708
محاضرات وندوات مصورة - تونس - مختلفة – محاضرة ألقيت في قاعة الأوبرا - جمعية الدعوة والإصلاح : المسابقة الوطنية لحفظ القرآن ، القرآن كون ناطق والكون قرآن صامت وسيدنا محمد قرآن يمشي.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2014-09-28
بسم الله الرحمن الرحيم

الارتباط الوثيق بين العبادة الشعائرية والعبادة التعاملية :

 أخواننا الكرام؛ الحقيقة الدقيقة والخطيرة والحاسمة ما لم تكن عباداتنا التعاملية صحيحة لن ننتفع من عباداتنا الشعائرية، ولن تقبل ولن تصح، طالبوني بالدليل، قالوا: لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))

[ابن ماجه عن ثوبان بن بجدد رضي الله عنه]

 لذلك قال بعض العلماء: من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله، يؤتى برجال يوم القيامة لهم أعمال كجبال تهامة، يجعلها الله هباء منثوراً، قيل: يا رسول الله جلهم لنا؟ قال: إنهم يصلون كما تصلون، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها.
 أي ما لم يكن لك عبادة تعاملية؛ الصدق والأمانة والإخلاص والحياء واللطف، ما لم تكن هذه مكارم الأخلاق التي جاء بها النبي العدنان، إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، ورد في الأثر:

(( فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً))

 هناك مئات الصفات يتميز بها النبي عليه الصلاة والسلام، لكن حينما أراد الله أن يثني عليه قال:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيمٍ﴾

[سورة القلم: ٤]

 فلذلك أيها الأخوة؛ العبادات الشعائرية من دون عبادات تعاملية لا تقدم ولا تؤخر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام))

[ورد في الأثر]

 هذه الصلاة. الصوم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[البخاري ، وأبو داود ، والترمذي]

 الحج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من أمّ هذا البيت من الكسب الحرام شخص في غير طاعة الله، فإذا أهل ووضع رجله في الغرز أو الركاب وانبعثت به راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك كسبك حرام، وزادك حرام، وراحلتك حرام، فارجع مأزوراً غير مأجور، وأبشر بما يسوءك))

[أخرجه البزار في مسنده]

 من حج بمال حرام، ووضع رجله في الركاب، وقال: لبيك اللهم لبيك، ينادى لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك.
 الإنفاق، قال الله تعالى:

﴿قُل أَنفِقوا طَوعًا أَو كَرهًا لَن يُتَقَبَّلَ مِنكُم إِنَّكُم كُنتُم قَومًا فاسِقينَ﴾

[سورة التوبة: ٥٣]

تقصير الإنسان فيما كلفه الله به جعل الله في حلّ من وعوده :

 أخواننا الكرام؛ لعل أحدكم يقول: نريد أشياء مفرحة، أنا أرى أن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، هناك مفارقة عجيبة جداً، قال الله تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ ﴾

[سورة النور: ٥٥]

 بربكم هل المسلمون اليوم مستخلفون في الأرض؟ لا والله،

﴿ كَمَا استَخلَفَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دينَهُمُ الَّذِي ارتَضى لَهُم ﴾

  هل هذا الدين الإسلامي ممَكن؟ لا والله، يواجه حرباً عالمية ثالثة كانت تحت الطاولة واليوم فوق الطاولة،

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دينَهُمُ الَّذِي ارتَضى لَهُم ﴾

  لكن أي دين وعد الله بتمكينه؟ الدين الذي يرتضيه الله لنا، فإن لم نمَكن في الأرض معنى ذلك أن فهمنا للدين لم يرض الله عز وجل،

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا ﴾

  هل المسلمون في شتى أقطابهم آمنون أم مستضعفون يكيد لهم الغرب كيداً ليلاً نهاراً؟
 أخواننا الكرام؛ هذه الحقيقة المرة، أين الخلل؟ بكلمة واحدة جاءت بالآية،

﴿ يَعبُدونَني﴾

  فإذا قصر الإنسان فيما كلفه الله به من عبادة فالله جل جلاله في حلّ من وعوده الثلاثة.

تلاوة القرآن و تدبره :

 أول نقطة: الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي الكريم قرآن يمشي، كلكم يعلم أن هناك ما يسمى والتعبير القرِآني أرذل العمر، قال الله تعالى:

﴿ يُرَدُّ إِلى أَرذَلِ العُمُرِ لِكَي لا يَعلَمَ بَعدَ عِلمٍ شَيئًا ﴾

[سورة النحل: ٧٠]

 يقابل هذا النص:

(( خيرُكمْ من تعلّمَ القُرآنَ وعَلَّمَهُ))

[البخاريُّ والترمذي ، وأبو داود]

 من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، لكن بعض العلماء فسروا ذلك قال: العضو الذي لا يعمل يضمر، أي عضو لا يعمل يضمر، فأنت حينما تصلي وحينما تتذكر أن الظهر أربع ركع، والأولى والثانية مع آيتين، ويوجد ركوع وسجود، أنت حينما تقرأ القرآن، العضو الذي يعمل لا يضمر، فأنت حينما تؤدي العبادات، وتقرأ القرآن، وتتعلم القرآن، فهذا الدماغ لا يضمر.
 لي جار في الشام أحد كبار علماء القرآن، زرته قبل عام، الآن توفي رحمه الله بلغ من العمر مئة و سنتين، قال لي: عندي ثمانية و ثلاثون حفيداً، معظمهم أطباء وحفّاظ لكتاب الله، خرجت من عنده قلت: يا رب رجل تزوج من امرأة أنجب أولاداً جلبوا له الكنائن، أنجب بنات جلبوا له الأصهار، هذا الصف الثاني، والصف الثالث عبارة عن ثمانية و ثلاثين حفيداً معظمهم حفاظ لكتاب الله وأطباء، هذا الهرم المبارك سببه القرآن.
 فلذلك القرآن كلام خالق الأكوان.
 أيها الأخوة الكرام؛ الله عز وجل وصف المؤمنين بأنهم يتلون القرآن حق تلاوته، شرح الشارحون ما معنى حق التلاوة؟ قال: أن تقرأه قراءة صحيحة:

﴿ إِنَّما يَخشَى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ ﴾

[سورة فاطر: ٢٨]

 مفعول به مقدم، أن تقرأه قراءة صحيحة، وإن أمكن أن تقرأه قراءة مجودة، وأن تفهمه، وأن تتدبره، التدبر أين أنت من هذه الآية؟ هل أنت مطبق لها؟ أكثر من مئتي آية:

﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا ﴾

  هذا الخطاب لنا جميعاً، أنت حينما تقرأ هذه الآيات هل تشعر بكل خلية في جسمك وبكل قطرة في دمك أنك معني بهذه الأية؟ هل أنت مطبق لها؟ فالقراءة الصحيحة والمجودة وفهم المعاني والتدبر أين أنت من هذه الآية؟ عود نفسك كلما قرأت القرآن أن تسأل نفسك: أين أنا من هذه الآية؟ هل أنا مطبق لها؟

معجزة النبي معجزة علميّة لتبقى مستمرة :

 أيها الأخوة الكرام؛ إلا أن الأنبياء السابقين عليهم صلوات الله جاؤوا بمعجزات حسية، لماذا المعجزة؟ هذا الإنسان يقول: أنا رسول الله، أو أنا نبي الله، معه منهج، والمنهج افعل ولا تفعل، فإذا اعترض المنهج على شهواتهم وتفلتهم يكذبون هذا النبي:

﴿وَيَقولُ الَّذينَ كَفَروا لَستَ مُرسَلًا ﴾

[سورة الرعد: ٤٣]

 فكيف يشهد الله لأنبيائه ورسله أنهم أبيناؤه؟ لابد من أن يجري على أيديهم خرقاً للقوانين والنواميس، هذا الخرق شهادة الله لهم أنهم أنبياء، سيدنا موسى ضرب البحر بعصاه أصبح طريقاً يبساً، سيدنا عيسى أحيا الميت، فما هي معجزات النبي عليه الصلاة والسلام؟ الحقيقة معجزات الأنبياء السابقين معجزات حسية كتألق عود الثقاب يتألق العود وينطفئ، ويصبح خبراً يصدقه من يصدقه، ويكذبه من يكذبه، ولكن لأن النبي الكريم خاتم الأنبياء والمرسلين، ولأن بعثته خاتمة البعثات، ولأن كتابه خاتم الكتب، فلا بد من أن تكون معجزته علمية كي تبقى مستمرة، الأمثلة على ذلك: لما صعد ركاب الفضاء في المركبة أبولو 800 قبل عشرين عاماً في أثناء الرحلة صاح رائد الفضاء، سمع هذه الصيحة عالم فلكي كبير مصري اسمه فاروق الباز، كان في قاعدة إطلاق الصاروخ في فلوريدا، قال رائد الفضاء: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً، فجأة أصبح الظلام دامساً ما تفسير ذلك؟ عندما كان في طبقة الهواء ستة و خمسون ألف كيلو متر يوجد انتثار للضوء، أشعة الشمس إذا سلطت على ذرات الهواء هذه الذرات عكستها إلى ذرات أخرى، لو أطفأنا هذه الإضاءة الكهربائية، هذه القاعة مضيئة من انعكاس ضوء الشمس، الأشعة خارج القاعة، لكن هذا الانعكاس يدخل الضوء إلى القاعة، فلما تجاوز رواد الفضاء طبقة الهواء صاح الرائد الأول: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً، افتح القرآن هذا الكتاب الذي نزل قبل ألف و أربعمئة عام:

﴿وَلَو فَتَحنا عَلَيهِم بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلّوا فيهِ يَعرُجونَ*لَقالوا إِنَّما سُكِّرَت أَبصارُنا بَل نَحنُ قَومٌ مَسحورونَ﴾

[سورة الحجر: ١٤-١٥]

 فحينما تأتي الآيات القرآنية مطابقة لأبحاث علمية تمت حديثاً هذا يؤكد بدليل قطعي أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن.
 أيها الأخوة؛ الله عز وجل قال:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمسِكُ السَّماواتِ وَالأَرضَ أَن تَزولا ﴾

[سورة فاطر: ٤١]

 آية ما مضمونها؟ هذه الآية العلماء فسروها، الأرض تدور حول الشمس بمسار بيضوي - إهليلجي - هذا المسار له قطران، قطر أطول وقطر أصغر، الأرض هنا في القطر الأطول تتجه إلى القطر الأصغر، بحسب قانون الجاذبية الذي تتعلق به المسافة والكتلة، المسافة قلت بين الأرض والشمس لأن المسار إهليلجي، فلما قلت المسافة لابد بحسب قانون التجاذب من أن تنجذب الأرض إلى الشمس، وإذا انجذبت إلى الشمس تبخرت في ثانية واحدة، و لما كان هذا الدرس، ولا هذا اللقاء الطيب، ولا كانت تونس كلها، ولا الشرق الأوسط، لذلك ما الذي يحصل؟ قال: الأرض ترفع سرعتها لينشأ من رفع السرعة قوة نابذة جديدة تكافئ القوة الجاذبة فتبقى على مسارها،

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمسِكُ السَّماواتِ وَالأَرضَ أَن تَزولا ﴾

 الزوال هو الانحراف، آية قرآنية شيء لا يصدق.

﴿ وَالأَرضُ جَميعًا قَبضَتُهُ يَومَ القِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطوِيّاتٌ بِيَمينِهِ ﴾

[سورة الزمر: ٦٧]

 آية قرآنية دقيقة جداً، الآن تابعت الأرض مسيرها فلما وصلت إلى القطر الأطول المسافة طالت وقوة الجذب ضعفت، إذاً لابد من أن تتفلت الأرض من جاذبية الشمس، وإذا تفلتت من جاذبية الشمس أصبحت الحرارة فيها مئتين و ستين تحت الصفر، تنتهي الحياة إذا انجذبت، وتنتهي الحياة إذا تفلتت، ما الذي يحصل هنا؟ تخفض الأرض سرعتها هنا لينشأ من خفض السرعة قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجابة الأقل فتبقى على مسارها.
 أخواننا الكرام؛ بين الأرض و الشمس مئة و ستة و خمسون مليون كيلو متر، والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي الشمس يدخل في جوفها مليون وثلاثمئة ألف أرض، والله عز وجل حينما قال:

﴿وَالسَّماءِ ذاتِ البُروجِ﴾

[سورة البروج: ١]

 بالمناسبة الأرض في دورتها حول الشمس تمر باثني عشر برجاً، أحد هذه الأبراج برج العقرب، كنت مرة بأمريكا يوجد قبة سماوية مصطنعة، فالأبراج كلها موجودة، وصلوا خطوطاً بينها، فلما وصلوا الخطوط بين النجوم ظهر هذا البرج على شكل عقرب، فهذه البروج اثنا عشر برجاً، في برج العقرب نجم صغير أحمر اللون، متألق، هذا النجم الصغير الأحمر اللون المتألق يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا تطلب جنته؟ ألا يخطب وده؟ ألا تخشى ناره؟

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا  فإنا منحنا بالرضا من أحبنــــا
ولذ بحمانا واحتم بجنابنــــــــــا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنـــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغل  وأخلص لنا تلقى المسرة والهنا
***

التفكر في خلق السموات و الأرض أرقى عبادة على الإطلاق :

 أيها الأخوة الكرام؛ ألف و ثلاثمئة آية في القرآن تتحدث عن الكون والإنسان بشكل بديهي، أنت إذا قرأت آية فيها أمر هذه الآية ماذا تقتضي؟ أن تأتمر، آية فيها نهي ماذا تقتضي؟ أن تنتهي، آية فيها قصة نبي جاء قبل رسول الله تقتضي أن تتعظ، فإذا مررت على ألف و ثلاثمئة آية تتحدث عن الكون والإنسان هذه الآيات ماذا تقتضي؟ أن تتفكر في خلق السموات والأرض، هذه أرقى عبادة على الإطلاق، لأن هذه العبادة هي أقصر طريق إلى الله، وأوسع باب ندخل منه على الله، هذه العبادة تضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله، الآية الأصل في هذا الموضوع، قال تعالى:

﴿إِنَّ في خَلقِ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَاختِلافِ اللَّيلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الأَلبابِ*الَّذينَ يَذكُرونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعودًا وَعَلى جُنوبِهِم وَيَتَفَكَّرونَ في خَلقِ السَّماواتِ وَالأَرضِ رَبَّنا ما خَلَقتَ هذا باطِلًا سُبحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾

[سورة آل عمران: ١٩٠-١٩١]

 أيها الأخوة الكرام؛ قال تعالى:

﴿غُلِبَتِ الرّومُ*في أَدنَى الأَرضِ ﴾

[سورة الروم: ٢-٣]

 أدنى الأرض أي أخفض نقطة في الأرض، بعد اكتشاف أشعة الليزر التي تقيس المسافات بدقة بالغة، لو أرسلنا هذه الأشعة للقمر تأتي المسافة على مستوى الميلمتر، هذه الأشعة حينما استخدمت في قياس أغوار الأرض كان غور فلسطين أعمق غور في الأرض على الإطلاق، والآية تقول:

﴿غُلِبَتِ الرّومُ*في أَدنَى الأَرضِ ﴾

 والمعركة تمت في غور فلسطين، هذه من الآيات الدالة على عظمة الله، من الآيات التي تؤكد أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن.
 بعد مضي مئة عام على علم الأجنة تبين أن جنس الجنين- ذكر أو أنثى- يحدده الحوين المنوي لا البويضة، فإذا شخص طلق زوجته لأنه أنجبت بنتاً، البنت أتت منه وليس منها، لأن الله عز وجل قال:

﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ وَالأُنثى*مِن نُطفَةٍ ﴾

[سورة النجم: ٤٥-٤٦]

 هذه حقيقة علمية في علم الأجنة، الآن الذي يذهب إلى الحج لو كان يجلس في الأندلس أو في شرق آسيا الله قال:

﴿ وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأتينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميقٍ﴾

[سورة الحج: ٢٧]

 لماذا عميق لا بعيد؟ لأن الأرض كرة، المسافة إذا امتدت كانت عميقة لا بعيدة، إشارة قرآنية.

﴿ وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأتينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميقٍ﴾

الآيات القرآنية و الكونية و التكوينية القنوات الوحيدة لمعرفة الله :

 أيها الأخوة الكرام؛

﴿ فَبِأَيِّ حَديثٍ بَعدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤمِنونَ﴾

[سورة الجاثية: ٦]

 الآيات القرآنية هي القنوات الوحيدة النافذة المهيئة لمعرفة الله، إنك إن عرفت الله أولاً وهو الآمر، ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت منه، وكأنني وضعت يدي على مشكلة المسلمين الأولى.
 الأوامر بين أيدينا درسناها في المدارس كلها في الابتدائي والإعدادي والثانوي والجامعة، الصوم والصلاة والحج والزكاة والصدق والأمانة لكن لماذا ترى العالم الإسلامي متفلتاً؟
 أخواننا الكرام؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ))

[أخرجه التَّرمِذِي ، وأبو داود]

 والمسلمون اليوم مليار و سبعمئة مليون، وليست كلمتهم هي العليا، وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، الجواب:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دينَهُمُ الَّذِي ارتَضى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم ﴾

 ثلاثة غير واقعة.
 الآن الكلمة الأخيرة:

﴿ يَعبُدونَني ﴾

 فإذا أخلّ الطرف الآخر بما كلفه الله به من عبادة فالله جلّ جلاله في حل من وعوده الثلاثة.
 أخواننا الكرام؛ قال الله تعالى:

﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فيهِم ﴾

[سورة الأنفال: ٣٣]

 ومستحيل وألف مستحيل أن نُعذب والنبي فينا، ما معنى الآية بعد وفاته؟ إن كان منهجه وسلوكه وتعليماته مطبقة في الأمة بعد وفاته.
 أخواننا الكرام؛ هذه آياته الكونية. آياته التكوينية، صنعت باخرة تايتانيك عام 1912 وزعت على الركاب نشرة، هذه النشرة مفادها: إن القدر لا يستطيع إغراق هذه السفينة، فغرقت في أول رحلة لها، مجموع ما تحمل النساء من ذهب وحلي بالملايين، علية القوم في أوروبا، أغنياء أوروبا ركبوا هذه الرحلة وغرقت في أول رحلة. إذاً الله له أفعال.
 خلقه أمرنا أن نفكر به، قال تعالى:

﴿إِنَّ في خَلقِ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَاختِلافِ اللَّيلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الأَلبابِ*الَّذينَ يَذكُرونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعودًا وَعَلى جُنوبِهِم وَيَتَفَكَّرونَ ﴾

[سورة آل عمران: ١٩٠-١٩١]

 أما أفعاله فدقق:

﴿ فَسيروا فِي الأَرضِ فَانظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ﴾

[سورة النحل: ٣٦]

 غرقت في أول رحلة. وأرسلوا مركبة سموها المتحدي بعد سبعين ثانية أصبحت كتلة من اللهب تتحدى من؟
 أخواننا الكرام؛ يقولون: غزونا الفضاء أي انتقلوا بثانية ضوئية واحدة للقمر، بعد القمر عنا ثانية ضوئية واحدة، الشمس ثماني دقائق، بعض المجرات ثلاثة عشر ألف مليون سنة ضوئية، قال تعالى:

﴿فَلا أُقسِمُ بِمَواقِعِ النُّجومِ*وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَو تَعلَمونَ عَظيمٌ﴾

[سورة الواقعة: ٧٥-٧٦]

 أخواننا الكرام؛ الآيات الكونية عليك أن تتفكر بها، هذه أرقى عبادة، عبادة التفكر تضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله، وهذه عبادة هي أقصر طريق إلى الله، وأوسع باب ندخل منه على الله، لأنها تضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله.
 أما الآيات التكوينية فأفعاله و هذه تحتاج إلى نظر،

﴿ فَسيروا فِي الأَرضِ فَانظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ﴾

 أذكر أن أحد العلماء في الشام ذكر قصة في درس مؤثرة جداً، إمام جامع في أحد جوامع دمشق التراثية سوق ساروجة إمام جامع الورد، رأى الرسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة، هذا الإمام اختل توازنه، متعلم ودارس - فقه ولغة وشريعة وتجويد - وهذا بقال! طرق بابه بعد يومين قال له: لك عندي من رسول الله بشارة، والله لن أقولها لك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك؟ امتنع امتناعاً شديداً لكن بعد إلحاح شديد وأغراه بالبشارة فقال له: تزوجت امرأة وفي الشهر الخامس من زواجي كان حملها في الشهر التاسع، قال له: أتمكن أن أطلقها أو أفضحها أو أسحقها أو أدمرها، وأهلها معي، والناس معي، والشرع معي، والقانون معي، لكن أردت أن أحملها على التوبة، جاء لها بقابلة قانونية، ولدت طفلاً حمله تحت عباءته ووقف على باب جامع الورد، إلى أن نوى الإمام الصلاة، لا يوجد أحد، وضعه وراء الباب والتحق بالمصلين، فلما انتهت الصلاة بكى هذا الطفل، تحلق المصلون حوله تأخر عنهم حتى رأى أن معظم المصلين تحلقوا حول هذا الطفل، اقترب ما القصة؟ قالوا: هذا لقيط، قال: أنا أكفله، أعطوني إياه، أخذه أمام أهل الحي على أنه لقيط ورده إلى أمه، فلذلك قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسانِ ﴾

[سورة النحل: ٩٠]

 تعلموا أن الإحسان أفضل ألف مرة من العدل، فالإحسان طوعي والعدل قسري.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS