4511
تفسير القرآن الكريم المرئي - سورة النبأ 078 – الدرس ( 1 ) : تفسير الآيات 1 - 2، لمحة نحوية عن حروف الجر ، وما هو النبأ العظيم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2016-06-06
بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات .

لمحة عن الأفعال و حروف الجر :

أيها الأخوة المشاهدون مع الجزء الثلاثين من القرآن الكريم ، ومع السورة الأولى منه وهي سورة النبأ ، قال تعالى :

﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة النبأ : 1-2]

أولاً : عمّ أصلها عن وما ، وعن حرف جر ، وحروف الجر كثيرة ، لكل حرف معنى، حروف الجر ؛ الباء ، من ، إلى ، عن ، على ، اللام ، في ، رب ، حتى ، الواو ، وتا ، مذ ، منذ ، حاشا ، الكاف ، عدا ، لولا ، لعل ، كيف ، لا . ما معنى جر ؟
الأفعال أيها الأخوة أنواع ثلاثة ، عندنا فعل لازم ، أي هذا الفعل يكتفي بفاعله لا يحتاج إلى مفعول به ، نام الطفل ، هذا الفعل لازم لا يحتاج إلى مفعول به ، و عندنا فعل متعد يحتاج إلى مفعول به ، أكل الطفل التفاحة ؛ التفاحة مفعول به .
عندنا حالات قليلة لكن دقيقة ؛ فعل قاصر ؛ لا هو لازم ولا هو متعد ، أي يتعدى بحرف جر ، وسمي حرف الجر حرف الجر لأنه يجر تأثير الفعل إلى المفعول به الأصلي ، لكن الفعل قاصر ، أي إنسان له طول جيد ، وهناك شيء معلق استطاع أن يصل له بطوله فقط، هذا الفعل المتعدي ، أما الفعل القاصر فيحتاج إلى أداة ليصل لهذا الشيء ، فسمي حرف الجر حرف الجر لأنه يجر تأثير الفعل إلى ما كان في الأصل مفعولاً به .
اللغة العربية هي أرقى اللغات الإنسانية في العالم
الآن مثلاً عثرت به ، فعل عثر قاصر ، نجر تأثيره بالباء ، لكن عثرت به أي وجده فجأة ، أما عثرت عليه بمعنى آخر وجدته بعد البحث عنه ، الأول عثرت به فجأةً والثاني عثرت به بعد البحث عنه .
لذلك أخواننا الكرم ؛ هذه اللغة العربية بشهادة علماء اللغات في العالم هي أرقى اللغات الإنسانية ، لكن اللغة تقوى بقوة أصحابها ، وتضعف بضعفهم ، هي اللغة الأولى في العالم لأنها لغة متصرفة ، عندنا فعل ماض ، فعل مضارع ، فعل أمر ، اسم فاعل ، صيغ مبالغة اسم الفاعل ، اسم مفعول ، اسم مكان ، اسم زمان ، اسم آلة ، اسم تفضيل ، لغة اشتقاقية ، واللغات الاشتقاقية تعد من أولى اللغات في العالم ، لذلك الله عز وجل جعل هذه اللغة العربية لغة كلامه ، قال تعالى :

﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة يوسف: 2]

فلذلك ينبغي أن نعتز بهذه اللغة ، وأن نتعلمها .
سيدنا عمر يقول : " تعلموا العربية فإنها من الدين ". نظر إلى ، واضحة ، وهناك رأيت ، نظرت غير رأيت ، قد تقول : رأيت العلم نافعاً ، هذه رؤية قلبية وليست بصرية ، قد تقول : لاح ، أي شيء ظهر واختفى ، أما لمح فنظرت وأعرضت ، اختلف الموضوع ، قد تقول: استشف مع تحريك أصابعه ، أصحاب الأقمشة يقولون لك : هذا تترون ، أو صوف طبيعي ، استشف ، وإذا تمطى استشرف ، وإذا أحبّ حدج ، وفي الحديث : " حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم ".
لاح ، لمح ، حدج ، رنا ، رنا مع المتعة ، رنوت إلى هذا المنظر أي استمتعت به، نظر شزراً ، احتقرته ، شَخَص أنا خائف ، يوجد سبعون أو ثمانون فعلاً كلها عن النظر ، لكن كل فعل له حالة خاصة ، إذاً الفعل اللازم لا يحتاج إلى مفعول به ، والمتعدي يصل تأثيره إلى المفعول به ، عندنا فعل قاصر ، القاصر يستعين بأداة ليوصل تأثيره للمعفول به ، هذا الفعل القاصر يستعين بحروف الجر ، وما سميت حروف الجر حروف الجر إلا كي تجر تأثير الفعل إلى المفعول به .

التغير الذي يطرأ على حروف الجر عند اتصالها بما الاستفهامية أو الموصولة :

تعلموا العربية فإنها من الدين
أخواننا الكرام ؛ الشيء الدقيق جداً حرف الجر إذا اتصل بما الاستفهامية حذفت الألف بم ؟ عم ؟ إلام ؟ قال الشاعر :

إِلامَ الخُلــــــفُ بَينَـــكُمُ إِلام ؟ وَهَذي الضَجَّةُ الكُبرى عَلام ؟
وَفيمَ يَكيدُ بَعضُكُمُ لِبَعضٍ ؟ وَتُبدونَ العَداوَةَ وَالخِصامـــــا ؟
***

أي حروف الجر إذا اتصلت بما الاستفهامية حذفت الألف ، إذا اتصلت بما الموصولة الألف تبقى ، أي لو سألت طالباً متفوقاً نال أعلى مجموع بالامتحان ، سألته ؟ بم نلت هذا المجموع ؟ يقول لي : بما بذلت من جهد ، أول ما استفهامية أما الثانية فموصولة ، اللغة العربية دقيقة جداً .
مرة ثانية ؛ سيدنا عمر يقول : " تعلموا العربية فإنها من الدين ". أي لا مانع أن يكون في كل بيت كتاب لغة عربية ، بالسهرة من أولادك مع أخوانك نفتح موضوعاً نقرؤه مع بعضنا ، هذه لغتنا ، لغة قرآننا ، لغة أمتنا .

أوزان الأفعال و معانيها :

أخواننا الكرام ؛ الأفعال لها أوزان كَتَب فَعَل ، دقق ، كاتب فاعل ، قاوم غير قَوَم ، قاتل غير قَتَل ، كل وزن له معنى ثابت ، وزن فاعَلَ أي المشاركة ، قاتلت العدو أي حاولت قتله وحاول قتلي ، هناك مشاركة ، وزن فاعل يعني المشاركة .
أخواننا الكرام ؛ إذاً الأفعال لها أوزان ، استعلم : طلب العلم ، استغفر : طلب المغفرة ، حينما يأتي الفعل على وزن استفعل أي الطلب ، فاعَل المشاركة ، فعّل التضعيف ، إلى آخره ، بحث طويل ، لكن أنا أنصح الأخ الكريم أن يحاول أن يعرف شيئاً من لغته .
الآن :

﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴾

[ سورة النبأ : 1]

يتساءلون : فعل مضارع ، تساءل وزن تفاعل فيه مشاركة ، سؤال متبادل ، مرة يكون السائل فلاناً وفلاناً يكون المسؤول ، السائل يكون تارة سائلاً وتارة مسؤولاً ، والمسؤول تارة يكون مسؤولاً وتارة يكون سائلاً ، هذه الحالة المشاركة يعبر عنها بوزن فاعل ، قاوم ، قاتل ، لا تقول : قاتل الأفعى ، تقول : قتلت الأفعى ، هي لا تستطيع أن تقتلك ، أما قاتلت العدو فهناك مشاركة .
لذلك أيها الأخوة ؛

﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة النبأ : 1-2]

مصطلحات القرآن الكريم تدل على الإعجاز في معانيها وتعبيرها
لو أن طفلاً قال لأحد أقربائه في العيد : أنا معي مبلغ عظيم ، كم تقدر هذا المبلغ؟ المعنى يتناسب مع القائل ، طفل جاء العيد وانتهى العيد ، زاره أحد أقربائه قال له : معي مبلغ عظيم ، أي مئة دينار ، هذا أقصى رقم ، فإذا قال مسؤول كبير في دولة عظمى : أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً ، خمسمئة مليار ، نفس الكلمة قالها طفل فقدرت بخمسين ديناراً ، وقالها مسؤول كبير في دولة عظمى : أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً ، خمسمئة مليار ، فإذا قال ملك الملوك ومالك الملوك ، فإذا قال الله عز وجل :

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: 113 ]

لذلك أعظم شيء أن تعرفه :

(( ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

يوم القيامة أخطر حدث في حياة كل إنسان :

﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة النبأ : 1-2]

العظيم وصفه بأنه عظيم ، فكم هي عظمته !! هناك مئات الأمراض لكن يوجد مرض مخيف ؛ الورم الخبيث ، قد ينتهي بالحياة ، عندنا أمراض عادية كثيرة جداً ، أما الورم الخبيث فمرض خطير ، فهذا نبأ عظيم ، إما في جنة يدوم نعيمها ، أو في نار لا ينفذ عذابها ، هذا النبأ متعلق بسعادتك ، متعلق بسلامتك ، متعلق بدخلك ، بإنفاقك ، بأسرتك ، ببيتك ، بمن حولك ، بمن فوقك ، بمن تحتك ، نبأ عظيم ، إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، هنا لا يوجد تسلية ، إذا إنسان سمع حديثاً و لم يفهم فحواه بالضبط قد ينحرف مثلاً : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي "، هذا الحديث يحتاج لشرح ساعة لئلا تفهمه خطأً فتكثر من المعاصي .
النبأ العظيم هو يوم القيامة الذي علينا أن نعمل لأجله
النبأ العظيم الخطير ، المصيري ، مثلاً كل إنسان تاجر يخسر أحياناً ، والخسارة مؤلمة جداً ، لكن حينما يخسر الإنسان آخرته ، قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

[ سورة الزمر: 15 ]

هناك مليون خسارة في الحياة ، لكن هناك خسارة واحدة أكبر خسارة ، خسارة واحدة أخطر خسارة ، أنت حينما تستقيم على أمر الله ، وحينما تعبد الله ، وحينما تتوجه إلى الله، وحينما تخلص لله ، أنت ماذا تبتغي ؟ تبتغي اللانهاية ، الله وعدك بجنة عرضها السموات والأرض ، ليس لها نهاية ، ما معنى بلا نهاية ؟ أي أكبر رقم ، الواحد هنا والأصفار إلى نهاية الطاولة ، كل ميلمتر صفر ، أربعمئة مليار ، إلى آخر المسجد كم يكون هذا الرقم ؟ واحد بالأرض وأصفار للشمس ، مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر أصفاراً كم هذا الرقم ؟ هذا الرقم إذا نسب إلى اللانهاية قيمته صفر ، فأنت مخلوق للجنة ، موعود بالجنة ، موعود باللانهاية ، لذلك الإنسان نفسه لا نهائية ، لأنها مصممة لمعرفة الله ، فالإنسان إذا اختار هدفاً محدوداً ، اختار المال ووصل إليه ، انتهت سعادته ، اختار منصباً رفيعاً ووصل إليه انتهت سعادته ، أي شيء تختاره من الدنيا ، لذلك من حكمة الله عز وجل ما سمح للدنيا أن تمدك بسعادة مستمرة ، بل متناقصة ، رحمة بنا ، كل شيء جديد له بهجة شهر ، ما كان عندك مركبة اشتريت مركبة تفرح أسبوعين أو ثلاثة بعد ذلك كل شيء صار عادياً ، حتى الزواج كذلك ، الإنسان إذا وصل إلى الشيء ما سمح للدنيا أن تمدك بسعادة مستمرة ، بل متناقصة .

الفرق بين اللذة و السعادة :

أيها الأخوة ؛ هذا الأمر يقتضي أن أتطرق إلى مفهوم الشباب ، من هو الشاب ؟ اللذة صعبة النوال فهي بحاجة إلى المال والصحة والوقت
قد تجد شاباً بالتسعين من عمره ما رأيك ؟ إذا كان هدفك أكبر منك فأنت شاب ، أما إذا اخترت هدفاً محدوداً ووصلت إليه ، فانتهت سعادتك ، لذلك أهل الدنيا لهم حالة صعبة ، عندهم سأم وملل ، ومعهم ملايين مملينة ، هذه الدنيا ما سمح الله لها أن تمدك بسعادة مستمرة ، لكن تسعد بمعرفة الله ، من هنا يختلف الموضوع بين اللذة والسعادة ، اللذة حسية ، تحتاج إلى طعام جيد ، إلى منزل واسع ، إلى وجه صبوح ، هذه اللذة ، أما السعادة فتنبع من الداخل ، اللذة تأتيك من الخارج ، و مع لفت النظر الدقيق أن اللذة تحتاج إلى صحة ، وإلى مال ، وإلى وقت ، ولحكمة بالغة بالغة بالغة دائماً تنقص واحدة السعادة الحقيقية تحتاج إلى صلة بالله عز وجل
ففي بداية الحياة الوقت موجود ، الصحة طيبة ، لكن ليس هناك مال ، في منتصف الحياة المال موجود ، والصحة موجودة ، لكن لا يوجد وقت ، في خريف العمر المعمل سلمه لأولاده ، الوقت موجود ، والمال موجود ، لكن لا يوجد صحة .
اللذائذ لا تتحقق إلا بالمال ، والصحة ، والوقت ، ولحكمة بالغة بالغة دائماً ينقص أحد هذه المكونات ، أما السعادة الحقيقية فتحتاج إلى صلة بالله عز وجل ، المتصل بالله سعيد في كل أحواله ، في السراء والضراء :

(( عجباً لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ، وليس ذلك لغير المؤمن ))

[أحمد في مسنده عن صهيب ]

يا أخوان ؛ أنت إذا عرفت الله عرفت كل شيء :

(( ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ مختصر تفسير ابن كثير]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS