834
أحاديث رمضان 1437 ـ درر2 ـ الحلقة السابعة عشرة : حقوق الضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصة - الاحسان اليهم وتكريمهم ورفع قدرهم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2016-06-22
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

الأستاذ بلال :
السلام عليكم ؛ يقول صلى الله عليه وسلم :

(( أبغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ))

[أبو داود عن أبي الدرداء ]

كيف يكون النصر على الأقوياء ؟ وكيف نرزق برعاية الضعفاء ؟ ثم هل طبع الإنسان يقتضي منه أن يميل إلى الأقوياء ويعرض عن الضعفاء ؟ وبماذا يأمر الشرع في هذا الموضوع ؟ كيف عامل النبي صلى الله عليه وسلم الضعفاء ؟ وكيف عامل صحابته الكرام من بعده الضعفاء والفقراء ؟ ما الآثار الإيجابية التي تثمرها رعاية الضعفاء ؟ تابعوا معنا هذا اللقاء للإجابة على هذه الأسئلة وغيرها .
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
أخوتي الكرام ؛ أخواتي الكريمات ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، في مستهل حلقة جديدة من برنامجكم درر ، يسرني أن أرحب باسمكم جميعاً بفضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، السلام عليكم .
الدكتور راتب :
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم نحن اليوم مع موضوع جديد نتحدث عن قيم الإسلام في التعامل مع الضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصة ، الذي ابتلاهم الله بعاهة ، أو بشيء ، نسأل الله العافية للجميع ، أستاذنا الفاضل أحب أن أبدأ بالحديث عن الضعفاء من حديث النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول :

(( أبغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ))

[أبو داود عن أبي الدرداء ]

كيف يرزق الإنسان وكيف تنصر الأمة برعاية الضعفاء والفقراء وما إلى ذلك من ذوي الاحتياجات الخاصة ؟

الابتلاء علة وجود الإنسان في الدنيا :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات .
البطولة لا أن ننجو من الابتلاء بل أن ننجح فيه
اقتضت حكمة الله عز وجل أن يكون في الدنيا أقوياء وضعفاء ، وأغنياء وفقراء ، ومن جميع الأصناف والأنواع ، هذا التفاوت بين هوية الإنسان له حكمة بالغة جداً ، فالغني مادة امتحانه مع الله غناه ، والفقير مادة امتحانه مع الله فقره ، فالغني ممتحن بالغنى ، هل كان محسناً ؟ هل كان متواضعاً ؟ هل أعطى من ماله من حوله من الفقراء أم اعتز بغناه واستعلى على من حوله ؟ الإنسان ممتحن بالغنى ، وممتحن بالفقر ، وقد ينجح الفقير بامتحان الفقر فيستحق الجنة إلى أبد الآبدين ، وقد يرسب الغني في امتحان الغنى فيأوي إلى النار ، إذاً نحن في دار ابتلاء لا دار جزاء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، نحن في دار ابتلاء بمعنى أن علة وجودنا في الدنيا الابتلاء ، والابتلاء هو الامتحان ، قال تعالى :

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك : 2 ]

فالبطولة لا أن ننجو من الابتلاء بل أن ننجح فيه ، لأن الابتلاء قدرنا وعلة وجودنا ولا بد من أن نبتلى ، حتى أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى سئل أندعو الله بالتمكين ؟ قال: لن تمكن قبل أن تبتلى . فالطالب الجامعي يدخل الامتحان ضمن برنامجه اليومي ، وكذلك المؤمن يدخل الابتلاء ضمن برنامجه اليومي ، هو مبتلى لا بد من أن يبتلى ، الابتلاء أنواع ، ابتلاء إيجابي فيما أعطاك ، وابتلاء سلبي فيما زوي عنك ، ومن أدق الأدعية النبوية :

(( اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))

[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ]

وكأنك تربح مرتين ، مرة تربح بامتحان الضعف ، ومرة تربح بامتحان القوة والغنى ، فأنت مبتلى في الأحوال كلها .
ومرة ثانية ؛ ليست البطولة أن ننجو من الابتلاء ، هو قدرنا ، ولكن البطولة أن ننجح فيه ، والنجاح ليس عسيراً ضمن إمكانية الإنسان .
الأستاذ بلال :
جزاك الله خيراً ، أستاذنا الفاضل لو عدنا إلى الحديث الشريف :

(( أبغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ))

[أبو داود عن أبي الدرداء ]

كيف يرزق الإنسان وينصر بالضعيف ؟

كل إنسان ممتحن فيما أعطي و ممتحن فيما زوي عنه :

الفقير ممتحن بفقره والغني ممتحن بغناه
الدكتور راتب :
والله هناك تعليل دقيق أن هناك قوياً ، وضعيفاً ، القوي امتحانه بقوته ، فالقوي حينما يعطي الضعيف ، حينما يتواضع للضعيف ، حينما يأخذ بيد الضعيف ، حينما يرحم الضعيف ، يبلغ بهذا الامتحان إذا نجح فيه أعلى عليين ، فلذلك الضعف أحد أدوات الامتحان ، والفقير ممتحن بفقره ، يا ترى صبر ؟ تجمل ؟ تعفف ؟ هناك صبر ، وتجمل ، وتعفف ، فالفقر امتحان ، والغنى امتحان ، وقد يكون الامتحان مؤقتاً بعده غنى ، وقد يكون امتحان الغني مؤقتاً بعده فقر ، فالحقيقة أن علة وجودنا في الدنيا الابتلاء والامتحان ، أنت ممتحن فيما أعطيت ، ممتحن فيما زوي عنك .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الفاضل المكافأة من جنس العمل ، بمعنى أنا عندما أطعم هذا الجائع أو أنصر هذا الضعيف يكافئني الله فينصرني على من هو أقوى مني .

المكافأة من جنس العمل :

الدكتور راتب :
سبب هزيمتنا أمام من هو أقوى منا هو عدم نصرتنا لمن هم أضعف منا
هناك ملمح دقيق جداً ؛ أنا حينما يكون عندي ضعيف وأنا قوي ، وأنا أكرم هذا الضعيف ، أعطيه حقه ، أعطيه كرامته ، مكافأة الله لي من جنس عملي ، ينصرني على من هو أقوى مني ، نحن حينما نعاني من ضعف كأمة ، وهناك قوى شريرة في العالم ، فنحن إذا انتبهنا إلى من هو أضعف منا ، وأكرمنا من هو أضعف منا ، هيئنا للضعفاء فرص عمل ، أعطيناهم كرامتهم بإعطائهم ما يستحقون ، هذا العمل البطولي الأخلاقي الديني ، هذا العمل مكافأته عند الله من جنس العمل ، ينصرني على من هو أقوى مني ، وأنا أرى أن أعداء المسلمين لا يعدوا ولا يحصوا ، وأحد أسباب الانتصار عليهم أن نعتني بضعفائنا ، وكأنه سبب كبير للانتصار على الضعفاء المنحرفين .
الأستاذ بلال :
وهل يفهم من الحديث :

(( أبغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ))

[أبو داود عن أبي الدرداء ]

هل يفهم منه معنى آخر بمعنى هؤلاء الضعفاء حينما يفلحون في المجتمع لهم ما يحتاجونه ، هل هذا يؤدي إلى تكاتف المجتمع أن يكون سداً ؟

ارتباط تماسك المجتمع بتعاون أفراده :

الدكتور راتب :
والله هذا موضوع آخر حينما يعتني الأقوياء بالضعفاء يتماسك المجتمع
هذا المجتمع إذا كان فيه ضعفاء وأقوياء ولا يوجد فيه تعاون بينهما يتفتت ، يتصدع ، هذا المجتمع يمكن أن يخترق ، أما حينما نعتني بالضعفاء ، حينما يعتني الغني بالفقير ، والقوي بالضعيف ، والعالم بغير المتعلم ، هم ثلاث قيم كبيرة ؛ قيمة العلم المال والغذاء ، فحينما يعتني الأقوياء بالضعفاء يتماسك المجتمع ، وإذا تماسك يستحيل أن يخرق ، دائماً أقول : أعداء المسلمين أغنياء وأقوياء وأذكياء ، فنحن إن لم نكن على مستوى معقول من القوة والذكاء والغنى لن نستطيع أن نواجههم ، فحينما أنا أبني نفسي وأسهم في بناء وطني أكون قد ساهمت في بناء الأمة ، الحقيقة بناء الأمة شيء دقيق جداً ، الأمة تبنى من خلال بناء الفرد .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الفاضل هذا الحديث الشريف له معنيان :

(( أبغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ))

[أبو داود عن أبي الدرداء ]

كما بينتم جزاكم الله خيراً أولاً بمعادلة سماوية يكافئك الله فينصرك على من هو أقوى منك ، الجزاء من جنس العمل ، ثانياً بمعادلة أرضية المجتمع يتماسك ويقوى عندما يتعاون أفراده.

النتائج المترتبة على طاعة الله لا تعد ولا تحصى :

الدكتور راتب :
الغني إذا أدى زكاة ماله ، وتعهد بزكاة ماله من حوله ، التفوا حوله ، ناصروه ، حرسوا ماله ، النتائج التي تترتب على طاعة الله لا تعد ولا تحصى ، لذلك :

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

الأستاذ بلال :
جزاكم الله خيراً أستاذنا الكريم ، وأحسن إليكم ، أخوتي المشاهدين ما زال الحديث عن قيم الإسلام في رعاية الضعفاء ، وذوي الاحتياجات الخاصة ، مزيد نتابعه بعد فاصل قصير .
عندنا من جديد لنتابع الحديث عن قيم الإسلام في رعاية الضعفاء ، ونحن نتلمس هذه المعاني الطيبة من فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، تحدثنا عن الحديث أبغوني ، وفصلتم في الحديث ما فيه غنية إن شاء الله ، الآن أريد أن أدخل في معنى آخر لعله ورد في قوله تعالى :

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

بمعنى هل طبع الإنسان يميل إلى الأقوياء والتكليف يأمره أن يجالس الضعفاء ويرعاهم ؟

لله معيتان خاصة و عامة :

الدكتور راتب :
اسمح لي ان أعقب تعقيباً سريعاً على ما مضى ، هذا الضعيف يحاسب على دائرة يملكها ، ماذا يملك ؟ دائرة نفسه ، وبيته ، وعمله ، نقول له : أقم أمر الله فيما تملك يكفك ما لا تملك ، هناك أقوياء و طغاة ، فإذا أقام أمر الله إقامة جيدة فيما يملك أي في نفسه وبيته وعمله كفاه الله من لا يملك ، فذلك القضية قضية توحيد ، قال تعالى :

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

[ سورة الطور: 48 ]

المؤمن إن رأى أن الله تعالى معه فهو أقوى قوة مهما كان ضعيفاً
يخاطب النبي الكريم ، قال العلماء : لكل مؤمن من خصوصيات النبي الكريم نصيب بقدر إيمانه وإخلاصه ، فالإنسان إن كان ضعيفاً إذا رأى أن الله معه دائماً فهو أقوى قوة، لا يوجد عند المؤمن حالة يأس ، وليس عنده حالة تراجع ، أو انهزام ، ثقته بالله كبيرة ، لذلك قال تعالى :

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

هذه معية عامة ، لكن إذا قال الله عز وجل :

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال: 19 ]

هذه معية خاصة معهم ينصرهم ، معهم يؤيدهم ، معهم يرحمهم ، معهم يعتني بهم، معية الله شيء مذهل ، إلا أن المعية العامة الله مع كل إنسان حتى الكافر ، المعية الخاصة لها ثمن ، قال تعالى :

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ ﴾

[ سورة المائدة: 12 ]

إلى آخر الآية ..
الأستاذ بلال :
أستاذنا الفاضل لو عدت إلى المعنى الذي طلبت منكم توضيحه هل الطبع يقتضي من الإنسان أن يجالس الأقوياء والتكليف يأمره أن يصبر نفسه مع الضعفاء لقوله تعالى :

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

تناقض الطبع مع التكليف :

الدكتور راتب :
بارك الله بك أدخلتنا بموضوع الطبع ، دائماً الطبع متناقض مع التكليف من جلس مع الضعفاء واعتنى بهم ارتقى بذلك عند الله عز وجل
الإنسان يحب الأقوياء ، يحب الأغنياء ، أما إذا عاكس رغبته الفطرية ، وجلس مع الضعفاء والفقراء ، واعتنى بهم يرقى عند الله ، وكأن الضعف والقوة بابان من خلالهما يصل الإنسان إلى الله عز وجل ، فأنت حينما تعتني بالفقير ، تؤنسه ، تحترمه ، تكرمه ، ترفع قدره ، يثق بهذا المجتمع الإسلامي ، يرى أنه ليس منسياً في هذا المجتمع ، شيء دقيق جداً .
الحقيقة الفقير فضلاً عن أنك تعطيه لا بد من تكريمه ، لا بد من رفع قدره ، لا بد من أن يشعر أن هذا الغني أخوه في الإيمان ، والغنى والفقر يتداولان الشعب المسلم .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الفاضل لو انتقلت إلى بعض الصور المضيئة لنعلق عليها ولو بكلمات ، النبي صلى الله عليه وسلم كما في ابن ماجة عن أبي سعيد :

((كانت سوداء تقم المسجد . فتوفيت ليلا . فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه و سلم أخبر بموتها . فقال : ألا آذنتموني بها ؟ فخرج بأصحابه فوقف على قبرها فكبر عليها والناس من خلفه ، ودعا لها ثم انصرف ))

[ابن ماجة عن أبي سعيد]

ما هذا الإكرام للضعيف ؟

إكرام الضعيف :

الدكتور راتب :
هل تعتقد أن في المجتمع أي مجتمع مرتبة أدنى ممن يقم الطريق مثلاً أو المسجد ؟ هذه مرتبة متدنية جداً ، فحينما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بمقامه الكبير ، بمكانته عند الله، بنبوته إلى امرأة تقم المسجد ويصلي عليها صلاة الغائب استثناء فهذا شيء لا يصدق الرسول الكريم قدوة لنا في إكرامه للضعيف
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم رعى الفقراء ، الضعفاء ، الشباب ، شاب يقود جيشاً فيه أبو بكر وعمر ، لا تزيد سنه عن سبعة عشر عاماً ، هذا شيء لا يصدق ، هذا كله منهج لنا ، الشباب قوة كبيرة لنا في المجتمع ، فحينما نثق بهم ، ونعطيهم ، يفعلون الأعاجيب ، والأمة بشبابها ، أنا أقول كيف أن النبي له سنة قولية أنا أرى أن سنته العملية لا تقل أبداً عن سيرته القولية ، لذلك الله عز وجل قال :

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

[ سورة الأحزاب: 21]

فأقواله تتبع ، سيرته يقتدى بها ، صفاته أيضاً يقلد بها .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الفاضل وبعد النبي تابع الصحابة هذا المنهج ، والخلفاء الراشدون ، فلو تحدثنا عن ذوي الاحتياجات الخاصة لما ابتلاهم الله بعاهة ، أو بشيء ، هذا الطفيل بن عمرو في معركة اليمامة قطعت يده اليمنى فجلس إلى طعام فاستحيا فانصرف ، يقول له عمر رضي الله عنه : والله لا آكل من الطعام حتى تخلطه بيدك ، والله ما من أحد بعضه في الجنة إلا أنت.
كيف نشد من أزر من ابتلي بعاهة دائمة ؟ قطعت يده ؟ ضرير ؟

كيفية معاملة ذوي الاحتياجات الخاصة :

الدكتور راتب :
والله التكريم ينسيه عاهته ، الفقير الذي يصاب بعاهة معينة ؛ فقد أحد أعضائه ، هذا له مقام عند الله كبير ، فإذا واجه المجتمع هذا الضعيف إما بفقد عضو من أعضائه ، أو بعاهة ابتلي بها ، هذا يرفع الناس مقامه ، إذاً يثق بهذا المجتمع ، أنا أريد بالنهاية أن يتماسك هذا المجتمع ، ومستحيل أن يخترق بهذا التماسك ، أما حينما يعتز الغني بغناه وينسى الفقير فينشأ شرخ في المجتمع ، هذا الشرخ بداية انهيار المجتمع .
الأستاذ بلال :
تكريمنا لذوي الاحتياجات الخاصة ينسيهم عاهتهم
ورد في السير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يحلب شياه جيرانه الضعفاء.
الدكتور راتب :
والله انا سمعتها عن سيدنا الصديق كان يحلب شياه جارته ، سيدنا الصديق له خدمة لبعض جيرانه ، يحلب لهم الشياه ، فلما أصبح أمير المؤمنين أعلى منصب في العالم الإسلامي ، رئيس دولة ، ملك ، جارته حزنت ، لأنه هذه الخدمة سوف تتوقف ، في صبيحة تسلمه منصب الخلافة طُرق باب هذه الجارة ، صاحبة البيت قالت لابنتها : يا بنيتي افتحي الباب، فلما فتحت الباب قالت : من الطارق ؟ قالت : جاء حالب الشاة يا أماه ، أي جاء سيدنا الصديق ليحلب الشياه ، وهو خليفة المسلمين ، الإنسان الأول بعد رسول الله ، منصب الخلافة ما منعه أن يتابع خدمته لهذه الجارة ، هذا منهج ، لذلك أرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قدوة، والصحابة قدوة ، وكل صحابي في موقعه هو قدوة لنا .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الفاضل هذا الصديق ، وسيدنا عمر يروي طلحة أنه تبعه يوماً يدخل إلى دار ويخرج منها كل يوم ، فدخل بعد أن خرج وجد امرأة مقعدة قال : ما بال هذا الرجل الذي يأتي ؟ قالت : جزاه الله عني خيراً يأتيني كل يوم بما يصلحني ويذهب عني الأذى ، فقال : ثكلتك أمك يا طلحة تتتبع عورات عمر ؟
هذا العمل هل فيه سعادة سيدي حتى يمارسه ؟

من حرص على خدمة الناس شعر بسعادة لا توصف :

أسعد الناس من سعى لإسعاد الناس
الدكتور راتب :
والله الذي لا إله إلا هو الذي أراه بفهمي المتواضع أن هذا الإنسان حينما يخدم عباد الله ، هذا العمل يرتفع إلى الله ، نقول له : ثواب ، ثواب من ثاب أي رجع ، يرجع من الله على هذا العبد المحسن سكينة يسعد بها ولو فقد كل شيء ، ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء ، وأنا والله لا أصدق أن إنساناً حرص على خدمة الناس - الخلق كلهم عيال الله ، و أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله - إلا ويشعر بسعادة لا توصف ، وأنا أراها سكينة تتنزل على قلبه مكافأة له على هذا العمل ، لذلك العمل الصالح غير أن له مستقبلاً رائعاً ، جزاء في الآخرة وفي الدنيا ، له جزاء آني ، معنى آني أي تنزل عليه من الله سكينة يسعد بها ، لذلك من خلال خبرتي مع أخواني المحسنين تجده يألف الإحسان ، أصبح جزءاً من كيانه ، لا يرتاح إلا بالإحسان ، والإحسان إذا طرق بابه هو أسعد الناس ، مرة سئل من أسعد الناس ؟ قال : الذي يسعد الناس .

خاتمة و توديع :

الأستاذ بلال :
أستاذنا الفاضل أسعدكم الله ، وأحسن إليكم ، وأنتم أخوتي الكرام لم يبق لي في نهاية هذا اللقاء الطيب إلا أن أشكر لكم حسن متابعتكم ، سائلاً المولى جلّ جلاله أن نكون جميعاً في مجتمع متماسك يعين قوينا ضعيفنا ، إلى الملتقى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS