى النجوم في الليل قال: هل يوجد إله لهذا الكون؟ وجد عرضاً لوظيفة في واشنطن، التحق قُبِل فيها، ثم عيّن بفرع بالخليج، سكن في مكان إلى جانبه عالم إسلامي، لأنه قال هل يوجد إله؟ الله ينتظرنا، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾

[سورة الأنفال: 23]

 إن علم الله أن أحداً شاء أن يعرف الله لا بد من أن يعرفه، و زوال الكون أهون على الله من أن تطلب هدايته ولا تنالها.
الأستاذ بلال :
 سيدي إذا عزم الإنسان على شيء وأراده ثم أراد الله له شيئاً آخر.

الحكمة من صرف أشياء عن أناس عزموا عليها :

الدكتور راتب :
 يلقي في روعه أن هذا الشيء الآخر أفضل لك، من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له، يعبر عنها بتعبير حديث يلقي في روعه، هذه نداءات من الله، فالإنسان عندما يصرف عنه شيء ثم يرى أن الحكمة البالغة في تركه يذوب خجلاً من الله عز وجل.
الأستاذ بلال :
 سيدي هنا يأتي موضوع الاستخارة؟
الدكتور راتب :
 طبعاً، هذا العمل إن كان لي فيه خير في ديني ودنياي وعاقبة أمري فاقدره لي، وإن كان ليس كذلك فاصرفه عني، واصرفني عنه، أي لا أبقى متعلقاً به، خطب فتاة كما يتمنى ذات جمال، لكن بلغه أشياء كثيرة لا ترضي الله عز وجل، فانصرف عنها، البطولة أن يدعو الله بعد أن انصرف عنها أن يصرفه هو عنها.

خاتمة و توديع :

الأستاذ بلال :
 أيضاً في المال، في كل شيء يتعلق، في سفر يتعلق الإنسان ثم يجد الخير فيما اختار الله ولو عزم عليه.
جزاكم الله خيراً وأحسن إليكم.
 أخوتي الأكارم في الختام التقى الممكن والمستحيل يوماً بدأ الممكن في الكلام وعرض خياراته الواسعة، وبين ما عنده من أمور كثيرة وكثيرة، بقي المستحيل صامتاً تعجب الممكن وقال له: ما بالك أين تقيم؟ قال له: أنا المستحيل أقيم في أحلام العاجزين فقط. إلى الملتقى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS