768
تفسير القرآن الكريم المرئي - سورة الأعراف 007 - الدرس(57-60): تفسير الآيات 191 - 196، التوحيد هو أساس العقيدة السليمة - والتوحيد هو من فحوى القرآن
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-01-16
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً :

أيها الأخوة الكرام ... مع الدرس السابع والخمسين من دروس سورة الأعراف ، ومع الآية الواحدة والتسعين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ﴾

أيها الأخوة ، لا شك أن فحوى هذه الآيات متعلق بالتوحيد ، ولابدّ من أن أردد لآلاف المرات أن ديننا دين توحيد ، وأن التوحيد هو الدين كله ، بل إن التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً ، والدليل قوله تعالى :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

( سورة الأنبياء )

التوحيد ألا ترى مع الله أحداً :

أيها الأخوة ، التوحيد كفكرة سهل ، إدراك فكرة التوحيد سهل جداً ، أما أن تعيش التوحيد هذا يحتاج إلى جهد كبير ، أن تعيشه لا أن تفهمه ، الفرق بين أن تفهم الفكرة ، وبين أن تعيشها سأوضحه بالمثل التالي :
طالبان على مقعد الدراسة ، الأول مؤمن ، مستقيم ، طاهر ، عفيف ، دخله حلال ، كبر وتزوج ، وعنده بيت متواضع ، وصديقه الثاني غير منضبط ، إيمانه ضعيف جداً ، متفلت ، معظم دخله من المال الحرام ، له دخل فلكي ، بيت فخم ، ومركبات ، وسفر ، وإقامة ، وثياب غالية ، وطعام نفيس ، الأول إذا قرأ قوله تعالى :

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

( سورة الأحزاب )

الآية واضحة تمام ، لكن لمجرد أن يقول صديقي الغني هنيئاً له ، هو ما عاش هذه الآية ، فهم معناها لكن ما عاشها .
مرة ثانية : ديننا دين التوحيد ، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً ، أن ترى يد الله تعمل وحدها ، أن ترى أن كل شيء وقع أراده الله ، وأن كل شيء أراده الله وقع ، وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق .

التوحيد أن ترى أن الله عز وجل بيده كل شيء :

التوحيد أن ترى أن :

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة الفتح الآية : 190 )

التوحيد أن ترى لأنه :

﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾

( سورة الأنفال الآية : 17 )

التوحيد أن ترى :

﴿ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف الآية : 84 )

التوحيد أن ترى :

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

( سورة الكهف )

التوحيد أن ترى :

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود الآية : 123 )

التوحيد أن ترى أن الله سبحانه وتعالى :

﴿ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾

( سورة غافر )

عدم استطاعة الكافر فعل شيء إلا بإرادة الله عز وجل :

هو الرافع وحده ، هو الخافض وحده ، هو المعز وحده ، هو المذل وحده ، التوحيد أن ترى أنه لا إله إلا الله ، ولا معبود بحق إلا الله ، التوحيد أن ترى أن :

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

( سورة الزمر )

التوحيد أن تؤمن أن الكافر مهما يكن قوياً لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا إذا سمح الله له به لحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة ، عرفها من عرفها ، وجهلها من جهلها .
التوحيد أن ترى أنه بيده :

﴿ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾

( سورة الأعراف الآية : 54 )

أحياناً دوله عظمى تصنع طائرة وتبيعها ، الدولة المالكة للطائرة قد تقصف بها مدينة نقول صنعت في هذا البلد لكن أمرها لمن اشتراها أما عند الله :

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

التوحيد كفكرة سهل جداً ، أما التوحيد أن تعيشه ، ترى بعينك قوى الطغيان تقصف ، وتضرب ، وتهدم ، وتتبجح ، وتتغطرس ، وتستعلي ، وتكذب ، وأن ترى أن الله عز وجل سمح بهذا كله لحكمة سوف نراها إن شاء الله فيما بعد .

إيجابيات الأحداث التي مرت بالمسلمين تحتاج إلى أناس متعمقين في الفهم :

والله أيها الأخوة ، إن سلبيات الأحداث يعرفها جميع الناس ، ولا تحتاج إلى بطولة في إدراكها ، صار قصف ، هدموا المنازل ، قتلوا الأبرياء ، قتلوا الأطفال ، سلبيات الأحداث معروفة عند الجميع ، يكفي أن ترى الصورة ، وانتهى الأمر ، لكن إيجابيات الأحداث تحتاج إلى أناس متعمقين في الفهم .
مثلاً قبل عشر سنوات غير مسموح بالعالم الإسلامي أن تقول كلمة جهاد ، غير مسموح بالعالم الإسلامي بأكمله ، حتى مرة ملك في خطابه قال : جهاد ! يأتي شخص من أطراف الدنيا ليسأله ماذا أردت من هذه الكلمة ؟ فاضطر أن يقيم حفلاً مفتعلاً ويقول : الجهاد جهاد النفس والهوى ، أما الآن تستمع إلى القادة يتحدثون عن الجهاد ، هذا إنجاز كبير ، الجهاد دخل في حياتنا اليومية ، الجهاد رأينا آثاره ، قلب موازين القوى كلها .
فئة مؤمنة طاهرة مستقيمة ، هذه الفئة تستحق أن نقبل رأسها ، ويديها ، وأن نقبل الأرض التي تطؤها قدماها ، هذه الفئة أربكت أقوى جيش في المنطقة ، بل أربكت رابع جيش في العالم ، إحدى و عشرون يوماً لم يتحقق أي هدف ، هم فقراء ، جائعون ، محاصرون لسنتين .
إذا دخل الإيمان تتغير جميع المعادلات كلها ، هذا التوحيد ، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً ، أن ترى أن

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

هناك حكمة كبيرة ، والله أيها الأخوة أنا مؤمن هكذا أقول دائماً ، بكل ذرة من دمي ، بكل قطرة من دمي ، وبكل خلية في جسمي ، أن الله لا يسمح للطغاة في الأرض أن يكونوا طغاة إلا ويوظف طغيانهم لخدمة دينه والمؤمنين ، من دون أن يشعروا ، ومن دون أن يريدوا ، وبلا أجر ، وبلا ثواب .
أنا أتمنى عليكم أن تدعوا السلبيات ، أن تفكروا في الإيجابيات ، ما الذي حدث بالعالم الإسلامي ؟ ما هذه الوحدة التي جمعتنا ؟! ما هذا الذوبان في بوتقة واحدة ؟! ما هذا الإيمان الذي تحرك ؟! ما هذا البذل الذي كان ؟! شيء لا يصدق ! .

الأحداث تكشف المحسن من المسيء :

أيها الأخوة :

﴿ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ﴾

( سورة النور الآية : 11 )

الإفك أن تتهم السيدة عائشة زوجة رسول الله بأثمن شيء تملكه امرأة ، عفتها ، جاء القرآن :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

( سورة النور الآية : 11 )

لأنه حديث الإفك فرز المؤمنين ، ظهر المؤمنون الصادقون الذين ظنوا بأنفسهم خيراً ، وظهر المنافقون الذي روجوا هذه الأخبار .

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ ﴾

( سورة آل عمرن الآية : 179 )

قياساً على ذلك ليذر الدول على ما هي عليه :

﴿ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

الفتن تفرز الناس إلى قسمين ؛ مؤمن و مجرم :

نعوذ بالله من الفتن ، لكن إذا جاءت الفتنة يجب ألا نذمها ، لأنها تكشف المنافقين وتكشف الكاذبين ، ويفرز الناس إلى قسمين ، والآن أقولها صراحة اللون الرمادي في الأرض اختفى ، بقي الأبيض والأسود ، وليّ أو مجرم ، مجرم ، مؤمن ، مستقيم ، طاهر ، عفيف ، ورع ، يضبط حواسه ، وجوارحه ، ودخله ، وبيته ، وزوجته ، وبناته ، وإنسان مجرم متفلت ، هذا الذي حصل ، يعني كيف جمعتنا هذه الآلام ، وكيف وصلت إلى أعماقنا ، وكيف وحدتنا ، وكيف كُشف أعداؤنا ، كيف أصبحوا في مزبلة التاريخ ، والله لمئة عام قادم ، بل لمئتي عام قادمة لا يستطيعون أن يقولوا كلمة عن حضارتهم ، حتى الغرب الذي سكت عنهم .

الساكت عن الحق شيطان أخرس :

الله عز وجل ذكر أن قوم صالح عقروا الناقة :

﴿ فَعَقَرُوهَا ﴾

( سورة الشمس الآية : 14 )

بالجمع .

﴿ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾

( سورة الشمس)

قال

﴿ فَعَقَرُوهَا ﴾

والذي عقرها واحد ، لأنهم سكتوا جميعاً عدّ الله سكوتهم مشاركة في الجريمة .
مرة سيدنا عمر ، قام أحدهم يمدحه قال : والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله ، يا لطيف ! فأحدّ فيهم النظر ، فخافوا ، فقال أحدهم : لا والله ، لقد رأينا من هو خير منك ، قال : من هو ؟ قال : الصدّيق ، أمامه عشرون ، واحد منهم قال الصدّيق خير منك ، فقال : كذبتم جميعاً ، ما تكلموا ، كذبوا بسكوتهم ، والساكت عن الحق شيطان أخرس .
هل سمعتم تنديداً من الدول العظمى ؟ دعك من أمريكا ، بريطانيا ، أستراليا ، فرنسا ، سويسرا ، هل سمعتم استنكاراً ؟ تنديداً ؟ من أجل أسير واحد يأتي رئيس أمريكي سابق إلى بلادنا ويزور أسرة هذا الأسير ، وأحد عشر ألفاًَ و ثمانمئة أسير لنا عندهم ما خطر في باله أن يطيب خاطرهم بكلمة ، ما لم نكفر بالطاغوت لن نؤمن بالله ، والدليل :

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

( سورة البقرة الآية : 256 )

الله عز وجل يعلم و يقدر و يعنيه ما يجري في العالم من أحداث :

التوحيد ألا ترى مع الله أحداً ، التوحيد أن تؤمن أن الذي وقع وراءه حكمة بالغة عرفها من عرفها ، وجهلها من جهلها ، بمنطق البشر الذي شرد عن الله هذا مات ، أما عند الله :

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾

( سورة آل عمران )

لذلك أيها الأخوة ، نحن في آيات التوحيد ، ينبغي أن تكون موحداً ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، والتوحيد كفكرة إدراكها سهل جداً ، أما أن تعيشه ، أن تكون موقناً أن الله بيده كل شيء ، وأنه لا يستقيم إيمانك إن توهمت أن الله لا يعلم ما يجري ، ولا يستقيم إيمانك إن توهمت أن الله لا يقدر ، ولا يستقيم إيمانك إذا توهمت أن الله لا يعنيه ما يجري ، يعلم ، ويقدر ويعنيه ، وسمح للذي وقع .

﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 42 )

من اعتمد على غير الله فقد احتقر نفسه :

لذلك أنت حينما تعتمد على قوي من أجل أن يحميك فقد أشركت ، حينما تتنازل لقوي من أجل أن تكف شره عنك فقد أشركت ، هذا الذي حصل ، هؤلاء الذين قعدوا عن نصرة دينهم ، ماذا فعلوا ؟ خافوا من الأقوياء فآثروا السلام .
فلذلك الآية الكريمة :

﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾

يعني أقوى إنسان بالأرض لو تجمدت في أحد أوعية دماغه قطرة دم لا تزيد عن رأس دبوس يصاب بالشلل هذا القوي يعبد من دون الله ؟.

﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾

هذا مخلوق ، وحياته بيد الله واستمرار حياته بيد الله ، وإمداد مكونات حياته بيد الله ، هذا لا يعبد من دون الله ، وأنت أيها المؤمن لمجرد أن تجير لمخلوق تُحسب عليه ، تنتمي إليه ، وتنسى ربك ، فقد احتقرت نفسك أنت لله ، لا تكن خطيئة إنسان قوي ،

﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾

﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ ﴾

( سورة النحل الآية : 17 )

﴿ لَا يَسْتَوُونَ ﴾

( سورة السجدة )

مخلوق .

من تنازل لقوي و اعتمد عليه فقد أشرك بالله عز وجل :

الإنسان مهما كان عظيماً ، عظمته ، وهيبته ، وكيانه ، منوط بسيولة دمه فإذا تجمد الدم في عروقه مات فوراً ، يقول لك : مات بجلطة مفاجئة ، احتشاء بعضلة القلب ، سكتة قلبية ، وإذا نمت خلاياه نمواً عشوائياً يقول لك : ورم خبيث ، ليس له دواء ، وإذا توقف قلبه مات فوراً ، فالإنسان ضعيف ، بثانية يكون شخصاً فيصبح خبراً ، الآن النعوات بالطريق أصحابها أشخاص ، أحدهم طبيب ، و الآخر مهندس ، و الثالث عميد أسرتهم ، والرابع له رتبة عسكرية عالية ، لما أصبح اسمه على النعوة صار خبراً ، مساء يكون مدفوناً وانتهى الأمر ، طويت صفحته .
فهذا الذي يموت يعبد من دون الله ؟ هذا الذي يُخلق ولا يَخلق ، يعبد من دون الله ؟.

﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾

أي إذا كان سيد الخلق وحبيب الحق وسيد ولد آدم يقول لنا :

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا ﴾

( سورة الأعراف الآية : 188 )

وفي آية ثانية :

﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾

( سورة الجن )

لا لنفسه ولا لغيره ، وهو سيد الخلق وحبيب الحق ، وفي آية ثالثة :

﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾

( سورة هود الآية : 31 )

هذا الإنسان ، لذلك لما توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام سيدنا الصديق أحب أصدقائه إليه ، قال : من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت .

﴿ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾

إذا إنسان له أتباع كُثر ، وكان قوياً بيده كل شيء ، وتوفاه الله ، أتباعه ماذا يستطيعون أن يقدموا له ؟ برقية تعزية ، باقة ورد ، هذا كل شيء ، بيد من حياتك ؟ بيد من موتك ؟ بيد من رفعتك ؟ بيد من سلامتك ؟ بيد من سعادتك ؟ بيد من شقاؤك ؟ بيد من رزقك ؟ .

الاعتماد على غير الله مذلة :

أيها الأخوة ، لا زلنا في آيات التوحيد .

﴿ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ﴾

طبعاً هؤلاء الشركاء إما أن يكونوا من بني البشر ، شخص قوي علقت الآمال عليه ، أو من الحجر "صنم" ، المعنى واحد .

﴿ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الصافات )

إذاً

﴿ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ﴾

لما سيدنا إبراهيم كسر الأصنام وضع الفأس في عنق أحدها ، أو أكبرهم :

﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة الأنبياء )

أخوانا الكرام ، بأي عصر هناك مجموعة أوهام يجب أن تتحرر منها ، الآن أحد أكبر هذه الأوهام الإعلام ، أحياناً يوحي لك المعركة ملتهبة ، والعكس هو الصحيح ، فبطولتك أيها المؤمن ألا تكون ضحية الإعلام ، الإعلام خبيث جداً ، تعتيم على خسائر العدو ، تعتيم غير معقول .
لذلك :

﴿ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ﴾

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

شخص يخاف كما تخاف ، ويجوع كما تجوع ، ويعرى كما تعرى ، ويعطش كما تعطش ، ويتمنى أن تدوم حياته طويلاً كما تتمنى ، هو مثلك ، لا يليق بك أن تكون لإنسان ، أنت للواحد الديان ، أنت لله ، لمجرد أن تكون لإنسان فقد احتقرت نفسك ، أنت لله .

(( خلقت لك ما في الكون من أجلك فلا تتعب ، وخلقتك من أجلي فلا تلعب ، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك ))

[ ورد في الأثر ]

الشرك الخفي أخطر شيء يقع به الإنسان :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾

قد تحمل على أنهم من بني البشر ، أحياناً إنسان يعتمد على قريب له قوي ، أو على قريب له غني ، أو على إنسان بيده الحول والطول ، يعبده من دون الله ويصاب ، وأخطر شيء أن تقع في الشرك الخفي ، الشرك الخفي كما قال الله عز وجل :

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

( سورة يوسف )

هذا هو الشرك الخفي ، الصحابة الكرام على علو قدرهم ، وعلى رفعة شأنهم وعلى أنهم نخبة البشر ، في حنين نظروا إلى العدد عشرة آلاف صحابي ، فقالوا :

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

اعتمدوا على عددهم فلم ينتصروا ، فقال الله عز وجل :

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

( سورة التوبة )

التولي و التخلي :

أنت أيها المؤمن في حاجة ماسة إلى هذا الدرس درس بدر ، ودرس حنين ، في درس بدر قال الصحابة : الله ، فتولاهم الله ، وفي حنين قالوا : نحن ، فتخلى الله عنهم .
فأنت أيها المؤمن بين التولي والتخلي ، تقول أنا ومع التفصيل ، أنا معي شهادة عليا ، مرة طبيب أخ كريم ببلد عربي شقيق ، حدثني بهذه القصة ، زوجته حامل ، ويحتاج إلى عمل معقد قليلاً للولادة ، فاستشار صديقاً له متخصص بالأمراض النسائية ، فأعطاه توجيهات ، فقال له : هل من الأفضل أن أرى طبيباً آخر كي أستأنس ؟ قال له : أنا أقوى وأعلم إنسان في هذه المنطقة ، والباقون جهلة ، بغطرسة واستعلاء ما بعده استعلاء ، القصة طويلة لكن ملخصها أن هذا الطبيب الذي أشرك مع الله عز وجل وصف نفسه بأنه أعلم العلماء ، ارتكب خطأ في الولادة أدى إلى وفاة المرأة ، يترفع عنه طالب طب ، ولأول مرة في تاريخ هذا البلد العربي سُحبت شهادة طبيب وأصبح بلا شهادة عقاباً له .
تقول أنا الله يؤدبك ، قل الله ، ادرس ، تفوق ، لكن قل بفضل الله ، الله أكرمني ، سمح لي ، مكني ، وفقني ، انسب الفضل إلى الله ، هذه الحقيقة ، فإذا أُعجبت بنفسك ، بعلمك ، بمالك ، قال : الدرهم مراهم ، هذه آية أم حديث ؟ حديث باطل .
والله صديق لي ، قال : الدراهم مراهم تحل بها كل المشكلات ، وجد نفسه فجأة بالمنفردة ، ثلاثة و ستون يوماً ، تفضل حلها بالدراهم ، معك دراهم ، الله يؤدب ، انتبهوا ، إياك أن تشرك نفسك مع الله ، لا تقول أنا أحمل شهادة عليا ، أنا من أعرق أسرة ، كلما قلت أنا تخلى الله عنك ، وكلما قلت الله تولاك بالرعاية والحفظ .

على الإنسان ألا يعلق آماله على إنسان مثله بل يتوكل على الواحد الديان :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾

كن مع الله .

﴿ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ﴾

أحياناً تعلق آمالاً كبيرة على صديق لك قوي بمنصب رفيع ، تدخل عليه ، لا يقول لك تفضل اجلس ، ويعتذر عن خدمتك ، لأنك وضعت ثقتك بغير الله ، هذا هو الشرك الخفي ، لا تعتمد على مالك ، ولا على جاهك ، ولا على نسبك ، ولا على حسبك ، ولا على أسرتك ، ولا على أولادك .
أعرف شخصاً عنده شاب بذل من أجله الغالي والرخيص ، حتى جعله يحمل أعلى شهادة ، وسافر إلى بلاد بعيدة ، تزوج امرأة ونسي والده ، ولا يتصل به بالسنوات مرة ، اعتمد عليه فتخلى عنه .

(( لو كنت مُتّخِذًا مِنْ الْعِبَادِ خَلِيلًا لَاِتّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ، وَلَكِنْ صُحْبَةٌ وَإِخَاءٌ إيمَانٌ حَتّى يَجْمَعَ اللّهُ بَيْنَنَا عِنْدَهُ ))

[ الطبري عن بعض آل أبي سعيد بن المعلى]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

فإذا كان هؤلاء الشركاء أشخاصاً اعتمدت عليهم ، أو على وعدهم ، ومشكلة المسلمين الأولى أنهم اعتمدوا على القوى الكبيرة في الأرض ليحموهم ، لينصروهم ، فأمروا عصاهم الغليظة أن تدمرهم ، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تشرك بالله وتفوز ، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن توحده وتخسر .

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

( سورة الشعراء )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾

أحد الولاة وصل إلى بيت الله الحرام قال : أريد عالماً جليلاً ألتقي به ، فالتقى مع عالم ، قال له : سلني حاجتك ، قال له : والله إني أستحي وأنا في بيت الله أن أسال غير الله ، فالتقى به خارج بيت الله الحرام ، قال له : سلني حاجتك ؟ قال له : والله ما سألتها من يملكها ، أأسألها من لا يملكها ؟ قال له : ما حاجتك ؟ قال له : أنقذني من النار وأدخلني الجنة ، قال له : هذه ليست لي ، قال له : إذاً ليست لي عندك حاجة .

بين سيدنا عمر و جبلة بن الأيهم :

أنت حينما توحد يعزك الله ، حينما توحد لا تتضعضع أمام قوي أو غني ، أنت حينما توحد لا تنبطح ، لا تركع ، لا تسجد له ، أنت حينما توحد لا تساوم على مبادئك ، كلمة لا .
سيدنا عمر جاءه ملك اسمه جبلة ، أعلن إسلامه ، ورحب به عمر ، أثناء طوافه حول الكعبة بدوي داس طرف ردائه ، فانخلع رداؤه عن كتفه ، فضربه ضربة هشمت أنفه ، شكاه إلى عمر ، استدعاه عمر ، وجرى حواراً بينهما ، قال له : أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟ دقق ملك ، إنسان بالمصطلح المعاصر من الدهماء ، من سوقة الناس ، من الطبقة الدنيا ، من هؤلاء الضعاف الفقراء ، قال له ، أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟ قال : لست ممن ينكر شياً أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيديا ، قال له : أرضِ الفتى ، سيدنا عمر ، لابدّ من إرضائه ، ما زال ظفرك عالقاً بدمائه ، أو يهشمن الآن أنفك ، يخاطب ملك ، حق ، وتنال ما فعلته كفك ، طبعاً تعجب أشد العجب ، قال له : كيف ذاك يا أمير ؟ هو سوقة وأنا عرش وتاج ، كيف ترى أن يخر النجم أرضاً ؟ قال له : نزوات الجاهلية ، ورياح العنجهية قد دفناها ، أقمنا فوقها صرحاً جديداً وتساوى الناس أحراراً وعبيداً ، قال : كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز ، أنا مرتد إذا أكرهتني ، قال عنق المرتد بالسيف تحز ، عالم نبنيه كل صدع فيه يداوى ، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى .

من وحّد الله عز وجل أكد مكانته الإنسانية :

أنت حينما توحد لا تخاف في الله لومة لائم ، أنت حينما توحد تقول لا بملء فمك ، بقاموسك يوجد كلمة لا ، تقولها بملء فمك ، أما إن لم تكن موحداً يقذف الله الخوف في قلبك ، تقول نعم لكل شيء ، للباطل ، أنت حينما توحد تؤكد مكانتك الإنسانية ، أنت لست لغير الله ، أنت لله .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

أما إذا فهمنا هذه الشركيات ، ليست بشراً بل حجراً ، تأتي هذه الآية :

﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ ﴾

( سورة الأعراف )

الصنم يتحرك ؟ لك أن تعتقد أن هذا الشيء الذي أُشرك مع الله إنسان قوي ، دولة طاغية قوية ، تلتمس رضاها مع تنازلات لا تحتمل ، أو أنه صنم كما كان العرب قبل الإسلام .

الإيمان اعتماد على الله وتوكل عليه واتصال به :

أيها الأخوة الكرام :

﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

الإيمان اعتماد على الله ، الإيمان توكل على الله ، الإيمان اتصال بالله ، الإيمان طاعة لله ، الإيمان أن تعتز بالله .

اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *

لا أنسى أن الحسن البصري كان عند والي البصرة ، هذا التوحيد ، فجاءه توجيه من الخليفة ، لو نفذه لغضب الله عز وجل ، ولو لم ينفذه لأغضب الخليفة ، هذا الوالي وقع بما يسمى بيحص بيص ، ماذا يفعل ؟ فاستنجد بالحسن البصري ، قال له : ماذا أفعل ؟ قال له كلمة والله أيها الأخوة تعد منهجاً ، قال له : إن الله يمنعك من يزيد ، لكن يزيد لا يمنعك من الله .
الله يمنعك من أقوى الأقوياء ، لكن أقوى الأقوياء لا يستطيع أن يمنعك من ورم خبيث ، إن الله يمنعك من يزيد ، لكن يزيد لا يمنعك من الله .
وفي درس إن شاء الله نتابع هذا الدرس .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS