29542
العقيدة - العقيدة والإعجاز - الدرس (05-36) مقومات التكليف : الكون -1- الكون طريق إلى معرفة الله
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2007-06-24
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، مع دروس العقيدة والإعجاز، ومع الدرس الخامس.

مقدمة تذكيرية:

أيها الإخوة، في دروس سابقة بينت لكم أن الإنسان هو المخلوق الأول رتبة، ولأنه قبل حمل الأمانة سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، وقد كلف أن يعبد الله، وما كلفه الله أن يعبده إلا بعد أن أعطاه المقومات، وتحدثت في لقاء سابق عن هذه المقومات بشكل مجمل، تحدثت عن الكون، وعن العقل، وعن الفطرة، وعن الشهوة، وعن حرية الاختيار، وعن الوقت الذي هو غلاف العمل، الآن بدأنا بالمقومات تفصيلاً، ويقع على رأس هذه المقومات الكون.

الكون لا يختلف فيه شخصان مهما اختلفت ديانتهما:

الشمس من الآيات الدالة على عظمة الله
أيها الإخوة، أريد أن أضعكم في صورة دقيقة، الكون هو الثابت الأول، شمس لا يستطيع أن ينكرها أحد، مسلم، غير مسلم، منافق، مستقيم، غير مستقيم، علماني، ملحد، الشمس وجودها صارخ، وفيها حقائق يخضع لها الإنسان، ومن خمسة آلاف مليون عام هي متقدة، وإلى خمسة آلاف مليون عام أخرى بتقدير العلماء متقدة، حجمها يكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، ألسنة اللهب التي تخرج منها تزيد على مليون كيلو متر، الحرارة على سطحها ستة آلاف درجة، في باطنها عشرون مليون درجة، لو ألقيت الأرض فيها لتبخرت في ثانية واحدة.
يخضع لهذه الحقائق المسلم وغير المسلم، والكافر والملحد والعلماني، إن أردت شيئاً يعد في الدين أكبر شيء ثابت فهو الكون، لأن الكون مظهر لعظمة الله، يشفّ عن أسماء الله الحسنى، ومن خلال الكون ترى قدرة الله، من خلال الكون ترى رحمة الله، من خلال الكون ترى لطف الله عز وجل، فلذلك لو أن الإنسان تاه في الخلافيات، كل يدعي وصلاً بليلى، كل يدعي أنه على حق، هذا الكون الذي سخره الله للإنسان تسخير تعريف وتكريم، هو الشيء الثابت الأول، من ينكر الشمس ؟ من ينكر القمر والليل والنهار والأرض والجبال والوديان والأنهار والبحيرات والبحار والأطيار والأسماك والنباتات ؟ وخلق الإنسان ؟ فإذا أردت أن تجول جولة، وترجع، وقد امتلأ قلبك بالإيمان، إن أردت أن تبتعد عن كل هذه الخلافيات في الأرض فحسبكم الكون معجزة، في كل شيء في الكون يدل على الله،

وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
***

أيها الإخوة، عنوان هذا اللقاء الخامس هو الكون، ويحتاج إلى عدة لقاءات.

بالكون تعرف الله:

أيها الإخوة، أنت بالكون تعرف الله، لذلك افتح القرآن الكريم، وتتبع السور المكية، قال تعالى:

﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) ﴾

[ سورة الفجر ]

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)﴾

[ سورة الشمس ]

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾

[ سورة الشمس ]

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[ سورة يونس ]

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾

[ سورة عبس ]

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾

[ سورة الطارق ]

هذه السور المكية طافحة بالآيات الكونية، لماذا ؟ لأن طريق معرفة الله التفكر في خلق السماوات والأرض والدليل، قال تعالى:

﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة الأعراف ]

لا طريق إلى الإيمان إلا في التفكر في خلق السماوات والأرض، لذلك قال تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72)﴾

[ سورة الأحزاب ]

هل كان ظلوماً جهولاً بحمل الأمانة ؟ إذا حملها ووفاها حقها فليس ظلوماً، ولا جهولا.

الكون مسخر للإنسان تسخيرين:

فلينظر الإنسان مم خلق
الكون إذاً مسخر للإنسان تسخيرين، تسخير تعريف، وتسخير تكريم، والكلام دقيق جداً، أيّ شيء أمامك، كأس الماء، ابنك الذي أمامك، زوجتك، الطعام الذي أمامك، الجبل الذي أمامك، الوردة التي أمامك، أي شيء في الكون مسخر لك أيها الإنسان، أي شيء، ومسخر لك تسخيرين، تسخير تعريف وتسخير تكريم، فأنت تعرف الله من خلال الشمس والقمر، والليل والنهار، والنجوم والمجرات، والأبراج والكازارات، والمذنبات، وتعرف الله من الجبال والأنهار، والبحار والأطيار، من طعامك، من ابنك الذي أمامك، وتعلم علم اليقين كيف كان خلية واحدة لقحت خلية ثانية، فإذا هو طفل كامل النمو، يتكلم، ويفكر له عينان، وله أذنان، وله أنف، وهيكل عظمي، وعضلات، وجلد، وجهاز هضم، وجهاز قلب ودوران، وجهاز عصبي، وجهاز إفراز، وكليتان، وشعر جسمك آية.
حينما يتيه الناس، ويخوضون في خلافيات لا تنتهي فالثابت الأول الذي يشف عن عظمة الله، عن وجوده، وعن وحدانيته، وعن كماله، موجود، وواحد، وكامل، هو الكون، لذلك قال تعالى:

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[ سورة يونس ]

ما موقفك من آيات الأمر والنهي:

أيها الإخوة، كلام دقيق أتمنى أن يكون واضحاً لديكم، حينما تقرأ القرآن، وهو كلام الواحد الديان، تقرأ آية فيها أمر، ماذا ينبغي أن تفعل ؟ أن تأتمر، هذا القرآن كلام خالق الأكوان، مستحيل أن تقرأه دون أن يكون لك مهمة في أثناء قراءته، دون أن يكون لك موقف، تقرأ آية فيها أمر، قال تعالى:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

[ سورة النور ]

ما الفعل الذي ينبغي أن تفعله إذا قرأت آية فيها أمر ؟ الجواب أن تأتمر، قال تعالى:

﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾

[ سورة الحجرات ]

وما موقفك إذا قرأت آية فيها نهي ؟ الموقف أن تنتهي، وما الموقف إذا قرأت آية فيها وصف للجنة ونعيمها، والنار وعذابها ؟ أن تسعى إلى الجنة، وأن تتقي النار ولو بشق تمرة، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾

[ سورة الحاقة ]

﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)﴾

[ سورة الحاقة ]

ما الموقف الذي ينبغي أن تقفه ؟ أن أسعى إلى الجنة، وأن أتقي النار، وإذا قرأت آية عن هلاك الأمم السابقين، قال تعالى:

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾

[ سورة الأنعام ]

ينبغي أن تتعظ.

ما موقفك من الآيات الكونية؟

ملخص كلامي: ما من آية تقرأها إلا وينبغي أن تقف منها موقفاً، فإذا قرأت ألف آية كونية ما الموقف الذي ينبغي أن تقفه من هذه الآيات ؟ أن تتفكر في هذه الآيات، إذاً: حينما تقرأ القرآن، وتمر بآية كونية هذا منهجك في التفكر من أجل أن تعرف الله، الله عز وجل لا تدركه الأبصار، مستحيل، قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾

[ سورة الأعراف ]

إذاً: مستحيل وألف ألف مستحيل أن نرى الله في الدنيا، لكن عقولنا يمكن أن تصل إليه، فالكون مسخر لنا تسخيرين، تسخير تعريف وتسخير تكريم.

موقف الإنسان من تسخير الكون تعريفاً وتكريماً:

دقق، لو أن إنسانا قدم لك هدية، جهاز هاتف متطور جداً، معه ذواكر، معه إجابة آلية، كأنه موظف عندك، يقول لك: من بلغك في أي ساعة، وترك رسالة، ويعطيك إشارة للرسالة، واحد قدم لك هذا الجهاز، وهو من اختراعه، ما الذي ينشأ عندك ؟ جاءك هذا الجهاز هدية، ثم هو من اختراع المهدي، ينشأ عندك شعوران، الأول تعظيم هذا الإنجاز العلمي، والثاني الامتنان ممن قدمه لك، لأن الله سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض تسخير تعريف وتكريم، فرد فعل التعريف أن تؤمن، ورد فعل التكريم أن تشكر، دقق فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك، الآن استمع إلى هذه الآية:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

[ سورة النساء ]

لمجرد أن تؤمن، وأن تشكر فقد حقت الهدف من وجودك، عندئذ تتوقف المعالجات، كيف ؟
إنسان توقفت كليته، الطبيب صورها، فإذا هي معطلة، قال له: بد من استئصالها، الموعد بعد أسبوعين، خطر لهذا الطبيب خاطر، أن يعيد التصوير قبل العملية، أعاد التصوير، فإذا هي تعمل فهل يتابع العملية ؟ لمجرد أن تؤمن الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، ولمجرد أن تشكر فقد حققت الهدف من وجودك، وعندئذ تتوقف كل أنواع المعالجات، دقق:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

[ سورة النساء ]

المرض يذكّر الإنسان بالله
أيحب أن يعذبنا ؟ أيحب أن يفقرنا ؟ أيحب أن يمرضنا ؟ مستحيل، هو غني عن تعذيبنا.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:

(( يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[أخرجه مسلم]

أقول لكم: الكون بسماواته وأرضه، بكل ما فيه مظهر لوجود الله ووحدانيته، وكماله، ومظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، هذا الكون هو الثابت الأول في العقيدة، لو تاه الناس، لو شرد الناس، لو اختلف الناس، لو تمزق الناس، لو تراشقوا تهم التكفير، فهناك شيء ثابت، أن هذا الكون يدل على الله، لذلك قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

[ سورة آل عمران ]

هو الثابت الأول، وقد سخر لنا لأننا قبلنا حمل الأمانة، قال تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

[ سورة الأحزاب ]

لأننا قبلنا حمل الأمانة كانت المكافأة لنا أن سخر لنا ما في السماوات، وما الأرض جميعاً منه تسخير تعريف وتسخير تكريم، رد فعل التعريف أن تؤمن، ورد فعل التكريم أن تشكر، فإذا آمنت الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، وشكرت النعم التي أفاضها الله عليك فقد حققت الهدف الأكبر من وجودك.

تسخير التعريف:

الآن إلى بعض التفاصيل، تعريف وتكريم، يعني القمر ننتفع به، القمر تقويم في السماء، قبل الساعات وقبل التقاويم أول يوم ثاني يوم ثالث يوم رابع يوم أربعة عشر بدر، قال تعالى:

﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة يونس ]

تقويم ننتفع به، وآية تدلنا على الله، أي الوظائف أكبر ؟ مهمة التعريف أكبر بكثير، الوظيفة الكبرى أن تعرف الله من خلاله، والوظيفة الثانية أن تنتفع به في الدنيا.

الغرب استفاد من الجانب الوظيفي للكون:

الغرب استمتع بالدنيا إلى الحد الأقصى
بالمناسبة، العالم الغربي حقق الوظيفة الثانية بشكل معجز، انتفع من الدنيا، واستمتع بها من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، والمؤمنون يجب أن ينتفعوا من الوظيفة الأولى، أن يتعرفوا إلى الله، ولا يمنع أن يضموا إلى أنهم تعرفوا إلى الله من خلال هذا الكون أن ينتفعوا به، هم مقصرون، لذلك هناك علم بخلقه، هو أصل في صلاح الدنيا، وعلم بأمره، أصل في طاعة الله، وعلم به، لذلك المؤمنون يجب أن ينتفعوا بالمهمة الكبرى لهذا الكون، وأن ينتفعوا أيضاً في دنياهم به، أما الذين شردوا عن الله أخذوا الوظيفة الثانية فقط.
للتوضيح: رجلٌ فقير جداً دخله لا يسمح له أن يشتري به لعقة عسل، ورجلٌ آخر ما ذاق العسل في حياته، فقير، لكن درس، ووقع تحت يده كتاب عن العسل، قرأه فهطلت دموعه، معقول، فيه شفاء للناس، صيدلية كاملة، كتاب مفصل، بحث مطول عن العسل، وعن فوائده، والآيات، فسجد لله شكراً له على هذه المعرفة التي امتن الله بها عليه، دقق، هذا الفقير الذي ما أتيح له أن يلعق لعقة عسل واحدة حقق الهدف الأكبر من خلق العسل الأكبر، وإنسان بالتعبير الدارج شبع من العسل، وما تفكر في هذا العطاء الكبير، عطل أكبر هدف من أهداف خلقه.
أحيانا إنسان يمشي في الطريق أمام بائع ورود، حياته، ونمط حياته، ودخله لا يسمح له أن يقتني ورودًا للمناسبات فقط، وهناك أشخاص أغنياء جداً، الورد جزء أساسي في حياتهم، دائماً عندهم باقات ورد، الفقراء ما عندهم هذه الإمكانية، لكن لو مر فقير أمام بائع ورد، وشاهد الزنبق، وشاهد ألوان، شاهد الروائح، فخشع لله، فقد حقق الهدف من وجوده، مع أنه لم يقتن الورد.

لا بد من خرق النعمة إلى المنعم:

أنا أتمنى عليكم أن لا يكون الإنسان كالدابة تأكل وتشرب، ولا تعرف ربها، البطولة أن تخرق النعمة على المنعم أن يخشع قلبك من هذه النعم.
والله أيها الإخوة، يقولون: شدة القرب حجاب، أنت تستيقظ، وتفرغ ما عندك من أذى، هذه نعمة كبيرة جداً، كان عليه الصلاة والسلام يقول: الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، يا رب لك الحمد، أذقتني لذة الطعام، ما أخذ السيروم، وأبقيت في قوته، شعرت بنشاط، وأذهبت عني أذاه، الطرق كلها سالكة، لن تكون مؤمناً كما أرادك الله إلا إذا عرفت نعمه.
تنام النوم من نعم الله الكبرى، تنام ملأ العين، تتباعد الأعصاب، تنقطع السيالة العصبية، تبتعد عن العالم، كل هذا التعب يذهب عنك، تستيقظ كالحصان، هل تقول: الحمد لله الذي أحيانا بعد أن أماتنا وإليه النشور ؟
بطولتك كمؤمن أن تخرق النعمة إلى المنعم، بينما أهل الدنيا بقوا في النعمة، واستمتعوا بها، ولم يعرفوا المنعم.
تصور لو دخلت إلى بيت، ووجدت طعاما نفيسا جداً، أكل مثل الوحش، ثم خرج، هذا الذي دعاك صاحب البيت قل له: شكراً، جزاك الله خيراً، الطعام طيب، أكرمتنا، بالغت في إكرامنا، معقول لإنسان يستمتع بالدنيا استمتاع البهائم، وبالتعبير ؟ يستمتع ويستعلي، يستمتع ويسب الدين، يستمتع ويحتقر الناس، يستمتع ويسخر الناس لشهواته، هذا وحش، لذلك إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب، إرسالك بي إلى النار أهون علي مما ألقى.
حينما يكشف الإنسان لؤمه تنعم بهذا الكون، تنعم بزوجة، بأولاد، أكل طيب، الطعام، وهو لا يصلي، ولا يعرف الله، ويؤذي عباد الله، الله عز وجل يعجب من صبرهم على العذاب، قال تعالى:

﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾

[ سورة البقرة ]

فلا بد من أن تخرق النعمة إلى المنعم، أن تشكر الله، إنسان أكل فشبع، الحمد لله، سيدنا عمر عنده ضيف من أذربيجان قال: يا أم عبد الله، ما عندك من طعام ؟ قالت: والله ما عندنا إلا خبز وملح، قال: هاته لنا، أكل وشرب، وقال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا.
ألاحظ الآن قبل الطعام العصير، وبعد ذلك مقبلات وسلطات، وفتات، وحساء، وبعد ذلك لون أول، ثم لون ثان، أكلة رز، أكلة خضار، لحومات مشوية، ثم فواكه، وحلويات، وهوة، يأكل ويرفس.
أيها الإخوة، قضية مهمة جداً أن تعرف المنعم، عندك بيت، مأوى، كان النبي الكريم يقول: الحمد لله الذي آواني، وكم من مما لا مأوى له.
عندك مفتاح بيت، تدخل إلى بيتك، تنام، تغتسل، تأكل، زوجتك أمامك، أولادك أمامك، لا يهم، كبير البيت كبير صغير، هذا بيت مؤقت، اقرءوا النعوات، وسيشيع إلى مثواه الأخير، يكون ثمن البيت مئة وثمانين مليونًا، آخرته إلى مقبرة باب صغير، تصور مترًا ونصفًا بنصف متر من التراب.
والله قبل فترة توفي إنسان، فكنت في التشييع، لاحظت البلاطة أضيق من الحفرة بعشرة سنتمترات، حفار القبر وضع أحجارا لا على التعيين بهذه الفراغات، وردم التراب، أنا تصورت أنه نزل فوق الميت كيلوين من التراب، وكان الميت رجلا كثير النظافة جداً، وأنيقًا جداً، هذه الحياة، فلذلك الإنسان قبل أن يغادر الدنيا هل عرف الله ؟ هل شكره ؟ كان تعظم عند النبي النعمة مهما دقت.
هذا الكأس يا أيها الإخوة، كلام دقيق جداً، وزير سأل ملكًا، هارون الرشيد، قال: يا أمير المؤمنين، بكم تشتري هذا الكأس من الماء إذا منِعت عنك ؟ قال: بنصف ملكي، قال: فإذا منع إخراجه ؟ قال: بنصفي ملكي الآخر.
مرة توفي ملك، قلت في الدرس، هذا الملك عرض عليه أن يعمل في قصره ضارب آلة كاتبة على أن يشفى من مرضه الخبيث، ويتخلى عن ملكه، كان ملكًا فصار ضارب آلة كاتبة بقصره، والله لا يتردد لحظة أن يشفى من مرضه الخبيث، وأن يعمل موظفًا صغيرًا في قصره، الذي عنده صحة، حواسه كاملة، أجهزته كاملة، حركته جيدة، ما عنده مرض عضال، أنا أقول دائماً يا أيها الأخوة،

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

[الترمذي عن عبد الله بن محصن ].

بحذافيرها.
سأل ملك وزيره: من الملك ؟ قال: أنت، قال: لا الملك، رجل لا نعرفه، ولا يعرفنا، له بيت يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا، وإنا إن عرفناه جهدنا في إحراجه.
فيا أيها الإخوة، أهم نقطة في الدرس ؛ أن الله سخر لنا هذا الكون تسخير تعريف وتكريم، موقفك من التعريف أن تؤمن، وموقفك من التكريم أن تشكر، وحينما تؤمن وتشكر تكون قد حققت الهدف من وجودك، وعندئذ تتوقف جميع المعالجات، قال تعالى:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾

[ سورة الشورى ]

(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))

[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ].

((إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[أخرجه مسلم]

لابد للدعوة من العلم بالآيات الكونية:

إذاً، الكون الثابت الأول، مهما اختلف الناس، وتمزق الناس، وتراشق الناس التهم، كل يدعي وصلاً بليلى، كل يدعي أنه على حق، هذا الكون هو الثابت الأول، يخضع المسلم وغير المسلم، والعبقري وغير العبقري، والملحد والعلماني، شيء ثابت، لذلك الآن لا تنجح الدعوة إلا إذا اعتمدت على العلم، لأن العلم تطأطأ له الرؤوس جميعاً.
اطرح أي موضوع بمجتمع لا تعرفه، تقوم الدنيا عليك ولا تقعد، اطرح أي موضوع في الدين، قل لهم: الربا حرام، من قال ذلك ؟ المال لا يجمد، قل لهم: هذا حرام، هذه حرية، أي موضوع اطرحه الآن مع مجتمع لا تعرف طبعاً تجد معارضة شديدة، أما قل لهم: الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، وبين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وهناك نجم ببرج العقرب اسمه قلب العقرب، يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، معقول، ما تفلسف، سكتوا، ما هذا، يقول: لا إله إلا الله.
أنا الآن لا أرى من طريق للدعوة إلى الله أقوى من أن تأتي بالآيات الكونية التي تخضع لها الرقاب، فلذلك الكون أكبر ثابت في الإيمان، ويمكن هذا الكون إذا تفكرت فيه كما أمرك الله أن يمتلأ قلبك إيماناً بالله، وتعظيماً له.

مراتب النظر في الآيات القرآنية والكونية والتكوينية:

التفكر في آيات الله التكوينية
بالمناسبة، أيها الإخوة، الله عز وجل له آيات كونية، هذا الكون، وله آيات تكوينية، أفعاله، البراكين، الزلازل، الصواعق، الفيضانات، الأعاصير، الجو المعتدل، الأمطار المعتدلة، له آيات كونية، خلقه، وله آيات تكوينية، أفعاله، وله آيات قرآنية، كلامه، فأنت إذا أردت أن تعرفه عليك أن تتفكر في آياته الكونية تفكراً، وأن تنظر في آياته التكوينية، قال تعالى:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)﴾

[ سورة الأنعام ]

وأن تتدبر آياته القرآنية من أجل أن تعرفه، ينبغي أن تتفكر في آياته الكونية، وأن تنظر في آياته التكوينية، وأن تتدبر آياته القرآنية، هذه طرق معرفة الله عز وجل، لكن لا بد من تنويه دقيق جداً، أنه ينبغي أن تبدأ بآياته الكونية، وينبغي أن تثني بآياته القرآنية، القرآن يضيء لك، واجعل آياته التكوينية المرحلة الثالثة، لو بدأت بها فهي حقل ألغام، ترى شعوبًا غارقة في المعاصي والآثام غنية جداً، مستقرة جداً، وشعوبًا تعاني ما تعاني، وهي مسلمة، فأنت ما عندك إمكان أن تفهم حكمة الله إلا بحالة واحدة مستحيلة، أن يكون لك علم كعلم الله، قال تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) ﴾

[ سورة القصص ]

أنت ما عندك إمكان أن تكشف حكمة الله إلا بحالة مستحيلة، أن يكون لك علم كعلمه، لذلك أنا أفضل أن ترجئ النظر في آياته التكوينية إلى المرحلة الثالثة، أما التفكر في خلقه فواضح جداً، كلما ازددت تفكراً ازددت يقيناً بأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، أما أفعاله فتحتاج إلى تريث قليلاً.
مثلاً: أنت تستمع إلى معلم درس رائع جداً، فضرب طالبًا، إذا كنت طفلا صغيرا فإنك تقول: هذا الأستاذ ظالم، إذا كنت زميله، هذا الطفل ابنه، وفيه تقصير شديد فضربه، لأنك قريب منه تعرف حكمته، فأنا أتمنى على الإنسان أن يبدأ بالتفكر في خلق السماوات والأرض، ويثني بتدبر القرآن الكريم، وفي النهاية ينظر بأفعاله.
مثلاً: قد تنشأ مشكلة كبيرة في مجتمع، حرب أهلية، يمكن أن تفهما فهمًا.
أنا أذكر مرة أني كنت ماشيًا في الطريق، استوقفني إنسان، قال لي: إذا جاء إنسان إلى عمله، وفتح محله التجاري، وسمع إطلاق رصاص، ومد رأسه، فجاءت رصاصة في عموده الفقري فانشل فوراً، قال لي: ما ذنب هذا ؟ كنت أمشي في أحد أسواق دمشق، وخرج إنسان من محله التجاري فاعترضني، وقال: أنت خطيب، وقال: أليس العمل عبادة ؟ قلت: نعم، قال: ما ذنبه ؟ قلت: لا أعلم.
والله أيها الإخوة، أخ كريم من إخواننا بعد عشرين يومًا يمشي معي يحدثني، قال لي: لنا جار ساكن في الطابق الذي فوقنا مغتصب بيتًا لأولاد أخيه الأيتام، وخلال سنوات طويلة يرفض أن يعطيهم البيت، وهو بيتهم، وهم في أمسّ الحاجة إليه، واشتكوا عليه لأحد علماء دمشق من حي الميدان، فاستدعاه العالم، ورفض أشد الرفض، فالتفت هذا العالم ـ توفي رحمه الله ـ كان شيخ القراء، فخاطب الأولاد، أن هذا عمكم، ولا يليق بكم أن تشتكوا عليه، اشكوه لله، هذا الكلام كان الساعة التاسعة مساءً، الساعة التاسعة صباحاً كان مشلولا.
القصة من آخر فصل لا معنى لها، إنسان بريء، جاء ليفتح محله التجاري حتى يكسب رزق أولاده، سمع إطلاق رصاص، مد رأسه، فجاءت رصاصة في عموده الفقري، فانشل فوراً.
أنا لا أعلم إلا أن يعلمك إنسان، لما عرفت الفصل الأول توضح الأمر.
أفعاله الله التكوينية لا تتمكن أن تفهمها بسهولة فسلّم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، هناك حكمة بالغة.
لذلك أيها الإخوة، عندنا آيات كونية، وآيات تكوينية، وآيات قرآنية، الآيات الكونية يجب أن تتفكر فيها، الدليل:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

[ سورة آل عمران ]

هذه الكونية التكوينية، قال تعالى:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[ سورة الأنعام ]

حدثني أخ قال: أنا محام، وكنت في دعوى، وجئت بشاهد كاذب، وكلف أن يدلي بشهادة، وقبلها، عليه أن يحلف اليمين، وأن يضع يده على المصحف، والموضوع في فيلا قيمتها خمسون مليونًا، يمكن أن تغتصب عن طريق هذا الشاهد الكاذب، وشهد، وضع يده على المصحف، وأقسم بالله أن يقول الحق، ولم يقل الحق، قال الكذب، قال: والله أمامي رفع يده، أمسك طرف الطاولة، أقسم، ورفع يده، بقي واقفًا هكذا، انزعج القاضي، قال له: أنزل يدك، كان ميتًا، لما ضعفت يده وقع، قال: والله أمامي، قال تعالى:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[ سورة الأنعام ]

لكن بالمناسبة، أتمنى عليكم من أعماقي أن تنتبهوا إلى هذه الفكرة، يمكن أن تسمع ألف قصة من آخر فصل، ما لها معنى أبداً، بل مشوشة، لكن يمكن بحسب علاقاتك المعينة أن يكون عندك خمس قصص تعرفها من أول فصل، والله ينبغي أن تسجد لله لعدله، عدل مطلق، لكن نحن مشكلتنا كل شيء نسمعه من آخر فصل، وهو كلام ليس له معنى، سلم إلى الله، سلم إلى عدالته، إلى رحمته، ولا يظلم ربك أحدا.
أيها الإخوة الكرام، كلمة، وما كان الله ليظلمهم، هذه صياغة في اللغة اسمها نفي الشأن، وعندنا حالة اسمها نفي الحدث، وعندنا نفي الشأن، لو أن واحدًا سأل شخصًا، قال: هل أنت جائع، يقول له: لا، نفى حدث الجوع، لو قال له: هل أنت سارق ؟ وهو إنسان محترم جداً، هل يقول له: لا، فقط، ليس معقولا، يقول له: ما كان لي أن أسرق، يعني هذا الشيء خلاف طبيعتي، وخلاف مبادئي، وخلاف قيمي، ولا أرضى به، ولا أقره، وأعنف عليه، وأرفضه، وأحتقر فاعله، هذا اسمه نفي الشأن، صيغة نفي الشأن، وما كان الله، قال: ليظلمهم، مستحيل وألف ألف مستحيل أن يُظلم الإنسان، قال تعالى:

﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾

[ سورة غافر ]

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾

[ سورة الزلزلة]

﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾

[ سورة الروم]

﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾

[ سورة الأنبياء]

مرة أخ من إخواننا في لبنان في أثناء أحداث لبنان بالثمانينات، انتقل إلى الشام، وسكن بالشام، ركب في السيارة فوقع في حادث، هو سببه، والحادث سبب ضررا لسيارة ثانية، فأنا توقعت صاحب السيارة أن ينزل من سيارته غاضبًا، وصوته عالٍ، شيء عجيب جداً، نظر إليه، المركبة لبنانية، قال له: مسامح، ورجل منعم لا يفرح إذا وفر ألفين ليرة، لكن شاهدته بكي، رأيت دمعة هطلت من عينه، سألته: ما السبب لأن تبكي ؟ قال: لا والله، أنا منذ سنتين إنسان سوري معه أهله محجبات ضربني بالسيارة، ما أحببت أن أفسد عليه النزهة، قلت له: مسامح.
لو تدقق لوجدت شيئا تقشعر له الأبدان، لكن مشكلتنا كل واحد منا معه ألف قصة من آخر فصل، ما لها معنى، هذا مرض خبيث، هذا حادث، أنت لا تعلم، ولكن الله يعلم، سلم.
لذلك نبدأ بالآيات الكونية، نثني بالآيات القرآنية، ثم تكشف لنا بعض الحقائق في أفعاله التكوينية.
هذا المحامي ذكر لي قصة ثانية، قال: أنا شهدت قرارًا بإعدام إنسان قاتل، وأنا كنت وكيله، قال له القاضي، بلغه، قال لي: بلغته، قال له: أنت قاتله ؟ قال: لا، أنا ما قتلته، إعدامه بعد أيام، رغب أن يحضر إعدامه قبل أن يضعوا الحبل برقبته، قال له: الآن كل شيء ذهب، وانتهى، وأنا سوف أشنق هذا القاتل، ما قتلته أنا، القاتل غيره، منذ ثلاثين عامًا، كان رئيس مخفر وجاء ضابط فرنسي أعطاه إنسانًا ليعدم، وضعه في الإسطبل، وهرب، فجاء بإنسان بدوي وضعه محله، وأعدموه ثاني يوم منذ ثلاثين سنة.
إذا دققت وجدت الشيء الذي تقشعر منه الأبدان، أما إذا ما دققت ترى شعوبًا مسلمة تضطهد، تحتل أراضيها، قتل، كما ترون، ما نستطيع نحن أن نفهم إلا إذا أعلمنا الله عز وجل، قال تعالى:

﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾

[ سورة الروم]

حكمة إلهية، قد تكون ترقية، قال تعالى:

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾

[ سورة القصص]

هذا ليس من شأنك، هذا من شأن الله، دعك من هذا كله، فلذلك عندنا آيات كونية نتفكر بها، آيات تكوينية نرجئها للمرحلة الثالثة، آيات قرآنية نتدبرها، قال تعالى:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾

[ سورة محمد]

خاتمة:

أيها الإخوة الكرام، طرق معرفة الله آياته الكونية، وآياته التكوينية، وآياته القرآنية، وفي كل هذه الآيات ما يكفي لمعرفته ولمحبته، لذلك ورد في بعض الآثار القدسية: يا رب، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، و أحب من أحبني، و حببني إلى خلقي، قال: يا رب، إنك تعلم أني أحبك، و أحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي، أي ذكرهم بآلائي كي يعظموني التفكر، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني.
إذاً: لا بد أن يكون في قلب المؤمن تعظيم لله، ومحبة له، وخوف منه، تعظيم من خلال آياته، ومحبة من خلال نعمه، وخوف من خلال بلائه.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS