138
أحاديث رمضان 1438 ـ درر3 ـ الحلقة السابعة عشرة: محبة الله ٢: يحب عباده ويحبونه ودليل محبته متابعتهم بالمعالجة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2017-06-12
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

الأستاذ بلال :
السلام عليكم؛

في كل جارحـــــــة عين أراك بها منّي وفي كل عضو للثناء فم
فإن تكلّمت لم أنطق بغيركـــــــــــم وإن سكت فشغلي عنكم بكـــم
أخذتم الروح مني في ملاطفـــة فلست أعرف غيرا مذ عرفتكم
***

موضوع اللقاء اليوم متابعة الحديث حول محبة الله تعالى فتابعوا معنا...
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه الأبرار الأطهار.
أخوتي أخواتي أينما كنتم بتحية الإسلام أحييكم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في مستهل حلقة جديدة من برنامجنا:" درر" اسمحوا لي في بدايتها أن أرحب باسمكم جميعاً بفضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الدكتور راتب :
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبارك الله بك.
الأستاذ بلال :
حياك الله، أستاذنا الفاضل نتابع الحديث اليوم كما وعدنا الأخوة عن موضوع محبة الله عز وجل، سيدي أبدأ بآية كريمة تتحدث عن علاقة العباد برب العباد، قال تعالى:

﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[سورة المائدة: 54]

كيف تكون هذه العلاقة الطيبة بين الإنسان وربه المبنية على محبة متبادلة؟

العلاقة الطيبة بين الإنسان وربه مبنية على محبة متبادلة :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم، العلاقة أن الله بدأ بمحبتنا حينما خلقنا في أكمل خلق، بدأ بمحبتنا حينما أعطانا العقل، أعطانا القلب، أعطانا الحكمة، أعطانا أشياء لا تعد ولا تحصى، الذي خلقنا من عدم ومنحنا حرية الاختيار، ومنحنا العقل، ومنحنا الفطرة، ومنحنا أشياء كثيرة، أو هو المحب الأول، ينبغي أن نرد على هذه المحبة بنعمة الإيجاد والإمداد والهدى والرشاد، قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان:1 ]

أنا من عادتي كلما قرأت كتاباً أنظر إلى يوم أُلّف وطبع، فإذا كان تأليفه وطباعته قبل ولادتي أقول: أنا في هذا التاريخ من أنا؟ لا شيء، قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان:1 ]

الله عز وجل منحنا نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، أمدك بوالدين، أمدك بالطعام والشراب، أمدك بأولاد، أمدك بمكانة اجتماعية، أمدك بمأوى- بيت- أمدك بزوجة صالحة، أمدك بحرفة تقتات منها، النعم لا تعد ولا تحصى، لذلك يوجد ملمح دقيق بالآية:

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾

[سورة إبراهيم:34]

هل يعقل أن أقول: خذ هذه القطعة عدها؟ لا تعد، لكن الملمح بالآية النعمة الواحدة لو أمضيت الحياة كلها في تعداد فضائلها لا تنتهي:

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾

[سورة إبراهيم:34]

نعمة الصحة مثلاً، بالمناسبة البطولة أن تعرف النعم قبل أن تفقد، النعم المألوفة تنسى، ألفت فنسيت، في بعض الأدعية: " اللهم أرنا نعمك بدوامها لا بزوالها" نعمة المأوى، معك مفتاح بيت قد يكون مستأجراً، قد يكون ملكاً، قد يكون كبيراً، قد يكون صغيراً، بطابق مرتفع، بطابق تحت الأرض، لا يهم، معك مفتاح بيت نعمة المأوى، نعمة الزوجة، لك زوجة تحبها وتحبك، عندك أولاد يملؤون البيت فرحة، عندك خبرة معينة تكتسب رزقك منها، لك سمعة طيبة فكلما دققت في هذه النعم المألوفة أحبك الله، لأن النعمة إذا ألفت نسيت، لذلك الدعاء: " اللهم أرنا نعمك بدوامها لا بزوالها".
الأستاذ بلال :
هذه يحبهم ويحبونه.
الدكتور راتب :
أحبهم هو، حينما خلقنا في أحسن تقويم، منحنا نعمة العقل، نعمة الفطرة، نعمة الحركة، منحنا زوجة، وأولاداً، منحنا مكانة اجتماعية، منحنا أشياء كثيرة، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾

[سورة إبراهيم:34]

الأستاذ بلال :
أستاذنا الفاضل أنتقل إلى آية أخرى مهمة جداً في هذا الباب، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾

[ سورة التوبة: 24 ]

هل يعقل أن يحب الإنسان أباه وابنه وعشيرته أكثر من خالقه؟

تقديم محبة الله على محبة كل شيء :

الدكتور راتب :
لا يعقل، لكن إذا نتج عن حب الأب أن تعصي ربك، هنا المشكلة، حينما يكون حبّ الزوجة نجم عنه أن تكسب مالاً حراماً لإرضائها هنا المشكلة، أن تحب ابنك لا يوجد مشكلة، أما أن تحبه ليعمل عملاً لا يرضي الله وله دخل كبير فهنا المشكلة، الحب في الله والبغض في الله، إذا نقلتك المحبة لمن حولك إلى معصية الله ورد كإجابة عن هذا السؤال الزوجة أحياناً تكون عدواً للإنسان، قال تعالى:

﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾

[سورة التغابن :14]

هذه العداوة ليست عداوة حال بل عداوة مآل، أي إذا ضغطت الزوجة على زوجها لكسب مال حرام كي يرضي شغفها في الدنيا، هو انصاع لهذا الضغط وكسب المال الحرام، هذه عداوة مآل، حينما يرى يوم القيامة أنه استحق النار من أجلها هنا المشكلة، البطولة أن تحب محبة حال، وأن تكره كراهة حال، أما المآل فسهلة.
الأستاذ بلال :
أستاذنا الفاضل كيف تكون التجارة التي نخشى كسادها أحبّ إلينا من الله؟

من حمله حبه للتجارة و الربح على معصية الله فهو خاسر لا محالة :

الدكتور راتب :
هنا يوجد إشكال، هناك بضاعة محرمة، أو المعمل الذي أنت وكيله لا يقبل بطلبك إلا بمادة محرمة بالإسلام، ترضخ من أجل التجارة، حبك للتجارة والربح الكبير حملك على أن تعصي الله، أحياناً يكون هناك سفر لبلاد كبيرة يقدمون الخمر تخشى أن تتهم بالرجعية، فإذا شرب الخمر من أجل مصلحته سقط من عين الله، ولأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله، المال زائل دائماً، وأدباً التفكر بالموت مهم جداً، ماذا أقول لربي في القبر إذا سألني لماذا فعلت كذا؟ يوجد سؤال دقيق، قال تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر الآيات: 92-93]

لم طلقت زوجتك؟ كتبت له البيت وطلقها بعد ذلك، استدرجها لكتابة البيت خوفاً من طلاقها كتبت له البيت وطلقها، أقول أحياناً: الله كبير، لا أرتوي من هذه الكلمة، الله قادر أن يكون انتقامه من الظالم شيئاً يحار به العقل.
الأستاذ بلال :
أستاذنا الفاضل حينما يخاطب الله عز وجل نبيه موسى عليه السلام:

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾

[سورة طه:39]

كيف يكون شعور المؤمن إذا ألقى الله عليه محبة منه؟

شعور المؤمن إذا ألقى الله عليه محبة منه :

الدكتور راتب :
عفواً الأخوة المشاهدون لهم أولاد، هذه المحبة التي ألقيت في قلب الآباء لأبنائهم هذه من خلق الله:

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾

[سورة طه:39]

الأب يجهد لتأمين حاجات ابنه، يجهد إذا مرض، يدفع مبالغ فوق طاقته لتمريضه، فمحبة الآباء للأبناء والله لا يوجد آية أراها واضحة أكثر من هذه الآية:

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾

[سورة طه:39]

حتى أن في كتب الرقائق ورد في الأثر أن امرأة تخبز على التنور، فكلما وضعت رغيفاً في التنور أمسكت ابنها الصغير وضمته، وشمته، وقبلته، يروى أنه مرّ النبي الكريم قال: ما هذه الرحمة؟ فقال: يا عبدي هذه رحمتي وضعتها في قلبها وسأنزعها، فلما نزع الرحمة من قلبها وبكى طفلها ألقته في التنور.
الأستاذ بلال :
جزاكم الله خيراً وأحسن إليكم، أخوتي الأكارم سنعود بعد فاصل قصير إن شاء الله لنتابع الحديث بصحبتكم حول موضوع المحبة..
السلام عليكم؛ عدنا إليكم من جديد لنتابع الحديث معكم ومع فضيلة شيخنا حول موضوع محبة الله عز وجل، سيدي أنتقل الآن إلى حديث شريف في موضوع المحبة:

(( ... ما تقرب إليّ عبد بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ))

[ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]

إذاً النوافل جالبة لمحبة الله عز وجل، ثم كيف يكون الله سمعنا الذي نسمع به وبصرنا الذي نبصر به إذا أحبنا جلّ جلاله؟

النوافل جالبة لمحبة الله عز وجل :

الدكتور راتب :
لو فرضنا الدولة فرضت ضريبة على المواطن بحق، عليها مصاريف كبيرة لتعليم الأجيال، إنشاء المستشفيات إلى آخره، ففرضت ضرائب، الذي يؤدي الضريبة لا يستحق حفل تكريم، أدى الضريبة التي لا بد منها، أدى الحد الأدنى تجاه أمته، كي تعيش هذه الأمة، أما الذي يقدم أرضاً لبناء جامعة، فيقام له حفل تكريم، هذه النوافل، الذي يؤدي ما عليه من واجبات هذا طبيعي، يقال له: عادي، أما الذي يقدم شيئاً فوق ما يطلب منه فهذه هي النوافل، لذلك:

(( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاورينَ فيَّ، والمتباذلينَ فيَّ، المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نُور، يغبِطهم النبيُّون والشهداءُ ))

[ الترمذي و مالك عن معاذ بن جبل]

لذلك أرقى علاقة على الإطلاق الحب في الله، وأرقى عمل نفسي ضروري البغض في الله، ينبغي أن تبغض المشرك بقلبك، طبعاً هذا يعصي الله، يتحدى كمال الله عز وجل.
الأستاذ بلال :
أستاذنا الفاضل، يقول جلّ جلاله في الحديث القدسي:

(( ... فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به... ))

[ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]

محبة الله تتجلى بصيانة الجوارح عن المنكرات :

الدكتور راتب :
هو لا يسمع كلاماً باطلاً، لا يتابع برنامجاً لا يرضي الله، لا يسمع شيئاً يغضب الله، لا يسمع الأغاني، كنت سمعه يستخدم هذه الأذن فيما يرضي الله:

(( ... وبصره الذي يبصر به... ))

[ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]

لا ينظر إلى العورات، ولا يتابع بعض المسلسلات الفاضحة، ما دام لا ينظر إلى العورات ولا يستمع إلى المنكرات فصان سمعه وبصره، ولا يأكل إلا الطيبات، معنى الطيب:

(( ...أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

قد يتوهم الإنسان أن يكون الطعام طيباً، الطعام الطيب في هذا الحديث هو طعام اشتري بمال حلال، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة.
الأستاذ بلال :

(( ... وكنت يده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها...))

[ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]

الدكتور راتب :
لا يمكن أن يضرب بلا حق، لو فرضنا أنه هو معلم، أو هو أب، وجد مع ابنه مبلغاً كبيراً لم يعطه إياه، وامتنع عن أن يحترس، أحياناً مسموح الضرب المعتدل الذي لا يؤذي الابن، لكن يشعره أنه خطأ كبير.
الأستاذ بلال :

(( ... ورجله التي يمشي بها...))

[ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]

الدكتور راتب :
إلى المساجد، إلى العمل، إلى دكانه، إلى لقاء أخوي، إلى عمل صالح، إلى خدمة إنسان، إلى معالجة مريض.
الأستاذ بلال :
يمشي بنور الله، أستاذنا الفاضل في حديث آخر سئل النبي صلى الله عليه وسلم:

(( من أحب عباد الله إلى الله تعالى؟ قال: أحسنهم أخلاقاً ))

[ الطبراني عن أسامة بن شريك ]

ما العلاقة بين محبة الله وحسن الخلق؟

العلاقة بين محبة الله وحسن الخلق :

الدكتور راتب :
الحقيقة أن إنساناً أعطاه الله شكلاً حسناً، من الله، أعطاه مالاً، من الله، أعطاه زوجة صالحة، من الله، اجمع كل هذه النعم ترى أنها من الله، أما الخلق الحسن فمنك، الله عز وجل أعطى النبي صلى الله عليه وسلم أشياء لا تعد ولا تحصى أما حينما مدحه فمدحه بشيء من عنده، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم: 4 ]

الأستاذ بلال :
أستاذنا الفاضل أحياناً المحبة في حياتنا البشرية، قد يحب الإنسان إنساناً لا يقسو عليه، وقد تجلب هذه المحبة عناء للابن في المستقبل، الله عز وجل يحب عبده لكن أحياناً قد يعاقبه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام ))

هل المحبة دائماً عطاء كما يتوهم الناس؟

رحمة الله تقتضي تنبيه العبد قبل فوات الأوان :

الدكتور راتب :
أنا أوضحها بمثل، طفل في الثامنة من عمره طلب من والده ألا يذهب للمدرسة، - قصة مركبة طبعاً لكن فيها مغزى كبير- قال له: كما تريد، استيقظ في اليوم الثاني الساعة العاشرة ، أكل طعاماً لوحده، ذهب إلى السينما، رأى نفسه أسعد من كل الطلاب الذين عندهم واجبات يومية، ودراسة، وحفظ، وذهاب إلى المدرسة وعودة، عندما كبر لا يملك أية شهادة، ولا وظيفة، ولا تجارة، ولا زوجة، ولا ولد، ولا بيت، رفاقه كلهم أطباء ومهندسون، متزوجون، عندهم بيت، وسيارة، فقال لأبيه: يا أبت عندما قلت لك: لا أريد أن أدرس لمَ لم تضربني ضربة موجعة أصحو منها؟ قال تعالى:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة القصص : 47]

بنص الآية تعد المأساة رسالة من الله، رحمة الله تقتضي التنبيه قبل فوات الأوان، قال تعالى:

﴿ يَومَ يَأتي بَعضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أَو كَسَبَت في إيمانِها خَيرًا﴾

[سورة الأنعام: ١٥٨]

دائماً وأبداً التذكير قبل فوات الأوان، مثلاً فرعون حينما أدركه الغرق قال تعالى:

﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

[ سورة يونس: 90 ]

متى آمن؟ بعد فوات الأوان، الطالب عندما لم يدرس ولم ينجح يستطيع بعد الفحص أن يأخذ الكتاب المقرر ويقرأ البحث و يفهمه، متى فهمه؟ بعد انتهاء الفحص.
الأستاذ بلال :
الحب لا يقتضي دائماً من الله عز وجل أن يعيش الإنسان حياة هانئة إذا أحبه الله؟
الدكتور راتب :
والله أنا أفهم الأمر بعكس ذلك، دليل محبة الله أن يعالجه، مثلاً عرض على طبيب مريضان، الأول مرضه التهاب معدة حاد، حمية قاسية يشفى شفاء تاماً خلال أشهر، فأخضعه لحمية قاسية جداً، ومريض آخر الورم منتشر بكل جسمه، ولا أمل في شفائه، موته محقق خلال أسابيع، سأل الأول الطبيب: ماذا آكل؟ يقول له: حمية قاسية جداً لأن هناك أملاً كبيراً بشفائه، لو سأل الثاني الطبيب: ماذا آكل؟ يقول له: كُلْ ما شئت، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

[ سورة الأنعام : 44]

أنا والله أرى أن الذي يعالجه الله عز وجل بأنواع المعالجات دليل محبة، ودليل أمل بشفائه، ودليل مستقبل له زاهر، والذي يهمل يترك بلا معالجة ميئوس منه.

خاتمة و توديع :

الأستاذ بلال :
جزاكم الله خيراً، وهذا مصداق للحديث:

(( إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام ))

يحمي الله عبده من الدنيا، جزاكم الله خيراً، وأحسن إليكم.
أخوتي المشاهدين؛ ختاماً قال أحد السلف: مساكين أهل الدنيا، دخلوا إلى الدنيا وخرجوا منها ولم يذوقوا أحلى ما فيها، قيل له: وما أحلى ما فيها؟ قال: حب الله عز وجل.
إلى الملتقى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS