1474
تفسير القرآن الكريم المرئي - سورة المطففين 83 - الدرس ( 1 ) : تفسير الآية 1 ، التحذير من سوء التعامل بين المؤمنين ، أنواع الغش بلا استثناء تدخل تحت كلمة المطففين .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2016-06-30
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات .

الويل لمن أعطى إنساناً أقل من حقه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الشيء الذي هو معلوم لديكم أن هذا القرآن الكريم بعضه آيات مكية ، وبعضه آيات مدنية ، والآيات المكية تتحدث عن الإله العظيم ، و عن اليوم الآخر ، ترسيخاً لقواعد الإيمان و، الآيات المدنية أتت للتشريع ، فلذلك هذا الجزء الأخير من القرآن الكريم كله آيات مكية ، تؤكد حقيقة الدين ، وتؤكد مصير هذا الإنسان إلى يوم آخر تسوى فيه الحسابات ، فإذا قرأنا هذه السور النبأ والنازعات والفجر والضحى كلها آيات كونية ، سياق هذه الآيات آيات كونية ، وتعريف بالإله العظيم ، ويقين باليوم الآخر ، إلا أننا نفاجأ بأن هذه السورة سورة المطففين سورة تخرج عن السياق العام ؛ إيمان بالله ، باليوم الآخر ، الحساب ، يوم الدين، العذاب ، فإذا بالآيات تأتي على شكل آخر :

﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين﴾

[سورة المطففين:1]

 جزئية تعاملية بين الناس ، من آياتً كونيةً عملاقة ، آيات تتحدث عن اليوم الآخر ، إلى جزئية في التعامل بين المؤمنين :

﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين﴾

[سورة المطففين:1]

 استنبط العلماء استنباطاً رائعاً هو أنك إذا طففت أي قللت من حق إنسان ويل لك، هلاك لك ، مصير سوداوي لك ، مصير في اليوم الآخر ، إذا قصرت في حق إنسان كائناً من كان فأنت مطفف ، والآية تقول :

﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين﴾

[سورة المطففين:1]

 هذا الذي يلفت النظر ، والويل هو الهلاك ، المعنى الدقيق أنك إذا قصرت في حق مخلوق وقد يكون دونك فالويل لك ، فكيف إذا قصرت في حق رب العالمين ؟ خالق السموات والأرض ؟ موجد هذا الإنسان ؟ هنا الملمح الدقيق في هذه السورة ، فكما أن إنكار الوجود وعدم طاعة الوجود الإلهي عدم الالتزام بالأمر والنهي هلاك ، وإذا قصرت في حق الإنسان فهو هلاك أيضاً ، هذا ينضوي في بعض القواعد الفقهية من باب أولى ، إذا كنت ستحاسب عن التقصير في حق إنسان من جلدتك ، إنسان أقل منك فالويل لك ، فكيف إذا قصرت بحق خالق السموات والأرض ؟ إذاً كلمة ويل تعني الهلاك ، تعني الدمار ، تعني الشقاء ، تعني الإحباط ، تعني الخيبة ، كل هذه المعاني تنطوي تحت كلمة ويل ، ويل لك .
 وعند بعض العلماء الويل واد في جهنم عميق جداً ، على كل هذا كلام خالق السموات والأرض ، هذا كلام رب العالمين ، كلام الذي أوجدنا ، وكلام الذي سيحيينا بعد أن نموت ، وكلام الذي وعدنا بالجنة لمن أطاعه ، وبالنار لمن عصاه .

﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين﴾

[سورة المطففين:1]

 التطفيف من طفف أي قلل ، التقليل ، أحياناً في البيع والشراء إن اشتريت القماش تشتريه بالمقياس المتري ، الثوب مرخى على شكل قوس ، أما إذا بعته تبيعه مشدوداً ، لماذا تشتري بطريقة وتبيع بطريقة ؟ هذا مطفف ، لماذا تخفي العيب ؟ هذا المطفف ؟ لماذ تعطي صفة للقماش غير الصفة التي في الواقع ؟ مطفف ، والله لو أردت أن أستعرض لكم أنواع الغش في الأرض والله لا تعد ولا تحصى ، هناك غش بالأطعمة ، غش بالدهون ، بالزيوت ، غش بالأقمشة ، غش بالمواصفات ، غش بالمكاييل :

﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين﴾

[سورة المطففين:1]

 إذا أديت لإنسان أقل من حقه فالويل لك فكيف إذا لم تؤدي حق خالق السموات والاض ؟ منحك نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى والرشاد ، هذا الذي خلق ألا يحاسبك ؟ هل يعقل أن تعيش تأخذ ما ليس لك ؟ تبني مجدك على أنقاض الآخرين ؟ تبني غناك على فقرهم ؟ تبني حياتك على موتهم ؟ تبني عزك على ذلهم ؟ تبني إنجازك على إخفاقهم؟ تبني غناك على فقرهم ؟ أوضح شيء أيعقل أن تنجو ؟ لا والله .

يوم القيامة يوم تسوية الحسابات :

 ما معنى يوم الدين ؟ يوم القصاص ، يوم الجزاء ، يوم الدينونة ، يوم الحساب ، هذا اليوم اسمه : تسوية الحسابات ، في هذا اليوم يؤخذ من المظلوم للظالم ، يؤخذ من القوي للضعيف ، يؤخذ لمن استغل ممن استغل ، يؤخذ للمقهور من القاهر ، هذا اليوم تسوى فيه الحسابات ، أي هذا الكون العظيم بمجراته ، بمذنباته ، هذا الكون بكواكبه السيارة ، بكواكبه المنطفئة ، وبنجومه العملاقة ، هذا الكون يدل على خالق عظيم ، وهذا الخالق العظيم كما أنه خلق فأبدع سوف يحاسب ، هل تتصور وجود جامعة بلا امتحان ؟ بناء مكلف مليارات ، وأساتذة يحملون أعلى الشهادات ، ومخابر ، ومدرجات ، هذا البناء العظيم كلف أرقاماً فلكية ، بعد نهاية العام لا يوجد امتحان ؟ يستوي الكسول مع المجتهد ؟ يستوي من داوم مع من لم يداوم؟ يستوي من أصغى إلى المدرس مع من لا يصغي ؟ هذا يتناقض مع وجود الله ، أحياناً يوجد أشياء تتناقض مع عدالته ، أما إن لم يكن هناك حساب ولا عذاب ولا جنة ولا نار ولا مكافآت ولا عقوبات ولا نجاح ولا إخفاق هذا الشيء بعضهم قال : لا يتناقض مع عدله فحسب بل يتناقض مع وجوده .

الله عز وجل يعلم و سيحاسب و سيعاقب :

 لذلك أخواننا الكرام ؛ أنت حينما تؤمن بالله الذي سيحاسب وسيعاقب ، أنت حينما تؤمن أن هذا الموظف على الشارة الضوئية أنك إذا خالفت قواعد المرور سجل عليك مخالفة ، وقد تكلف هذه المخالفة مبلغاً كبيراً ، أو حجزاً لمركبتك ، فأنت لأن إنسان علم واضع القوانين يطولك ، من خلال علم واضع القوانين قانون السير يطولك من خلاله ، وعدله يطولك ، لا يمكن أن تعصيه ، أوضح مثل تركب أنت مركبتك والإشارة حمراء ، والشرطي واقف ، فإذا تجاوزت هذه الإشارة فالشرطي يسجل لك هذه المخالفة ، وعندئذ يأتي المبلغ الفلكي كغرامة ، أو يأتي عقاب آخر ، فلأنك ترى أن هذا الذي أمامك يبلغ واضع القانون عن هذه المخالفة لا تعصيه ، أنت حينما تؤمن بأعماق نفسك أن واضع هذا القانون علمه يطولك ، وقدرته تطولك ، لا يمكن أن تعصيه ، الآن استمع إلى القرآن :

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾

[سورة الطلاق:12]

 الإله العظيم علمه يطولك ، وقدرته تطولك ، لا يتناسب هذا الكون المعجز مع العبثية ، أي أنت ممكن إن كنت أستاذاً جامعياً ، ومعك أسماء الطلاب ، أن تكتب علامات من عقلك لا ترجع إلى أوراق الإجابة ! هذا صفر ، هذا مئة ، هذا خمس وتسعون ، هذا عمل عبثي ، هذا الكون العظيم هل يسمح لك بإعجازه ، بدقته ، بأحكامه أن تؤمن أن الذي خلقه يعبث ؟

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾

[سورة المؤمنون:115]

 الله عز وجل يولي إنساناً يقتل الناس وتنتهي الحياة هكذا بلا عقاب ؟ بلا حساب؟ بلا عذاب ؟ بلا مسؤولية ؟ بلا إدانة ؟ هذا التصور يتناقض مع وجود الله ، يوجد إله أعطاك حرية الاختيار ، ومكنك ، أحياناً أنت ممكن في الأرض ، وأنت حرّ في اختيارك ، فلا بد من حساب دقيق ، والله الحساب يصل إلى أدق الدقائق :

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة :7 - 8 ]

 أي أدق عمل صالح صعب ، تتوضأ نملة تمشي على المغسلة انتظرتها حتى غادرتها ثم توضأت هذا عمل محسوب لك ، أنت في المسجد وجدت قشةً على السجاد وضعتها في جيبك ، لهذا المستوى محسوب أي عمل ، إصغاء الإناء للهرة ، أي عمل مهما بدا لك صغيراً يحسب لك أو عليك ، هذا هو النظام الكوني العادل ، هذه صفات الإله العظيم :

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

[ سورة الزلزلة:7- 8 ]

رأس الحكمة مخافة الله :

 ويل ، هلاك ، شقاء ، دمار ، تعاسة ، إحباط :

﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين﴾

[سورة المطففين:1]

 صدق ولا أبالغ لو أمضيت ساعات طويلة في الحديث عن أنواع التطفيف بالحياة ، أي ممكن أن نأتي بشريط نضعه على القماش ، ونأتي بمكواة فيكتب على طرف الثوب : مصنوع في بريطانيا ، فالأقمشة المصنوعة في بريطانيا أسعارها غالية جداً ، الواقع ليس كذلك ، هذا تطفيف ، حينما تقلل الكمية تطفيف ، حينما لا تأتي كفتا الميزان بشكل واضح تطفيف .
 لذلك أخواننا الكرام هذا كلام الله عز وجل :

﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين﴾

[سورة المطففين:1]

 الإنسان أحياناً يكون عنده اختصاص عال جداً ، وصاحب هذا الاختصاص لا يُسأل ، لو قال لك الطبيب : أنت بحاجة إلى عشرة تحاليل هل تستطيع أن تناقشه وقد يكون الأمر على خلاف ذلك ، أنت بحاجة إلى واحد فقط والتسعة لست بحاجة إليها ، لكنك لن تستطيع أن تناقش ها الطبيب ، الاختصاصات العالية يصعب على الإنسان العادي أن يناقشها، ما الذي ينبغي أن يفعله الطبيب ؟ أن يرى أن الله يراه ، بمجرد أن تعلم أن الله يعلم تستقيم على أمره ، بمجرد أن تعلم أن الله يعلم تستقيم على أمره ، والله هناك أشياء دقية جداً قال :
يعلم خائنة الأعين ،
 أنت حينما تؤمن الإيمان الصحيح تنضبط ، تعلم أن هذا الإله العظيم يعلم وسيحاسب وسيعاقب ، لذلك قالوا : " رأس الحكمة مخافة الله ".
 بالمناسبة الله عنده أدوية وعنده مصائب والله لا تنتهي ، أي غلطة بسيطة جداً بجسمك قد تكلفك ملايين ، يقال لك : خثرة بالدماغ ، نقطة دم والله قد لا ترى بعينك تتجمد في بعض أوعية الدماغ ، بمكان شلل ، بمكان خرف ، يفقد ذاكرته ، بمكان عمى ، هذا الدماغ أعقد جهاز في الإنسان ، أعقد شيء خلقه الله عبارة عن مئة وأربعين مليار خلية استنادية لم تعرف وظيفتها بعد ، في القشرة أربعة عشر مليار خلية ، فيها الذاكرة ، فيها المحاكمة ، فيها التصور ، خثرة بالدماغ نقطة دم لا ترى بالعين إذا تجمدت في بعض أوعية الدماغ النتائج مخيفة ، قد يكون ملكاً يفقد حركته ، يوجد ملك بقي عشر سنوات على الكرسي ، أنت في قبضة الله ، أنت في رحمة الله ، فإذا أردت أن تعصيه فانظر ماذا يترتب على هذه المعصية ، قالوا : من أراد إنفاذ أمر فليتدبر عاقبته .

كل أنواع الغش بلا استثناء تدخل تحت كلمة المطففين :

 إذاً :

﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين﴾

[سورة المطففين:1]

 التطفيف واسع جداً ، هناك تطفيف بالوزن ، أي أنت تشتري كموزع ، كتاجر ، الفاكهة صافية ، تحسب كيليين وزن العبوة ، قد تكون المادة غالية جداً ، تبيع أنت الكيس الخشن الذي له وزن بسعر البضاعة هذا هو التطفيف ، كل أنواع الغش بلا استثناء تدخل تحت كلمة المطففين :

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ *الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾

 حقهم كاملاً .

﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS