9245
السيرة - فقه السيرة النبوية - الدرس (02-57) : مقدمة -2- القدوة الحسنة والتطبيق الصحيح
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-05-02
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

مقدمة عامة :

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني من دروس فقه السيرة النبوية، نحن في باب كبير من أبواب العلوم الإسلامية، بل في هذه العجالة إن شاء الله سوف أتحدث لكم كمقدمة ثانية من نوع آخر حول قيمة هذا الموضوع الذي أعالجه أول مرة في تاريخ الدعوة .
 تحدثت عن شمائل النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من ثلاثين درساً، وتحدثت عن سير الصحابة الكرام في أكثر من خمسين درساً، وتحدثت عن التابعين الأجلاء في أكثر من خمسين درساً، وتحدثت عن الخلفاء الراشدين في أكثر من ثلاثين درساً، وعن أهل بيت النبي زوجاته، وبناته، وأمهات المؤمنين، وتحدثت عن الأئمة الأربعة، هذا كله في دروس سابقة ، ولكن لم أتحدث عن السيرة النبوية بشكل متسلسل, ففي هذا المسجد الكريم إن شاء الله سوف نبدأ هذه السلسلة، ولكن لابد من إبراز قيمة هذه السيرة التي أُمرنا أن نأخذها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

حاجة هذا العصر إلى تطبيق المسلمين الإسلام تطبيقاً عملياً لرد كيد الأعداء عنا :

 أيها الأخوة الكرام، كلنا يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم مكلف أن يبلغ، لكن فيما يرى بعض العلماء أنه كما هو مكلف أن يبلغ بلسانه فهو مكلف أن يبلغ بأفعاله، هو مبلّغ في أقواله وقدوة في أفعاله، والذي أراه أن المهمة الثانية أكبر بكثير من الأولى، وأخطر بكثير، وأشد تأثيراً من التبليغ باللسان، لأن أي إنسان طليق اللسان يتمتع بذاكرة قوية يمكن أن يبلّغ، أما أن تكون في مستوى كلامك، أن تكون صادقاً، وقد دعوت إلى الصدق، أن تكون أميناً، وقد دعوت إلى الأمانة، أن تكون عفيفاً، وقد دعوت إلى العفة، هذا الذي ينقذنا الآن من مكر أعدائنا، الإسلام كمعلومات، كفكر، ككلمات، كمؤلفات، كدروس، شيء بلغنا ذروته، أمّا الإسلام كسلوك، كتطبيق، كاستقامة، كأمانة، كصدق، كعفة، نحن في أمسّ الحاجة إلى ذلك، ذلك أن الطرف الآخر الذي يتهمنا بأننا إرهابيون وقتلة ومتخلفون وجاهلون لا يرى الإسلام من مرجعياته، بل يرى الإسلام من المسلمين، أكاد أقول: إن أقوى دعوة الآن الدعوة الصامتة, أي أن تكون أمانتك دعوة، وصدقك دعوة، وعفتك دعوة، وإنصافك دعوة، وتواضعك دعوة، نحن في أمسّ الحاجة إلى مسلم يمشي على قدمين، نريد أن نرى عفة المسلم ، وصدق المسلم، وأمانة المسلم، الإسلام لا ينتشر إلا بهذه الطريقة، حال واحدٌ في ألف أبلغ في مقالة ألف في واحد، ألف متكلم، والذي يخاطبونه واحد قد لا يؤثرون فيه، وحال واحد موصول بالله، مطبق لِما يقول, يؤثر في ألف، لذلك قال بعضهم: كان أصحاب النبي e الواحد منهم كألف، والألف من المسلمين المتأخرين المقصّرين كأفّ .
 هل يعقل أن يطلب سيدنا خالد النجدة من سيدنا الصديق، ويقصد بالنجدة خمسين ألف مقاتل، فيبعث له الصديق برجل واحد، هو القعقاع بن عمرو، يسأله سيدنا خالد: أين المدد؟ يقول: أنا، أنت؟! قال: أنا، وهذا الكتاب، قرأ الكتاب، يقول الصديق رضي الله عنه: والله يا خالد إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم .
 نريد مسلماً كألف لا يكون إلا بالتطبيق، طبِّق يدخل الناس في دين الله أفواجاً، وتحدث عن الإسلام، وافعل عكسه يخرج الناس من دين الله أفواجاً، لذلك أرى أن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم في التبليغ بأفعاله أبلغ بكثير من مهمة في التبليغ بأقواله، هذه أول حقيقة، نحن بحاجة ماسّة إلى مسلم يمشي، إلى فتاة تلتزم بمنهج الله عز وجل، نحن بحاجة ماسة إلى أن نرى الإسلام متحركاً، بحاجة ماسة إلى أن نرى أن هذا الدين مطبقاً، هذه النقطة الأولى .

ما الهدف من دراسة السيرة النبوية ؟

1- أن سيرة النبي يجد الإنسان في دراستها ما يعينه على فهم كتاب الله :

 أيها الأخوة، أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم كلام رائع، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ "

( أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)

 وقد علمونا في الجامعة أن أفصح كلام على الإطلاق هو القرآن الكريم، ويأتي بعده كلام سيد المرسلين، ويأتي بعد كلام سيد المرسلين كلام الإمام علي رضي الله عنه، قال مرة: " والله، والله لحفر بئرين بإبرتين, وكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين, ونقل بحرين زاخرين بمنخلين, وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين, أهون علي من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين " .
 أعلى كلامٍ كلامُ ربنا جل جلاله، يأتي بعده كلام نبينا صلى الله عليه وسلم إلا أن الكلام معرّض للتأويل، كيف؟ ولو أن واحد, قال: لله رجال إذا أرادوا أراد، يأتي إنسان يفكر في هذا النص، يقول: هذا عين الشرك، أنا أقول: معه حق، لأنه توهم أن هؤلاء الرجال لهم إرادة مستقلة عن إرادة الله، صحيح هذا عين الشرك، يأتي إنسان آخر يفهم هذا الكلام فهمًا آخر، يقول: لله رجال إذا أرادوا أراد، أي هم مستجابو الدعوة، هذا الكلام عين الإيمان، إذاً: نص واحد فهمناه فهماً هو عين الشرك، وفهمناه فهماً هو عين التوحيد، قال تعالى:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

( سورة الشمس الآية : 7-8 )

 قد تفهم أن الله خلق فيها الفجور، وهذا مستحيل، لكن المعنى الدقيق أن الله فطرها فطرة حيث لو فجرت علمت ذاتياً أنها فجرت، هذه الفطرة، بونٌ شاسع بين أن تتوهم أن الله خلق في الإنسان الفجور، وسوف يحاسبه على ما خلقه فيه، وسوف يضعه في جنهم إلى أبد الآبدين، وبين أن يفهم الإنسان أن الله جل جلاله إنما فطر النفس فطرة عالية جداً حيث إنها إذا أخطأت تكتشف خطأها ذاتياً، وهذا ما يسمى الآن الكآبة، الكآبة معاقبة النفس لذاتها, قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

( سورة طه الآية : 124)

 النص يؤول، مثلاً: الله عز وجل إذا أرسل نبياً ألقى الشيطان في أمنيته، تنظر، أيعقل أن يستطيع الشيطان أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويلقي في أمنيته؟ هناك معنى آخر، هذا النبي الكريم إذا تمنى هداية خلقه، يتمنى الشيطان إضلالهم، كلام رائع، النص يحتمل تأويلات عدّة، لذلك كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم نص، يحتمل أن تفهمه فهماً بعيداً عن قصده، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا "

( أخرجه الترمذي عن المغيرة بن شعبة في سننه)

 بعض المتفقهين استنبطوا من كلام النبي أن للخاطب أن ينظر إلى خطيبته كما خلقها الله، مستحيل، لا يقبل أيّ أب على وجه الأرض أن يري ابنته كما خلقها الله، النص عرضة للتأويل، لكن الأفعال حدية في الفهم، لذلك لو أن إنسانًا تحدث عن رأيه في حجاب المرأة، ندخل في مناقشات، وفي حوارات، وفي أدلة، وفي رد على الأدلة، وفي إثبات أدلة جديدة، وفي تضعيف أدلة، كيف تخرج زوجته، هو رأيه الحقيقي، السلوك حدي، فلذلك أول شيء أن السيرة النبوية هي التطبيق العملي للقرآن، والله عز وجل حينما قال:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

( سورة الحشر الآية : 7 )

 إذاً: أنا أرى أن سلوك النبي صلى الله عليه وسلم أبلغ في التعبير عن فهمه لكتاب الله من كلامه، لأن كلامه يحتمل التأويل، بينما سلوك النبي صلى الله عليه وسلم سلوك حدي، له تفسير واحد لا يحتمل التأويل، ونحن الآن إن أردت أن تكون داعية, والله عز وجل قال:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة فصلت الآية : 33 )

 فليس على وجه الأرض على الإطلاق بنص هذه الآية إنسان أفضل, قال تعالى:

﴿ مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة فصلت الآية : 33 )

 ولكن قلت مرة في مؤتمر في القاهرة: ما من عمل يتذبذب بين أن يكون أقدس عملٍ على الإطلاق, وأن يكون أتفه عملٍ على الإطلاق كالدعوة إلى الله، تكون أقدس عملٍ إذا بذلت من أجلها الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، وتكون أتفه عملٍ إذا ارتزقت بها، لذلك حينما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: " والله لأن أرتزق بالرقص أهون من أن ارتزق بالدين "، تغدو أقدس عملٍ ترقى إلى صنعة الأنبياء، وتغدو أتفه عملٍ لا يستأثر إلا ابتسامة ساخرة .
 إذاً: أن السيرة النبوية هي فهم النبي العملي للقرآن الكريم، الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي صلى الله عليه وسلم قرآن يمشي، ونحن الآن في أمسّ الحاجة إلى مسلم يمشي، حديث شريف في البخاري في الأدب المفرد, يقول عليه الصلاة والسلام: " أول من يمسك بحلق الجنة أنا، فإذا امرأة تنازعني، تريد أن تدخل الجنة قبلي ـ معقول ـ قلت من هذه يا جبريل؟ قال: هي امرأة مات زوجها، وترك لها أولاد فأبت الزواج من أجلهم " .

( أخرجه البخاري في الصحيح)

 هذه المرأة التي تربي أولادها تنازع رسول الله دخول الجنة، إذاً: الإنسان يرتفع بعمله، يسمو باستقامته، يتألق بأعماله الصالحة، أما الكلام فلا يقدم ولا يؤخر، قال تعالى:

﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

( سورة فاطر الآية : 10 )

 الآية الكريمة, قال تعالى:

﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ﴾


( سورة البقرة الآية : 151)

 منكم، أي لولا أن النبي e بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر, قال تعالى:

﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة الآية : 151)

ما هي مهمة النبي

1- أن يتلو علينا آيات ربنا :

 فمهمة النبي صلى الله عليه وسلم هي:

﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءَايَاتِنَا ﴾

( سورة البقرة الآية : 151)

 قد تسألون: ما معنى آياتنا، أنا أجيب: آياتنا الكونية، لئلا يظن أحدكم أن الآيات هي القرآن، قال تعالى:

﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءَايَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ ﴾

( سورة البقرة الآية : 151)

 الكتاب غير الآيات، إن أردتَ أن تعرفَ الله فتفكر في خلق السموات والأرض، هذه واحدة، قال تعالى:

﴿ وَيُزَكِّيكُمْ ﴾

( سورة البقرة الآية : 151)

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

( سورة الشمس الآية : 9-10 )

 الفلاح كل الفلاح، والفوز كل الفوز، والنجاح كل النجاح، والتألق كل التألق، والعقل كل العقل ، والذكاء كل الذكاء، أن تزكي نفسك، لماذا؟ لأن الله جل جلاله يقول:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

( سورة الشعراء الآية : 88- 89)

 ما القلب السليم أيها الأخوة؟ أخطر آية بالقرآن الكريم:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴾

( سورة الشعراء الآية : 88)

 شخص معه 93 مليار دولار، قال تعالى:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴾

( سورة الشعراء الآية: 88)

 قالوا: القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، والقلب السليم هو القلب الذي لا يعبد غير الله، ولا يحتكم إلا إلى شرع الله، هناك نساء مسلمات كثيرات في العالم الغربي إذا اختلفن مع أزواجهن يحتكمن إلى محكمة غربية لتأخذ نصف أملاك زوجها، ولا ترضى بالحكم الشرعي الذي يعطيها مهرها، أبداً، القلب السليم هو القلب الذي لا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، لو قرأت في مجلة أن هناك دواء يطيل العمر، إن صدقت ذلك فقد اعتقدت شيئاً يتناقض مع وحي الله, قال تعالى:

﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾

( سورة الأعراف الآية : 34 )

2- فحوى دعوة النبي التفكر في خلق السموات والأرض :

 أيها الأخوة الكرام، فحوى دعوة النبي e التفكر في خلق السموات والأرض، المجموعة الشمسية أطول مسافة فيها، ثلاث عشرة ساعة، وأقصر مسافة القمر ثانية واحدة، والشمس ثماني دقائق، أريد أقرب نجم ملتهب إلى الأرض عدا المجموعة الشمسية، نجم يبعد عن الأرض أربع سنوات ضوئية فقط، والحساب يسير جداً، الضوء يقطع في الثانية الواحدة 300 ألف كم، بالدقيقة ضرب 60، بالساعة ضرب ,60 باليوم ضرب 24, في السنة ضرب 365، في أربع سنوات ضرب 4/ 37843200000000 /، هذا الرقم لو تخيلنا أن لهذا النجم طريقًا معبّدًا، وأنا معي مركبة سرعتها 100 بالساعة، لو قسمت هذا الرقم على 100، الناتج كم ساعة تستغرق رحلتي إلى هذا النجم, طيب على 24 كم يومًا، على 365 كم سنة، من أجل أن أصل إلى أقرب نجم ملتهب يعبد عنا أربع سنوات ضوئية أحتاج إلى /43200000/ عام؟ قلت: أربع سنوات ضوئية يعني الطريق يستغرق /43200000/ عام، سؤال الآن متى أصل إلى نجم القطب الذي يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية؟ ومتى أصل إلى مجرة المرأة المسلسلة التي تبعد عنا مليونين سنة ضوئية؟ ومتى أصل إلى إحدى المجرات التي تبعد عنا 20 مليار سنة ضوئية؟ قال تعالى:

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

( سورة الواقعة الآية : 75-76 )

 لذلك قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

( سورة فاطر الآية : 28 )

 العلماء وحدهم ولا أحد سواهم يخشى الله عز وجل، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك، لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، لذلك يعجبني في بعض الأخوة العلماء تواضعهم، لا يقول عن نفسه إلا طالب علم .
 أيها الأخوة الكرام، مهمة النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتلو علينا آيات ربنا, قال تعالى:

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾

( سورة الشمس الآية : 1-2)

﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفعِ وَالْوَتْرِ ﴾

( سورة الفجر الآية : 1-3 )

﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾

( سورة التكوير الآية : 1-2)

﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة النبأ الآية : 1-2 )

﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءَايَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾

( سورة البقرة الآية : 151)

 الكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة، فهناك تفكر، واتصال بالله، ومعرفة بمضمون القرآن، والسنة شرح القرآن, قال تعالى:

﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءَايَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾

( سورة البقرة الآية : 151)

 لكن آخر فقرة في الآية:

﴿ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة الآية : 151)

إليكم هذا المثل للتوضيح :

 أخواننا الكرام، اسمحوا لي بهذا المثل: لو أن طفلاً صغيراً زاره أحد أقربائه، فقال هذا الطفل لعمه: أنا معي مبلغ عظيم، أنت كعمّ لهذا الطفل الصغير كم تقدر هذا المبلغ؟ يأخذ في اليوم عشر ليرات، خمسًا وعشرين، قال: معي مبلغ عظيم، يعني مئة ليرة، إذا كان المسؤول كبير في البنتاغون, قال: أعددنا للعراق مبلغاً عظيماً، كم؟ 200 مليار دولار، طفل قال: عظيم ، فقدرنا كلامه بمئة ليرة، وموظف مسؤول كبير بدولة كبرى, قال: رصدنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً يقدر 200 مليار، الآن دققوا، واستعدوا للمفاجأة، فإذا قال الله عز وجل، وهو ملك الملوك، ومالك الملوك, قال:

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

( سورة النساء الآية : 113 )

 فأعظم عطاء على الإطلاق أن تعرف الله، قال تعالى:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾

( سورة النساء الآية : 113 )

 إذاً: فحوى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم تفكر في خلق السموات والأرض، واتصال بالله، وتزكية النفس .

إليكم هذه المعادلة الرياضية للمقارنة :

 بالمناسبة أيها الأخوة، هناك آية أنا أشبهها بالمعادلة الرياضية، معادلة رياضية بالتمام والكمال، قال تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾

( سورة آل عمران الآية : 159)

 أي بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، فلما كنت ليّنًا لهم التفوا حولك، وأقبلوا عليك، وأحبوك، وفدوك بأنفسهم وأرواحهم وأموالهم, قال تعالى:

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

( سورة آل عمران الآية : 159)

 فلو لم تكن متصل بهم لامتلأت قلوبهم قسوة، وإذا امتلأ القلب قسوة امتلأ غلظة، وإذا امتلأ غلظة انفض الناس من حولك, المعادلة هي: اتصال + رحمة + لين = التفاف .
 انقطاع + قسوة + غلظة = انفضاض .
 أتحب أن يلتف الناس حولك؟ أتحب إذا كنت أبًا، ودخلت البيت أن يكون دخولك إلى البيت عيداً؟ هناك آباء إذا دخلوا إلى البيت كان العيد، وهناك آباء إذا خرجوا من البيت كان العيد، من أي الأنواع أنت؟ إذا كنت رحيماً بأهلك لطيفاً يلتف أبناؤك حولك .
 مرة إنسان متقدم في السن أصابه مرض، فجاؤوا بالطبيب، فالطبيب طمأنهم، فلما طمأن أولاده انزعجوا أشد الانزعاج، قال لهم: عرضية، قالوا: كيف عرضية؟ نتمناها القاضية ، هذا مقياس دقيق، هل إذا دخلت البيت يلتف أولادك حولك، أم يتفرقون في غرفهم؟ إذاً: الاتصال بالله رحمة، لين، الانقطاع عن الله قسوة، غلظة، انفضاض، قال تعالى:

﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءَايَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة الآية : 151)

كيف تحب النبي عليه الصلاة والسلام؟

 أخواننا الكرام، هل تستطيع إذَا أمرتُك أن تحب زيداً أن تحبه؟ هل الحب عمل إرادي ؟ عمل لا إرادي، لماذا قال عليه الصلاة والسلام في حديث أَنَسٍ:

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ))

( أخرجهما البخاري ومسلم عن أنس في صحيحهما )

 هذا الحديث يؤكد أنه لا بد من أن تحب رسول الله ، ومن الثابت أن الحب ليس عملاً إرادياً، ماذا نفعل؟ قال بعض العلماء: أنت حينما تقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ترى تواضعه تحبه,

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, قَالَ: " كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ، كَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَكَانَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَقَالَا: نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ، فَقَالَ: مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي، وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا " .

( أخرجه أحمد عن عبد الله بن مسعود في مسنده)

 قائد الجيش، وسيد الأنبياء والمرسلين، وزعيم الأمة، سوّى نفسه مع أقل جندي، فركب الناقة، ولما جاء دوره بالمشي توسلا صاحباه أن يضل راكباً, فقال عليه الصلاة والسلام:

(( مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي ـ كان قوياً صلى الله عليه وسلم ـ، وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا ))

( أخرجه أحمد عن عبد الله بن مسعود في مسنده)

 أخواننا الكرام، يمكن أن يدخل أعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم, ويقول: أيكم محمد ؟ ليس هناك كرسي، ولا سرير خاص، أيكم محمد ؟ قال له: أنا، ألا تحب هذا التواضع؟

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ, قَالَ:" أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ "

( أخرجه ابن ماجه عن أبي مسعود في سننه)

 أعرابي في فظاظة, قال له: اعدل يا محمد ،

فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ، فَقَالَ: وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ "

( أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري في صحيحهما )

 الأقوياء يُنهون حياته بهذه الكلمة, قال تعالى:

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَحِيمٌ﴾

( سورة التوبة الآية : 128 )

 فكيف تحب النبي e؟ ينبغي أن تقرأ سيرته، لكن المشكلة الكبيرة أن قدوة الشباب لاعبو الكرة أحياناً، الفنانون والفنانات، أما المؤمن الصادق فيملأ قلبه محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذاً: إذا أُمرت أن تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا أُمرت أن يكون النبي أحب إليك من نفسك ومالك وولدك والناس أجمعين ينبغي أن تقرأ سيرته .
 قُبيل وفاته صعد e المنبر, وقال:

" من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري ، فليقتد مني ، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه, ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي ، ولا يخشى الشحناء ، فإنها ليست من شأني ولا من طبيعتي "

( ورد في الأثر)

 ألا تذوب محبة لهذا النبي الكريم؟ متى تحبه؟ إذا درست حياته, وتواضعه، وصدقه, وأمانته، هذه السيرة مفتاح محبته، محبته فرض عين على كل مسلم، ولا ننجو إلا إذا أحببنا النبي عليه الصلاة والسلام، ذلك لأن في حياة كل منا شخصية نتمنى أن نكونها، وشخصية نكره أن نكونها، وشخصية نكونها، التي تكونها هي أنت، والتي تحب أن تكونها تعبر عن اتجاهك، إن كنت من أهل الدنيا تحب أرباب الدنيا، إن كنت من أهل المال تحب الأغنياء جداً، إن كنت من أهل المتع تحب المتع الرخيصة، إن كنت من أهل السلطان تحب المناصب العليا، فإن كنت من أهل الإيمان تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتمنى أن تكون على أثره مقتديًا بسنته
 أنا أقول لك: قل لي من تحب؟ أقل لك من أنت، لذلك قالوا: هناك حب في الله، وهو عين التوحيد، وهناك حب مع الله، وهو عين الشرك، الحب في الله أصله أن تحب الله، فرعه الأول أن تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرعه الثاني أن تحب أصحاب النبي جميعاً من دون استثناء، فرعه الثالث أن تحب التابعين، وأن تحب المؤمنين، وأن تحب طاعة الله، وأن تحب بيوت الله، وأن تحب كتاب الله، وأن تحب كل عمل يصلك بالله عز وجل، هذا الحب في الله، أما الحب مع الله، أن تحب جهة لا ينفعك حبها، بل يبعدك حبها عن الله، الحب مع الله عين الشرك، فقل لي من تحب؟ أقل لك من أنت, وقل لي: هل حبك في الله أم حبك مع الله؟ .

بشرى لك أيها المسلم :

 أخواننا الكرام، هناك بشارتان، البشارة الأولى: أن الله سبحان الله يقول:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

( سورة الأنفال الآية : 33 )

 هذه الآية فيها مشكلة، يعني ما دام النبي بين ظهراني أصحابه المعنى واضح جداً، لكن إذا انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى, فما معنى الآية؟ قال علماء التفسير:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 33 )

 يعني ما دامت سنتك يا محمد مطبقة في حياتهم, في بيوتهم، في حجاب نسائهم، في كسب أموالهم، في إنفاق أموالهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في حلهم، في سفرهم، في سلمهم، في حربهم، في إقبال الدنيا عليهم، وفي إدبارها عنهم, قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 33 )

 أنت في بحبوحتين، بحبوحة أن تكون مطبق للسنة، وبحبوحة أن تستغفر، أما لم تطبق, ولم تستغفر فأنت في خطر .

2- يجد الدارس لسيرة النبي الحياة الفاضلة التي يرنو إليها :

 أيها الأخوة، لا زلنا في التمهيد، التمهيد للسيرة النبوية أو لفقه السيرة النبوية، المثالية الحالمة شيء لا يطبق، بعض فلاسفة الإغريق رسموا المدينة الفاضلة، شيء غير موجد أصلاً ، وعندنا الواقعية المقيتة، واقع لا يحتمل، قد تقرأ قصة لأديب معاصر تحس بانقباض، لماذا؟ لأنك ترى سقوط الإنسان، دناءة الإنسان، نفاق الإنسان، قسوة الإنسان، انحراف الإنسان .
 أيها الأخوة، بذكر الصالحين تتعطر المجالس، وبذكر اللؤماء تتعكر المجالس دون أن تشعر, اجلس في بيتك مع أصدقائك، لو أن الحديث دار حول أناس لؤماء منحرفين منافقين، يأخذون ما ليس لهم، تجد بعد ربع ساعة قد شعرت بضيق، أنك طالعت إنسانًا ساقطًا، هذا الإنسان الساقط أعطاك إحباطًا كبيراً، لكن لمجرد أن تستمع إلى قصة صحابي جليل، إلى قصة صحابية جليلة، إلى قصة تابعي، إلى قصة عالم متواضع، تحس بانتعاش، تحس كما يقولون بامتداد بنفسك، فلذلك عظمة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنها واقعية، لكن ليست واقعية فقط، بل واقعية مثالية، مثل أعلى مطبق، أو المطبق مثل أعلى، هذا ما يحتاجه الناس اليوم، الناس اليوم يرفضون المثالية الحالمة، ويرفضون الواقعية المقيتة, الواقعية المقيتة ينفرون منها، والمثالية الحالمة يستهزؤون منها، لماذا قال الله عز وجل:

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

( سورة يوسف الآية : 111 )

3- يجد الدارس للسيرة المنهاج الكامل لمبادئ الإسلام وتعاليمه :

 أخواننا الكرام، في الأدب فنون، عندنا الشعر، وعندنا القصة، والآن المسرحية، والمقالة، والسيرة الذاتية، وهناك أشياء كثيرة، يجمع الأدباء على أن أقرب فن أدبي إلى النفس القصة، بدليل لو كان ابنك معك في خطبة جمعة، والخطبة ساعة فرضاً، وفيها طرح دقيق، وتحليل، وأدلة، وآيات، وأحاديث، وفيها قصة في ثلاث دقائق، اسأل ابنك: ماذا بقي في ذهنك من هذه الخطبة؟ لا يذكر إلا القصة، لأنها أقرب شيء للنفس، القصة أبطالها بشر، وفيها حوادث، وفيها تسلسل، وفيها حبكة، وفيها بداية، وفيها عقدة، وفيها نهاية، لذلك أمتع فن أدبي للنفس هي القصة، لكن مع الأسف الشديد القصة المعاصرة حين تثير في الناس شهواتهم المنحطة, وغرائزهم تثير فيهم الجانب المادي، والجانب الغريزي، أن مجتمعًا بأكمله يسقط بهذه القصة، أما إذا قرأت قصة، وشعرت أنها حركت روحك، وتفكيرك المرتفع فأنت أمام فن عظيم، لذلك أن أنصح أخوتنا الكرام، أن يضعوا بين أيدي أولادهم قصص الصحابة الكرام، لكن ليست أية قصة، قصة أدبية بأسلوب واضح أدبي جميل، لأن الصياغة الأدبية صياغة فنية جميلة، تقريباً ككأس ماء كريستال مزخرف جميل، وإذا كان المضمون راقيًا جداً كماء الزلال، فأجمل شيء يؤثر في الإنسان المضمون، فالقصة أسهل طريق للدعوة إلى الله .
 بالمناسبة نحن في بلادنا نعلم اللغة، النحو، الصرف، الإملاء، البلاغة، العروض، كل هذه الدروس مملة، مملة جداً، هناك طرق في تعليم اللغة تقوم على القصة، نعلم الطالب مفردات هذه القصة، فغطينا جانب اللغة، نعلم الطالب حركات الكلمات، وموقع كل كلمة في الإعراب، علمناهم النحو، نعلم الطالب بنية الكلمات، هذا اسم فاعل واسم مفعول، صفة مشبهة باسم الفاعل، علمناهم الصرف، الآن نعلم الطالب بعض الصور البلاغية، علمناهم البلاغة، فلما يكون المحور قصة ممتعة يمكن أن نعلم كل شيء من هذه القصة، لذلك أسهل طريق، وأمتع طريق، وأقصر طريق، لنَقُلْ: هذا الدين أن تأتي بسيرة سيد المرسلين، نتعلم منها الأحكام الشرعية، نتعلم منها الآداب النبوية، نتعلم منها المواقف البطولية، نتعلم منها المواقف التي ينبغي أن نكونها، لذلك القصة تحتل المركز الأول، وأنا والله أقترح أن تكون كما في بعض البلاد السيرة النبوية، أو سيرة أصحاب رسول الله في المناهج الدراسية مادة بأكملها ، يمكن أن تتعلم الإسلام كله من السيرة النبوية، إذاً: فضلاً عن أن السيرة النبوية يمكن أن تكون مفتاح محبة رسول الله ، القصة أو السيرة النبوية يمكن أن تكون القدوة العملية لكل مؤمن يبحث عن الحقيقة، قلت لكم في درس سابق: إن الله سبحان الله حينما قال:

﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَُ﴾

( سورة هود الآية : 120 )

 إذاً: قصص الأنبياء تُليت في القرآن لتثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فما قولكم في قصة سيد الأنبياء والمرسلين؟ من باب أولى أن نستفيد منها .

النبي مشرع :

 أيها الأخوة, كلكم يعلم أن الله سبحان الله وتعالى أمرنا أن نطيعه، وأن نطيع رسوله استقلالاً، ما معنى نطيعه استقلالاً؟ قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

( سورة النساء الآية : 59 )

 يعني لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، طاعة أولي الأمر متعلقة بتوافقها مع طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يقل: أطيعوا الله ورسوله ، قال:

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾

( سورة النساء الآية : 59 )

 معنى ذلك أن النبي e وحده مشرع، وأن التشريع له مصدران، كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالنبي كلامه تشريع، لذلك قال تعالى:

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

( سورة النجم الآية : 3-4 )

 أنت حينما تقرأ حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن تعلم أنه حق من الله تعالى، إليكم الدليل، يقول أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة أنا فيهن رجل"، ما معنى رجل؟ في القرآن والسنة والحديث؟

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾

( سورة النور الآية : 37 )

 يعني أبطالا, قال تعالى:

﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 23 )

 " ثلاثة أنا فيهن رجل, وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس "، ما علامة بطولة سيدنا سعد؟ من هذه الثلاثة، " أنني ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى، ولا صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها " .
 إذاً: أنت حينما يصلك حديث رسول الله الصحيح يجب أن تؤمن أنه حق من الله تعالى، وأن النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إن هو ألا وحي يوحى، إذاً: لا بد في كل بيت من شريط يتحدث عن السيرة، أو من كتاب يتحدث عن السيرة، ومن كتاب فيه حديث رسول الله ، لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، لا بد في كل بيت مسلم من مكتبة صغيرة، تفسير، قرآن، كتاب حديث، شرح أحاديث، كتاب سيرة .

أهمية السيرة النبوية من حيث التاريخ :

 أيها الأخوة، بقي شيء واحد، أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم جزء من التاريخ الإسلامي، فأنت حينما تقرأ السيرة تقرأ التاريخ، وسوف أضع بين أيديكم فقرة من سيرة رسول الله تبين أن الذي كان يعانيه أصحاب رسول الله من مشكلات معظم هذه المشكلات نعاني منها الآن .
 لما جاء عدي بن حاتم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: من الرجل؟ قال: عدي بن حاتم, قال: كنت أظن أنني سألقى ملكاً، فلما التقيت رسول الله أخذني إلى بيته، في الطريق استوقفته امرأة فوقف طويلاً تكلمه في حاجتها، فقال عدي في نفسه: والله ما هذا بأمر ملك؟ ودفع إلي وسادة من أدم محشوة ليفاً، فقال: اجلس عليها، فلما دخل البيت, قال: علمت أنه نبي مرسل، قال: إيه يا عدي بن حاتم، ألم تكن ركوسياً؟ ", وهو دين بين النصرانية واليهودية, " قال: بلى، قال: أولم تسِر في قومك بالمرباع؟ قال: بلى، قال: فإن ذلك لم يكن يحل في دينك، قال: فعلمت أنه نبي مرسل، فقال عليه الصلاة والسلام: يا عدي بن حاتم لعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم", يعني ما ترى من فقرهم، والعالم الإسلامي عالم فقير الآن، والعالم الغربي يكاد ينفجر بالمال، معقول لوحة صغيرة تباع بـ 50 مليون دولار، المليون دولار كالمئة ليرة عندنا، أموال لا تأكلها النيران، كلها ثروات والعالم الغربي يأخذ كل المواد الأولية بورق أخضر، يطبع ورق ويعطيك، لذلك أكبر دولة في العالم مديونة هي القطب الواحد الذي نزهو بعملته الخضراء, " وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعله يا عدي بن حاتم إنما يمنعك في دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم" , لله عز وجل في خلقه شؤون، أحياناً يكون الكافر قوي جداً، يفعل ما يريد، ويقتل، ويقصف، ويهدم البيوت، والإعلام معه، والمال معه، والدول كلها معه، والمسلمون ضعاف, " لعله إنما يمنعك دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشك أن تسمع بالقصور البابلية مفتحة للمسلمين، ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم", العالم كله الآن يحارب الإسلام " وايم الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة البابلية تحج هذا البيت على بعيرها لا تخاف، وعاش عدي بن حاتم حتى رأى كل هذه البشارات .

المسلم في هذا العصر لا يزال بخير :

 أخواننا الكرام، أخشى ما أخشى أن ننهزم من الداخل، أخشى ما أخشى أن نصاب بالإحباط, قال تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

( سورة آل عمران الآية : 139 )

 وهذه الشدة التي نحن فيها أنا أسميها نحن في العناية المشددة، لأن فينا بقية خير فقط، بقية الخير جعلتنا في العناية المشددة، بشكل أو بآخر المريض المصاب بورم خبيث انتشر المرض في كل جسمه، سأل الطبيب: ماذا آكل؟ يقول له: كل ما تشاء، لو أن إنسانًا معه التهاب معدة، وشفاؤه مضمون، لكن بحاجة ماسة إلى حمية قاسية جداً، يعطيه الطبيب ألف توجيه، إياك أن تأكل كذا، وإياك أن تأكل كذا، مادام هناك أمل في الشفاء فهناك تشديد، لذلك:

" أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي، وتضيقي، وتكدري على أوليائي حتى يحبوا لقائي، وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن، وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه "

(ورد في الأثر)

متابعة هذه الدروس في أيام مقبلة إن شاء الله :

 أيها الأخوة الكرام، أتابع هذه الدروس إن شاء الله، وسوف نستنبط إن شاء الله تعالى من كل موقف من مواقف النبي حكمة، وقاعدة، ورؤية تعيننا على حل مشكلاتنا .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS