2380
ندوات إذاعية - إذاعة حياة الأردنية - حياة المسلم – خواطر وأحاسيس .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2015-12-01
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

المذيع:
  بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، وأتمّ الصلاة وخير التسليم على حبيب قلوبنا ، على نبينا وقدوتنا وقرة عيوننا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، و أهلاً ومرحباً بكم معنا على الهواء عبر أثير إذاعتكم حياة FM، ولقاء إيماني جديد مع فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أهلاً ومرحباً بكم شيخنا و أستاذنا .
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ونفع بكم .
المذيع:
 اليوم شيخنا الحبيب سيكون حديثنا عن الخواطر ، وتلك العلامات التي يشعر بها الإنسان ، في لحظة من اللحظات نشعر أن شيئاً يخاطبنا من الداخل ، وكأنه خاطر من الله عز وجل يقذف في قلوبنا ، في لحظة يكون أمراً ما نتمناه ، نخشى أن يكون ذلك وسوسة داخلية من أنفسنا ، وفي لحظة قد يكون وسوسة من الشيطان ، لعلنا نبدأ حديثنا معكم عن الخواطر التي يشعر بها الإنسان هل هي موجودة أم خرافة ؟

تعريف بالخواطر :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم ، إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات .

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية : 6]

 وكأن الله جلّ جلاله في هذه الآية رسم القناة النظيفة الموصلة إلى الله ، هذه القناة تجمعها كلمة آيات ، أولاً : الكون هو الثابت الأول ، إذا تفكرت في خلق السموات والأرض ينقلك هذا التفكر إلى الإيمان بوجود الله ووحدانيته وكماله ، وتأتي السنة المطهرة ويأتي القرآن وتأتي الخواطر ، فهناك كتاب ، وهناك سنة تشرح الكتاب ، وهناك آيات كونية الشمس والقمر و النجوم ، و آيات تكوينية أفعال الله عز وجل ، وآيات إقرارية ، و خواطر إيمانية ، فهذا الخاطر الإيماني منحة من الله عز وجل ، فقد يلقي في نفس المؤمن أن عمله لا يرقى إلى المستوى المطلوب خاطر ، هناك مشكلة كبيرة في تفسير هذه الخواطر ، هناك خواطر شيطانية وهناك خواطر رحمانية ، والإنسان جعل الله له قريناً من الجن وله قرين من الملائكة ، فالملك يلقي في روع الإنسان الخواطر الطيبة والشيطان يلقي في روعه الخواطر السيئة .
المذيع:
 دكتور هذا لكل إنسان ؟
الدكتور راتب :
 أبداً هناك قرين من الجن وقرين من الملائكة .
المذيع:
 دكتور القرين بمعنى المرافق ؟
الدكتور راتب :
 المرافق ، الملك يلقي في نفسك الأعمال الطيبة .
المذيع:
 الإحساس الداخلي لكل منا بأعمال الخير هو نتيجة هذه الدعوة من الملك ؟

التفكر في خلق السموات والأرض يضعنا أمام عظمة الله :

الدكتور راتب :
 الإنسان خلق لجنة عرضها السموات والأرض ، هذه الجنة لها ثمن جيء به إلى الدنيا ليدفع هذا الثمن ، هذا الثمن يبدأ بمعرفة الله ، أصل الدين معرفته ، أنت حينما تعرف من هو الآمر تتفانى في طاعة الآمر ، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر وهذا شأن العالم الإسلامي اليوم يتفنن هذا الإنسان بالتفلت من الأمر ، نحن نبدأ بأن هذا الكون الثابت الأول ، فيه شمس و قمر و نجوم و مجرات ، فيه حيوان و جماد و إنسان و نبات ، مليار آية تدل على وجود الله ، وعلى وحدانيته ، وعلى كماله ، الآن مصادر الإيمان كثيرة يقع على رأسها الكون ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190-191 ]

 جاء فعل يتفكرون مضارعاً ، والمضارع يدل على الاستمرار ، و تفكر ساعة خير من عبادة ستين عاماً بلا تفكر .
المذيع:
 هذا أثر أم حديث دكتور ؟
الدكتور راتب :
 هذا أثر ، لأن التفكر في خلق السموات والأرض هو أمر إلهي ،

﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 و الخبر يكون أبلغ من الإنشاء أحياناً ، شأنه يتفكر ، تفكر كأمر هذا إنشاء .
المذيع:
 دكتور حتى لا تفهم خطأ ، نقول : خير من عبادة ستين عاماً لا يعني أن تزدري الفرائض ، خير من عبادة بلا تفكر .
الدكتور راتب :
 بلا تفكر ، لأن التفكر في خلق السموات والأرض يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله ، أي أنت حينما تعلم من هو الآمر تتفانى في طاعته ، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في معصية الله .
المذيع:
 دكتور لكل إنسان قرينان من الجن وقرين من الملائكة .

كل إنسان أمام مؤثر إيجابي ومؤثر سلبي وهو مخير :

الدكتور راتب :
 الملك يلهم الخير والشيطان يوسوس بالشر ، أنا أمام مؤثر إيجابي ومؤثر سلبي وأنت مخير .
المذيع:
 دكتور هناك إنسان أغضبني بالشارع ، أشعر يجب أن أكون متسامحاً وكاظماً للغيظ ، وأشعر أني أريد أن أكون عنيفاً ، هذا دعوة خير من ملك ووسوسة من شيطان .
الدكتور راتب :
 يجب أن نؤمن يقيناً وقطعاً بشيء حتمي أن الشيطان حينما قال الله عنه :

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 22 ]

 حينما يتوهم الإنسان لثانية واحدة أن الله أجبره على المعصية من خلال هذا الشيطان وقعنا في مخالفة كبيرة ، الدليل : جيء لسيدنا عمر بشارب خمر فقال : أقيموا عليه الحد ، فقال هذا العاصي : والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليَّ ذلك ، فقال عمر عملاق الإسلام : أقيموا عليه الحد مرتين ، مرة لأنه شرب الخمر ، ومرة لأنه افترى على الله ، قال له : ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار .
 أنا أتمنى من الأخوة المستمعين ألا يقول الإنسان : الله أراد لي ألا أكون مهتدياً ، حتى الله يأذن لي أن أكون مهتدياً ، هذا كله كلام مرفوض .
المذيع:
 دكتور أنت قلت : عندنا مصادر كثيرة في استقامتنا في حياتنا ، كتاب الله عز وجل و سنة النبي ؟

بطولة المسلم أن يقنع الناس بإسلامه :

الدكتور راتب :
 أول شيء الكون ، الكون يشف عن وجود الله ، طبعاً كما قيل : الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي .
المذيع:
 والبطولة أن يكون المسلم مسلماً يمشي .
الدكتور راتب :
 ولا يقتنع الناس بالإسلام إلا إذا رأوا إسلاماً يمشي .

محاسبة الإنسان على عمله فقط لا على خواطره :

المذيع:
 ما يأتينا من مشاعر وخواطر هذا له أصل في ديننا وليس ضرباً من الخيال ؟
الدكتور راتب :
 أبداً أولاً كطمأنينة لا تحاسب على خواطرك ، لا تحاسب إلا على العمل رحمة بنا.
المذيع:
 الخواطر أياً كانت ؟
الدكتور راتب :
 أبداً إلا إذا استمرأتها وارتحت لها قد تنقلب إلى عمل .
المذيع:
 لكن ما دامت خواطر في القلب .
الدكتور راتب :
 لا تحاسب عليها حتى لو رأى مناماً أنه يزني في المنام لا يحاسب على ذلك ، شيء يشتهيه لكن لا يفعله في الوعي .
المذيع:
 دكتور أنواع الخواطر التي تأتينا كما تفضلت رؤيا في المنام ، أو قد يرتاح في قلبه هل لك أن تعطينا ما أنواع الخواطر ؟

أنواع الخواطر :

الدكتور راتب :
 الله عز وجل يلقي في روع الإنسان ، أي يأتيه خاطر إيماني ، وقد يأتيه خاطر شيطاني ، الخاطر الإيماني يعني الهدف منه أن ترقى إلى مستوى الإيمان ، والخاطر الشيطاني هدفه أن تزل القدم مع الشيطان .
المذيع:
 ماذا نعرّف الخاطر هل هو رسالة إيمانية من الله عز وجل ؟
الدكتور راتب :
 الحقيقة تقول : خطر في بالي ، الله عز وجل يلقي في بال هذا الإنسان ، الملك يلقي الخاطر الإيجابي الطيب ، يلهم بالخير ، والشيطان يغري بالشر ، أنت أمام خاطرين متكافئين ، وأنت مخير ، وأنت بطل بقرارك ، فالذي يأخذ قراراً بعدم الاستجابة للشيطان هذا بطل .
المذيع:
 لكن بالنهاية سنحاسب على خاطر الخير والشر إذا تحول إلى فعل ؟
الدكتور راتب :
 لكن إن استمرأنا هذا الخاطر وارتحنا إليه ربما انقلب إلى فعل .
المذيع:
 الآن الخاطر هذا شيء داخلي تستشعر به في قلبك وكأنه صوت ينادي على الخير ، والوسوسة تنادي على الشر ، كيف أميز إذا كان هذا اجتهاداً شخصياً مني أم كان من الله ؟

ضرورة طلب العلم للتمييز بين الخاطر الرحماني و الخاطر الشيطاني :

الدكتور راتب :
 الإنسان يقول دائماً : خطر في بالي ، خطر ، حضر ، الخاطر شيء ، كيان أودع فيك ، رسالة ألقيت إليك ، فأنت معك منهج ، الحقيقة الدقيقة الدقيقة أن الإنسان لما يطلب العلم حينئذ يميز بين خواطره ، أما إذا ما طلب العلم قد يتوهم أن الخاطر الشيطاني خاطر رحماني ، فهناك أوهام كثيرة عند الناس ، خطر في باله أن يضاعف السعر ليربح أكثر ، فلما رفع السعر حرم الفقراء من هذه السلعة ، فلم لا يعرض خواطره على الدين ؟ الدين مقياس ، أنت متى تعالج لا سمح الله نفسك من الضغط العالي ؟ إذا عندك مقياس ضغط ، حينما تعلم أن الضغط مرتفع تعالج نفسك ، فطلب العلم أصل ، أنت إذا طلبت العلم تميز بين الخاطر الرحماني والخاطر الشيطاني .
المذيع:
 دكتور هناك قضايا ليست مرتبطة بجوانب دينية أي مثلاً أنا على وشك السفر فأشعر بلحظة من اللحظات بنوع من أنواع الانقباض ، أنا لست مرتاحاً لهذا السفر ، كيف أعرف أن هذه رسالة من الله أم هو شر سيقع بي ؟

الفرق بين الخواطر و بين أضغاث الأحلام :

الدكتور راتب :
 والله هناك فاصل بينهما ، أحياناً هناك وسوسة لكن واضحة جداً ، ما هو الحلم ؟

﴿ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ﴾

[ سورة يوسف: 44 ]

 أما الرؤيا فكما رأى سيدنا يوسف :

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾

[ سورة يوسف: 4 ]

 الرؤيا واضحة ، هناك خواطر ضبابية ، خواطر لا معنى لها ، خواطر صنفت أضغاث أحلام ، خواطر هي العقل الباطن ، هذه كلها خواطر ، أما الخاطر الذي أعبأ به فخاطر واضح ، أحياناً أرى في رؤيا معينة أن أمامي عقبة كبيرة ، والبطولة أن أتجاوزها ، هذا خاطر إيماني ، لذلك أحد كبار المفسرين سمى تفسيره خواطر إيمانية ، هذا أدب مع الله عز وجل ، الخاطر شيء خطر إليك .
المذيع:
 دكتور أنت تتحدث عن الشيخ الشعراوي .
الدكتور راتب :
 نعم ، ألقي في روعك ، كأنك تحدثت به ، لكن بالأساس لو كان هناك طلب علم تميزه بحسب الشرع .
المذيع:
 دكتور عندما نفتح هذا الملف ، نصبح كما كانوا يتطيرون ، كان إذا أراد أن يسافر فيأتي بطير ، إذا ذهب إلى اليمين استبشر فسافر ، وإن ذهب إلى اليسار قبض قلبه . بعض الناس بالعامية موسوسون ، إذا جاءه أي خاطر يأخذ قراراً فورياً ، ألا نخشى في مثل هذه اللحظات أن نخرج عن التوكل على الله ؟

مشكلة الإنسان مع الشبهات لا مع الحلال و الحرام :

الدكتور راتب :
 نحن عندنا قاعدة :

(( الحلال بيِّن والحرام بيِّن ، وبينهما أمور مشتبهات لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام ، فمن تركها استبراءً لدينه وعرضه ... ))

[البخاري عن النعمان بن بشير]

 طبعاً كسب المال الحلال واضح ، اللقاءات الإيمانية واضحة ، أن تزور جارك الفقير مواسياً له واضحة ، أن تطعم المسكين ، أن ترعى الأيتام ، أن تحضر مجلس علم ، أن تقرأ القرآن ، أن تدعو إلى الله ، أن تصل قرابتك ، مليون عمل لا يوجد عليه خلاف أبداً وفق منهج الله ، مليون عمل آخر لا يوجد عليه خلاف ؛ القتل ، السرقة ، شرب الخمر ، مشكلتنا ليست في هذه وتلك ، مشكلتنا في الشبهات والشهوات ، الشبهات شيء من جانب مقبول ومن جانب غير مقبول - مرفوض - هذه شبه ، هذه شبهة إيديولوجية أي فكرية ، وهناك شهوة ، شهوة لا ترضي الله عز وجل ، فالإنسان إذا متع بصره بمن لا تحل له هذه شهوة ، وحينما أراد أن يلتقي مع الجنس الآخر بلا سبب ، بلا مبرر ، بلا حاجة أساسية ، بلا رسالة يحملها ، بلا بلا هذا خاطر آخر .
المذيع:
 دكتور في بعض القضايا الدينية كما تفضلتم قد يكون الحكم سهلاً ، والإنسان يبحث عن الشبهات ، لكن هناك قضايا دنيوية مفتوحة لا يعرف الإنسان كيف يتخذ القرار فيها ، إلى أي حدّ تكون هذه الإشارات والخواطر جزءاً من قراري ؟

عدم السؤال عن أشياء سكت الشرع عنها :

الدكتور راتب :
 نحن عندنا أشياء أحلها الله عز وجل بنصوص الكتاب والسنة ، وعندنا أشياء حرمها الله عز وجل في الكتاب والسنة ، عندنا أشياء سكت عنها رحمة بخلقه ، فالذي يسأل عن أشياء سكت الشرع عنها أوقع نفسه بمشكلة كبيرة ، كيف أن بني إسرائيل سألوا ما لونها ؟ هذه بقرة كان يمكن أن تؤدي الغرض ، ثم عقّدوا الأمر ، عقّد الله عليهم الأمر ، أنا أتمنى أن يكون الدين بسيطاً ، أنا أراه كالهواء ، كاستنشاق الهواء يحتاجه جميع الناس ، وليس شيئاً مستحيلاً أو صعباً ، ليس وردة تضعها من حين لآخر ، وليس طعاماً نادراً لا ترى مثله ، ولا يجوز لفئة ولا لقطر ولا لمصر ولا لجماعة ولا لإقليم أن يحتكر الدين ، هو هواء لجميع الناس .
المذيع:
 دكتور في بعض القضايا الدنيوية الإنسان لا يريد أن يعقدها كثيراً ، يتخذ قراراً بعد دراسة وبعد استشارة واستخارة ، الآن نفتح ملف الاستخارة مع الله عز وجل ، الاستخارة قريبة من العلامات والخواطر ، هو يعلم إذا صلى الاستخارة تأتيه علامة أو جواب في المنام ، قد يبقى طويلاً وقد لا يأتي ، شرعاً ما هو جواب الاستخارة ؟

جواب الاستخارة التيسير أو التعسير :

الدكتور راتب :
 جواب الاستخارة التيسير أو التعسير ، إن كان هذا الأمر صلاحاً لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فيسره لي ، وإن كان في هذا الأمر فساد لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه ، الجواب هو التيسير أو التعسير ، أما هناك أناس يفتح القرآن لا على التعيين ، إنسان أراد أن يشتري حماراً فتح المصحف فقرأ سنشد عضدك بأخيك ، أحياناً أشياء غير مشروعة ، أو استخر لي أنت ، لا يوجد جهة بينك وبين الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾

[ سورة البقرة : 219 ]

 يوجد اثنتا عشرة آية بين السؤال والجواب قل إلا آية واحدة :

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 186]

 لا يوجد بينك وبين الله حجاب ، اسأله أنت ، توسل إليه أنت ، وارجه أنت ، وتقرب إليه أنت ، لا تقبل أن يكون هناك وسيط بينك وبين الله :

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

[ سورة البقرة : 186]

 والله مرة كنت في الساحل السوري بين مدينتين في الريف جامع رائع جداً ، صليت فيه أذكر الظهر ، فدعاني أخ كريم لزيارته في مكتبه في المسجد ، هذا الأخ هو الذي أنشأ هذا المسجد ، يذكر لي - وقد بكى - أنه حينما سافر إلى الخليج ليبحث عن عمل يكسبه مالاً ، باع أساور أخته واشترى بطاقة طائرة ، ولم ينبس ببنت شفة لكن خطر في باله وهو في الطائرة أن الله إذا أكرمه في هذا السفر أن ينشئ لله مسجداً ، أقسم لله ولم يحرك شفتيه ، الله أكرمه ، وأنشأه في مكان لا يمكن أن يأخذ رخصة في هذا المكان ، لا يوجد أحد في طريق السياح والمسافرين باللاذقية ، فأنا تعلمت من هذه القصة أن الخاطر قد لا تحتاج إلى أن تنبس ببنت شفة ، خطر في بالك عمل صالح الله علمه ومكنك من تطبيق هذا الخاطر .
المذيع:
 دكتور أنا لي سؤال حول هذه القصة ولكن لأتمّ الاستخارة ، الآن الأصل في الاستخارة كما قلت التيسير أو التعسير ، أنا آخذ بالأسباب ، أحسب الأمر من كل زواياه ، ما اعتقد أنه صواب أسير به ، إذا يسره الله جواب الاستخارة نعم ، وإذا عسره الله أو جعل فيه عسرة جواب الاستخارة لا .

الاستخارة في المباحات فقط :

الدكتور راتب :
 إلا مع شيء مهم جداً ، الاستخارة في المباحات ، لا يوجد استخارة في الفرائض ولا في الحرمات أبداً ، المباحات ، سفر أو عدم سفر ، الزواج من فلانة أو فلانة .
المذيع:
 دكتور الشخص الذي خطر في باله ذلك الخاطر والله أعطاه إياه ، هل خواطر الخير التي تصل إلى نيات يؤجر عليها ، أي لو لم يمكن في الخليج لن يبني مسجداً ؟

نية المؤمن خيرٌ من عمله :

الدكتور راتب :
 نية المؤمن خيرٌ من عمله ، لو لم يتح له أن ينفذ هذا الخاطر ، يؤجر عليه ما دام نوى .
المذيع:
 دكتور هل نوايا وخواطر الخير يكرمنا الله بتحقيقها لأن فيها خيراً ؟ هل يعيننا عليها ؟
الدكتور راتب :
بحسب الحكمة .

((إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالغنى ، ولو أفقرتُه لكفر ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالفقر ، ولو أغنيته لكفر))

[الجامع الصغير للسيوطي عن عمر، والفردوس بمأثور الخطاب عن أنس]

 ويوم يكشف سرّ القضاء والقدر يوم القيامة أنا أقول باجتهاد مني ستذوب كالشمعة محبة لله عز وجل فيما ساقه لك ، ولو من أشياء سلبية حينما يكشف الغطاء ، يقول أحد الصحابة : والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي .
المذيع:
 دكتور نتواصل معكم مع الخواطر والإشارات التي تدخل في قلب الإنسان ، وسنتحدث عن الرؤيا والمنام بعد أن تحدثنا عن صلاة الاستخارة ، ماذا الآن عن المنام ؟ كيف يميز ما يأتيه في المنام هل هي رسالة من الله لها معنى أن نفسره أم أضغاث أحلام ؟

تعبير العقل الباطن عن إيجابيات الحياة مرتبة عالية في الإنسان :

الدكتور راتب :
 ممكن قبل أن أجيب عن هذا السؤال هناك تعليق دقيق جداً ، الإنسان له عقل باطن ، وله عقل واع ، أحياناً عقله الباطن يتمنى أن يعصي الله ، المعصية محببة للناس جميعاً، فحينما يأتيه خاطر من عقله الباطن ينبغي ألا يقلق ، لكن البطولة أن تأتيه الخواطر الإيجابية من عقله الباطن ، إنسان ينام يرى رسول الله ، أو يرى أنه في الحج ، ويرى أنه يطوف حول الكعبة ، ويرى أنه أسس جمعية خيرية ، هذه علامات خير جداً ، حينما يعبر العقل الباطن عن إيجابيات الحياة هذه مرتبة عالية في الإنسان .
المذيع:
 دكتور هذا التعبير لأنه يطمح ويتمنى هذه الأشياء أم أنه مكافأة من الله للاستبشار بالمستقبل ؟

الفطرة و الصبغة :

الدكتور راتب :
 حينما يستقيم ، المعصية محببة قولاً واحداً لكن حينما يرتقي من مستوى الفطرة إلى مستوى الصبغة ، هناك فرق ، الصبغة كمال الفطرة ، محبة الكمال ، أن تحب الصدق شيء وأن تكون صادقاً شيء آخر ، أن تحب الكرم شيء وأن تكون كريماً شيء آخر ، فالفطرة أساسها صفحة بيضاء تحب الخير فقط ، فالفطرة :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾

[ سورة الروم: 30]

 أي أمر أمرت به جبلت على محبته ، وأي أمر نهاك الله عنه جبلت على كراهيته:

﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾

[ سورة الحجرات: 7]

 فالفطرة أن تحب الخير ، أن تحب الصدق ، أن تحب الأمانة ، أما الصبغة فأن تتحلى بالأخلاق الطيبة ، أن تكون صادقاً ، أن تكون أميناً ، فهنا الخواطر حينما تأتي إلى العقل الباطن إيجابية هذه بشارة طيبة للإنسان ، صار عقله الباطن إيجابياً ، وحينما تأتي خواطر سلبية ومؤلمة جداً واشتهى معصية كبيرة لا يحاسبه عليه ، لكن أنا أهمس في أذنه ما دمت لا تهتم بهذا الخاطر قد ينقلب إلى حقيقة ، فإذا رأى الله منك ورعاً وقلقاً فما الذي يحصل؟ يحفظك الله عز وجل من الوقوف فيها .
المذيع:
 دكتور ماذا عن المنام ؟

أحوال المنام :

الدكتور راتب :
 المنام أربعة أحوال إذا كنت مستقيماً وفق منهج الله ورأيت مناماً مخيفاً هو من الشيطان قولاً واحداً ، لا تعبأ به ، ولا تذكره لأحد ، أما إذا رأيت مناماً مخيفاً وأنت في طريق لا يرضي الله ، فهذا منام من الله تحذيري ، الأصل إما مستقيم وفق المنهج ، تطلب الله ورسوله ، أو غير مستقيم ، فالمنام المريح لإنسان مستقيم بشارة من الله ، والمنام المخيف لإنسان مستقيم من الشيطان لا تعبأ به ، والإنسان المنحرف المنام المريح ضلالة من الشيطان ، والإنسان المنحرف المنام المخيف إنذار من الله ، فالإنسان بين أن يكون مطبقاً لمنهج الله أو غير مطبق، المطبق المخيف شيطان لا يعبأ به ، والمريح من الرحمن ليكون بشارة له .
المذيع:
 لو كان الإنسان يخلط عملاً صالحاً بآخر سيئ ماذا يفعل ؟ يأخذ الحذر من أي منام ؟

من لم يستقم على أمر الله لن يقطف من ثمار الدين شيئاً :

الدكتور راتب :

(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))

[ الجامع الصغير عن أنس ]

((من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بسائر عمله شيئاً))

[الشهاب عن أنس]

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

 هذه الصلاة .

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

 هذا الصيام ، الزكاة :

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 53 ]

 الحج:

(( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك ، قال الله له : لا لبيك ولا سعديك حجك مردود عليك ))

[الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ]

 التوحيد :

((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة ، قيل : وما حقها ؟ قال : أن تحجبه عن محارم الله))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]

المذيع:
 دكتور في المنامات كنت أسأل : إذا كان هناك شيء تحذيري إذا كان الإنسان على حال غير طيب مع الله فليحذر، ليستقم أكثر ، إذا كان فيه شر من شرور الدنيا مثلاً إنسان ظن أن حيواناً مفترساً يطارده ، أو أنه يتعرض لحادث هل شرعاً لا يحدث به أحداً وإذا حدث ووقع؟

الولي هو الذي يستحي بكرامته :

الدكتور راتب :
 الأولى ألا يحدث بها ، وقد تكون رسالة خاصة من الله ، أنت لست مكلفاً أن تفضح نفسك ، رسالة خاصة ، وقد يكون شيكاً مسطراً لا يصرف إلا لصاحبه ، وكلمة ثانية حتى الكرامة تقابل الأشياء ، الولي كل الولي هو الذي يستحي بكرامته ، لا يريد أن يقول بالدعوة إلى الله أشياء غير واقعية ، أنا لا أنكر الكرامة ولكن من عادتي ألا أرويها أبداً ، لا أرويها ولا أنكرها ، مثل بسيط ؛ طالب بالشهادة التوجيهية عندنا في الشام اسمها ثانوي بكالوريا ، طالب والده مرض مرضاً شديداً ترك الدراسة من أجل والده ، قبل الامتحان بشهر شفي والده من مرضه فعكف على الدراسة ، ليس من الصعب أن يلهمه الله أماكن الدراسة ، ولكن هذه قصة لا تروى ، لو رويت هناك مشكلة كبيرة ، الولي كل الولي هو الذي يستحي بكرامته ، لا يرويها إطلاقاً .
المذيع:
 لكن بعض الدعاة يبحثون عن هذه القصص يروونها للناس باعتقادهم أنها ستزيد من فكرة بر الوالدين وتشجع ...
الدكتور راتب :
 ممكن إذا اجتهد ، أنا أرى الابتعاد عن رواية هذه القصص .
المذيع:
 لأنها تتنافى مع المنطق .
الدكتور راتب :
 النبي الكريم عنده خرق لكل نواميس الكون ، الإسراء ، لكن هذه معجزات أمره الله أن يتحدى الناس بها ، لكن الأولياء عندهم كرامات ، والولي الصحيح يستحي بكرامته لأنه لا يريد أن يضع شيئاً أمام أعداء الدين يحملهم على إنكار الدين .
المذيع:
 الكرامة خاصة بينه وبين الله ، دكتور نعود إلى فكرة العلامات ، بعض الناس يفتح المصحف الشريف ، والآية التي تتحدث عنها يعتقد أنها رسالة من الله ، فمثلاً لو وجد آية تتحدث عن الأطفال بأنهم زينة الحياة الدنيا يستبشر بمولود قادم ، هل هذا الكلام صواب ؟

ديننا دين نصوص :

الدكتور راتب :
 ما ورد ، نحن ديننا دين نصوص ، ما ورد بالسنة المطهرة مثل هذه المعاني ، الرد الإله بالتيسير أو التعسير ، خطب فتاة وهو مقيم في بلد آخر والبنت مناسبة له ما حملوه شيئاً لا يتحمله ، فهذا الرد الإلهي يسره لي .
المذيع:
 في ختمة القرآن ما ورد عن الصحابة الكرام هل كانت ختمتهم يبدؤون من أول المصحف إلى آخره أم فتح عشوائي كل يوم آية ؟

قراءة ما تيسر من القرآن :

الدكتور راتب :
 كله مقبول لا يوجد تفاصيل ، فاقرؤوا ما تيسر منه ، نزولاً أقرب إلى المنطق لا صعوداً .
المذيع:
 دكتور فكرة الإشارات التي ينتظرها من الآخرين ، مثلاً إذا أردت الهجرة إلى دولة معينة ولي صديق منذ سنوات لم أره ورأيته في أحد الأسواق صدفة ، يقول : أنا جئت من هذه الدولة ، والأمور سيئة ليست كما كانت في الماضي هل هذه خاطرة من الله ؟ كيف أميز ؟

رسائل الله لعبده :

الدكتور راتب :
 تميز أحياناً يقول لك كلاماً منطقياً واقعياً ، وأنت عندك رؤية أخرى بفارق كبير جداً ، جاء هذا الإنسان أرسله الله إليك ، أكرمك به . أحياناً يرسل الله لك صديقاً يقدم لك تجربته في هذا البلد ، وهذه رسالة من الله ، وأحياناً تحس بانشراح غير معقول ، وأحياناً بانقباض ، وأحياناً يأتي إنسان يعطيك بديلاً آخر ما كان بالحسبان .
المذيع:
 دكتور أحياناً بلحظة وكأن الإنسان ليس له قرار فقط يبحث عن الإشارات ، هل هذا يدخل من باب الشرك ؟

ارتباط اتخاذ القرار بالأدلة و البراهين :

الدكتور راتب :
 الله أعطانا العقل ، هل تصدق أن آيات العقل ألف آية ، وأعطاك مبادئ وأسباب أنا أرى أن الإنسان يجب أن يتخذ قراراً مع الأدلة ، ثم اسألوا أهل الذكر ، عندك التباس اسأل .
المذيع:
 دكتور هناك جانب شرعي كالتوبة ، بعض الناس الذي يتوبون من المعاصي يستغفر ويتوب ويذهب إلى المسجد إذ بالإمام يقرأ آيات عن التوبة هل هذه إشارة من الله عز وجل ؟

إشارات الله عز وجل لعباده :

الدكتور راتب :
 ممكن أن تكون كذلك ، أذكر مرة موضوعاً في درس الفجر ، إنسان حضر الدرس - أنا بالعادة معي كتاب رياض الصالحين أدرس منه بالتسلسل ، في هذا اليوم لحكمة من الله لا أعلمها أمسكت بالكتاب وحركت الصفحات عشوائياً وقفت على صفحة قرأتها فيها حديث عن الزواج - ألقيت الدرس ، في العادة الدرس ربع ساعة ، استمر نصف ساعة وانتهى الأمر ، خرجت من المسجد ، إنسان خارج المسجد ضمني وبكى بكاء شديد جداً ، أنا استغربت ما القصة ، قال لي : أنا اليوم الساعة العاشرة أخذت قراراً بتطليق زوجتي وبناء على درسك ألغيت القرار ، أنا كل حياتي أفتح الكتاب و أمشي بالتسلسل ، لماذا اليوم فتحته لا على التعيين وتكلمت ، الدرس ربع ساعة استمر نصف ساعة شعرت بطلاقة عجيبة .
المذيع:
 دكتور بماذا تفسر ما حصل ؟
الدكتور راتب :
 رسالة من الله ، والله لما عانقني وصار يبكي بكاء شديداً ، قال لي : الموعد الساعة العاشرة لتطليق زوجتي وبناء على هذا الدرس ألغيت القرار .
المذيع:
 نأخذ مثل هذه الإشارات ؟
الدكتور راتب :
 ممكن .
المذيع:
 دكتور مرة يكون هناك سفر طويل للخارج ، هجر والدته ، تركها لوحدها ، فهو أمام المستقبل والهجرة وبر الوالدين يستمع إلى درس بالصدفة فيجد كله عن بر الوالدين ، إشارة من الله أن بر الوالدين مقدس .

العناية الإلهية :

الدكتور راتب :
 بأي بلد في الأرض ، في أي مكان تجمع مقولات لا أقول قواعد ، مقولات مستنبطة من حركة الحياة ، إذا بلد فيه فساد إداري يقول : إذا لم تدفع رشوة لا يمشي عملك . هذه مقولة يأتي المؤمن معه منهج و أمامه مقولات ، سميتها مقولة لحكمة بالغة ، المؤمن لا يوجد عنده فتوى أن يضحي بدينه من أجل هذا المشروع ، يركل هذا المشروع بقدمه ، ما الذي يحصل ؟ الله عز وجل عندما امتحنه وجد منه ورعاً ، وضحى بمصلحته من أجل طاعة الله عز وجل ، الآن يخضعه الله إلى قانون آخر اسمه العناية الإلهية ، ويوجد بهذه العناية نص والله أعتقد أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق هذا الوعد .

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

المذيع:
 الله يفتح عليك دكتور ، في الختام كلمة مختصرة توضح للناس الأخذ بالأسباب .

الأخذ بالأسباب :

الدكتور راتب :
 الغرب أخذ بالأسباب ، واعتمد عليها ، وألهها ، ووقع في وادي الشرك ، والشرق لم يأخذ بها أصلاً وقع في وادي المعصية ، أما الموقف الصحيح فأن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ، هذه ليست سهلة ، صعبة جداً .
المذيع:
 دكتور بالنسبة للخواطر .
الدكتور راتب :
 مراجعة تامة للسيارة ، الزيت ، العجلات ، مراجعة تامة ثم تقول : يارب أنت المسلم ، أنت الحافظ ، هذا موقف ليس سهلاً ، أخذت بالأسباب وتوكلت على الله ، الغرب أخذ بالأسباب ، واعتمد عليها ، وألهها ، ووقع في الشرك ، والشرق لم يأخذ بها أصلاً وقع في المعصية ، أما الموقف الصحيح فأن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
المذيع:
 إذاً نحن مأمورون أن نتوكل على الله ، وأن نبحث في هذه الإشارات ، ما وجدناه يدعو لخير مرحباً به ، ما وجدناه يحذرنا نبتعد عنه ، أما أن يتعلق الإنسان بهذه الإشارات فيتبارك بها ويظن أنها تضر وتنفع فلا .
الدكتور راتب :
 هذا هو التطير ، إذا طار عن اليمين تفاءل عن الشمال تشاءم ، إنا تطيرنا بكم .
المذيع:
 دكتور أنا أرتاح إذا لقيت فلاناً ، هذا الارتياح لا أسأل عنه ، أما أن يتحول هذا الارتياح إلى فعل ، هل لنا أن نختم هذا اللقاء بدعاء لعلها ساعة استجابة ؟

الدعاء :

الدكتور راتب :
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم احم دماء المسلمين في كل مكان ، واحقن دماءهم في بلاد الشام ، اللهم اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، والحمد لله رب العالمين .

خاتمة و توديع :

المذيع:
 الحمد لله رب العالمين ، دائماً وأبداً كل الشكر لكم فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي لهذا الكلام الطيب والجميل ، جزاكم الله عنا كل خير ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت ، نستغفرك ونتوب إليك ، والسلام عليكم .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS