356
تفسير القرآن الكريم المرئي - سورة الأعراف 007 - الدرس(41-60): تفسير الآيات 142 - 144، استعداد سيدنا موسى للقاء الله بعد مشقة كبيرة مع فرعون
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-06-13
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

إغراق آل فرعون عبرة لمن جاء بعدهم :

أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الواحد والأربعين من دروس سورة الأعراف ، ومع الآية الثانية والأربعين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

أيها الأخوة ، بعد أن نجى الله بني إسرائيل من فرعون الذي كان يقتّل أبناءهم ويستحيي نساءهم ، بعد أن نجاهم منه بمعجزة ، حينما تبعهم بالبحر ، فلما خرج موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام مع قومه إلى الضفة الثانية ، عاد البحر بحراً ، وأغرق الله آل فرعون ودمرهم ، وأصبح عبرة لكل طاغية .
بعد أن نجى الله قوم موسى من فرعون ، الذي تفنن في سفك دمائهم ، واستحياء نسائهم ، وإذلالهم ، الآن جاء طور آخر ، هذا الطور هو مجيء التشريع ، فقال تعالى :

﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾

الإجمال والتفصيل إن جاءا في آية واحدة حُلّ الإشكال :

أيها الأخوة ،

﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ﴾

أي هناك وقت ، ومكان لإلقاء الكتاب على موسى الذي فيه منهج الله ، وفيه التعريف لماذا خلق الإنسان في هذه الدنيا ؟ ولكن قد يقول قائل هناك آية يقول الله عز وجل :

﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾

( سورة البقرة الآية : 51 )

وفي هذه الآية :

﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ ﴾

قال بعض علماء التفسير هناك إجمال ، وهناك تفصيل ، ففي الآية الأولى

﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾

هذه آية طابعها الإجمال ، وفي الآية الثانية

﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ ﴾

هذه آية فيها تفصيل ، فإذا جاء الإجمال والتفصيل معاً في آية واحدة حُل الإشكال ،

﴿ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾

لكن أحياناً تأتي آيات من نوع آخر يبدو أن هناك تناقض بينها ، من هذه الآيات :

﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ﴾

( سورة فصلت )

في يومين ، وفي أربعة أيام .

﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ﴾

( سورة فصلت )

كم يوم أصبحوا ؟ ثمانية ، وفي معظم آيات القرآن الكريم :

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾

( سورة هود الآية : 7 )

فقال هذا إجمال وتفصيل .

كلام الله كلام معجز وأي إشكال في القرآن الكريم على الإنسان أن يسأل عنه أهل الذكر :

قد يفهم هذا الإجمال والتفصيل معاً بالتداخل ، فقد تقول مثلاً وصلت إلى حمص في ساعتين ، وإلى حماة في ثلاث ساعات ، ماذا نفهم ؟ أن الزمن الذي استغرقته بالوصول إلى حمص داخل في حماة ، وصلت إلى حمص في ساعتين ، وإلى حماة في ثلاث ساعات ، هناك تداخل ، على كلٍ إن هذا الموضوع حينما نؤمن أن كلام الله كلام معجز وأن فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، أي إشكال يبدو لك في القرآن الكريم هناك إجابة مقنعة مئة بالمئة ، ولكن قال تعالى :

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة النحل )

أهل الذكر أهل القرآن ، هناك ملمح آخر في قوله تعالى :

﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾

( سورة يونس الآية : 39 )

إذاً أنت ليس مسموح لك أن تتساءل ، أو أن تحكم قبل أن تسأل ،

﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

هناك إشكالات كثيرة جداً ، تبدو في الظاهر إشكالات ، يبدو في الظاهر مفارقات ، هي في الحقيقة آيات محكمات ولها شرح وتفصيل ، وتعليل رائع جداً .

ما من شيء عظيم يفوق أن تعرف الله عز وجل :

أيها الأخوة ، الموضوع الدقيق الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى قال

﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ﴾

لقاء بين سيدنا موسى وبين ربه .
الإنسان أحياناً يعتز بلقاء مع ملك ، يعتز بلقاء مع إنسان كبير ، مع عالم جليل ، أما هنا اللقاء مع خالق السماوات والأرض ، أنا أذكر هذا المثل كثيراً كي أضع الحقيقة كاملة بين أيديكم :
الطفل الصغير إذا قال مرة : معي مبلغ عظيم ، كم تظنه ؟ طفل والده معلم ، وجاء العيد ، وانتهى العيد ، وقال لأخيه الكبير معي مبلغ عظيم ، أنا أقدره بمئتي ليرة ، كلمة عظيم من طفل تعني 200 ، فإذا قال مسؤول كبير في دولة عظمى تزمع أن تشن حرباً على بلد نفطي : أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً ، الكلمة نفسها ، ما دامت هذه الكلمة صدرت من مسؤول كبير في دولة عظمى 200 مليون ، لا ، 200 مليار دولار ، كلمة عظيم من هذا الإنسان نقدرها بمئتي مليار ، الكلمة واحدة .
فإذا قال ملك الملوك ، ومالك الملوك ، فإذا قال قيوم السماوات والأرض ، فإذا قال خالقنا ، وربنا ، ومسيرنا :

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

( سورة النساء )

هل هناك من شيء عظيم يفوق أن تعرف الله .

(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ ورد في الأثر ]

الإله العظيم الطريق إليه سهل جداً :

لذلك

﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ﴾

أحياناً رمضان فرصة للقاء مع الله ، للقاء مع الله في الصلوات الخمس ، في صلاة الفجر ، في صلاة التراويح ، الحج فرصة للقاء مع الله عز وجل ، الصلوات الخمس فرصة للقاء مع الله عز وجل ، والآية التي تنظم هذه اللقاءات :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

( سورة الكهف الآية : 110 )

يعني يستطيع مجند غر ، التحق لتوه في قطعة عسكرية تنتمي إلى لواء كبير أو إلى فرقة كبيرة ، مؤلفة من ثلاثة ألوية ، على رأس هذه الفرقة ، لواء أركان حرب ، هل يستطيع هذا المجند الغر أن يقابل هذا اللواء الذي يرأس ألوية ثلاثة ؟ في كل أنظمة العالم ، وفي كل جيوش العالم هذا الجندي الغر ، لا يستطيع مقابلة هذا اللواء الكبير ، لأن أمامه عريف ، على التسلسل يقابل العريف ، ثم عريف أول ، ثم مساعد ، ثم مساعد أول ، ثم ملازم ، ثم ملازم أول ، ثم نقيب ، ثم رائد ، ثم مقدم ، ثم عقيد ، ثم عميد ، ثم لواء ، بعدها في عماد ، هل يستطيع هذا الجندي أن يقابل أعلى رتبة مباشرة ؟ لا يستطيع ، إلا في حالة واحدة ، أن يكون ابن هذا اللواء الكبير يسبح وكان على وشك الغرق فألقى هذا الجندي بنفسه وأنقذه ، يدخل عليه من دون استئذان ، ويكرمه أعظم تكريم ، وقد يجلس إلى جانبه وقد يضيفه بنفسه ، أليس كذلك ؟ هذا المثل ضعوه بين أيديكم ،

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

أسعد إنسان من تجلى الله على قلبه بالأمن و الاستقرار :

أتحب أن تبكي في الصلاة ؟ أتحب أن يتجلى الله على قلبك ؟ أتحب أن تشعر أن الله يحبك ؟ أتحب أن تحس بالأمن ؟ أتحب أن تحس بالاستقرار ؟ أتحب أن تحس أن الله راضٍ عنك ؟ كل هذه المشاعر ثمنها العمل الصالح ،

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

ثمنها أن ترحم عباد الله ، ثمنها أن تنصحهم ولا تغشهم ، ثمنها ألا تبتز أموالهم ، ثمنها ألا تلقي الرعب في قلوبهم ، ثمنها أن ترحمهم ، أن تقدم لهم كل مساعدة ، إنهم عباد الله .
لذلك أيها الأخوة ، إن أردت ميقات الله عز وجل ، إن أردت خلوة مع الله ، إن أردت إقبالاً على الله ، إن أردت أن تستمد من الله العون ، والتوفيق ، والنصر ، والتأييد ، وأن يسعدك ، إن أردت أن تقول ليس في الأرض من هو أسعد مني ، إن أردت أن تشعر أنك متفوق ، وأن الله يحبك ، وأن كل من في الأرض بيد الله عز وجل ، وأنت مع الله ، كل من في الأرض من أقوياء بيد الله ، وأنت مع الله ، وإذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك .

كل إنسان بحاجة إلى شحنة روحية و خلوة مع الله عز وجل :

لذلك أيها الأخوة ،

﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ﴾

سيدنا موسى استخلف أخاه هارون في قومه ، هو ذهب إلى المناجاة ، ذهب إلى الخلوة مع الله ، ذهب إلى ما يشبه غار حراء ، وأنا أقول لكم أيها الأخوة : كل مؤمن يحتاج إلى غار حراء ، أحياناً غرفته إذا جلس في هذه الغرفة ، وقرأ القرآن هذا يشبه غار حراء ، إذا ذكر الواحد الديان ، هذا يشبه غار حراء ، إذا ذكر الله باسمه ، أو بما دعا به النبي عليه الصلاة والسلام ، يعني لا بد لك من أن تشحن شحنة روحية .
وهذا الهاتف الجوال أكبر دليل على ذلك ، إن لم تشحنه تنطفئ الشاشة ، ويصمت وينتهي عمله .
وهذا المؤمن إن لم يشحن عندنا شحنات يومية ، خمس شحنات يومية ، الصلوات الخمس ، هذه الشحن بسيطة تكفي للصلاة التي تليها ، عندنا شحنة أطول شحنة أسبوعية ؛ شحنة خطبة الجمعة ، إذا أنت استطعت أن تدرك ركعتي الجمعة مع الإمام إياك أن تتوهم أنك أديت صلاة الجمعة ، لأن الله عز وجل حينما قال :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

( سورة الجمعة الآية : 9 )

قال علماء التفسير : ذكر الله هي الخطبة ، هذه عبادة تعليمية ، هذه العبادة التعليمية من خصائص هذا الدين العظيم ،

﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

بل إن الذي يأتي مبكراً كأنه قدم جملاً (ناقة) والذي يأتي بعده كأنه قدم بقرة ، والذي يأتي بعده كأنه قدم شاة ، والذي يأتي بعده كأنه قدم دجاجة ، والذي يأتي بعده كأنه قدم بيضة ، هذا كله قبل أن يصعد الخطيب إلى المنبر قال : فإذا صعد الخطيب المنبر طوت الصحف ، يقول لك أنا لحقت ركعة الحمد لله ، شيء مضحك ! عبادة تعليمية أرادك الله أن تستمع إلى خطبة ، إلى موضوع ، موضوع متعلق بآخرتك بسلامتك ، بسعادتك ، بتألقك ، بالتوفيق ، بالنصر ، بالتأييد .

استخلاف سيدنا موسى لأخيه هارون في قومه :

لذلك أيها الأخوة ،

﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ﴾

هو هيأ نفسه تهيئة كبيرة ، هيأ نفسه بالذكر ، هيأ نفسه بالتنقية من كل شيء ، من كل شائبة ، استخلف أخاه هارون ، و هارون رسول أيضاً ، والدليل لما التقى سيدنا موسى وهارون مع فرعون :

﴿ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ ﴾

( سورة طه الآية : 47 )

سيدنا هارون رسول ، سيدنا موسى أيضاً رسول ، فسيدنا موسى استخلف أخاه هارون

﴿ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ﴾

وكلتك بقومي ، بعد أن نجاهم الله عز وجل من فرعون .

﴿ وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

إذا قلت للصالح أصلح ، أي داوم على إصلاحك ، نبي كريم هو صالح ، صالح من الصالحين الكبار ،

﴿ وَأَصْلِحْ ﴾

يعني اسلك سبيل الصلاح الذي عُهد منك .
أما

﴿ وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

كأن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه أن هناك مشكلة سوف تنشأ مع بني إسرائيل ، وأخوك مسؤول عنكم ، فقال له :

﴿ وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

تناسي قوم فرعون المعجزات الدالة على عظمة الله وطلبهم بأن يُجعل لهم إلهاً :

لكن الذي حصل أن سيدنا موسى ذهب إلى المناجاة (ولها حديث طويل بعد قليل)واستخلف أخاه هارون في قومه ، فلما نجا الله بني إسرائيل من فرعون الذي قتّل أبناءهم واستحيا نساءهم ، قدموا على قوم يعبدون العجل من دون الله .

﴿ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ ﴾

( سورة الأعراف الآية : 138 )

هذه الآيات الصارخة الدالة على عظمة الله ، كيف أن الله أغرق فرعون ، وما أدراك ما فرعون ، بقوته ، بجبروته ، بمن حوله ، بأسلحته ، دمره كمعجزة ، كيف أن الله جعل البحر طريقاً يبساً ، كيف أن عصا سيدنا موسى ألقاها :

﴿ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ﴾

( سورة الأعراف )

كيف أن هذا الثعبان أكل كل ما صنعه السحرة والمفسدون ، كيف يتناسى هؤلاء كل هذه المعجزات ، ويقولون لسيدنا هارون :

﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ ﴾

﴿ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

إن لم ترحم من حولك لست مؤهلاً أن تقودهم :

بالمناسبة : انظر إلى الكلام ما أدقه ،

﴿ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ ﴾

أنت أخي ، ما معنى أنت أخي ؟ قال فيها تحنن ، أنت ابني تقول أحياناً ، أنا ابنك يا أبتِ ، هذا كلام فيه تحنن ، فسيدنا هارون رسول ، وأخ لسيدنا موسى ، علاقة القرابة تبدو قوية جداً ، بدأ بأخوته ،

﴿ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ﴾

أن تنوب عني بإشراف عليم ،

﴿ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ﴾

ماذا تعني كلمة قومي ؟ فيها انتماء .
حينما جاء ملك الجبال النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف وقال له : أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين ، ماذا قال النبي الكريم ؟

(( اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون ))

ما الذي يحدث الآن ؟ إنسان يسافر لبلد غربي ويعود وقد انسلخ من أمته متخلفون ! كأنه هو من طينة أخرى ، كأنه صار من ذهب وهؤلاء من طين ، هذا الانسلاخ من بعض شباب المسلمين إذا سافروا إلى الغرب ينعتقون من دينهم ، ومن أمتهم ، ومن واقعهم ، ويستعلون عليه ، سيد الخلق وحبيب الحق ، قال :

(( اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون ))

دقق في هذا الكلام :

﴿ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ ﴾

يعني أنت أخي وشريكي في الرسالة ، قال له :

﴿ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ﴾

في قومي ، هم عزيزون عليّ ، وما لم يكن الذين حولك عزيزين عليك أنت لست مؤهلاً أن تقودهم ، أساس القيادة تحتاج إلى حب ، أساس القيادة تحتاج إلى رحمة ، إن لم ترحم من حولك أنت لست مؤهلاً أن تقودهم ، أنا أقول هذا الكلام لأي منصب قيادي ، أنت معلم إن لم تحب طلابك لن تعلمهم ، أنت مدير مستشفى إن لم تحب الأطباء والممرضين ، وتراهم أسرة واحدة لن تحسن قيادتهم ، الأساس هو الرحمة ، الأساس هو الحب ،

﴿ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ﴾

قومي عزيزون عليّ .

التشريع الإلهي لا يزيد عن كلمتين ؛ افعل أو لا تفعل :

أما سيدنا موسى هو الآن يعد نفسه للقاء الله عز وجل .
بالمناسبة : سوف يأتي في هذا الميقات تشريع إلهي ، وينبغي أن نعلم علم اليقين أن التشريع الإلهي لا بد من كلمتين ، افعل ، فعل أمر ، ولا تفعل فعل مسبوق بنهي ، فالقرآن الكريم من دفته إلى دفته ، الأوامر والنواهي لا تزيد عن افعل ، ولا تفعل .

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾

( سورة لأنعام الآية : 72 )

افعل .

﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾

( سورة الحجرات الآية : 12 )

لا تفعل ، منهج الله عز وجل لا يزيد عن كلمتين ، افعل ، ولا تفعل ، ويجب أن توقن وأن تعلم علم اليقين أن كل شيء أمرك الله أن تفعله أنت قادر على أن تفعله ، وتستطيع أن تفعله .

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

( سورة البقرة الآية : 286 )

وأن كل شيء نهاك الله عنه أنت قادر على أن تنتهي عنه ، وباستطاعتك أن تبتعد عنه ، لقوله تعالى :

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

لذلك أي دعوة من أي مؤمن أنا لا أستطيع ، نقول له : لا ، الاستطاعة لست أنت الذي تحددها ، الذي يحددها هو الله عز وجل ،

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

دعوة النبي الكريم موسى إلى لقاء ربه :

أيها الأخوة :

﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

نحن الآن مع حالة متميزة جداً لهذا النبي الكريم ، الآن هذا النبي الكريم مدعو للقاء الله ،

﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا ﴾

الميقات هو الحقيقة ، كل فعل له مكان ، وله زمان ، مكان الفعل ميقات ، وزمان الفعل ميقات ، في مواقيت الحج الأمكنة التي يبدأ منها الإحرام ، ميقات أهل الشام ، ميقات أهل العراق ، ميقات أهل اليمن ، هذه مواقيت ، يعني أماكن ، و هناك للصلاة أماكن أي أزمنة ، صلاة الفجر بين طلوع الفجر وشروق الشمس ، صلاة الظهر بعد أن تنحرف الشمس عن كبد السماء ، صلاة العصر إذا كان الظل مثلين ، صلاة المغرب عندما تغيب الشمس ، صلاة العشاء عند غياب الشفق الأحمر ، هذه مواقيت .

المواقيت الزمانية و المواقيت المكانية :

إذاً هناك مواقيت مكانية ، ومواقيت زمانية ، أي عندنا عبادات الأصل فيها الميقات الزماني ، كالصلوات الخمس ، ورمضان ، لك أن تصلي في أي مكان ، ولك أن تصوم في أي مكان ، أما الميقات ميقات الصيام ميقات زماني ، حينما ترى هلال رمضان .

﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾

( سورة البقرة الآية : 185 )

ففي الصوم الميقات الزماني هو الأصل ، وفي الصلاة الميقات الزماني هو الأصل ، أما في الحج لا بد من أن تذهب إلى الحرمين الشريفين ، لا بد من أن تذهب إلى جبل عرفات .

(( الحج عرفة ))

[أخرجه مسدد بن مسرهد عن عبد الله بن عباس ]

هناك ميقات مكاني .

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً :

الآن تمهيد :

﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا ﴾

جاء ليلتقي مع الله عز وجل

﴿ وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾

الله عز وجل قال :

﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾

( سورة الشورى الآية : 51 )

بالقرآن الكريم عندنا قاعدة ،

﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً ﴾

عن طريق سيدنا جبريل ،

﴿ أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾

يسمع صوتاً ولا يرى شيئاً ،

﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾

﴿ فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ﴾

( سورة الشورى الآية : 51 )

أيها الأخوة ، سيدنا موسى كلمه ربه من وراء حجاب ، الحالة التي إحدى حالات ثلاث هي الحالة الثانية ، سيدنا موسى كلمه ربه من وراء حجاب ، يعني يسمع كلاماً ولا يرى متكلماً .

طموح سيدنا موسى في أن يرى ذات الله عز وجل :

أيها الأخوة ، الله عز وجل حينما كلمه سيدنا موسى تاقت نفسه إلى أكثر من تكريم الله له ، أي كان طموحاً ، تاقت نفسه إلى أكثر من تكريم الله له ، تاقت نفسه إلى أن يرى الله

﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴾

يعني الله عز وجل من الثابت أن شيئاً في الكون لا يستطيع تحمل رؤية الله ، فسيدنا موسى طمع ، ما طمع أن يرى ذات الله عز وجل ، أن يرى الله من دون تفاصيل ، فقال يا موسى إنك

﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾

هذه لن على التأبيد ، ما دمت في الدنيا ، ما دمت في هذه الحياة الدنيا ، ما دام لك جسم لن تستطيع رؤيتي ، والدليل :

﴿ وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ﴾

يعني أي شيء قوي متماسك ، جبل ، صخر ،

﴿ وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً ﴾

جبل عملاق كبير ، صخور ،

﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً ﴾

يعني سويت قممه بقواعده ، كان جبل صار أرضاً مستوية .

﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً ﴾

صعق ، إن هذا الجبل حينما تجلى ربه أصبح دكاً فكيف بالذات الإلهية ، جبل عظيم عملاق مرتفع ، صخور ، لما تجلى الله على الجبل جعله دكا ، فسيدنا موسى صعق

﴿ وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً ﴾

استرسال سيدنا موسى بحديثه مع الله تعالى لأن سعادته كانت لا توصف :

لما سيدنا موسى قال الله له :

﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴾

( سورة طه )

يعني كان من الممكن أن يقول هي عصاي ، لكن طمع بمؤانسة الله له .

﴿ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا ﴾

( سورة طه الآية : 18 )

هو سألك ما هي ؟ قال :

﴿ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا ﴾

ارتاح ، قال له :

﴿ وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي ﴾

( سورة طه الآية : 18 )

فاستحى ، قال له :

﴿ وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى ﴾

( سورة طه )

أي إذا الله عز وجل يريد أن يتابع الحوار يقول يا موسى ما هذه المآرب ؟

﴿ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى ﴾

أيضاً باللقاء طمع هذا النبي الكريم أكثر من أن يقول له يا رب هي عصاي ، فاسترسل في الحديث ، يبدو أن الإنسان إذا اتصل بالله عز وجل ذاق سعادة لا توصف ، لأنه كلما خلقه الله عز وجل من أشياء جميلة هي مسحة من جمال الله عز وجل .

(( إن الله جميل يحب الجمال ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]

أي أجمل شيء بالحياة أن تنعقد صلتك بالله عز وجل ، أجمل شيء بالحياة أن تبكي في الصلاة ، أجمل شيء في الحياة أن تبكي أثناء الطواف ، أثناء السعي .

أعظم ما في هذا الدين الاتصال بالله عز وجل :

أيها الأخوة :

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لـــما وليت عنا لغيرنا
و لــو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
ولـــو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحـبنا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـــة لمت غريباً و اشتياقاً لقربنـــا
***

أعظم ما في هذا الدين الاتصال بالله ، أما كدين ، كثقافة ، كمعلومات ، كأفكار ، كنصوص ، كأدلة ، شيء جيد ، لكن لا يروي الغليل ، لا يروى غليلك إلا إذا اتصلت بالله عز وجل ، فلما رأى أن الجبل قد دكّ ،

﴿ وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً ﴾

لأنه لم يتصور أن هذا الجبل الكبير لأن الله تجلى عليه أصبح على مستوى الأرض .

الجنة ثمنها في الدنيا طاعة الله عز وجل :

الآن هناك شيء يحتاج إلى تفصيل ، يعني أنت تستيقظ في الليل والظلام دامس تمشي في الغرفة ، إذا شيء أقل منك تدوسه ، وتكسره ، وإذا شيء أكبر منك كالحائط يكسرك ، إما أن تكسر أو أن تُكسر ، ما دام لا يوجد ضوء .
لذلك يضعون إضاءة خافتة لا تفسد عليك النوم ، لكن لو استيقظت ترى الطريق هذه الإضاءة الخافتة لا تحتمل التيار العالي ، يوضع لها محول صغير ، هذا المحول يوفق بين التيار الشديد ، وبين الإضاءة الخافتة .
هكذا قال بعض العلماء : لذلك الملك هو المحول ، يتلقى من الله الوحي ، ويقدمه للنبي ملطفاً ، محتملاً .
فالله عز وجل كلم موسى من وراء حجاب ، وأنزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق جبريل ، هذه بعض الحقائق المتعلقة بعمل الملائكة ، الملائكة أقرب إلينا من رؤية الله عز وجل ، شيء فوق طاقة البشر .
لذلك في الدنيا لن نرى الله ، إنك

﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾

لن على التأبيد ، على تأبيد الدنيا لكن في الآخرة :

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

( سورة القيامة )

وفي بعض الآثار أن المؤمن إذا نظر إلى وجه الله الكريم يغيب خمسين ألف عام من نشوة النظرة ،

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

هذه الجنة التي عرضها السماوات والأرض والتي فيها :

(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

هذه الجنة ثمنها في الدنيا طاعة الله عز وجل .

الله عز وجل اصطفى سيدنا موسى مرتين مرة بالكلام و مرة بالرسالة :

أيها الأخوة ، سيدنا موسى لما رأى الذي رآه

﴿ وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

أي لن أسألك مرة ثانية مثل هذا السؤال ، فالله عز وجل تحبباً به أراه أن هذا الجبل دُك دكاً حينما تجلى الله عليه ، أنت من لحم ودم .
إذاً

﴿ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾

لن أسالك مثل هذا السؤال مرة ثانية

﴿ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

الآن الله عز وجل طَيَب قلبه ، طمع إلى شيء فوق ما هو فيه ، طمع فوق أن الله كلمه ، طمع أن يرى الله ، كأن الله عز وجل يقول له :

﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

الرسل جميعاً اصطفاهم الله عز وجل برسالة ، لكنك يا موسى اصطفيتك مرتين مرة بالرسالة ، ومرة بالكلام .

من قَبِل حمل الأمانة سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه :

﴿ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

هذه آية دقيقة جداً ، أي نحن جميعاً لأننا من بني البشر فقد قبلنا حمل الأمانة ، والذي قبل حمل الأمانة سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه ، هذا التسخير هذا يعني أن المسخر له أكرم عند الله من المسخر ، مهمتنا شيئان فقط .

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة الزمر )

العبادة

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

مهمتك أن تعبده ، وعلى الله الباقي مهمتك أن تعبده وإذا عبدته جاءك الخير من كل مكان .

(( استقيموا ولن تُحْصُوا ))

[أخرجه الحاكم عن ثوبان ]

الخير ، فنحن كبني البشر عندنا مهمتان ، أن نعبده ، وحينما نعبده يأتي الخير بعدها نشكره ، سيدنا موسى ، قال :

﴿ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

هذه نصيحة قرآنية

﴿ فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ ﴾

نفذ الأوامر

﴿ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

فنحن لأننا من بني البشر الله عز وجل كرمنا ، وميزنا وسخر لنا ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه ، فعلينا أن نعبده وأن نشكره .
أيها الأخوة ، هذه القصة لها دلالات كبيرة جداً أن الإنسان يسعد أيما سعادة إذا اتصل بالله عز وجل ، نحن متاح لنا أن نصلي خمس صلوات ، متاح لك أن تصوم رمضان ، متاح لك أن تشكره ، متاح لك أن تقرأ القرآن ، متاح لك أن تتصل به ، وأسباب هذا الاتصال الاستقامة على أمر الله أولاً ، والأعمال الصالحة ثانياً .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS